مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

المقاصـد النورنيه للقرأن الكريم ( مقدمه )

شاطر
avatar
ويـ الأمل ـبقى

default المقاصـد النورنيه للقرأن الكريم ( مقدمه )

مُساهمة من طرف ويـ الأمل ـبقى في الأحد 29 نوفمبر 2009, 6:07 am






مقــدمــه


قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}




وقال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}




وقال تعالى {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (22) سورة الزمر




وقال عز من قائل عليما {لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} (53) سورة الحـج


إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين..



فإلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت، الذي جمع القرآن، واؤتمن على أعظم مهمة في التاريخ وهو في ريعان الشباب…



وإلى شباب الإسلام، أحفاد الصحابة الكرام، الذين كان ينادى بهم في المعارك عند اشتداد الأزمات: يا أهل القرآن، زينوا القرآن بالفعال



إلى أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته، نبدا معكم سلسله المقاصد النورانيه للقران الكريم ....



القران الكريم الذى فيه ,....نَبَاُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ اَضَلَّهُ اللَّهُ فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْاَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْاَلْسِنَةُ وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ اِذْ سَمِعَتْهُ اَنْ قَالُوا اِنَّا سَمِعْنَا قُرْانًا عَجَبًا هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ وَمَنْ عَمِلَ بِهِ اُجِرَ وَمَنْ دَعَا اِلَيْهِ هُدِيَ اِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو الذى لا يبلى من كثرة الرد



سلسله المقاصد النورانيه للقران الكريم

نذكر فيها بعض المقاصد الخاصه بكل سوره وكل جزء فى القران الكريم ( هدف السوره ومدى ترابطه مع السوره السابقه لها والسوره التاليه لها ومدى الترابط العميق بين السور وبعضها )

نذكر فيها الرد على بعض شبهات الحائرين

ونتبعها بالسبيل الى مدارج السالكين
ونختمها بالاعجاز العلمى فى السوره وما اكتشفه العلم الحديث ويؤكد عليه
القران والسنه الصحيحه وسبق العلم بذكرهم فى كتابه الكريم





يتبع باذن الله تعالى...

__________________
أرجـو الدعاء بالرحمه لـ( أحمد) و لشهداء وأموات المسلمين أجمعين





avatar
ويـ الأمل ـبقى

default رد: المقاصـد النورنيه للقرأن الكريم ( مقدمه )

مُساهمة من طرف ويـ الأمل ـبقى في الأحد 29 نوفمبر 2009, 6:08 am

تابع
[center]المقاصد النورانية للقرءان الكريم



مقدمة
تعددت مقاصد القرءان الكريم لكن كما علمنا مسبقاً أن لكل سورة أو مجموعة من السور مقصد أساسي ترتكز عليه السورة وتدور آياتها حوله ونجد هناك مقاصد أخرى في السورة متسلسله من تلك المقاصد بحيث تخدمها وتوضحها في كل آية من آياتها .


[size=25]ومن أنواع المقاصد في القرآن الكريم

1 . مقاصد خلق الإنسان (وردت في 61 موضعاً في القرآن الكريم)

أ ـ خلق الإنسان لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض

ب ـ ابتلاء للإنسان لكشف المحسن من المسيئ
ج ـ تطوير الإنسان وتفعيل عقله
د ـ تكريم الإنسان والإنعام عليه
هـ ـ التعارف والتعاون الإنساني

2 . مقاصد خلق الكون (208 موضعاً في القرآن الكريم) :

أ ـ الكون دليل عقلي على الله سبحانه وتعالى

ب ـ الكون مسخر لخدمة الإنسان
ج ـ الكون ابتلاء للإنسان
د ـ لإمتاع الإنسان بالجمال والتدبر بواسطته فى أسماء الله وقدرته
3 ـ مقاصد القدر (435 موضعاً في القرآن الكريم):

أ ـ المصائب هي عواقب ونتائج لأعمال سيئة

ب ـ الإنعام على العباد بنتائج جهدهم
ج ـ الابتلاء وتمحيص القلوب
د ـ للعظة والاعتبار
هـ ـ دفع الفساد وإنهاء الباطل
و ـ التمييز بين العاجلة والباقية


المقاصد تنقسم إلى مقاصد لحفظ مصالح الفرد, ومقاصد لحفظ مصلحة الأمة, ومقاصد للإرتقاء والتطوير, ثم مقاصد لحفظ الدين وفق الترتيب التالي:

مقاصد الدين

1 ـ مصالح الفرد:
مصالح الفرد في القرآن الكريم والتي ينظر إليها على أنها حقوق له تبدو وكأنها واجبات يقوم بها الفرد ويصنعها بيديه ليستمتع بها بعد ذلك, بل لتصبح هذه الحقوق أرضية ثقافية
يستمتع بها كل من يعيش في هذه الأمة.


أ ـ رعاية العقل وتفعيله (359 موضعاً في القرآن الكريم):
ـ البيان والتفصيل
ـ التذكر
ـ التعليم
ـ التفكير وإعمال العقل
ـ منع الإكراه في الدين
ـ الحكمة والرشاد
ـ الموعظة والعبرة


ب ـ تكريم الإنسان وإتمام النعم عليه (284 موضعاً)
ـ الهداية والنور
ـ الإكرام وإتمام النعم


ج ـ الصحة النفسية (270 موضعاً)
ـ التخفيف والرحمة ومنع الحرج
ـ التحرر من الخوف والحزن و السلام
ـ شفاء لما في الصدور ـ الشح ـ الريبة ـ العداوة
ـ الرضى



د ـ العدل ومنع الظلم (149 موضعاً)
ـ الله سبحانه وتعالى عادل مع الجميع
ـ الله سبحانه وتعالى يأمر بالعدل في كل الأحوال حتى مع الأعداء
ـ الظلم سبب في هلاك الأمم
ـ الكتاب نزل لإقامة العدل
ـ العلاقة جدلية بين الظلم والشرك


هـ ـ تحسين الرزق (137 موضعاً) :
ـ البركة في الرزق في منهج الله سبحانه وتعالى
ـ تنظيم المعاملات المالية
ـ الكفر والمعاصي تمحق الرزق
ـ المثل الأعلى أحسن الرزق
ـ الإنفاق سبب الرزق


و ـ الصحة الجسدية (89 موضعاً)
ـ صيانة الحياة من كل خطر
ـ الصحة الجنسية ورعاية النسل


2 ـ مصالح الأمة:
أ ـ الوقاية من سوء العاقبة (التبشير والإنذار)
ب ـ النجاة والفلاح (السلم والخير)
ج ـ تقرير الأنفع ونفي الضرر (الإصلاح وإنهاء الفساد)
د ـ إنهاء العداوة والخلاف (الوحدة التواصل)
هـ ـ إيجاد مرجع للتحاكم


3 ـ الارتقاء للأفضل وتطوير الحياة الإنسانية:
أ ـ الأخلاق الطيبة
ب ـ الحديث عن الصراط المستقيم
ج ـ البر والإحسان
د ـ التجديد والتطوير (العالمية)
هـ ـ حمل الأمانة والريادة للأمم
و ـ التزكية والتطهير


4 ـ حفظ الدين:
أ ـ تقرير الحق
ب ـ الدين لله (حسن الصلة بالله)
ج ـ التثبيت على التوحيد والإيمان
د ـ إقامة الحجة ـ التبليغ ـ شهادة النبي
هـ ـ امتحان الطاعة
و ـ مصدقاً للرسل
ز ـ الوصول للجنة والمغفرة

الهيكل العام لمقاصد الدين بحسب عددها:

1 ـ مصالح الفرد 1288 موضعاً

2 ـ مصالح الأمة 385 موضعاً
3 ـ الارتقاء للأفضل وتطوير الحياة 290 موضعاً
4 ـ حفظ الدين 288 موضعاً.
يتبع باذن الله تعالى...
[/center]
[/size]
__________________
أرجـو الدعاء بالرحمه لـ( أحمد) و لشهداء وأموات المسلمين أجمعين




avatar
ويـ الأمل ـبقى

default رد: المقاصـد النورنيه للقرأن الكريم ( مقدمه )

مُساهمة من طرف ويـ الأمل ـبقى في الأحد 29 نوفمبر 2009, 6:11 am

تابع







المقاصد النورانيه للقران الكريم ( سوره الفاتحه)









الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً،

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله

أن الترابط بين آيات كل سورة ترابط وثيق، و أن كل سورة لها موضوع واحد وأهداف محددة، وأن آيات السورة قد

تبدو لأول وهلة متناثرة غير مترابطة؛ لكنك إن أمعنت النظر، وعرفت هدف السورة وموضوعها، عرفت أن آيات السورة

متصلة اتصالاً عجيباً، يوصلك بقوة لإدراك هدف السورة، مما يزيدك حباً لكتاب الله وإيماناً بأنه تنزيل من حكيم خبير

وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱلله لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراًوبذلك نرى أن كل سورة من سور القرآن هي عبارة عن وحدة

متكاملة، تحقق هدفاً واضحاً، وكل آية تخدم هذا الهدف من طريق واحد أو من عدة طرق. وحتى اسم السورة له

علاقة بهذا الهدف ( ومن هنا نفهم سبب تسمية سور القرآن، كالبقرة وآل عمران ويونس والنمل...) وليس هذا

فحسب، بل أن كل سورة لها علاقة قوية بما قبلها وما بعدها من السور، لأن ترتيب سور القرآن هو أيضاً وحي من

عند الله، وبذلك نستخلص أن سور القرآن كلها عبارة عن سلسلة واحدة مترابطة، بحيث انك لو فهمت هدف أو اهداف

السور القرآنية،ستجد أنك قد فهمت مراد ربنا من هذه السور وماذا يريد منك الله في هذا الكتاب






[size=29]
سورة الفاتحة

[size=21]

[/size]



سورة الفاتحة (مكية)، وعدد آياتها سبع آيات، وهي خامس سورة من حيث التنزيل... ما هو سر سورة الفاتحة؟لماذاافتتح بها المصحف؟

ما سر تسميتها بأم الكتاب، وأم القرآن..؟ لماذا نقرأها في اليوم والليلة سبع عشرة مرة على الأقل؟

لماذا لا تصح الصلاة الا بقراءتها؟


أهمـــــيتها







يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة «لأعلمنّك أعظم سورة في القرآن» فقال ما هي يا رسول الله؟







فقرأ عليه الصلاة والسلام: «الحمد لله رب العالمين... الرحمن الرحيم... إلى آخر السورة».حين بيّن الله تعالى في سورة الحجر عظمة القرآن قال







تعالى:{وَلَقَدْءاتَيْنَـٰكَ سَبْعًا مّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْءانَ ٱلْعَظِيمَ}والسبع المثاني هي الفاتحة، وقد سميت بالمثاني لكثرة تكرارها ولكثره



ثنائها على الله ...يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا الإنجيل ولاالزبور ولا الفرقان مثلها إنها السبع المثاني»







رواه الإمام أحمد.



أسمــــــــاؤهـــــــا







ولفضلها وشرفها، سميت هذه السورة بأسماء كثيرة، فهي أم القرآن، والسبع المثاني، والوافية والكافية،







لكفايتها عن غيرها وحاجة غيرها اليها واكتفاؤه منها


فهي تفيض على المؤمن نوراً يضيء حياته، وخيراً الهياً يغلق عنه أبواب الفتن ويفتح له أبواب الرحمات أي سر؟


وأي عظمة لهذه السورة التي يقرأها الكثير من المسلمون من دون أن يفقهوا هذه المعاني وهذه الرسائل؟

حاوية أهداف القرآن


إنَّ سر الفاتحة يكمن في اشتمالها على جميع معاني القرآن، فكل معنى في القرآن تجده في الفاتحة، وكل أهداف القرآن جمعت في هذه الآيات السبع.

كيف هذا؟ تعال معي لنعيش لحظات رائعة مع أول سورة في القرآن:


محاور القرآن


يدور حديث كتاب الله حول ثلاثة معان يطلبها من المؤمنين به والقارئين له:

1. عقائد (فيمن نعتقد)
2. عبادات (كيف نعبد من نعتقد فيه)
3. مناهج الحياة (المنهج الذي أراده الله تعالى لنا)

فالقرآن يدعو أولاً للعقيدة الصحيحة، أي أن تؤمن بالله تعالى إيماناً صحيحاً على أسس سليمة. وهو ثانياً يدعو للعبادة الصحيحة وإقامة الشعائر، ولكن العبادة ليست كافية لوحدها لأنَّ الإسلام منهج حياة شامل ومتكامل.

وسورة الفاتحة قد اشتملت على هذه الأهداف الثلاثة، ففي محور العقيدة تقرأ قوله تعالى: ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ. فالتوحيد والايمان باليوم الآخر هما أساس عقيدة المسلم. وفي محور العبادة تقرأ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وفي منهج حياة المسلم تقرأ: ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.


والقرآن كله بعد سورة الفاتحة إما أن يكون مبيّناً للعقائد، مفسّراً معنى الحمد لله رب العالمين ومعنى الرحمن الرحيم ومعنى مالك يوم الدين.. أو مبيّناً كيف نعبد الله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. أو يخبر عن المناهج في الأرض وطرق الظالمين والهالكين وطرق الناجين، فنجد آيات كثيرة تشرح معنى ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيم.


أساسيات الإسلام




وتذكرنا سورة الفاتحة بأساسيات الدين ومعانيه العظيمة:


1. نِعم الله تبارك وتعالى ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ.
2. الإخلاص بكلمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ. أي نفردك وحدك يا ربنا بالعبادة، فلا نعبد إلا أنت، ولا نستعين بأحد إلا أنت وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
3. طلب الصحبة الصالحة ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
4. التحذير من أصحاب السوء غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.
5. أسماء الله الحسنى، مع التركيز على أسماء الله ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ. فأصل علاقة ربنا بالبشر هي الرحمة ولذلك ورد قوله الرحمن الرحيم مرتين.
6. الإستقامة ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ.
7. الآخرة والاستعداد لها مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ، وٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ.
8. أهمية الدعاء وأدب الدعاء، فالسورة قد اختتمت بالدعاء.
9. أمتنا أمة واحدة.. ولذلك فإنَّك تجد بأنّ كل ألفاظ المخاطبة والدعاء في سورة الفاتحة جاءت بصيغة الجمع فحتى لو كان المرء يصلي وحيداً في غرفته لا تصح صلاته بأن يقول "اياك اعبد واياك استعين" أو "اهدني الصراط المستقيم"، فلا بد ان يقول ٱهْدِنَاوإِيَّاكَ نَعْبُدُوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وكلها بصيغة الجمع، حتى يعرف المرء انه ضمن أمة واحدة وأنه ليس وحيدا في هذا الكون.

الأدب مع الله




وبالإضافة إلى ما سبق، فإن السورة تعلّم العبد الأدب مع ربه، فهي مقسّمة إلى نصفين، النصف الأول ثناء على الله والنصف الثاني دعاء اليه. فالثناء على الله يتجلى في الآيات: ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ  ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ  مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ  إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. وبعد ذلك الدعاء: ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.

واللطيف أن عدد أحرف الثناء في النصف الأول مساوية تماماً لعدد أحرف الدعاء في النصف الثاني.

فالسورة تعلّم المرء كيف يتعامل مع الله، فإن أراد الدعاء فيستحّب له أن يثني على الله أولاً (فيبدأ بحمد الله تعالى وتمجيده ثم الصلاة على رسوله )، وبعد ذلك يدعو بما يشاء فإنَّ دعاءه يستجاب بإذن الله.


الحوار مع الله




إن تلاوة سورة الفاتحة تفتح لك أعظم أبواب الشرف وهو الحوار مع الله تبارك وتعالى. ولهذا جاء في الحديث القدسي: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي، فإذا قال العبد الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي، فإذا قال العبد مالك يوم الدين قال الله مجَّدني عبدي، فإذا قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين قال الله هذا بيني وبين عبدي، فإذا قال العبد إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".

فتستشعر أنك كلما تقرأ سورة الفاتحة فإنّ الله تعالى يجيبك. أي شرف هذا في حوار يكرر رب العزة ذكرك فيه بالعبودية ويكافئك بالاجابة مع أنك لم تأت بجديد ولم تتفضل بشيء من عندك، فهو سبحانه أهل الثناء كما تقول وخيراً مما تقول.


حساسية عمر



لذلك كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يقرأ الفاتحة آية آية ويسكت بين الآية والأخرى، وحين سئل عن سبب سكوته قال: "لأستمتع برد ربي".

فلو أن قلب المرء استشعر بأن ربه يرد عليه حين يقرأ كل آية من سورة الفاتحة لطار من كثرة الفرح...

جوامع خير الدهر

هل أحسست معي بأهمية السورة؟ لكل ما ذكر يقول ابن القيم: ان الله تعالى قد أنزل (104) كتب، جمع معانيها في ثلاثة كتب: التوراة والإنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن، وجمع معاني القرآن في الفاتحة، وجمع معاني الفاتحة في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.

وهذه الآية مقسومة إلى قسمين، كلاهما ضروري في الإسلام: عبادة الله تعالى أي ممارسة الشعائر إِيَّاكَ نَعْبُدُ، والإستعانة بما خلق الله في هذه الأرض وتسخيرها للنجاح في الحياة ولإدارة الأرض وفق منهج الله (كما سنرى في سورة البقرة). ولأن الصحابة فهموا هذه الآية جيداً وطبّقوها - بمحوريها - في حياتهم، قادوا الأرض ونجحوا في الدنيا والآخرة.


وإننا نرى في عصرنا الحاضر، بعض المسلمين يطبّقون إِيَّاكَ نَعْبُدُفيقتصر فهمهم للإسلام على التدين فقط، وللأسف نرى الغرب يطبق وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فيسخّر ما في الأرض لإدارتها وعمارتها. لكن الإسلام يأمر بالتوازن بين الأمرين، وهذا ما تبيّنه سورة الفاتحة بوضوح.


مفتاح القرآن





فلماذا سميت بالفاتحة؟ هناك معنيان للإسم، أحدهما قريب، وهو لأنه افتتح بها المصحف، ولكن المعنى البعيد هو أنها سميت بذلك لأنها مفتاح القرآن (أي لمعانيه)، فبها تفتتح كل سورة من سوره. فكل كنوز القرآن فيها، ولو فهم المرء الفاتحة فسيفهم كل سور القرآن التي بعدها.

ومن روعة السورة أنَّ كل سور القرآن متسلسلة في معانيها وأهدافها ورسائلها، فهي مرتبطة بما قبلها ولا يصح أن تربط الا بالسورة التي جاءت قبلها بترتيب المصحف الا سورة الفاتحة، فلو جاءت قبل أية سورة لوجدت المعنى متصلاً بل متكاملاً أيضاً. لذلك فإننا نبدأ صلاتنا بالفاتحة ثم نقرأ أي سورة بعدها ويبقى المعنى متصلاً مهما كانت السورة.


سورتان لكلمتين



ينبغي أن نلاحظ علاقة الفاتحة بالسور التي جاءت بعدها وفق ترتيب المصحف وهي البقرة وآل عمران. فلقد جاء في سورة الفاتحة ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ.

وفي بداية سورة البقرة ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ. وذلك إشارة إلى أن قوله تعالى ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَسيشرح في سورة البقرة..

كيف هذا؟ اقرأ قول الله تعالى غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ.
فالمغضوب عليهم والضالين، صفات لأناس استحقوا غضب الله، أو ضلوا عن صراط الله، فسورة البقرة تشرح غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وسورة آل عمران تشرح ٱلضَّالّينَ. سورة كاملة عدد آياتها 268 آية تشرح كلمة في الفاتحة غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وسورة كاملة وهي آل عمران تشرح وَلاَ ٱلضَّالّينَ.

ترابط رائع في الأهداف والمواضيع سنحس به ونعيش معه أكثر عندما نتناول السورتين بالتفصيل.


رحمة للعالمين




نلاحظ أن كلمة ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ قد تكررت مرتين في السورة بِسْمِ الله ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ وقوله تعالى ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ. وهذا يشعرنا برحمة ربنا التي شملت الدنيا والآخرة..

فلفظ الرحمن الرحيم الأول جاء بعد ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ، فالعالمين والدنيا كلها تسير برحمة ربنا، و ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ جاء بعدها مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ للإشارة أن اليوم الآخر أيضاً يسير برحمة الله.

فهذه السورة تطمئن المرء بأن الأصل في الكون هو رحمة الله، وأن أصل علاقة الله بعباده هي الرحمة.

العالمين... الناس

ولفظة ٱلْعَـٰلَمِينَ تدل على معنى لطيف، فالفاتحة - وهي أول سور القرآن - قد ابتدأت بـ ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ، بينما آخر سورة في القرآن (سورة الناس) قد انتهت بقوله تعالى مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ.

فالمصحف ابتدأ بكلمة العالمين وختم بكلمة الناس، وكأن المعنى أن هذا القرآن ليس للمسلمين فقط بل إن هذا القرآن هو لهداية البشرية كلها.

غنيمة سهلة




ولسورة الفاتحة خصوصية تميزها، وهي أنها خالية من كل أحكام التجويد الصعبة وذلك لكي تيسر للقراءة للجميع حتى لمن لا يتحدث بالعربية.

فالفاتحة هي جواز سفر المرء لفهم القرآن والبطاقة الشخصية للدخول إلى مناجاة الله والأنس برحابه. فكيف نخشع في صلاتنا ونستشعر كل ما سبق من المعاني؟

ميزان الخشوع

يقول النبي : (ليس للعبد من صلاته الا ما عقل منها)، فهل ترضى أن تغادر صلاتك وقد كتب لك نصفها أو ربعها أو ثمنها؟ تعال معي إذاً لنقرأ سورة الفاتحة سوياً ونتدبر في آياتها ومعانيها.

لو أردت يوماً أن تصلي وشعرت بعدم الخشوع، فاعلم أن هناك نعمة لم تتذكرها، ولو عرفت كيف تقول ٱلْحَمْدُ لله جيداً لكان تذكر كل نعمة من نعم الله يجعلك تخشع في صلاتك. اجعل لكل ركعة من الركعات نعمة تتفكر بها وتشكر ربك عليها، من نعمة الإسلام والايمان، إلى نعمة القرآن، إلى ارسال النبي، إلى المال والصحة، إلى نعمة النظر والسمع... وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱلله لاَ تُحْصُوهَا.

وحين تقرأ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ تتذكر رحمة الله بعباده، والتي شملت الدنيا والآخرة، فتطلب منه الرحمة وتخشع بصلاتك.

وحين تقرأ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ تتذكر يوم القيامة وأهواله، وتطلب من ربنا أن يخفف عنك تعب ذلك اليوم، فتخشع في صلاتك.

وكلما تقرأ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، تشعر عند كلمة إِيَّاكَ أن الاخلاص يتجدد في قلبك كل يوم، أنه لا معبود الا الله ولا معين الا الله، فتخشع في صلاتك.

إن هذه الآية قد جمعت معاني كل كتب الله المنزلة - كما أسلفنا - فلا تمر عليها مرور الكرام بل اجعلها عنوان حياتك وجدد معانيها في قلبك كلما تقرأها

وحين تقرأ ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ تشعر أنه ليس لك من يهديك إلى صراط الدنيا ويثبتك عليه الا الله، وليس لك من يهديك إلى صراط الآخرة ويثبت قدمك عليه لتجتازه الا الله، فيزيد قربك منه ورجاؤك لرحمته وخوفك من عذابه فتخشع في صلاتك.


قف بجوارهم



وكلما تقرأ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، تذكر من أنعم الله عليهم من قبلك، فمثلاً تذكر في الركعة الأولى سيدنا إبراهيم عليه السلام وآدم ونوح وخاتم النبيين محمد ، وادع الله تعالى أن يهديك إلى طريقهم. واجعل الركعة الثانية لرجال عظام كأبي بكر وعمر وباقي الصحابة رضوان الله عليهم، وتذكّر في الركعة الثالثة صلاح الدين وغيره من أبطال الإسلام، وفي الركعة الرابعة تفكر بالمؤمنين الذين يعيشون معك وصحبتك الصالحة وادع الله تعالى أن يثبّتك عليها. وفي هذا تكون صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أمام عينيك. أما حين تقرأ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ ٱلضَّالّينَ، فتذكرك بأعداء الإسلام والكفار عبر الأزمان، الذين حادوا عن هذا الصراط فضلّوا وغضب الله عليهم.

هذا الكم الهائل من المعاني المتجددة في ختام السورة يطبع في ذهن قارئ القرآن آلاف الصور عن القدوات الصالحة، الماضية والمعاصرة، وآلاف الصور عن القدوات السيئة، مما يعطيه خشوعاً رائعاً وزيادة في القرب من الله والتزام شرعه، صلاة بعد صلاة، وبذلك تصبح صلاتنا حية.


مفتاح فهم القرآن



هذه هي سورة الفاتحة، بطاقتك الشخصية أيها المسلم، وجواز سفرك لفهم القرآن.

فبعد أن تأملنا بعض جوانب عظمة هذه السورة، وفهمنا مفتاح الدخول إلى معاني القرآن، تعال معنا إلى كتاب الله تعالى، لنعيش مع آياته وأحكامه ونتعلم من ترابط آياته وسوره.


يتبع باذن الله تعالى ... مع سورة البقرة



[/size]
__________________
أرجـو الدعاء بالرحمه لـ( أحمد) و لشهداء وأموات المسلمين أجمعين





avatar
ويـ الأمل ـبقى

default رد: المقاصـد النورنيه للقرأن الكريم ( مقدمه )

مُساهمة من طرف ويـ الأمل ـبقى في الأحد 29 نوفمبر 2009, 6:15 am

تابع

المقاصد النورانيه للقران الكريم ( سوره البقره)















سورة البقرة

[size=29]تعريف بالسورة


سورة البقرة (مدنية) وهي أول ما نزل بالمدينة بعد الهجرة وبقيت تنزل على مدى المرحلة المدنية كلها تقريباً أي أنّها رافقت تكوين المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية من بدايتهما.هي أطول سورة في القرآن وعدد آياتها 286.

كيف تخاف وهي معك؟


ورد في فضل سورة البقرة حديثان:
الحديث الأول رواه الإمام مسلم: «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما» تأملوا أيها الأحبة كيف أنّ سورتي البقرة وآل عمران تحاجان - أي تدافعان - عن صاحبهما (الذي حفظهما وعمل بهما وكان يقرأهما كثيراً).

وفي رواية «يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو ظلّتان»... إنّ حرَّ يوم القيامة شديد، تدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق، فتأتي سورة البقرة على من حفظها أو عمل بها أو كان كثير القراءة لها لتظلل عليه... فتأمل قيمة سورة البقرة!..

الحديث الثاني: رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في سورة البقرة يقول «البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان». وفي رواية «..لا يدخله الشيطان ثلاثة أيام». وبالتالي فإنَّ الكثير من الناس يحرصون على قراءة سورة البقرة في البيت لمنع الشيطان من دخوله.

أين أصحاب البقرة؟


وأكثر من ذلك، فإنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينادي حين تشتدّ المعركة على المسلمين ويقول أين أصحاب البقرة؟ وكأنَّ أصحاب البقرة أناس مخصوصون وحين يسمعون النداء يهبّون مباشرة لتلبية النداء...
ونحن الآن ننادي على الناس ليكونوا من أصحاب البقرة، حتى يكونوا في الدنيا من الصفوة ويوم القيامة من أصحاب الظلّة.

هدف السورة: أنت مسؤول عن الأرض.


الحديث عن هدف السورة يساعدنا على فهم الآيات بتسلسل واكتشاف الروابط بين موضوعاتها المختلفة. واللطيف أن بعض العلماء قال بأن تسمية أقسام القرآن بالسور، لأن كل واحدة منها تشتمل على موضوع واحد، وآيات السورة هي كالسور أو السياج الذي يحيط بهدف السورة ويدور حوله ويخدمه. إذاً لكل سورة محور وهدف واحد، فما هو هدف سورة البقرة؟ وما هو المحور الذي يجمع 286 آية على مدى جزئين ونصف من القرآن؟

إن هدف السورة هو الإستخلاف في الأرض، وهذا يعني ببساطة «يا مسلمين أنتم مسؤولون عن الأرض». يا من سوف يقرأ سورة البقرة إعلم أنّك مسؤول عن الأرض وهذا منهجك: سورة البقرة..

وكأنّ القرآن يخاطبنا قائلاً اعلموا أنّ الأرض هذه ملك لله، والله هو مالك الكون خلقكم وملَّككم الأرض لكي تُديروها وفقاً لمنهج الله...

السعيد من وعظ بغيره


إنَّ الله تعالى خلال مسيرة التاريخ قد استخلف أمماً كثيرة على الأرض، فمنهم من نجح ومنهم من فشل وقد حان الدور في نهاية المطاف على هذه الأمة، والله تعالى لا يحابي أحد حتى ولو كانت أمة محمَّد صلى الله علي وسلم. فلو فشلت في المسؤولية فإنّها ستستبدل كما استبدلت أمم من قبلها..

هنا نفهم لماذا كانت سورة البقرة أوّل سورة في القرآن بعد الفاتحة فهي التي سترسم معالم المنهج. ولهذا أيضاً نفهم سبب كون هذه السورة أول سورة أنزلت في المدينة، وظلت تنزل طوال السنين التسعة من المرحلة المدنية، لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر من مرحلة الإستضعاف في مكة إلى مرحلة بناء الأمة، فكان من الطبيعي أن تنزل السورة في مرحلة البناء لترشد الأمة كيف تكون مسؤولة عن الأرض... فينبغي لكل من يقرأ هذه السورة أن يفهم أن كل آية تطلب منه القيام بالمهمة التي خلق من أجلها: أنت مسؤول عن الأرض لإصلاحها وتعميرها وهدايتها ولا بد أن يعلم الإنسان أنَّ المسؤولية تحتم عليه أن لا يكون فاشلاً في حياته فيأخذ بيد الناس، وينجح في حياته وسيظهر ذلك كله خلال قراءة سورة البقرة.
أقسام سورة البقرة


إنَّ سورة البقرة مقسّمة إلى مقدمة ثم قسمين فخاتمة.

القسم الأول


هو الجزء الأول من القرآن وهو يعرض نماذج لثلاث مجموعات من الناس قد استخلفهم الله قبلنا(سيدنا ادم والسيده حواء عليهما السلام ثم بنى اسرائيل ثم سيدنا ابراهيم عليه افضل الصلاه واتم التسليم ).

والقسم الثاني


يتكون من الآيات (142-283)، وهو عبارة عن أوامر ونواهي يجب على الأمة وأفرادها أن يتبعوها ليستخلفوا.

الجزء الأول من القرآن


هذا الجزء مكون من ثمانية أرباع:


ربع الحزب الأول : يتكلم عن أصناف الناس وكأننا نستعرض الأصناف الموجودة على هذه الأرض والتي سيكلف أحدها بالإستخلاف.


الربع الثاني: أول تجربة إستخلاف على الأرض: آدم عليه السلام.


الربع الثالث إلى السابع: أمة استخلفها الله على هذه الأرض لمدة طويلة وفشلت في المهمة، بنو إسرائيل.


الربع الثامن والأخير: تجربة سيدنا إبراهيم عليه السلام الناجحة في الإستخلاف.

تجربة سيدنا آدم تجربة تمهيدية تعليمية، وكانت المواجهة بين إبليس وسيدنا آدم عليه السلام لإعلان بداية مسؤولية سيدنا آدم وذريته عن الأرض.

ثم بنو إسرائيل: نموذج فاشل، فهم أناس حملوا المسؤولية وفشلوا، وتستمر السورة في ذكر أخطائهم لا لشتمهم ولكن ليقال للأمة التي ستستخلف: تنبهي من الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها الأمة التي قد سبقت في الاستخلاف!

وآخر ربع يضرب الله به المثل بالتجربة الناجحة لشخص جعله الله خليفة في الأرض وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام. ويكون الترتيب هذا منطقياً، فبدأَ بآدم التجربة الأولى وختم بالتجربة الناجحة لرفع المعنويات وبينهم التجربة الفاشلة، للتعلم من الأخطاء السابقة وأخذ الدروس والعبر.

القسم الأول: نماذج ثلاثة


وأول خمس آيات من آيات المقدمة عبارة عن صفات المتقين، ثم آيتان تتحدثان عن صفات الكفار، ثم ثلاث عشرة آية (8-20) عن صفات المنافقين لخطورتهم
وكأنّ المقدمة تخاطبك قائلة: «هذه أنواع الناس، فحدّد واختر أي الأصناف تريد أن تكون لأنَّ واحداً فقط من هذه الأصناف سيجعله الله تعالى مسؤولاً عن الأرض».
.

ولاحظ أن أول صفة للمتقين هي "الذين يؤمنون بالغيب". فأهم صفات الأمة المسؤولة عن الأرض هي الإيمان بالغيب وأخطر صفة في الأمة السابقة هي المادية الشديدة وعدم الإيمان إلاّ بما تراه أعينهم، كما سيتبين معنا.

أوّل تجربة استخلاف: آدم عليه السلام


وبعد ذلك تبدأ السورة بسرد قصة آدم عليه السلام وتجد أمامك آية محورية في بداية القسم الأول الذي يلي المقدمة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً (30)فأنت أيها الإنسان مسؤول عن الأرض وقد كان أبوك آدم عليه السلام مسؤولاً عنها أيضاً فالأرض ليست مسؤولية البعيدين عن الله ولا الناكرين لمنهجه. فالأصل أنَّ المسؤول عنها كان أبو البشر آدم عليه السلام. ولاحظ أنَّ رد الملائكة وسؤالهم ليس اعتراضاً على حكم الله (والعياذ بالله) لكنه خوفهم من الإستبدال وبيانهم أنهم لم يفعلوا ما يغضب الله، فكل أوقاتهم تسبيح وعبادة لكن الله قال لهم: (إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).
علّم الله آدم تكنولوجية الحياة
والآية التالية هي أيضاً آية محورية: (وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا (31).

وماذا يعني ذلك!

يعني أنّه تعالى علَّم آدم طبيعه الحياه ومنهجيتها بما فيها أسماء المخلوقات ووظائفها من شمس وقمر وبحر وشجر وثمر. وكان في المعنى تحذيراً للمؤمنين من أن يظنوا بأنهم سيكونون مسؤولين عن الأرض بدون أن يعرفوا طريقة إدارتها وهنا لفتة لطيفة في الآية 22(ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء) ففي هذه الآية يبين لنا الله تعالى أدوات الإستخلاف: تسخير الأرض والسماء والزرع...

فهنا تحذير لعدم فهم الإسلام أنّه صلاة وصيام فقط، دون ان يفهم المؤمنون كيف يديرون الحياة والأرض، فالله عزّ وجل قد علّم آدم كيف يدير الأرض حتى يفهمنا أن الأمور لا تدار بالتديّن فقط ولكن بالعلم والتكنولوجيا.
المعصية هي سبب الإستبدال


وتأتي الآية التالية 36 لتبيّن لنا تجربة آدم مع ابليس (فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ (36).وهنا دلالة أنّ المعصية هي سبب الإستبدال، كأنَّ الآية تخاطبنا في زماننا هذا لتقول: يا أمة محمد، لقد بقيتم 1300 سنة مسؤولين عن الأرض وما حصل لكم في المئة سنة الأخيرة هو بسبب معصيتكم كما حصل لأبيكم آدم عليه السلام، (مع بُعْد التشبيه بين زلة آدم عليه السلام نبي الله وبين المعاصي الفادحة التي تقع بها الأمة ليل نهار) فتعلموا من الأخطاء السابقة واجتنبوا المعاصي ليعود الإستخلاف إليكم.




وتمضي الآيات في الحديث عن قصة سيدنا آدم حتى نصل إلى الآية 38 (قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38).وهنا نتذكر أنّ الهدى الذي سيأتي من عند الله تعالى قد ذكر
في أول السورة على أنه القرآن (ذٰلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى
لّلْمُتَّقِينَ)، ونحن ندعو الله في الفاتحة أن نسير على هذا الهدى (ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ) فهل بدأت أخي المسلم تستشعر معي حلاوة القرآن وترابط آياته.

تجربة بني إسرائيل



تبدأ تجربة بني إسرائيل بالآية 40 من سورة البقرة لتبيان فشلهم في امتحان مسؤوليتهم عن الأرض.


باب المهمة: تذكر النعم.




وأول آية في هذا السياق تقول: (يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ).فأول آية يخاطب الله بها بني إسرائيل (ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ)وأول كلمة خاطبنا الله إياها في منهجنا (ٱلْحَمْدُ لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ). وكأنَّ بداية مسؤولية واستخلاف كل أمة تكون بتذكّر نعم الله تعالى.

نماذج نعم الله تعالى على بني إسرائيل


وبعد هذه الآية يبدأ الله تبارك وتعالى بتعداد نماذج من هذه النعم فيقول لهم في الآية 50: (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) ويقول لهم في الآية 52 (ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ويقول أيضاً في الآية 57 (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

آيات متتالية تتحدث عن النعم ثم تنتقل للحديث عن أخطاء الأمة السابقة، وكل هذا الكلام لكي ننتبه ونتجنب الوقوع في أخطائهم.

أخطاء الأمة السابقة


وتبدأ الآيات التي تصف أخطاء بني إسرائيل (وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱلله جَهْرَةً (55)لأنهم أمة مادية للغاية وكأنَّ الخطأ الجسيم الذي قد تقع به أي أمة ويكون سبباً في استبدالها هو طغيان المادية فيهاً، ومعنى المادية أنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا أمراً ملموساً. وهنا نتذكر أول صفة للمتقين في بداية السورة (ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ (2).

وتمضي الآيات الكثيرة في الحديث عن بني إسرائيل والموبقات التي ارتكبوها كقتل الأنبياء بغير الحق، وعصيانهم وكفرهم بآيات الله، واعتداء أصحاب السبت وتحايلهم على آيات الله، إلى أن تصل بنا الآيات إلى القصة المحورية: قصة البقرة.

لماذا سميت السورة بالبقرة؟


قد يتساءل البعض لماذا سميت هذه السورة بسورة البقرة؟


قد يجيب البعض بأنها سميت كذلك لأنّ قصة البقرة جاءت في هذه السورة، مع العلم بأنَّ هذه السورة قد جاء بها قصص كثيرة فلماذا سميت السورة باسم هذه القصة دون غيرها؟

إنّ قصة البقرة قد جسّدت الأخطاء الأساسية الكبرى لبني إسرائيل، فسميت السورة باسمها لكي يتذكر المسلم المسؤول عن الأرض هذه الأخطاء ويتجنبهافتجد فى القصه ما يلى .....

الجدل مفتاح الشرور


وهذه الأخطاء التي ارتكبها بنو إسرائيل تظهر من أول الآية السابعة والستين (وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱلله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱلله أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ  قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ  قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّـٰظِرِينَ  قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء ٱلله لَمُهْتَدُونَ  قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلاْرْضَ وَلاَ تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلئَـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (67-71)..

إخيتارها لحكمة






في الختام تأتي آية رائعة بتلخيصها حياة سيدنا يعقوب (وإسرائيل) في أسطر (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133).فهنا حرص سيدنا يعقوب على نقل أمانة الاستخلاف من آبائه إبراهيم واسحق إلى ابنائه وذريته بني إسرائيل.









وقصة البقرة أنّ رجلاً من بني اسرائيل قتل ولم يعرف من قتله، فاختلف فيه فأوحى الله إليهم أن اذبحوا بقرة وأن يأخذوا قطعة منها ثم يضربوا بها الميت فيحييه فيقول من الذي قتله ولقد طلب الله تعالى منهم ذلك لأنهم ماديون للغاية وليريهم بأنه تعالى قادر على كل شيء وأن الأمور ليست كما تعوّدوا عليه دائماً فيحيي الميت بالميت فينطق.

وبما أنهم لم يفهموا الحكمة وبما أنهم ماديون جداً فقد رفضوا تطبيق الأمر، وقصة البقرة تجسّد أخطاء بني إسرائيل، من المادية إلى الجدل وعدم طاعة أنبيائهم إلى عدم طاعة الله تعالى والإلتواء على منهجه وحتى حين نفّذوا ما أمرهم الله به نفّذوا ذلك مكرهين مجبرين (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ).






وكأنّ قصة البقرة تنبّه من المادية الشديدة وكأنها تنبّه من الجدل في دين الله تعالى، تنبّه من المراوغة والتحايل عل[/size]
__________________
أرجـو الدعاء بالرحمه لـ( أحمد) و لشهداء وأموات المسلمين أجمعين





avatar
ويـ الأمل ـبقى

default رد: المقاصـد النورنيه للقرأن الكريم ( مقدمه )

مُساهمة من طرف ويـ الأمل ـبقى في الأحد 29 نوفمبر 2009, 6:18 am

تايع
دروع الإسلام الحصينة



نصل إلى القسم الرابع الذي يتحدث عن تشريع القتال وأحكام الجهاد (وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱلله ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱلله لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ  وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ.. (190-191).


فهنا تأكيد أنه لا بد من القتال للحفاظ على المنهج، ولا بد من إنفاق المال على الجهاد (وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ (195) فهذا المنهج يستلزم قتالاً يحميه من أعدائه الواقفين في طريقه، وليس للإرهاب وسفك الدماء. وسنلاحظ في القرآن قاعدة عامة: كلما يذكر القرآن القتال يذكر معه ضوابطه، فهنا مثلاً حددت الآية قتال المعتدين (وَقَـٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱلله ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ (190) كما وبيّنت الأخلاق الحربية في القتال بعدم الاعتداء (ولا تعتدوا).

[size=29]الحج: محطة وقود




وتنتقل الآيات للحديث عن أحكام الحج، فما الذي دعا للكلام على الحج بعد القتال؟ إن الحج هو أول تدريب على القتال، والله تعالى يتيح للأمة من خلال الحج فرصة تدريبية (من إعداد نفسي وبدني وروحي) للتدريب على الجهاد وتغيير العادات.. تأمل كيف أن آيات السورة وحدة متماسكة رغم تنوع موضوعاتها.
وهنا نتذكر دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام في آخر الجزء الأول من السورة (... وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا...) فكان التفصيل في أحكام الحج في الآيات (196-200) استجابة لدعوة سيدنا إبراهيم في الآية (128).

أركان الإسلام



ويلاحظ أمر هام، وهو أن أركان الإسلام الخمسة لم تأت مفصلة ومجتمعة في أي سورة من القرآن كما في سورة البقرة..
فأحكام الصيام لم ترد إلا في سورة البقرة وأحكام الحج لم تفصل إلا في سورة البقرة وكذلك أحكام الإنفاق

وأن الإسلام منهج زكوي تنموي لا ربوي. وأما الشهادتان فأول آيات سورة البقرة تشير إلى (... ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ... (3). نصل إلى عماد الدين: الصلاة، التي تكررت الإشارات اليها من أول(وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ) (43) إلى قوله تعالى (حَـٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوٰتِ وٱلصَّلَوٰةِ ٱلْوُسْطَىٰ (238) وهنا الآية الوحيدة التي خصصت إحدى الصلوات الخمسة لأهميتها وهي صلاة العصر.

آدخلوا في السلم كافة



وبعد أن عرضت الآيات أحكاماً مختلفة نصل إلى آية محورية هامة (يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسّلْمِ كَافَّةً) (208) ومعنى السلم هنا الإسلام. أي أن المعنى: يا أيها الذين أمنوا أدخلوا في الإسلام الكامل الشامل، الإسلام الذي يمثّل هذا المنهج بجميع جوانبه. وسبب ورود الآية في هذا المواضيع أن الآيات السابقة بيّنت معالم المنهج من تعبّد وتشريع جنائي وتركات وقتال وأحكام الحج والإنفاق. فتأتي هذه الآية لتأمر بأخذ الإسلام بأحكامه كلها والتحذير من أخذ جزء وترك جزء آخر كما فعل اليهود (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (36)..فهذا تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على الدخول في الإسلام كافة وإتباعه كافة فلا ينبغي أن نأخذ أجزاء ونترك أجزاء، كالتي تصلي وتترك الحجاب أو تقوم الليل وتؤذي جارتها.

اكتمال المنهج: أحكام الأسرة






ويستمر المنهج في تبيان أحكام الأسرة والزواج والطلاق والرضاعة والخطبة، على مدى ربعين كاملين، وقد يتساءل البعض عن سبب تأخر أحكام الأسرة وعدم ورودها في الأول.. والجواب أنه لا بد من البدء بطاعة الله والتقوى والصيام والحج للإعداد، لأن تنظيم الأسرة من الأمور الصعبة.. فملايين القوانين تعجز عن إصلاح نفوس تريد الإنحراف. لذلك أغلب آيات هذين الربعين ختمت بتقوى الله أو التذكير بعلمه ومراقبته: (وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱلله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ) (231)
(وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱلله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)
(وَٱلله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)
(وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ (237)
(وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ (241)

وتغليف أحكام الأسرة بالتقوى، يعلمنا أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مرتبطان دائماً.

من سيكمل إلى النهاية؟





وتذكر الآيات (246 - 252) قصة قتال طالوت وجالوت، قصة فئة من بني إسرائيل نجحت في المهمة وفئة أخرى فشلت لأسباب عديدة (رفض أمر الله والتولي بعد أن كتب عليهم القتال - عدم طاعة النبي - الفشل في امتحان الشرب من النهر - قياس النصر والهزيمة بالمقاييس المادية). هذه القصة اشتملت على قتال وحرب وأناس خافت من لقاء العدو وأخرى قاتلت، للتأكيد على لزوم القتال لحماية المنهج، وأن الجبناء والخائفين لا يصلحون لحمله وبالتالي لا يصلحون للمسؤولية على الأرض.

آية الكرسي: قدرة وعظمة الله




وتصل الآيات إلى أعظم آية في القرآن: آية الكرسي (255) وهي أروع كلام عن الله وصفاته عرفته البشرية في تاريخها.(ٱلله لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلاْرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ (255)

واللطيف أن بعد هذه الآية مباشرة يأتي قوله تعالى في الآية (256)

(لا إِكْرَاهَ فِى ٱلدّينِ...( وسبب هذا أن الحجة قد أقيمت على البشر بآية الكرسي فمن آثر الكفر بعدها فلا تكرهوه على الإيمان (قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ).
وسبب ورود آية الكرسي في وسط الكلام عن المنهج هو أننا أثناء تطبيق هذا المنهج نحتاج إلى ما يثبتنا ويشعرنا بأن هذا المنهج من الله تعالى، وأن الله ولي من يطبق هذا المنهج (ٱلله وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ).

دلائل وبراهين

ويأتي بعد آية الكرسي ثلاث قصص تعرض نماذج حياتية لتؤكد آية الكرسي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمرود (إِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرٰهِيمُ فَإِنَّ ٱلله يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ (258).وقصة عزير (أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ... ثُمَّ بَعَثَهُ... (259).
وقصة سيدنا إبراهيم وهو يقول (رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ... (260).

فأمره الله تعالى أن يأخذ عدداً من الطيور ويقطّعها ثم يطرقها على رؤوس الجبال ثم يدعوها، فإذا بالريش والدم يعود كما كانوا قبل تقطيعهم، (وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱلله عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260).

فهذه للقصص تؤكد قدرة الله على الإحياء والإماته (ٱلله لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ (255) جاءت بعد كل آيات المنهج

لتقوية إيمان المسلم ويقينه بالله فتكون عوناً له على تحمل تبعات المنهج الثقيل.

النظام المالي والاقتصادي






وتظهر الآيات آخر ملامح المنهج وهو النظام المالي والاقتصادي في الإسلام، والذي عنوانه: الإسلام منهج تنموي وليس منهج ربوي، وتأتي الآيات لتحذر من الربا: (يَمْحَقُ ٱلله ٱلْرّبَوٰاْ وَيُرْبِى ٱلصَّدَقَـٰتِ وَٱلله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276).
(يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱلله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرّبَوٰاْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ  فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ ٱلله وَرَسُولِهِ وَإِن تُبتُمْ فَلَكُمْ رُءوسُ أَمْوٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (278 - 279).

حتى تأتي آية المداينة (وهي أطول آية في القرأن) لتوضح معالم المنهج فأكثر في قضايا الديون وإثباتها جاءت لتفيد التثبت في المعاملات

(إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ (282) بعد ذكر قصة إبراهيم في التثبت في العقيدة (وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى (260)

لتوحي هاتان الآيتان في داخلك أن التثبت أسلوب المسلم في حياته في كل نواحيها. والملاحظ أن آيات الربا جاءت بين آيات الإنفاق والتنمية لتوضح أن الإسلام لا يحرم شيئاً إلا ويأتي بالبديل الأصلح.

سورة البقرة: إشارة الإمارة


بعد أن استعرضنا سورة البقرة وشموليتها لأحكام الإسلام نفهم لماذا كان النبي يولي على القوم من يحفظ سورة البقرة لأنه بذلك قد جمع معالم المنهج. هذا المنهج الشامل الذي هو الصراط المستقيم في سورة الفاتحة، نجده عقيدة في آية الكرسي وعبادة في أحكام الصيام والحج ومعاملات في الإنفاق وتوثيق الديون وتحريم الربا وأحكام القتال، يغلفها جميعها محاور ثلاثة الطاعة، التميز بالوسطية، التقوى.
الختام: سمعنا وأطعنا



تختم سورة البقرة بآيتين هما كنزٌ من تحت العرش يمدح الله بهما المؤمنين: (وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ (285).
فبنو إسرائيل قالوا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا (93) أما أمة الإسلام فليكن شعارنا (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) لنبقى مسؤولين عن الأرض. ويأتي بعدها الدعاء (لاَ يُكَلّفُ ٱلله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَـٰنَا فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ (286).



قد يخطئ الإنسان في حياته أثناء قيامه بهذا المنهج وقد يضعف فالصراط المستقيم هو هداية من الله، لذلك يحتاج المسلم إلى العون الرباني بأن يدعو
بالعفو والغفران والرحمة. فإذا قام المسلم بقتال من أراد محاربة المنهج وأهله فهو يسأل الله النصر على القوم الكافرين، ولقد إستجاب الله تعالى لهذه الدعوات بقوله (قد فعلت)......

وذلك فى قوله ( ربنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) أي لا تكلفنا من الأعمال الشاقة و إن أطقناها كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال و الآصار التي كانت عليهم التي بعثت نبيك محمدا - صلى الله عليه و سلم - نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ( قال الله نعم ) وعن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( قال الله قد فعلت ) وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال ( بعثت بالحنيفية السمحة ) .
.



الخريطة الذهنية لسورة البقرة









الجزء الاول















الخريطه الذهنيه الكامله لسوره البقره

















بسم الله الرحمن الرحيم

الوصية الشرعية






هذه الوصية الشرعية كما امر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهيه واجبه على كل مسلم بالغ عاقل ذكر وانثى صغيرا كان او كبيرا
فارجو كل من قرأها ان يقوم بنشرها ليس فقط في النت بل في المساجد في كل مكان اطبع منها ووزع على كل من عرفت وسوف تاخذ ثوابها بإذن الله

[size=25]الوصية -


أحمد الله عز وجل وأصلي وأسلم على سيدنامحمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه.
وبعد ..
قال الله تعالى :{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة 180]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ )قال نافع : سمعت عبد الله بن عمر يقول : ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي وصيتي مكتوبة. رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. وروى ابن ماجة في سننه عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْأَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا تَرَكَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ ) .

- هذا ما أوصي به وأنا في حال الصحة وتمام العقل أنا/ فلان بن فلان بن فلان ، أني أَشْهَدُ أَنْ لاإله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.
- أوصي من تركت من أهلي ومن قرأ هذه الوصية أن يتقوا الله عزوجل ولا تغرنهم الحياة الدنيا ولا يغرنهم بالله الغرور وأن يصلحوا ذات بينهم وأن يطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين إذ يقول الله عز وجل :{اتَّقُوا اللَّهَوَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال 1] وأوصيهم بما أوصى به إبراهيم عليه السلام بنيه ويعقوب :{
يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلاوَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة 132]. -

وأوصيكم بتقوى الله تعالى والصبرعند موتي وأن تقولوا خيرا وتكثروا من الاستغفار والدعاء لي بالرحمة ودخول الجنةوالنجاة من النار وتكثروا من قولكم : ( لا إِلَهَ إلا اللَّهُ ) و ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا )، وعملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم) : إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَيِّتَ أَوِ الْمَرِيضَ فَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ) رواه الإمام أحمد في مسنده عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها.

- وأوصي أن يحضرني بعض الصالحين والعلماء عند إشرافي على الموت ليذكروني بحسن الظن بربي وبرجاء رحمته ويلقنوني الشهادة ( لا إِلَهَ إِلاَ اللَّهُ مُحَمَّدٌرَسُولُ اللَّهِ ) لتكون كلمة التوحيد آخر كلامي عند موتي عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة ) رواه أحمد عن معاذ، وأن يهيئوا لي جو الهدوء التام والسكون التام، وأن لا يجلس عندي ساعة الوفاة من كان يكرهني في حياتي لأن شماتته تؤلمني وتؤذيني.

- وأوصي كذلك أن يقع تغميض عيني بعد التحقق من موتي، وأن يقع توجيهي إلى القبلة، ثم تغطيتي بثوب غير الذي مت فيه يستر جميع بدني ( تغيير ملابسي التي متفيها ) حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا ) رواه أبو داود عن أبي سعيد، ثم الدعاء لي بخير.

- وأوصيكم بالإسراع في تجهيزي متى تحقق موتي، ويستحب إعلام قرابتي وأصدقائي وأهل الصلاح، ليكون لهم أجر المشاركة في تجهيزي وغُسلِي وتكفيني والصلاة علي وتشييع جنازتي ودفني ولتكثير المصلين علي والمستغفرين لي ولتنفيذ وصاياي وقضاء ديوني على شرط أن يكون الإعلام خاليا من الضجيج والبكاء والنياحة كما كان يفعل أهل الجاهلية،ووجب أن يكون نعيي مقتصرا على ذكر اسمي واسم أبي وجدي، وبيان زمان ومكان التشييع ونحو ذلك مما هو ضروري في النعي على شرط أن لا يخالف الإسلام وأصوله في شيء ويجوز للمخبر أن يطلب من الناس أن يستغفروا لي لقوله صلى الله عليه وسلم للناس ):- اسْتَغْفِرُوالأَخِيكُمْ ).

- وأوصي أن يمنع ما جرت به عادة النساء وجهلةالرجال من رفع الصوت بالنياحة والعويل وأنا بريء من ذلك كله إذروى البخاري ومسلم عن عمر ابن الخطاب قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِيقَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ )؛ وأبرأ إلى الله تعالى من الندب والجزع بضربالصدروالوجه ولطم الخدود ولبس الأسود وشق الجيوب ونشر الشعر أو حلقه وتسويد الوجه والدعاء بدعوى الجاهلية حيث ورد عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ) رواه البخاري ومسلم عن عبد الله ابن مسعود.

- وأوصي ألا يدخل علي بعد موتي حاقد وأن لا يقبلني بعد موتي من لا يحل له تقبيلي في حياتي؛وأن لا أسمع رنة في البيت وأنا بريء من ذلك.

- وأوصي أن لا يدخل النساء إلى البيت دونما حاجة وأنا بريء من ذبح شيء أمام النعش لمارواه أبو داود عن أنس قال: قال صلى الله عليه وسلم : ( لا عَقْرَ فِي الإسلام ) ؛ ثم يجب على من جلس عندي أنيذكر الله وأن يدعوا الله لي بخير فإن الملائكة تؤمن على الدُعاء أوالبكاء.

- وأوصي أن يغسلني ( ............. ) و ( ............. ) برفق ولين، وأن يقع تغسيلي بمعرفة ثقة أمين صالح يكون فقيها عالما بأحكام الشريعة يعرف كيفية التغسيل وذلك لأنه إذا رأى علي علامة حسن الخاتمة أذاعها وإذا رأى على وجهي علامة سوء الخاتمة كتمها وسترها ولم يذعها، وأن لا يكثر الحاضرون على الغسل إلا من كانت له ضرورة.
ويجب على مغسلي أن يبدأ الغسل بقول ''بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم'' ( رواه الترمذي عن ابن عمر ) وأطلب أن أكون عند غسلي متوجها إلى القبلة وعلى جسدي سترة من سرتي إلى ركبتي.

إذا جاء مغسلي عند عورتي فليلبس خرقة لكي لا يلمس عورتي حيث أن لمس العورة حرام.
وأن يقع تكفيني بكفن يكون حسنا نظيفا ساترا للبدن وأن يكون الكفن من قماش أبيض ثلاثة أثواب ( والمرآة في خمسة ) ليس فيها قميص أو عمامة وأن يرش الكفن بماء الورد ويبخر ويطيب بالمسك والكافور، فإن كنت محرما فلا يغطى رأسي ولاوجهي ولا يطيب الكفن، ويحرم تكفيني بأثواب من حرير أو ثوب غال ولا بأس أن يكون أحدالأثواب الثلاثة من ملابسي البيضاء.

السكوت عند تشييع الجنازة متفكرين في الموت وما بعده من أهوال البعث، وأن لا يرفع الصوت لا بذكر ولا بقراءة قرآن إذ أن الله يحب الصمت عند ثلاثة : عند تلاوة القرآن وعند الزحف وعند تشييع الميت؛ وأن لا تتبع جنازتي بمبخرة ولا نار، وعليكم الإسراع بجنازتي إسراعا وسطا لا أضطرب منه ولا يحصل منه مشقة للحاملين لجنازتي أو المشيعين لها، ثم إكثار عدد المصلين في صلاة الجنازةمع إخلاص الدعاء لي إذ أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال : (إِذَاصَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ ) رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة؛ ثم لا تتعمدوا تأخير دفني لانتظار غائب.

- وأوصيكم بدفني في البلد الذي مت فيه أو في (.............) ولا تنقلوني إلا لضرورة وعليكم بتعميق قبري قدر متر ليكون بداخله اللحد وأن تدخلوني إلى قبري برأسي من عند قدمي. ثم إذا دفنتموني فلينزل معي في القبر ( فلان بن فلان ) أو ( فلان بن فلان ) وليوجهني إلى القبلة وليرفع تحت رأسي على جنبي الأيمن ثم بعد ذلك يقول '' بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ '' ( رواه ابن ماجةعن ابن عمر ) ولتحثوا على جسدي التراب ثلاثا فقد روى أَبُو هُرَيْرَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى قَبْرَالْمَيِّتِ فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلاثًا؛ ثم أتموا الردم ، ثم رشوا الماء على قبري ليسكن ترابه؛ ثم يدعوا الحاضرون الله لي بالاستغفار وبالتثبيت عند السؤال.

وتمنع الكتابة على القبر أو وضع حجر يسمى الشاهد وكذلك يمُنع غرس أي شيء أخضر فهذا لا أصل له في الشرع ولا يرفع القبر على الأرض أكثر من شبر.

ثم ليمكث المشيعون عند قبري ساعة قدر ذبح الجزور وتوزيع لحمها حتى أستأنس بهم وحتى أستطيع أن أراجع ملائكة ربي.

- وأوصيكم بالدعاء والاستغفار لي واسألوا الله لي التثبيت والرحمة لقوله صلى الله عليه وسلم : ( اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ ) رواه أبو داود. ويكونالدعاء على النحو التالي : ( اللهم اغفر له اللهم ارحمه اللهم ثبته عند المسألةاللهم ثبته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبتته في الدنيا، اللهم ارحمه وألحقه بنبيه صلى الله عليه وسلم ولا تضلنا بعده ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله ولسائر المسلمين ) .

وهذا هو المطلوب بعد الدفن، فمن فعل غير ذلك من البدع والأمور الجاهلية الغير المشروعة فإنما إثمه على نفسه.

- وأوصيكم بعدالانتهاء من الدفن مباشرة بقضاء ديني ( إن وجد ) ولا تتهاونوا في أدائه نظرالأهميته التي بينها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حِينَمَا قَالَ : ( نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ ) رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.

- وأوصي أن يمنع ما جرت به العادة من إقامة السرادقات وكثرة الأنوار والإتيان بمن يقرأ القرآن الكريم أيام المأتم أو كل ليلة جمعة أوالخميس أو الأربعين أو ما يسمونه بالذكرى السنوية، وأوصي أن لا يقع صنع طعام للمعزين و أن لا يقع تأجير جماعة لعمل عتاقة أو سبحة أو إسقاط صلاة فكل ذلك باطل غير مشروع والتعزية مشروعة مدة ثلاثة أيام إذا خلت من البدع والمحرمات وينبغي إحضارأحد العلماء ليفقه الحاضرين في دين الله ليحمل أهلي على الصبر والاحتساب عند الله تعالى ووقوفا عند قول الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ ) رواه الدارمي عن مَكْحُول؛ ثم يذكرهم بفناء الدنيا فيتحول مجلس التعزية إلى روضة من رياض الجنة.


-وأوصي أن يقسم مالي تقسيما شرعيا كماأمر الله عز وجل.
وهذا ما أوصي به من المال غير ذلك :

- من الديون ( .......................... )
- من النذور ( .......................... )-

من الصدقات [لا يزيد عن الثلث ] و( لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ( كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم فيما رواه الدار قطني عن جابر:-

- وأوصي بكتبي لمسجد ( ............. ) أو لــ ( .............. )

- وجعلت النظر في كل ماذكر من أول بند من هذه الوصية للعلماء الأجلاء وأصحاب الفضيلة القضاة أو الشيخ الذي أصلي وراءه.

- وأعلمكم وأشهدكم أني قد سامحت كل إنسان تكلم في حقي وأرجواأن يسامحني كل من يعرفني ويصفح عن حقه إن كان له علي حق.

- وأوصي أهلي وأولادي بآخر وصية أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته فقد روى الإمام أحمد عن علي رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ آخِرُ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليهوسلم :- ( الصَّلاةَ الصَّلاةَ اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) .

- وأوصي أهلي وأولادي بالصبر والرضا بقضاء الله تعالى امتثالا لقوله عز وجل :{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاإِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌوَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}[البقرة 156] وَقَوْلُهُ تَعَالَى { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة 45] ولأمره صلى الله عليه وسلم المروي عَنْ أُمِّ سَلَمَةَقَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ( إِذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فَآجِرْنِي فِيهَا وَأَبْدِلْ لِي بِهَا خَيْرًامِنْهَا ) رواه أبو داود. وأوصيكم وإياهم أن إذا اختلفتم في شيء أن تردوه إلى الله والرسول.

- وأوصي من خلفي بتقوى الله عز وجل وأن لا تغرنهم الحياة الدنياوأن يكثروا من الترحم علي وأدعو الله لهم بالتثبيت والتوفيق والهداية.

ومن أهمل في تنفيذ الوصية أو بدلها أو خالف الشرع في شيء ذكر أو لم يذكر فعليه وزره : { فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة 181]. كانت هذه وصيتي وإني أبرأ إلى الله عز وجل من كل فعل أو قول يخالف الشرعه.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
تحريرا في يوم ( ........... ) .. / .. / ..14هجرية الموافق .. / .. / ...2 ميلادية.

الموصي
الإسم / ........................................

العنوان /........................................
التوقيع / ........................................

الشهود:

........................................ 1-........................................2-


* إن نص الوصية يحتوي على آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة فالرجاء المحافظة عليها

ملاحظةمهمة :-

إن واضع نص الوصية يبرأ إلى الله عز وجل من كل تبديل أو تغيير لمحتوى نص الوصية أو النص المرافق لها أو إضافة تخالف شرع الله في شيء ذكر أو لم يذكر وقول الله تعالى شاهد على ذلك:{ فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم } البقرة 181
.


تمـت


[/size]
بحمـد الله سـورة البقـره

تـابعـونـا بأذن الله تعـالـى ...

[/size]
__________________
أرجـو الدعاء بالرحمه لـ( أحمد) و لشهداء وأموات المسلمين أجمعين





avatar
ويـ الأمل ـبقى

default رد: المقاصـد النورنيه للقرأن الكريم ( مقدمه )

مُساهمة من طرف ويـ الأمل ـبقى في الأحد 29 نوفمبر 2009, 6:24 am

تايع


المقاصد النورانية لسورة آل عمران





[size=21]الثبات على المنهج
و مناقشة راقية وعلمية ومهذبه مع اهل الكتاب

سورة آل عمران (مدنية) نزلت بعد الأنفال وعدد آياتها 200 آية وهي بعد سورة البقرة في ترتيب المصحف.



علاقتها مع سورة البقرة



سورة آل عمران هي شقيقة سورة البقرة بنص أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتسميان (بالزهراوين). وهناك تشابه كبير بينهما، فكلتهما بدأتا بـ (ألم) واختتمتا بدعاء، ومن لطائف القرآن أن أول 3 سور من القرآن قد اختتمت بدعاء:
الفاتحة (ٱهْدِنَا ٱلصّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ...) (4).
البقرة (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (255).
وآل عمران (...رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاْبْرَارِ) (193).
وهذه إشارة إلى أهمية الدعاء عند المسلم ليلجأ إليه دائماً.

علاقه السوره بالسورتين السابقتين الفاتحه والبقره وما بعدها سوره النساء
من وحي الحروف (ألم)

ولعل أهم أوجه التشابه هو ابتداء السورتين بالأحرف المقطعة (ألم)، وهي إشارة إلى أن كل آية من آيات السورتين البقره وال عمران تحتوي على هذه الأحرف الثلاثة. وهناك سور كثيرة في القرآن ابتدأت بأحرف مقطعة (مثل ألم أو حم)، فكأنها مفتاح للدخول إلى معاني السور. وهناك ملحوظة أخرى أن كل السور التي تبدأ بنفس الأحرف ترتبط في أهدافها ومعانيها.
وقد يتساءل البعض عن المراد من ابتداء بعض السور بهذه الأحرف والواقع



أن هناك آراء كثيرة للعلماء في تفسيرها.
ولتبسيط الموضوع وتقريبه إلى الأذهان نقول: هذه الأحرف قد جاءت في أوائل السور لتحدّي الكفار، وكأنه سبحانه يقول للكفار: أليست هذه الحروف هي حروف لغتكم؟ أليست هي المادة الأولية التي تستخدمونها؟ فهل تستطيعون أن تأتوا منها بمثل هذا القرآن؟ فالمادة والذرة قد يصنع منهما الإنسان الكمبيوتر والسيارة، ولكنه لا يقدر أن ينفخ فيهما الروح. وكذلك هذه الحروف قد يصنع الناس منها شعراً ونثراً لكن هل يقدرون على أن يأتوا بقرآن فيه روح؟
اسمع قول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا) (الشورى، 52).


ولذلك فإن أغلب السور التي تبدأ بالحروف المقطعة يأتي بعدها تمجيد للكتاب (أو القرآن أو الوحي أو الذكر
وكما ذكر فى اسباب ترتيب القران للسيوطى (وقد عقبت البقرة بسورة آل عمران وأكثر ما فيها من خطاب أهل الكتاب للنصارى فإن ثمانين آية من أولها نازلة في وقد نصارى نجران كما ورد في سبب نزولها وختمت بقوله‏:‏ ‏{‏وإِنَّ مِن أهلِ الكتاب لمن يؤمن بالله‏}‏ وهي في النجاشي وأصحابه من مؤمني النصارى كما ورد به الحديث وهذا وجه بديع في ترتيب السورتين كأنه لما ذكر في الفاتحة الفريقين قص في كل سورة مما بعدها حال كل فريق على الترتيب الواقع فيها ولهذا كان صدر سورة النساء في ذكر اليهود وآخرها في ذكر النصارى
الوجه الثالث‏:‏ أن سورة البقرة أجمع سور القرآن للأحكام والأمثال ولهذا سميت في أثر‏:‏ فسطاط القرآن الذي هو‏:‏ المدينة الجامعة فناسب تقديمها على جميع سوره
الوجه الرابع‏:‏ أنها أطول سورة في القرآن وقد افتتح بالسبع الطوال فناسب البداءة بأطولها
الوجه الخامس‏:‏ أنها أول سورة نزلت بالمدينة فناسب البداءة بها فإن للأولية نوعاً من الأولوية
الوجه السادس‏:‏ أن سورة الفاتحة كما ختمت بالدعاء للمؤمنين بألا يسلك بهم طريق المغضوب عليهم والا الضالين إجمالاً ختمت سورة البقرة بالدعاء بألا يسلك بهم طريقهم في المؤاخذة بالخطأ والنسيان وحمل الإصر ومالا طاقة لهم به تفصيلاً وتضمن آخرها أيضاً الإشارة إلى طريق المغضوب عليهم والضالين بقوله‏:‏ ‏{‏لا نُفَرِقُ بينَ أَحدٍ مِنهُم‏}‏ فتآخت السورتان وتشابهتا في المقطع وذلك من وجوه المناسبة في التتالي والتناسق وقد ورد في الحديث التأمين في آخر سورة البقرة كما هو مشروع في آخر الفاتحة فهذه ستة وجوه ظهرت لي ولله الحمد والمنة قد تقدم ما يؤخذ منه مناسبة وضعها قال الإمام‏:‏ لما كانت هذه السورة قرينة سورة البقرة وكالملكة لها افتتحت بتقرير ما افتتحت به تلك وصرح في منطوق مطلعها بما طوى في مفهوم تلك وأقول‏:‏ قد ظهر لي بحمد الله وجوه من المناسبات أحدها‏:‏ مراعاة القاعدة التي قررتها من شرح كل سورة لإجمال ما في السورة قبلها وذلك هنا في عدة مواضع منها‏:‏ ما أشار إليه الإمام فإن أول البقرة افتتح بوصف الكتاب بأنه لا ريب فيه وقال في آل عمران‏:‏ ‏{‏نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بينَ يديه‏}‏‏:‏ وذاك بسط وإطناب لنفي الريب عنه ومنها‏:‏ أنه ذكر في البقرة إنزال الكتاب مجملاً وقسمه هنا إلى آيات محكمات ومتشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏واللَهُ يؤتي ملكه من يشاء‏}‏ وقال هنا‏:‏ ‏{‏قُل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير‏}‏ فزاد إطناباً وتفصيلاً ومنها‏:‏ أنه حذر من الربا في البقرة ولم يزد على لفظ الربا إيجازاً وزاد هنا قول ‏)‏أضعافاً ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏وأَتموا الحج‏}‏ وذلك إنما يدل على الوجوب إجمالاً وفصله هنا بقوله‏:‏ ‏{‏وللهِ على الناس حج البيت‏}‏ وزاد‏:‏ بيان شرط الوجوب بقوله‏:‏ ‏{‏ومَن كفرَ فإِن اللَهَ غنيٌ عَن العالمين‏}‏ ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة في أهل الكتاب‏:‏ ‏{‏ثم توليتم إلا قليلاً منكم‏}‏ فأجمل القليل وفصله هنا بقوله‏:‏ ‏{‏ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏قُل أَتحاجوننا في الله وهوَ رَبَنا وربُكُم ولنا أَعمالنا ولكُم أَعمالكم ونحن له مخلصون‏}‏ فدل بها على تفضيل هذه الأمة على اليهود تعريضاً لا تصريحاً وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏وكذلِكَ جعلناكُم أُمةٌ وسطاً‏}‏ في تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم بلفظ فيه يسير إبهام وأتى في هذه بصريح البيان فقال‏:‏ ‏{‏كنتُم خيرَ أُمةٌ أُخرجَت للناس‏}‏ فقوله‏:‏ ‏{‏كنتُم‏}‏ أصرح في قدم ذلك من ‏{‏جعلناكم‏}‏ ثم وزاد وجه الخيرية بقوله‏:‏ ‏{‏تأمرونَ بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله‏}‏ ومنها‏:‏ أنه قال في البقرة‏:‏ ‏{‏ولَا تأَكلوا أَموالكُم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام‏}‏ وبسط الوعيد هنا بقوله‏:‏ ‏{‏إنَّ الذينَ يَشترونَ بعهدِ الله وأَيمانهم ثمناً قَليلاً أُولئكَ لا خلاقَ لهُم في الآخرة‏}‏ وصدره بقوله‏:‏ ‏{‏ومِن أَهلِ الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إِليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل‏}‏

مقاصد سوره ال عمران :الثبات على المنهج


إن الهدف الذي تدور حوله السورة وثيق الصلة بهدف سورة البقرة التي كانت تخبر المسلمين بأنهم مسؤولون عن الأرض، والتي عرضت منهج الاستخلاف. فسورة آل عمران تؤكد الثبات على هذا المنهج، والكثير من الأشخاص - بعد أن يقرأوا المنهج ويتحملوا المسؤولية - يزيغون ويسقطون، ويبتعدون عن المنهج القويم، كالذي يتعبد في شهر رمضان ثم يغلق أبواب الطاعة والعبادة بعده. فالسورة تخاطب المتدينين منذ أكثر من 20 سنة وتثبتهم على الدين، كما تخاطب الشباب الذين تديّنوا بالأمس وتقول لهم أثبتوا على دينكم ومنهجكم لتحقيق استخلاف المسلم في الأرض.

كيف نثبت على الحق؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نعرف كيف يزيغ الناس، فالناس يضللون إما بالأفكار التي تشوش عقائدهم، أو يتيهون وسط مشاغل الحياة فتضعف عزائمهم. وبالتالي فأسباب الهلاك فكرية (داخلية) أو عملية (خارجية)، والسورة تحث المؤمن على الثبات في المجالين وتحذره مما قد يكون سبباً في زلته.
لذلك تقسم السورة إلى قسمين:

1. القسم الأول: الآيات (1 - 120)
الثبات على الحق فكرياً أمام المؤثرات الخارجية، من خلال الحديث عن أهل الكتاب والحوار معهم، وهو أول حوار بين العقائد في القرآن.

2. القسم الثاني: الآيات (120 - 200)
تتحدث عن الثبات على الحق عملياً أمام المؤثرات الداخلية من خلال الحديث عن غزوة أحد، كنموذج للأخطاء التي قد تقع وكيفية تفاديها.
وقد بَدَأْتُ بالخارج حتى تجهّز للمسلم البيئة المحيطة، وبعد ذلك بدأت بالتكلم على الداخل. والواقع أن السورة تناولت هذين المحورين من خلال التعليق على حادثتين حصلتا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم:


- الحادثة الأولى: لقاء وفد نصارى نجران مع النبي، حين استضافهم في المسجد النبوي وحاورهم لمدة ثلاثة أيام.
- الحادثة الثانية: غزوة أحد والهزيمة أمام المشركين، فتأتي 80 آية للتعقيب عليها، لأن أكثر المؤمنين لم يثبتوا في الغزوة ولم يطيعوا أوامر نبيهم صلى الله عليه وسلم (وخاصة الرماة).




هذه الصورة تم اعادة تحجيمها اضغط على الشريط الاصفر للحصول على الحجم الاصلي حجم الصورة الاصلي هو 934x623 ومساحتها 97 كيلو بايت


صحيح أن هذه الآيات تعلق على حوادث مضى عليها أكثر من 1400 سنة، لكنها تخاطب المسلمين في كل العصور لتعلمهم كيف يثبتوا خارجياً وداخلياً، فكرياً وعملياً.

البداية و النهاية

بدأت السورة بما يساعد المسلم على الثبات، وختمت أيضاً بما يثبته على الحق.
اقرأ في بداية السورة:}الم  ٱلله لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ  نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيه{ (1-3).
فإلهكم إله واحد وهو المعين على الثبات، والكتاب حقّ، وهو طريقك إلى الثبات على هذا الدين.


والآية الأخيرة تقول للمؤمنين }يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱلله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (200).
اصبروا أي اصبر نفسك، أما صابروا فمعناها أن تساعد غيرك على الصبر، وأما رابطوا فمعناها أن يبقى المسلم مستعداً لمواجهة أي خطر يأتي من الخارج. والرباط يكون على الثغور لدفع وصد العدو الخارجي سواء كان هذا العدو جيشاً أو فكرة وشبهة.
وذكر القرآن كعامل من عوامل الثبات قد تكرر كثيراً في السورة.

فتأتي الآية (7) لتوضح}هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ مِنْهُ آيَـٰتٌ مُّحْكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱلله وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلالْبَـٰبِ{.
فالفهم الصحيح للقرآن من أهم عوامل الثبات الفكري والكثير من الناس قد يزيغون ويقعون في الباطل عن طريق اتباع المتشابه من القرآن. فالسورة تحذرنا من هذا الضلال وتحثنا على أن نكون من الراسخين في العلم، وان ندعو بدعاء الثبات:}رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ{ (Cool.

آيات تدعو إلى الثبات

وهذه الآيات كثيرة جداً في السورة. فمرة يكون ذلك عبر التذكير بأشخاص ثبتوا عند لقاء العدو.
(في معرض الحديث عن غزوة بدر) }َدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَـٰتِلُ فِى سَبِيلِ ٱلله وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ رَأْىَ ٱلْعَيْنِ وَٱلله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لاِوْلِى ٱلاْبْصَـٰرِ{ (13).
ومرة تذكّرنا السورة بالحواريين حين ثبتوا على نصرة دين الله تعالى وعدم الكفر به.
}فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى ٱلله قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱلله ءامَنَّا بِٱلله وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{ (52).
وبمناسبة الحديث عن الأمم السابقة، يذكّرنا الله تعالى بعهد الأنبياء وثباتهم على نصرة الإسلام.
}وَإِذْ أَخَذَ ٱلله مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ...{(81).
وفي سورة آل عمران تجد آيات تحثّك على التقوى والثبات على الدين حتى الممات.
}يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱلله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ{ (102) الآية تقول لك: إياك أن تموت إلا وأنت مسلم.
ولكن كيف ونحن لا نعرف متى نموت؟ الجواب: اتق الله واثبت على طاعته تموت على الإسلام وتضمن حسن الخاتمة إن شاء الله.
وتأتي الآية التي بعدها مباشرة }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{(103).
فإذا أردت الثبات على الحق فاعتصم بالقرآن والزم المتدينين والصحبة الصالحة وإياك والاختلاف.
}وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ...{(105).

وتتوالى الآيات في السورة لتحث على الثبات في مواطن مختلفة. فتأمل معي قول الله تعالى في الثبات عند لقاء العدو:
}وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ {(146).
وتأمّل قول الله تعالى: }ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ
لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱلله وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ  فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مّنَ ٱلله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء وَٱتَّبَعُواْ رِضْوٰنَ ٱلله وَٱلله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ{ (173-174).
آيات كثيرة تدعو المسلمين للثبات وعدم الضعف والتخاذل تحت أي ظرف. ولأن الثبات أمر خطير ومصيري، فالسورة تحذر من عوامل تزلزل إيمان المؤمن وتقلّل من مقدرته على الثبات.

عقبات الثبات: (الشهوات والمعاصي)


في أوائل السورة نقرأ الآية }زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوٰتِ مِنَ ٱلنّسَاء وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلانْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱلله عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَأَبِ{(14).
فالتعلق بمتاع الدنيا الزائل وشهوتها الفانية عامل خطير ضد ثبات الأمة.
ويقول تعالى: }إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ{(155).
فهذه الآية تقول بأن الذين تولوا من الصحابة يوم غزوة أحد كان عندهم ذنوب في الماضي، فاستزلّهم بها الشيطان فلم يثبتوا.
ونرى آية أخرى في نفس المعنى:
}أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ{ (165).

الحل: (التوبة)


لذلك تتكرّر الآيات التي تدعو إلى التوبة والمسارعة فيها.
فيقول تعالى:}ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ{ (16).
}إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ{(89).
وتأتي الآية }وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلاْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ{ (133).
فلتكن هذه الآية شعاراً للشباب الذين يقعون في المعاصي، المسارعة بالاستغفار والتوبة لنثبت على الحق ونضمن جنة عرضها السماوات والأرض.


مما سبق تبيّن لنا أن الثبات على الحق أمر مهم وخطير وأن العقبات دونه كثيرة مما يوصلنا إلى السؤال المهم: ما هي العوامل التي تساعدنا على الثبات على الحق؟

خمسة عوامل: أتت بها السورة وركّزت عليها:

1. اللجوء إلى الله: فالثبات من الله تعالى وهو القادر على تثبيتنا على منهجه.
لذلك فالسورة تحثّ على الدعاء كثيراً من أولها:
}رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ{ (Cool.
}رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ ٱلله لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ{ (9).
}قُلِ ٱللهمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ{ (26).
إلى أن يصوِّر لنا القرآن نماذج مضيئة وكيف كانت تلجأ إلى الله.
فهذه زوجة عمران تدعو الله قائلة: }رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا{ (35).
وزكريا }هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً
طَيّبَةً{ (38).
وتمضي الآيات في السورة لتحثّ على الدعاء وترغب فيه، فهذا
دعاء الأمم السابقة في الثبات عند لقاء العدو }وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ{ (147).
وهذا دعاء أولي الألباب }رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى لِلإِيمَـٰنِ أَنْ ءامِنُواْ بِرَبّكُمْ فَـئَامَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفّرْ عَنَّا سَيّئَـٰتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلاْبْرَارِ  رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ  فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَـٰجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ وَلاَدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ ثَوَاباً مّن عِندِ ٱلله وَٱلله عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ{ (193 - 195).


2. العبادة: وتقرأ في ذلك قوله تعالى: }كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا{ (37) فكانت السيدة مريم عاكفة على المحراب، فتعلم منها سيدنا زكريا لذلك عندما نادته الملائكة لتبشره بيحيى: فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى ٱلْمِحْرَابِ{(39).
وهكذا نرى أن أجواء العبادة في السورة كثيرة ونصل إلى صفات أولي الألباب في آخر السور لنقرأ قوله تعالى: }ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱلله قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ...{ (191).

3. الدعوة إلى الله: توجد منطقة في مخ الإنسان هي منطقة القناعات، وهناك منطقة أبعد وأقوى هي منطقة الهوية والإنتماء، ولكي ننقل فكرة في المخ من منطقة القناعات إلى منطقة الهوية والإنتماء لا بد أن نتحدّث عنها. فقد يكون المرء مقتنعاً بالإسلام، لكن الإسلام لم يصبح هوية له. فإذا أراد الإنسان أن يكمل انتمائه إلى دينه فينبغي أن يكثر الحديث عنه، فيقوى انتماءه للفكرة ويثبت عليها. فالدعوة إلى الله من أهم عوامل الثبات لأن الداعي حين يأخذ بيد الناس فإنه سيكون أول من يثبت على ما يدعو الناس إليه. لذا فإن السورة تحتوي على الكثير من الآيات التي تحثّ المؤمن على الدعوة إلى الله:
}وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ (104).
}كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلله وَلَوْ ءامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ{ (110).

4. وضوح الهدف: ومن عوامل الثبات أن يكون لك هدف واضح في حياتك.
يقول تعالى: }ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱلله قِيَـٰماً... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَـٰطِلاً سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{ (191).
فلا بدّ أن نفهم أن هذا الكون قد أنشئ لهدف ولم ينشأ عبثاً، والهدف هو عبادة الله ومعرفته وأن نكون مسؤولين عن الأرض (كما وضحت سورة البقرة).

5. الأخوة: }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{ (103).
فالأخوة في الله تؤمن للمسلم الصحبة الصالحة وهي من أهم نعم الله على الإنسان }فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً{ (103).
لذلك تحذّرنا السورة من تضييع الأخوة والتفرق }وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ{ (105).
الثبات الفكري

سبق وذكرنا أن السورة تنقسم إلى قسمين:

والقسم الأول من الآية (1 - 120) يناقش عقيدة أهل الكتاب مناقشة راقية وعلمية ومؤدبة. إنها لا تهدف إلى تسفيه أفكارهم بل تهدف إلى تثبيت المؤمنين فكرياً وتنقية أفكارهم من الشبهات.
لذلك إذا عدنا إلى جو هذه المناقشة، نجد أحداثها تدور في المسجد النبوي مع وفد نصارى نجران الذين مكثوا ثلاثة أيام في المدينة ليتحاوروا مع رسول الله  حواراً هو الأول من نوعه بين المسلمين والمسيحيين. ومن المهم هنا أن نوضح أن الحوار والتفاهم مع الآخر لا يعني أبداً التنازل عن جزء من العقيدة أو القيم والمبادئ، وهذا ما سنراه بوضوح من خلال الحوار الموجود في السورة وتقسيم القرآن الرائع والمنطقي لمراحله:

تقوية عقيدة المسلمين قبل النقاش



تبدأ السورة قبل النقاش بتقوية عقيدة المسلمين:
}شَهِدَ ٱلله أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَائِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ{ (18).
}إِنَّ الدّينَ عِندَ ٱلله ٱلإِسْلَـٰمُ(19).
}أَفَغَيْرَ دِينِ ٱلله يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا{ (83).
}وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلَـٰمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ{ (85).
}فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لله وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ{ (20).

إيجاد نقاط اتفاق

لا بد من إيجاد أرضية مشتركة قبل البدء بأي حوار، وهو ما بيّنه القرآن في قوله تعالى: }قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱلله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ ٱلله فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ ٱشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ{(64).
وتذكر السورة الإيمان بأنبياء الله تعالى كلهم (بما في ذلك أنبياء أهل الكتاب) كنقطة أخرى من النقاط المشتركة معهم:
قُلْ ءامَنَّا بِٱلله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلاْسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84).

الحجج والبراهين وسيلة القرآن للتثبيت

}إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱلله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ{ (59).
}يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إِبْرٰهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ ٱلتَّورَاةُ وَٱلإْنْجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{(65).
}هأَنتُمْ هَـٰؤُلاء حَـٰجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ{(66).
}مَا كَانَ إِبْرٰهِيمُ يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ{ (67).
آيات كثيرة في الإقناع العقلي والمنطقي:
}مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱلله ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّى مِن دُونِ ٱلله وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ{ (79).
(وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ وَٱلنَّبِيّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(80).

تحذير أهل الكتاب من التكذيب

وبعد أن عرضت الآيات الأدلّة العقلية والمنطقية، تنتقل إلى جانب آخر من النقاش وهو التحذير والترهيب.
}يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِأَيَـٰتِ ٱلله وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ{ (70).
}يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{ (71).
}فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ{ (25).
ثم يشتدّ التحدي:
}َمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ ٱلله عَلَى ٱلْكَـٰذِبِينَ{(61).
تسمّى هذه الآية بآية المباهلة: أي أن يجتمع الفريقان المتناقشان ويبتهلون إلى الله بأن ينصر الفئة المحقة ويلعن الفئة الكاذبة، وطبعاً لم يقبل نصارى نجران هذا التحدي الشديد.

العدل والتوازن في النقاش

ولأن الإسلام دين راق جداً، هذا الحوار لا يختم إلا بذكر حسنات
بعض أهل الكتاب ويحثّ المسلمين على العدل في النظرة إليهم:
}لَيْسُواْ سَوَاء مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايَـٰتِ ٱلله ءانَاء ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ{ (113).
}وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا{ (75).
فالقرآن يعلّمنا أن كونهم غير مسلمين لا يعني أن كل تصرفاتهم خطأ وكل معاملاتهم غش.
يا مسلمون تعلّموا من سورة آل عمران التوازن في التعامل مع غير المسلمين.
والقرآن يثني أيضاً على أنبياء أهل الكتاب:} إِنَّ ٱلله ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ{ (33).
ويمتدح السيدة مريم باصطفائها على نساء العالمين: }وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلَـئِكَةُ يٰمَرْيَمُ إِنَّ ٱلله ٱصْطَفَـٰكِ... عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ{(42).
إنه مبدأ رائع في التوازن والعدل، فلم تأت هذه الآية في مدح زوجة النبي ولا ابنته بل أتت في الثناء على السيدة مريم
عليها السلام.

لا للاتباع الأعمى

وبالمقابل يحذّرنا القرآن من الاتباع الأعمى لأهل الكتاب بعد أن بيّن لنا عقائدهم:
}ٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ{(100).
}وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ءايَـٰتُ ٱلله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِٱلله فَقَدْ هُدِىَ إِلَىٰ صِرٰطٍ مّسْتَقِيمٍ{ (101).
}هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ كُلّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلاْنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ{(119).
}وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ{ (105).
والملاحظ أن محاور هذا النقاش تأتي ضمن آيات متشابكة متتالية: ثناء عليهم، ثم برهان، ثم نقطة اتفاق، ثم تقوية عقيدة (وهو ما يظهر بوضوح في بعض المقاطع مثل الآيات 79 - 83).
ولا ننسى في خضم هذا النقاش آل عمران هذه العائلة المباركة التي سمى الله تعالى السورة باسمها. من امرأة عمران ودعائها إلى السيدة مريم عليها السلام وتبتّلها، ثم زكريا عليه السلام ودعائه، إلى سيدنا عيسى ووالدته ثم رفعه إلى السماء. آيات رائعة في اصطفائهم وفضلهم على العالمين.

ختام أقسام السورة بالثبات

ومن الإشارات الواضحة أن يختم القسم الأول بالثبات }وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً{ (120).
كما ختم القسم الثاني بالثبات } يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱلله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ (200).

الثبات العملي بعد الثبات الفكري

بعدما ثبت البناء الخارجي ضد الأفكار والشبهات ينتقل القرآن إلى تثبيت البناء الداخلي، ويعالج القرآن هذا الموضوع بالتعقيب على غزوة أُحد. فالمسلمون خرجوا من الغزوة منكسرين، خجلين من عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومن هروبهم وخذلانهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان أن عالجهم القرآن علاجاً راقياً من خلال:


1. التذكير بفضل الله عليهم: وأن النصر من عند الله، فذكّرهم بغزوة بدر:
}إِذْ هَمَّتْ طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ{(أي أن لا تثبتا على الحق) }وَٱلله وَلِيُّهُمَا{(122) (هو الذي ثبتهما).
}وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱلله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ{ (123).
ونرى في نفس السياق التأكيد على أن النصر من عند الله:
}بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ... مُسَوّمِينَ{ (125).
لاحظ أن الصبر والتقوى قد تكرر ذكرهما في ختام أقسام السورة، كما ذكرا هنا أيضاً كسبب لنزول الملائكة ونصر المؤمنين.
2. الأمر بالتوبة والعودة إلى الله: هنا مظهر آخر من روعة القرآن في التربية والتثبيت، فقبل أن يذكر أخطائهم أو يؤنبهم، يدعوهم للعودة والإنابة إلى الله: }وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلاْرْضُ{ (133).
}وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱلله فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱلله وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ{ (135).
3. المواساة: رفع الروح المعنوية بين الصحابة، آيات رائعة تخاطب المسلمين في كل زمان ومكان لتثبيتهم رغم كل الآلام وكل المصائب: }وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الاْعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ{ (139).
}إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلاْيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ{(140).
فتمسح الآيات بحنان على آلام الصحابة، فالكفار قد تألموا مثلكم وفقدوا الأرواح مثلكم.
ثم تأتي الآية الرائعة في التثبيت: }أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱلله ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّـٰبِرِينَ{ (142).
فالجنة غالية، ولا بد لمن يطلبها أن يجاهد ويصبر لينالها.
4. لوم رقيق: بعد رفع الروح المعنوية يبدأ اللوم الرقيق.
}وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{ (143).
}وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱلله شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱلله ٱلشَّـٰكِرِينَ{ (144).
ويلومهم لوماً آخر: }إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ{ (153).
تخيل هذا المشهد: المسلمون يركضون ولا يستمعون لأحد والرسول  ثابت في أرض المعركة يناديهم ويذكّرهم بالآخرة. ثم ذكّرهم بأحوال السابقين وثباتهم:
}وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ{ (146).
5. عودة للمواساة: }ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ{ (154).
ويحنن قلب النبي صلى الله عليه وسلم عليهم (فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱلله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ
فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ(159).
حتى بعد الهزيمة، تأمر الآيات النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يترك الشورى.
استشعر روعة هذا الدين الذي يمزج اللوم مع الحنان والمواساة في أحلك الظروف وأصعبها.
6. أسباب الهزيمة وعدم الثبات: بعد كل هذا لا بد من تبيان أسباب الهزيمة والثبات حتى يستفيد المسلمون في كل زمان ومكان من الأخطاء التي وقعت:
أ.الاختلاف وعدم الطاعة: }وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱلله وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ{ (152).
فالله تعالى قد أصدقكم وعده بالنصر }حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ{(أي لم تثبتوا) }وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلاْمْرِ{ (أي اختلفتم) }وَعَصَيْتُمْ{ وهذه إشارة إلى خطورة المعصية وأثرها }مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ{ (من بعد ما أراكم بشائر النصر) }مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ{ (بعضكم كان يبغي متاع الدنيا من وراء القتال، فكانت الهزيمة).
ب.المعاصي والذنوب: }إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ{(155).
ج.التعلق بالأشخاص: فعندما يتعلق الناس بالأشخاص أكثر من تعلقهم بالفكرة يضعف ثباتهم وانتماؤهم للفكرة نفسها، فبعض الصحابة ألقى السلاح عندما سمعوا بإشاعة قتل النبي  فنزلت الآيات تؤنبهم
}وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ{ (144).

التحذير من الخلاف في السورة

لاحظنا أن السورة ركزت على التحذير من الخلاف لأنه من أكثر العوامل التي تؤدي لعدم الثبات وتزلزل الصف الداخلي سواء أكان الخلاف فكريا أو عملياً.
لذلك حذّرت السورة من:
أ. اتباع الآيات المتشابهة من الكتاب بقصد الفتنة والتأويل: }فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ{ (7).
ب.التفرق والاختلاف في الفروع: }وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱلله جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ{(103). وتحذرنا السورة من الخلاف والتفرق في آيات
الله }وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ{ (105).
ج. الربا: لأنه من أسباب الخلاف بين المسلمين }يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرّبَا أَضْعَـٰفاً مُّضَـٰعَفَةً{ (130).
د. التفرد بالرأي: لذلك أمرت الآيات النبي بالشورى رغم كل ما حدث في أحد }فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلله{ (159).

علاقة القسم الأول بالثاني

1. عدم التعلق بالأشخاص: إن إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وسلم والمفاجأة التي حصلت في أُحد هزت المسلمين، وكذلك فان قصة رفع المسيح فجأة هزت المسيحيين وأدت إلى ما هم عليه من ضلال. فسورة آل عمران توجهنا إلى التعلق بالفكرة لا بالأفراد والأشخاص، فهم يزولون ويموتون وتبقى الفكرة ويبقى الدين، فيا شباب إن أردتم الثبات فإياكم والتعلق بداعية ما أو بشخص ما ونسيان الفكرة والرسالة.
2. أهمية الاتباع: مع أن السورة ركّزت على عدم التعلق بالأشخاص لكنها بيّنت أهمية الاتباع والطاعة.
- ففي القسم الأول: }فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى ٱلله قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ ٱلله{ (52).
هذه الآية وضّحت الغاية }إِلَى ٱلله{ وبيّنت لهم الوسيلة والطريق: }مَنْ أَنصَارِي{ فلا بد لهم أن يكونوا من أنصار النبي.
- ونرى في القسم الثاني آية عامة على مر العصور في اتباع الأنبياء:
}وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱلله يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ{(146).
والآية }إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ{ (153).
تلوم المؤمنين على تقصيرهم في اتباع النبي وطاعته في غزوة أحد.
لماذا سميت السورة بآل عمران؟
ما علاقة كل ما قيل عن الثبات بآل عمران؟ إن الله تعالى قد اختار في هذه السورة رمزين من رموز الثبات، امرأة آل عمران، ومريم بنت عمران، وسرد لنا قصتهما في ربعين كاملين من السورة. فالسيدة مريم ثبتت على طاعة الله تعالى وعبادته وثبتت على العفة حتى استحقت أن تذكر بهذه الصفة في القرآن }ٱلَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا{ فمن أخطر الأمور التي تضيّع الأفراد وتضيّع المجتمعات الفشل في الثبات على الطاعة وعلى العفة. فكانت السيدة مريم عليها السلام رمزاً للثبات عليهما.

وأما زوجة عمران فقد كان همها الأول أن يكون الجنين الذي تحمله ناصراً لدين الله تعالى: }رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنّي{ (53).
محرّراً أي خالصاً لك فكانت تريده أن يحرر المسجد الأقصى من يد الرومان المعتدين وبذلك كانت رمزاً للثبات على فكرتها حتى بعد أن علمت أن وليدها كان أنثى. }فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّى وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَٱلله أَعْلَمُ ِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ وَإِنّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ...{ (36) فتقبّل الله تعالى من امرأة عمران صدق نيتها }فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا
نَبَاتًا حَسَنًا...{(37).

واللطيف أن الله تعالى ذكر هذين الرمزين في السورة التي تناقش أهل الكتاب وهذه طريقة مميّزة للقرآن في تقريب الناس كما مرّ معنا. فمع أنه ينكر على ما يعتقده أهل الكتاب لكنه يثني على شخصيات عظيمة يؤمنون بها كزوجة عمران والسيدة مريم.

قيمة المرأة في السورة

واللطيف أيضاً في السورة التي تتحدث عن الثبات أن الله تعالى قد جعل نموذج الثبات سيدتين فالسورة مع أن اسمها آل عمران، لم تذكر عمران نفسه بل ركزت على زوجته ونيتها المخلصة في نصرة دين الله التي كانت سبباً بعد ذلك في ولادة السيدة مريم ومن بعدها سيدنا عيسى. لاحظ أيضاً أن سيدنا زكريا على ما له من قيمة في أنبياء بني إسرائيل قد تعلّم من السيدة مريم.
}كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ
يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱلله...{ و}هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ...{(37-38).
فرمز الثبات في السورة هو النساء، والسورة التالية بعد آل عمران هي أيضاً سورة النساء، وهذا أوضح دليل على تكريم الإسلام للمرأة ورفع قدرها.

فالثبات الثبات على الحق فكراً وعملاً، واجعل لك مبدا وهدفا فى حياتك واثبت عليه ، وتعلّموا من السيدتين اللتين ذكرتا في هذه السورة: امرأة عمران، ومريم بنت عمران.
[/size]
__________________
أرجـو الدعاء بالرحمه لـ( أحمد) و لشهداء وأموات المسلمين أجمعين




    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 20 سبتمبر 2017, 4:01 pm