مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

مدارسةسورة الفاتحة

شاطر

عزة

default مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:15 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه تعالى نستعين
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً
بدأنا بحول الله وقوته..
ــــ
مدارسة سورة الفاتحة
باسمه تعالى نفتتح المجلس الأول من سورة الفاتحة. ومنهجُ التدارس قائم أساساً على السير المتأني، والتحقق بالآيات كلمةً كلمةً؛ قصد تمكين القلب من التلقي للرسالات المنهاجية الواردة في السورة، والتخلق بحقائقها الإيمانية. وما التوفيق إلا بالله.

تقديم
الفاتحة باب القرآن
و"فاتحة الكتاب" هي باب القرآن الأول. هي "فاتحة" نعم، ولكنها ليست كأي فاتحة! فإذا كان مِنْ وظائفِ المقدماتِ والفواتحِ تقديمُ مضمونِ الكتاب للناس، على سبيل العرض الإجمالي، فإنَّ الله – جلَّ جلالُه - قد ثَـنَى القرآنَ كلَّه ثَنْياً في سورة الفاتحة! وإنما هي سبع آيات! بما بهر القلوب بقوة نوره! وأعجز العقول عن إدراك سره! فلذلك سماها تعالى "السَّبْعَ الْمَثَانِي"! وبذلك أيضا كانت هي "أم القرآن"، و"أم الكتاب"! وكانت مفروضةَ التلاوةِ في كل ركعة من كل صلاة، فريضةً كانت أم نافلة! لا تصح صلاةٌ إلا بها! قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ! فهي خِدَاجٌ! فهي خِدَاجٌ! غَيْرُ تَمَامٍ!)( ) والْخِدَاجُ: النقصان والفساد واللغو. وقال عليه الصلاة والسلام جازما: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب!)( )
ويكفي سورةَ الفاتحةِ قدراً وعظمةً أنها هي التي امتن الله بها على خليله المصطفى محمد - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ!)(الحجر:87). فجعلها في سياق الْمَنِّ مُوَازِيَةً لكل القرآن العظيم؛ بما ثَنَى فيها من جميع حقائق القرآن! حتى لكأنها هي كل القرآن! وقد صَرَّحَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ببيان ذلك فقال: (أم القرآن هي: السبع المثاني والقرآن العظيم!)( ). وقال عليه الصلاة والسلام: ("الحمد لله رب العالمين": أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني!)( ) ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: ("الحمد لله رب العالمين" هي: السبع المثاني الذي أوتيته والقرآن العظيم!)( ) وعن أُبَيٍّ - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (السبع المثاني: فاتحة الكتاب!)( ) والأحاديث الصحيحة في ذلك كما ترى كثيرة وفيرة!
ومن هنا فالفاتحة باب ليس كأي باب! إنها تنفتح بك مباشرة على الملأ الأعلى! وتنطلق بك في سياحة روحية كبرى في عالم الْمُلْكِ والملكوت! وتتدفق منها على مواجيدك المشاهداتُ تَتْرَى! أليس القرآن هو الكتاب الجامع لكل الكتب؟ والكتاب المهيمن على كل الكتب؟ ثم أليس الفاتحة هي أم ذلك الكتاب الجامع والمهيمن؟ فأي مُلْكٍ تنفتح عليه هذه الآيات العظيماتُ وأي ملكوت؟! ذلك ما لا سبيل إلى حده بعبارة! ولا إلى وصفه بإشارة! فلا يملك الداخل عبر كلماتها إلى عوالم القرآن، إلا أن يَخِرَّ راكعاً لله رب العالمين! وإنما يكفيني مؤونة البيان العاجز، أن أحتمي ببيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أعلم الخلق بالله وبكتابه! قال سيدي مُقْسِماً بخالقه العظيم على التفرد المطلق للفاتحة عن كل الكتاب! وعلى ما تكتنـز به اختصاصاً من أسرار اللوح المحفوظ وأنواره! فَاسْتَمِعْ وأبْصِرْ ثم تَدَبَّرْ: (والذي نفسي بيده! ما أُنْزِلَ في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها! وإنها لسبعٌ من المثاني والقرآنُ العظيم الذي أُعْطِيتُهُ!)( ).
ذلك لأنها معراج الروح الأبدي إلى الله، بما هو جلَّ جلالُه رَبُّ العالمين، كُلِّ العالمين! فأي باب هذا أم أي طريق؟ ذلك سر من أسرار جَعْلِهَا هي الصلاة! وجعلها مَنَاطَ الصِّلَةِ اليومية بالله لملايير المسلمين إلى يوم الدين! ثم جعلها مقسومةً بين الرب الكريم وبين عبده المطيع نصفين، حَمْداً وعَطَاءً مُتَبَادَلَيْنِ، لا ينتهيان أبداً! فمن ذا يَشِذُّ عن مدارها الجميل شارداً عن الله، إلا ضَالٌّ مَكِينٌ وخَاسِرٌ مُبين! ذلك بيان سيدي المصطفى عليه الصلاة والسلام، في إضافةٍ نوريةٍ على شعاع الحديث السابق، قال: (ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثلُ أم القرآن! وهي السبع المثاني. وهي مقسومة بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل!)( )
وإن لتنـزيل سورة الفاتحة على محمد - صلى الله عليه وسلم - مع خواتيم البقرة، لَقِصَّةً وأي قصة! أخرج مسلم عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: (بينما جبريلُ قاعدٌ عند النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع نقيضاً من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا بابٌ من السماء فُتح اليوم، ولم يُفتح قط إلا اليوم! فنـزل منه مَلَكٌ فقال: هذا مَلَكٌ نزلَ إلى الأرض، لم ينـزل قط إلا اليوم! فسَلَّمَ وقال: أبشر بنورين أُوتِيتَهُمَا لم يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ! فاتحةُ الكتاب! وخواتيمُ سورة البقرة! لن تَقْرَأَ بِحَرْفٍ منهما إلاَّ أُعْطِيتَهُ!)( ) يعني مما ورد فيهما من الذِّكْرِ والدُّعَاءِ، طَلَباً طَلَباً! ورَغَباً رَغَباً! فأي خسران تحصده الأمة اليوم، وأي غبن تجنيه؛ إذْ فرَّطتْ في هذا الكنـز العظيم!
فيا نفسي الجهولة المغبونة! أَوَتَدْرِينَ ماذا تخسرين!؟ وكم تخسرين!؟ حينما تستفتحين الصلاة بقلبٍ شاردٍ عن مشاهدات الجمال والجلال، وأنتِ قائمةٌ بمحاريب السبع المثاني؟! فواحسرتاه واحسرتاه! على عمر ضاع في متاهات الشرود! وواحسرتاه واحسرتاه! على نَزَقٍ تلطخ بأوساخ الذنوب! والفاتحة بين يديك الآن تتدفق بكوثر الرحمة والغفران، ولا أنتَ يا قلبي الكليل تتعرض لربيعها!
منقول للفائدة

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:19 pm

المجلس الثاني
في مقام التلقي لرسالة الاستئذان

والابتلاء فيه واقع بالكلمات التالية:
1- كلمات الابتلاء: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"
2- البيان العام:
أما هذا فمقام الاستئذان! مقامٌ يتدفق بأنوار السكينة والجمال!
"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ": هي صيغة البَسْمَلَةِ، مفتاحٌ لكنوز الأسرار والأنوار!
وهل يَخْرُقُ العبدُ الأعتابَ والأبواب على سيده بغير طَرْقٍ؟ ولا يراعي مقام العبدية في جانب فعله، ولا مقام الربوبية في جانب سيده، فينتهك كل حرمات الأدب والحياء! إذن يُطْرَدُ مذموماً مدحوراً! ويُحْرَمُ من بركات النور والهدى!
فاطرقْ أبوابَ القرآن يا قلبي مستأذناً على مولاك!.. ورَتِّلْ: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ!)
والبسملة بهذه الصيغة جزء آية من سورة النمل، وهي في قوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام من كتابه إلى بلقيس: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)(النمل:30). لكنها ليست آية معدودة ضمن سورة الفاتحة( ). غير أنَّ قراءتها عند بدء السُّوَرِ سنة ثابتة، ما عدا سورة التوبة.
ومعناها: أبدأ بتسمية الله وذِكْرِه دون غيره، بما هو - جل وعلا – "الرحمن": أي واسع الرحمة، رحمة تَسَعُ كلَّ خلقه، وتشملهم أجمعين، صالحهم وطالحهم، مؤمنهم وكافرهم، إنسهم وجنهم... إلخ. وبما هو "الرحيم": أي أن له خصوص رحمة متفردة للمؤمنين خاصة دون غيرهم، في الدنيا والآخرة. فقول القائل: (بسم الله الرحمن الرحيم) عند قراءة السورة من القرآن توحيدٌ متضمن معنى الدعاء، فكأنه قال: اللهم إني أقرأ هذه السورة باسمك وبإذنك وحدك، ولا مراعاة لغيرك في هذا، معترفاً ومُقِرّاً بأن قراءتي هذه إنما هي تَجَلٍّ من تجليات رحمتك عليَّ، من حيث أنت الرحمن الرحيم. فبرحمتك الشاملة أتمكن من القراءة فعلا، وأقدر على ممارستها، وبرحمتك الخاصة أهتدي إليها، وأستفيد من بركاتها وأنوارها. ومن هنا كان الأدب أن أقرأ باسمه هو تعالى لا باسم غيره، فهو وحده صاحب الفضل كله!
فإذا كانت "الاستعاذة" إعلانا للافتقار وطلبا للجِوَار، فإن "البسملة" استئذانٌ، واستمداد التوفيق من الرحمن! وكلتاهما عتبةٌ من نور لدخول القلب إلى كنوز الفاتحة.
3- الهدى المنهاجي:
وهدى الآية متضمن لأربع رسالات:
- الرسالة الأولى:
أنك ما قدَرتَ على ما تريد فعله؛ ولا وُفقت إليه إلا برحمة الله، تلك الرحمة الربانية العظمى التي لا يقوم شيء في الكون إلا بها! وهو من أهم معاني التوحيد والإخلاص، مما يحقق للقلب بركة العمل، وثمرته الإيمانية فعلا. فلا تغبن نفسك يا صاح، وتخلق بهذا الصلاح!
- الرسالة الثانية:
في أن العبد لا ينبغي له أن يتصرف في شيء من الأعمال إلا باستئذان سيده، سواء كان ذلك من العبادات أو من العادات؛ تعبيراً عن مطلق التوكل والخضوع الواقعين بالقلب. ولذلك شرع النبي - صلى الله عليه وسلم – بسنته القولية والعملية اعتماد الأذكار، عند بداية كل فعل وتصرف تعبدي أو عادي، من صلاة وصيام وحج، أو بيع وشراء، ودخول وخروج، ومباشرة، ونوم واستيقاظ... إلخ. كل ذلك له في السنن الصحيحة عبارات من الأذكار، تدور حول المعنى الاستئذاني التوكلي، الذي شُرِعَتْ له "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ".
- الرسالة الثالثة:
في أن المستأذِنَ مُسْتَنِدٌ إلى مولاه ومنتسب في عبوديته إليه! فلا يصول ولا يجول إلا به؛ وبذلك تتجلى عليه بركة الرحمن، قُوَّةً ومَدَداً! فقيمة المملوك تتحدد بقيمة من يملكه! فمن ذا قدير إذن على إذاية عبد الله؛ إذا انطلق يحمل شارة الإذن من مولاه؟! ومَنْ مِنَ الناس يستغني بنفسه عن الله إلا جاهلٌ بالله؟ كيف وهذا سليمان نفسه - عليه السلام - وهو من هو في قوته ومُلكه، يكتب إلى بلقيس نَصَّ الاستئذان من ربه، وشارة الاستناد إليه: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ!)(النمل:30)! وإن تلك لعلامة ربانية تفتح النور على الهداية الرابعة، وهي:
- الرسالة الرابعة:
أن ما كان "باسم الله" وحده صِدْقاً؛ كان لله وحده قَصْداً. وما كان كذلك تولاه الله بالحفظ والرعاية، وبالتسديد والترشيد، وبالنصرة والتمكين! فلا يكون شيءٌ من فعل العبد آنئذ، في الدين والدعوة، وفي سائر ضروب الكسب الدنيوي والأخروي، إلا على عَيْنِ الله – جَلَّ جلالُه - صناعةً ومَعِيَّةً! فأَعْظِمْ بِهِ من عَمَلٍ يَتَوَلاَّهُ اللهُ ويَنْصُرُهُ!
4- مسلك التخلق:
ومسلك التخلق بهذه الكلمات قائم على تحقيق المشاهدة تفكراً وتدبراً، لعجزك عن فعل أي شيء إلا بالله! هذا من جهة، ثم تحقيق المشاهدة – من جهة أخرى – لتجليات أسمائه الحسنى في ملكوت السماوات الأرض؛ وهيمنة الرب العظيم على كل شيء! تتدبر ذلك كله وتتبصره، وتتدرج عبر معارفه بمداومته منـزلةً منـزلةً؛ حتى تعاين يقينا أن لا شيء يكون في الْمُلْكِ والملكوت – مهما دَقَّ - إلا بإذنه! (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ! فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ!)(يس: 82-83)
فيا نفسي الأمَّارة! واهِمَةٌ أنت! كيف تستطيعين العيش خارج جمال الرحمة الإلهية؟ وهذه أنوارها الكبرى تمتد إلى العالمين بأسرار الأسماء الحسنى وبركاتها.. تفيض على العباد بلطف الرعاية، ونور الهداية! كيف؟ وهذا نور الرحمن جل جلالُه؛ لو انقبض عنكِ - لأَقَلَّ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ- لكنتِ عدما في عدم! ويحك..! ومن ذا في الكون قائم بغير اسمه تعالى؟ فأعلني الانتساب إلى الله! وتأدبي عند طرق بابه الكريم؛ معتصمة بسر الاسم: الله الرحمن الرحيم؛ يَكُنْ لكِ ما تقصدين إن شاء الله!

منقول للفائدة

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:21 pm

المجلس الثالث


في مقام التلقي لرسالة الحمد
والابتلاء فيه واقع بالآيات التالية:


الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ.


هذا مقام انفتاح الأبواب العليا!.. وما كان للرحمة الإلهية الكبرى إلا أن تنفتح لاستضافةِ عبدٍ فَرَّ إلى الله مستجيراً، ثم طرق بابه مستأذنا!

فبأي شيء يمكنك أن تبادر ربَّكَ الآن يا عبد الله؟ بأي شيء وهذه نِعَمُهُ عليكَ قد سَبَقَتْ قدومَكَ! أوليس قد خلقك؟ أوليس قد رزقك؟ أوليس قد رعاك؟ أوليس قد هداك؟ فبأي لسان تتكلم اليوم بين يديه؟ أبلسان الحمد والشكر؟ وأيُّ لغةٍ في العالم قديرة على إنشاء الشكر الكامل والحمد المطلق، لرب أنعم عليك بكمال النعم وبمطلق الإحسان؟ وإنما حقيقة الشكر أن يكون على قَدْرِ النعمة أو يزيد! تلك هي القضية!

ألاَ لاَ حَمْدَ للهِ ولاَ شُكْرَ إلاَّ بما حَمِدَ هو تعالى بِهِ نَفْسَهُ! فَادْخُلْ تواضعَ عبوديتِكَ لله يا عَبْدُ واقرأ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!"
اقرأ حَمْدَ اللهِ لنفسه، وثناءَ اللهِ على ذاتِه! اقرأه قرآناً كريماً مجيداً، وتَعَبَّدْ! فإنما القرآن وحده هو خطاب الكمال، وهو وحده شُكْرُ الكمال، وهو وحده حَمْدُ الكمال! فإنما هو كلام صادر عن الله ذي الجلال والجمال والكمال! وليس غريبا على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو أعرف العارفين بالله، وأعْلَمُهُمْ بِهِ جلَّ عُلاَهُ – ليس غريبا عليه أن ينطق بحكمته النبوية الرفيعة، وهو يناجي ربَّه ساجداً له، مُتَهَجِّداً في غسق الدُّجَى: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك! وبمعافاتك من عقوبتك! وأعوذ بك منك! لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسك!)(1).

ومَنْ يُحْصِي الثناءَ على الله إلاَّ هُوَ جَلَّ جلالُه!؟ ولو لم يكن لهذا القرآن من وظيفة إلا أنه أتاح لنا أن نشكر الله ونحمده بكمال حمده وشكرانه، لكفى به نعمةً عظمى على العالمين! فـ(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ!)

(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ذلك بدء الفاتحة، فاتحة القرآن العظيم! وهي كلمة شكر عظمى، جامعة مانعة. جامعة لكل حمد يليق بشؤون الربوبية العليا، بما هو الله رب العالمين! مانعة من دخول أي أحد سواه فيما يليق به - جل وعلا - من الحمد والثناء. ومعناها: الشكر والثناء خالصاً لله وحده! إنها إذن كلمة حمد وكلمة توحيد وإخلاص.. إنها ثناءٌ على الله؛ لجمال أسمائه الحسنى وصفاته العُلَى، وشكرٌ له تعالى؛ بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها عدد، ولا يحيط بِمَلَكُوتِهَا أحدٌ!(2) ووصفه تعالى بـ(ربِّ العالمين): أي رب الإنس والجن والملائكة، ورب السماوات والأرَضِينَ، وما فيهن من سائر الخلق أجمعين. قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَآئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ. مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)(الأنعام:38).

و(الرَّبُّ) - في كلام العرب – لفظ جامع لكل معاني المالِكية والهيمنة. ولذلك فهو يطلق على السيد المطاع، والْمُصْلِح للشيء، والمالك للشيء. وربنا جل ثناؤه: هو السيد الذي لا شبيه له ولا مثيل في ملكه وسلطانه، وهو المصلحُ أمرَ خلقِه، والْمُدَبِّرُ أمرَ مملكته؛ بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر! ومفتاح معنى الربوبية هو صفة الخالقية؛ ذلك أن المالك الحق للشيء إنما هو الذي خلقه. والله جل جلاله هو: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(الزمر:62-63). ولذلك كان بحق هو رب العالمين! فكان الحمد له - وحده دون سواه - بكل تلك المعاني الكونية الشاملة، النابعة من قلب المؤمن، والمتوجهة إليه بالعبادة شكراً وثناءً، بما لجلاله العظيم من سلطان على كل العالمين!

"الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، سبق البيان أن اسم الجلال: "الرحمن" دال على عموم الرحمة لجميع الخلق، وأن لا شيء قائم في الوجود إلا برحمته، سواء في ذلك عالم الإنسان وغيره من العوالم الأخرى، كعالم الملائكة والجان والكواكب السيارة في الفضاءات والأفلاك الضاربة في المجهول، وما فوقها من طبقات السماوات! ثم نزولا إلى عالم الحيوان والنبات والجماد، وما بين هذه وتلك من دقائق المخلوقات، وما لا علم للإنسان به من عجائب الكائنات. فكل موجود إنما وجوده تجلٍّ من تجليات رحمانيته تعالى، خلقا وتقديرا ثم رعايةً وتدبيراً. ولولا رحمانيته لكان عدما في عدم! فبالرحمانية خُلِقَ العالم، وبالرحمانية يقع تدبيره من لدن خالقه الرحمن، وبالرحمانية تتنـزل الأرزاق على الخلق أجمعين، من سائر الأجناس والأنواع، من الإنس والجن إلى سائر الحيوان ودقائق الحشرات والجراثيم، إلى عوالم الحيتان والأسماك، إلى شتى ضروب النبات. وبالرحمانية تتصرف القدرة الإلهية في إصلاح شؤون الكون الممتد من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وصيانته ورعايته، ومن هنا ناسب جدا أن يَرِدَ وصفُ الرحمانية في سياق الحمد لله، بما هو "رب العالمين".

وبذلك كله استحق هذا الاسم العظيم من أسماء الله الحسنى، "الرحمن" أن ينال ضربا من الاستقلال في الدلالة على الذات الإلهية، بما جمعت من شؤون الربوبية وكمال الألوهية! فكاد يكون رديفا لاسم الجلال الأعظم: "الله" جل جلاله! لا يوازيه في ذلك اسم آخر مما عَلَّمَنَا اللهُ - تبارك وتعالى - من سائر الأسماء الحسنى! وهذا واضح جدا من استعمالات القرآن لاسم الرحمن بما لم يرد في اسم آخر سواه، كما في قوله تعالى: (قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى)(الإسراء: 110)، وقوله سبحانه: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(طه:5)، وقوله سبحانه: (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً)(الفرقان: 59-60). ومثل ذلك في القرآن كثير جدا؛ بما يدل على سَعَةِ هذا الاسم العظيم وشموليته لكل شؤون الربوبية العظمى تماما كما لاسم الجلال: "الله" جل علاه. وهذا واضح في السُّنة أيضان من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن)(3).

ثم سبق البيان أيضا أن اسم "الرحيم" دال على خصوص الرحمة للمؤمنين. وكفى العبدَ المؤمنَ شرفاً وتشريفاً، وكفاه فرحاً بالله وأُنْساً به تعالى، أن يكون له من ربه خصوص رحمة، مستثناة من عموم رحمانيته للعالمين! إنها الرحمة الخاصة، ذات الأسرار والأنوار، رحمة الهدى والجمال، الجمال المتجلي بالإيمان على عباد الله المؤمنين؛ حَدْواً لهم ضمن قوافل الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، إلى دار السلام والنعيم المقيم.

وأما قوله تعالى: "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ"، فقد قُرِئَ: "مَلِكِ" بمعنى الْمُلْكِ، وقُرِئَ: "مَالِكِ" بمعنى الْمِلْكِ. والدِّينُ في اللغة: الحساب والجزاء، الواقع من الله على الخلائق يوم القيامة. فمعنى الآية على القراءة الأولى: أنه تعالى المنفرد يومئذ بالْمُلْكِ، دون الملوك الجبابرة، الذين كانوا في الحياة الدنيا ينازعونه الْمُلْكَ والسلطانَ توهماً واغتراراً، ويدافعونه العظمةَ والكبرياءَ عُتُوّاً واستكباراً. فيوم الدين لا إمكان أبدا لمثل هذا الغرور ولا لمثل ذلك الاستكبار. فالخليقة كلها، ملوكها ودهماؤها، طغاتها ومستضعفوها، كلهم جميعا خاضعون اليوم لسلطانه، جاثون تحت أمره، في انتظار صدور حكمه! مجردون من كل حول وقوة، ومما ابتلوا به في الحياة الدنيا من مُلك ومالكية. فها هم اليوم حفاة عراة فقراء أذلاء، بين يدي الله الملك الحق، المالك لكل حكم وفصل في هذا اليوم الرهيب! ومنه قوله تعالى: (لِمَنِ الْمُلْكُ اليَوْمَ؟ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ!)(غافر: 16).

والمعنى على القراءة الثانية متفرع عن الأولى، وهو: ألاَّ أحدَ يملك في ذلك اليوم مع الله حُكْماً، فهو جل وعلا وحده الذي يملك الحكم بين العباد، ويفصل بينهم بقضائه العدل، وألا شفاعة من أحد لأحد إلا بإذنه تعالى.

فالحمد لله - في بدء السورة - واقعٌ لله بهذه المعاني جميعا، أي بما هو "رب العالمين"، وبما هو "الرحمن الرحيم"، وبما هو "ملك يوم الدين". فذلك كمال الحمد وتمامه منقول للفائدة

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:23 pm

3- الهدى المنهاجي:

وهُدَى الآيات متضمن لأربع رسالات:

- الرسالة الأولى:


في أن الحمد هو أول مقام وجب أن يتحقق به المؤمن العارف بالله حقا، وأول منـزل وجب أن ينـزل به، وأول خُلُقٍ وجب أن يتخلق به؛ إذ الحمد هو مقام التعرف إلى الله بما له - جل علاه - من صفات الربوبية على العالمين رحمانية ورحمة إلى يوم الدين! فكان الحمد بذلك هو أول حق من حقوق الله على العباد، فالحمد أول كلمة في القرآن، والحمد أول كلمة نطق بها آدمُ - عليه السلام - بُعَيْدَ نفخِ الروح فيه مباشرة!(4) فكان الحمد هو كلمة الاعتراف لله بالربوبية على العالمين، وكلمة الخضوع لألوهيته في كل شيء. فهو تخلق بمقام الرضا بالله ربا.

- الرسالة الثانية:

في أنَّ نِعَمَ الله على العباد أعظم وأوسع من مجرد الاستيعاب بالتخيل، بَلْهَ الإحصاء والاستقراء! وأن الإنسان غارق في بحرها العظيم، خلقا وتقديرا، وحفظا ورعايةً، ورزقا وهدايةً.. إلخ. وأنه متقلب في ذلك بين رحمانية الله ورحمته. فلا مناص لمن أراد أن يكون لربه شكورا إلا أن يكون له عبداً متحققا بعبديته!

- الرسالة الثالثة:

في أن الإنسان راحل في سفينة الكون حتما، من الوجود الدنيوي إلى الوجود الأخروي، وأن كل يوم يسلخه من عمره هو مرحلة يقطعها نحو الآخرة! وأن وظيفة الحياة الدنيا منحصرة في معنى واحد ووحيد: هو الحرث! وأن الآخرة هي موسم الحصاد! ولا بد للحارث أن يحرث، فإما خيرا وإما شرا! وإنما تمحيص ذلك هو يوم الدين!
وموسمُ الحرثِ فَانٍ، فَانٍ، فَان! ويوم الدين بَاقٍ أبداً! فلا شيء يبقى للعبد إلا ما كان للباقي!

- الرسالة الرابعة:

في أن الحياة الدنيا لم تقم عبثا، بل هي مراقَبة على العبد، محصاة عليه لحظةً لحظةً، مسؤول عن كل وقت من أوقاتها مما يصرفه من عمره فيها بين ليل أو نهار، ما عمل وما لم يعمل، وأن تصفية حسابها - صغيرِه وكبيرِه - واقع لا محالة يوم الدين! ذلك اليوم الذي هو غاية الحياة الدنيا، والذي من أجله كان الخَلْقُ كلُّه، وكان الوجود كله، والذي من أجله تعيش البشرية أعمارَها. علم ذلك من علمه وجهله من جهله! – ولذلك كانت قراءة المسلم لهذه الآية في كل ركعة من صلواته إيقاظا له من سباته، وتنبيها له من غفلته، وتذكيرا له بحتمية اليوم الآخر، وحثه على الاستعداد له رَغَباً ورَهَباً، بالعمل الصالح، تركا للمعاصي وهجرانا للذنوب، وفعلا للصالحات وإقبالا على الطاعات.

فيا نفسي الأمارة الجهولة! ليس أمامك الآن إلا أن تفري إلى الله، وتعتصمي بحبله المتين، فالعواصف الهوج على وشك الضرب بأغصانك الشاحبة! فإلى متى وأنت تُسَوِّفِينَ التوبة من يوم إلى غد؟ فكم من غد بقي لك في أيامك المعدودة المحدودة؟ هذه أنوار "الحمد" تضيء لك علامات الطريق إلى الله، وهذه أورادها العملية منتصبة بين يديك، فَعُدِّي مدارجَ العمل، الواحدةَ تلو الأخرى وانطلقي! فهذه الصلوات الخمس ونوافلها مدرسة لمجاهدة النفس الظلومة الجهولة، ولمكابدة أخلاق الرضا بالله؛ عسى أن تتحققي بمنـزلة الحامدين لله رب العالمين! فاعقدي العزيمة على تحقيق الشهود القلبي، سيرا إلى الله جل جلاله، عبر الخطوات القلبية التالية:

- الخطوة الأولى: تحقيق تكبيرة الإحرام في كل صلاة؛ لضمان يقظة القلب عند أول مقام الحمد! وإلا فاتك شهوده، وضاعت منك لحظة الانطلاق؛ فكنت بذلك من المتخلفين عن ركب السائرين إلى رب العالمين! وأنى لك اللحاق وقد حلقت أجنحة الروح عبر معارج القرآن عاليا جدا؟!

- الخطوة الثانية: الصلاة في محراب الكون لشهود الجماعة الكبرى بين يدي رب العالمين والانتظام في صفها الكبير ومسجدها الكوني الفسيح.

- الخطوة الثالثة: مشاهدة نعم الرحمانية والرحمة من خلال تلقي أنوار الأسماء الحسنى، والاغتراف من كوثرها، وحمل النفس على الرحيل إلى منازلها؛ لتلقي تجلياتها، بدءا بما يتجلى على القلب من رحمانية الله، خالقا ورازقا ومحييا وقيوما، إلى ما يتجلى عليه من رحمته تعالى هاديا ونصيرا ثم شكورا.

- الخطوة الرابعة:
مجاهدة النفس على التخلق بأخلاق الرضا بالله ربا في الشدة والرخاء، وفي المرض والصحة، وفي الابتلاء والعافية. وهو مقام الشكر له والثناء عليه بمجامع الحمد المتقلب في عبودية الله على كل حال.

- الخطوة الخامسة: إقامة النفس أبدا على عتبة الاستعداد للرحيل، إلى مملكة يوم الدين، والتفكر الدائم في نشرة الحساب بين يدي الملك العظيم.



منقول للفائدة

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:25 pm

المجلس الرابع من سورة الفاتحة
في مقام التلقي لرسالة الإخلاص


والابتلاء فيه واقع بالكلمات التالية:


(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)


أما هذه الآية فهي قلب سورة الفاتحة! وكنـز أسرارها! ومنبع أنوراها!


إنها آيةُ الآيات، وأمُّ الْمُحْكَمَاتِ، وبَيِّنَةُ البَيِّنَاتِ، ومجمع الدلالات لكل آيات الوظيفة الإنسانية في كتاب الله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ!) إنها مفتاح الفهم الحقيقي لطبيعة الوجود البشري كله! وباب الدخول إلى فَلَكِ الوظيفة الإنسانية الكبرى، المنتظم في مدارات الكون الفسيح، والضارب على هدى الخالق العظيم جل علاه. آيةٌ جامعة مانعة! تلخص قصة الخليقة الإنسانية كلها، من أولها إلى آخرها، وجوداً ووظيفةً وغايةً!


إِيَّاكَ نَعْبُدُ: فضمير النصب المقدَّم: "إيَّاكَ" يفيد الاختصاص والتفريد، أي: لك وحدك نخضع ونخشع، ولك وحدك نَذِلُّ ونستكين، ولك وحدك ننقاد ونخنع. أنت الغاية وإليك المصير، فلا شيء منا إلا وهو إليك سائر، مملوكون نحن لك، وأنت المالك الحق، فلا شيء منا إلا وهو لك، قد فنيتْ جميعُ ذراتنا في بساط ركوعنا وسجودنا لك، يا خالقنا العظيم! قد جمعنا قلوبَنا عليك وحدك، وصفينا قصدنا خالصا لك وحدك، وفنينا عن شهود الشهوات والأهواء والأغيار، فلا التفات عن يمين أو شمال! إنَّا أقمنا وجوهنا لك فلا شيء أمامنا سواك! فأنت ربنا لا إله إلا أنت، وأنت خلقتنا ونحن عبادك، ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا. هذه شهادتنا على أنفسنا، نقر بها خاضعين بين يديك، شهادةً خالصة لك وحدك، ذلك قولنا: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ"!


وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: الاستعانة فرع عن العبادة، ولكنْ لأهميتها أُفْرِدَتْ بذاتها، فكانت مسلكا خاصا إلى توحيد الله وإفراده رَغَباً ورَهَباً. فلا استقامة على العبادة - ابتداءً - إلا بالاستعانة بالله، ولا ثبات على العبادة - انتهاءً - إلا بالاستعانة بالله، ولا بلوغ إلى رغائب الدين والدنيا جميعها، من أمور العادات والعبادات، وصلاح المعاش والمعاد، إلا بالاستعانة بالله! ولا انطلاق ولا وصول إلا بالاستعانة بالله، وبالله وحده دون سواه! ذلك إقرار بعهد، والتزام بميثاق، وشهادة على النفس، على غرار الميثاق الأول: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ"!


إن العبد بتلقيه الآيات الأولى من الفاتحة، قد شاهد أن الله هو وحده الذي بيده ملكوت كل شيء، وأنه هو وحده الذي بيده خزائن السماوات الأرض، فلا شيء إلا وهو مُدَبَّرٌ بشؤون ربوبية رب العالمين! ومن هنا لا يملك المؤمن الذي تلقَّى هذا الشهود، إلا أن يهرع إليه تعالى بإخلاص العبادة والاستعانة. وكيف لا؟ وقد رأى ألاَّ شيء يكون إلا بإذنه! وألاَّ شيء ينفع إلا بإذنه! وألاَّ شيء يضر إلا بإذنه! وأي شيء بعد ذلك - يمكن أن يتصوره العقل - يدور خارج فلك رحمانيته؟ وها كل ذرة في الوجود إنما هي قائمة بقيوميته جل علاه؟! والخلق والأمر كله بيده! فأي مسلك بعد ذلك، وأي طريق أنجى للعبد وأضمن من مسلك: " إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"؟


إنها إذن شهادةُ البراءة التامة من كل قصد غير وجه الله، وشهادة البراءة التامة من كل شريك غير الله، وشهادة البراءة التامة من كل مقصود بالتعبد، توجهاً، وخضوعاً، واستعانةً، وتوكلاً، غيرِ الله! وشهادة الفناء التام عن مراعاة خوارم الإخلاص الصافي، من أدق الشركيات الخفية، رياءً وتسميعاً ومباهاةً؛ إلى أغلظها، من تقديس آلهة الأهواء الباطلة، مما يتجلى في أنصاب المال والأعمال والشهرة، وسائر الشهوات، إلى ما قد يتطور عن ذلك من الأنصاب الحجرية والبشرية، مما قد يُعبد من دون رب العالمين جهاراً!


فَبِنُورِ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، يكشف المؤمن ظلمات النفس، فتحترق في وهجها الرباني العظيم كلُّ الوساوس والدسائس الشيطانية، فلا يبقى برغائبها شيءٌ غيرُ وجهِ الله! وتتدفق المواجيد خالصة لله تترى، فيترقى المؤمن بذلك إلى مقام العبدية العالي؛ تكريما من الله وتشريفاً، فَاقْرَأْ يا صَاحِ وَارْتَقِ! لكن بشرط الوفاء بإخلاص العهد لله وحده! فلا عبادة لغيره ولا استعانة بسواه، من أخفى بواطن الشعور إلى أجلى مظاهر الجوارح! وآنئذٍ تُفْتَحُ مَدَارِجُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" بين يديك؛ ويُؤْذَنُ لكَ بالدخول! ثم تكون المناجاة بينك وبين الرحمن جمالا يتدفق بالعطايا والسلام..! فلَكَ يا عبدَ الله آنئذٍ من الله كل ما سألت!


ذلك مقتضى الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله عن رب العزة والجلال. قال عليه الصلاة والسلام:
(قَالَ اللهُ تَعَالَى: "قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ..!
فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، قَالَ اللهُ تَعَالَى: "حَمِدَنِي عَبْدِي!"
وَإِذَا قَالَ: "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قَالَ اللهُ تَعَالَى: "أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي!"
وَإِذَا قَالَ: "مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ"، قَالَ: "مَجَّدَنِي عَبْدِي!" وَقَالَ مَرَّةً: "فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي!"
فَإِذَا قَالَ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، قَالَ: "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ!"
فَإِذَا قَالَ: "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ!" قَالَ: "هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ!")(1)


القضية ههنا إذن:

فَإِذَا قَالَ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، قَالَ: "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي..!"


فأي كلمات هذه وأي ابتلاءات؟ عبادة واستعانة على تمام التصفية والإخلاص الكاملين لله الواحد القهار؟ ألا إنها دعوى عريضة! وإنما يمحصها الحساب! وإنه لا نجاة منها إلا برحمة الله! ولذلك وَرَدَا في الحديث متتابعين جوابا على الدعوى: الحساب والرحمة! فأما الحساب فقوله: "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي!" وأما الرحمة فقوله: "وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ!"


وما دخل أحدٌ الجنةَ إلا برحمة الله! بَيْدَ أنها بشارة وأي بشارة! بشارة يزفها الرسول الكريم إلى المؤمنين العاملين ألا يقنطوا من رحمة الله، قال صلى الله عليه وسلم: (لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ! قَالُوا: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلاَ أَنَا إِلاَّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ! سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ! وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا!)(2) وفي صيغة أخرى لنص البشارة: (سَدِّدُوا، وقَارِبُوا، وأبْشِرُوا، واستعينوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ، وشَيْءٍ من الدُّلْجَةِ!)(3) التسديد والتقريب، والصلوات الخمس ما بين الغُدُوِّ والرَّوَاحِ، إلى شيءٍ من قيام الليل، بلا غُلُوٍّ ولا تَنَطُّعٍ، وإنما قَصْداً وتوسطاً واعتدالاً! هكذا تتدرج بين منازل "إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، حتى تبلغ المنـزل الأعلى! عطاءً من الله ورحمة!


فَأَكْرِمْ بهِ مِنْ عَطَاءٍ رباني رحيم!



منقول للفائدة

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:27 pm

3- الهدى المنهاجي:


أما ما تتضمنه هذه الآية من رسالات الهدى فهو أعظم من أن يُحَاطَ به عَدّاً وإحصاءً! إنها عمران العمر كله، ووظيفة الوجود البشري كله، ومنهاج الحياة أجمعها! بَيْدَ أنَّا نختصر مقاصدَها ببيان مداخلها الكبرى في الرسالات التالية:


- الرسالة الأولى:

في أن غاية الدين عبادةً واستعانةً إنما هي تخليص القصد وتصفيته لله الواحد الأحد؛ حتى يتحقق المؤمن بمقام الإخلاص صفةً جوهريةً، وخُلُقاً تلقائياً؛ بما يجعله عبدا لله حقا وصدقا. (ألاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ!)(الزمر:3). فالحذَرَ الحذَرَ من أن تنحرف بك الوسائلُ عن الغايات!


- الرسالة الثانية:

أن "إيَّاكَ" شهادةٌ على النفس بالتوحيد الكامل، والتزام منها بالإخلاص التام، وإقرار عليها بمقامه ومسلكه. فإما حقا وتحقيقا، وإما كذبا وافتراءً! كما ورد في البيان القدسي المذكور: "هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي.. وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ!" ولذلك كانت حقيقتُها أنها مناط ابتلاء عظيم! وجب على المؤمن العاقل أن يجعل له من نفسه خلوة أو خلوات؛ للتفكر في شروط الدخول فيه والفوز بمقامه الكريم!


- الرسالة الثالثة:

أنه لا سبيل إلى ذلك إلا باستغراق العمر كله، أيامه ولياليه، في مجاهدة النفس على هذه الحقيقة، سيرا إلى الله عبر منازل "إياك نعبد وإياك نستعين"، خَطْرَةً خَطْرَةً، وخُطوةً خُطوةً، ثم مَقَاماً مَقَاماً. ولهذا القصد جُعِلَتِ الفاتحةُ صلاةً مفروضةً، تُتلَى في كل ركعة من كل صلاة، على مدار الليل والنهار! فصلاتُك ميزانُك! وصلاتُك مقامُك!


- الرسالة الرابعة:

أن العطاء والمنع في كل صغيرة وكبيرة إنما هو من الله. فكل عبادة لغيره ظلم عظيم، وكل استعانة بسواه جهل خطير، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة! لأنه خروج عن فَلَكِ التعبد، وانحراف عن مَدَارِ التوحيد والإخلاص! ثم ضياع رهيب في تيه الظلمات! فَتَخَلَّصْ من الشركيات والخرافيات تكنْ من الآمنين!


- الرسالة الخامسة:

أن كل نقض لصفاء الإخلاص عبادةً واستعانةً، إنما هو نقضٌ لعهد الله، وخيانةٌ له جل علاه! وكيف لا؟ وها أنت ذا تقطعه شهادةً على نفسك صباح مساء؟: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"! ثم تنصرف خلفها إلى سواه؟! فمن يقيك بعد ذلك من عذاب الله؟


- الرسالة السادسة:

إذا كانت سورةُ الفاتحة هي أم القرآن المجيد وخلاصته وروحه! - كما تبين بأدلته من قبل - فإنَّ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" – بما تَفَجَّرَ من أنوارها وانكشف من أسرارها - هي خلاصة الخلاصة! وروح الروح! إنها منطلق الدين، وإنها غاية الدين، وإنها مَدَارُ الدين، وإنها المنهاج العملي الجامع لكل الدين، فلا شيء يبقى خارج فَلَكِهَا من الدين! إنها هي "الكَلِمَاتُ" التي ابتلى بها اللهُ هذه الأمة، كما ابتلى إبراهيمَ من قَبْلُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِيَ الظَّالِمِينَ!)(البقرة: 124) ولذلك فالناس إزاءها بين وَفِيٍّ وظَالِمٍ! فمن أوفى بها أوفى بعهد الدين، ومن خانها خان عهد الدين! وكان بذلك من الظالمين!
وأما تمامُها فهو مقام الغِنَى العالي، فمن تحقق بها خُلُقاً غَنِيَ بالله؛ فكانت له أسماؤه الحسنى جمالاً يَتَلَقَّى أنوارَها عطاءً من الله لا ينفد أبداً! منذ أن يضع قدمَه على صراط الله المستقيم - سيرا إليه تعالى عبر مدارج الابتلاء التعبدي - حتى يلقى رحمةَ ربِّهِ وجمالَ رضاه! فما خاب قطُّ عبدٌ أخلص لله، ولا خَسِرَ مؤمنٌ استعان به وحده جلَّ عُلاَهُ!


4- مسلك التخلق:


أول العمل: تحقيق انطلاق الخطو نحو مقام "إِيَّاكَ"، بما ترتب على مستندها من تفريد في العبادة والاستعانة، وتخليص الوجهة إلى غايتها، ثم شهود مقاماتها في كل صلاة، صقلا للقلب، ومجاهدةً للنفس، وحراسةً يَقِظَةً لأبوابها أن تشرد بعيدا عن مناجاة الله، أو تغفل لحظة عن مدافعة وسواسها، والتصدي بقوة لخناسها، كلما اعترض إخلاصَها وعكَّر صفوَها؛ بما يلقي إليها من صور الأغيار، وخواطر الفتن والأكدار، وبما ينفث في القلب من الإغراءات والشهوات، وشتى ضروب الأوهام والشبهات. تلك حقيقة الابتلاء بكلمات"إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، فما أثقلها من رسالة! وما أعظمها من أمانة! ولكنها يسيرة بتيسير الله على من عزم عزمتَها!

فيا أسفا على عجزك وكسلك يا قلبي العليل! ويا حسرة على تمنيك الواهم، وعلى خطوك المتردد الكليل! فأولئك السابقون هم الآن على أبواب الوصول! وأنت هنا في الخلف ما تزال تفرك عيون النوم تقاعسا، وتتخبط في وحل ريائك وشهواتك! والأوقات تضيع منك هدراً! والروح في أعماق طينك تستغيث!

فاشرب دواء الإخلاص؛ لعلاج القلب من داء الزيغ عن توحيد الله دعاءً واستغاثةً! واسق جراح الروح لشفائها من أمراض التَّسْمِيعِ والرياء، ومن علل العُجْبِ والكبرياء!

وأما تحقيق المناط لذلك الأمر بأجمعه، وكأس الشفاء الجامعة لذلك الدواء كله، فيكون بالدخول في ثلاثة مسالك:

- المسلك الأول: أن تبادر إلى تحقيق المواقيت في الصلوات الخمس خاصة! وتُسْلِسَ القياد لندائها. وأن تتقلب بين منازلها بكل جوارحك ولطائفك، فجراً، ثم ظهرا، ثم عصرا، ثم مغربا فعشاءً! تشهد نظامها ولحظة ميلادها، وتحضر موعد توزيع بركاتها وأرزاقها؛ لتنال نصيبك من أسرارها، تسبيحاً وتوبةً واستغفاراً.
فبانتظام المواقيت تنتظم كل مقامات الدين، وبشهودها يتحقق العبد بمنازل الإيمان، منـزلةً تلو الأخرى، ويتطهر في كل منـزلة من شوائب الأكدار والأغيار، تركاً لكل الفاحشات والمنكرات، ثابت الخطو على سكتي الأمر والنهي، وهو سائر إلى مولاه عبر مدارجِ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ". يحقق نظر القلب إلى مقصدها عند تلاوتها في كل ركعة، ويدعو ربَّه مستعيناً به وحده، عند كل سجود، فلا يخرج من صلاته تلك إلا وهو عبد مستعين، حتى تدركه الصلاة التي تليها. فإذا شهد صفَّها وميقاتها كانت له زادا جديدا كسابقتها، فيخرج منها كما خرج من الأولى. وهكذا يعيش يومَه وليله عبداً خالصا لله وحده، ومؤمنا مستعينا بالله وحده.


- المسلك الثاني: تحقيق خمس براءات من خمسة مهالك! أولها: الخروج الفوري من ظلمات الشركيات الظاهرة والباطنة، من التذلل التعبدي لغير الله، أو التوجه بالدعاء لغير الله، أو الاستغاثة بغير الله، أو تقديم الذبائح والقرابين لغير الله. الثانية: الانقطاع الفوري عن أكل المال الحرام، وأخطره الربا، ثم كل مالٍ ترتب عن أي فعل، أو أي تصرف، أو أي عقد حرام. والثالثة: الفرار من الزنا بشتى مظاهره، من فحش القول وفحش اللباس والنظر الحرام. والرابعة: هجران الخمر والمخدرات بشتى أشكالها، والانقطاع الحاسم عن خبيثة التدخين. وأما الخامسة: فهي مجاهدة نفسك أبداً لحفظ اللسان من كل قول آثم، كذبا كان أو غيبة ونميمة.

فاحذر أشد الحذر من الاقتراب بَلْهَ الوقوع في هذه المهالك الخمسة، فواحدة منها كفيلة بإحراق كل رصيدك الإيماني والعياذ بالله!


- المسلك الثالث: أن ترتب على نفسك برنامجا من الأدعية والأذكار، قوامه ما ورد في السنة الصحيحة من أذكار اليوم والليلة، كدعاء النوم والاستيقاظ، وأدعية الخروج والسفر والركوب، ونحوها، وكذا صلاة الاستخارة قبل الإقدام على عزائم الأعمال، ثم الالتزام بورد يومي – مهما قَلَّ - من سنن التسبيح والاستغفار والصلاة على النبي المختار، عليه الصلاة والسلام.(4) وفي ذلك حِكَمٌ تربوية بالغة، يأتي تأصيلها - مع دعاء الهدى - في المجلس الأخير بحول الله.

والنتيجة: أن العبد المتخلق بمقتضيات هذه المسالك الثلاثة يكون عبدا محروسا بالله، عليه أمان الله وسلامه! ولذلك فهو يهيمن بمقاماته الإيمانية المتجددة على كل تصرفاته وأحواله، سواء منها ما هو من أمور دينه أو دنياه، تاجرا كان أو موظفا، ومهنيا عاما كان أو اختصاصيا، ورئيسا كان في عمله أو مرؤوسا، لا يفارقه في شيء من ذلك كله مقامُ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"؛ بما تحقق له من شهود بركة مواقيتها، والتخلق بجمال منازلها، والوفاء بالتزامات عهدها وميثاقها؛ فيكون بذلك – إن شاء الله - من السابقين!

فيا نفسي المغرورة! تلك هي "كلمات الابتلاء" الملقاة عليك، وتلك هي رسالتها العظيمة، فماذا حملتِ منها وماذا بقي؟ فواحسرتاه عليكِ! هذا البيان النبوي يجزم أن (القرآن حجة لك أو عليك!)(5) فكيف بما تقرئينه منه صباح مساء؟ ميثاقا تلتزمين به بين يدي رب العالمين: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"!؟

منقول للفائدة

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:31 pm

المجلس الخامس والأخير لسورة الفاتحة
في مقام التلقي لرسالة الهدى

والابتلاء فيه واقع بالكلمات التالية:

1- كلمات الابتلاء:
"اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ".

2- البيان العام:
هذه خاتمة المناجاة بينك وبين ربك، الرحمن الرحيم، وبتمامها يغمرك سبحانه بفضله ورحمته، فيقول لك: (هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ!) لقد وصلتَ الآن إلى الغاية، فتمتع بنور الهداية! هنيئا هنيئا! فإنما الهدى جائزة المكابِدين لمنازلِ: "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"! أما وقد وصلتَ؛ فَلَكَ الآن يا صاح أن تسأل ما تريد..! فماذا تسأل؟ وهل في نِعَمِ الله بهذه الدنيا شيءٌ أعظم من نعمة الهدى؟ ذلك النور العظيم الذي ليس بعده إلا جحيم الظلمات وشقاء الضلال! فافتح قلبك للتلقي يا صاح! ولندخل جميعا تحت أنوار هذا البيان!
" اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ"، تعني: أرشدنا يا ربنا إلى معرفة الطريق المستقيم الموصل إليك تحقيقا، ووفقنا للاستقامة على منهاجه تثبيتا. فإنما الهداية الكاملة إرشادٌ للعقل وتثبيتٌ للقلب! وتلك هي حقيقة الْهُدَى. فالصراط المستقيم: هو الطريق الواضح البَيِّنُ الذي لا اعوجاج فيه. وقد يكون المرء على طريق الإسلام على الإجمال، لكن لا يكون على هدى "الصراط المستقيم"؛ بما قد يعتريه من النقص والانحراف في الاعتقاد أو في السلوك، أو فيهما معا؛ مما ينتج عنه اضطراب في المنهاج واختلال، يزيد وينقص على حسب حجم ذلك الاضطراب ونوع ذلك الاختلال.
فالْهُدَى هنا إذن أخص من عموم الهداية الحاصلة بالإسلام، وإن كانت هذه مقدمة لذاك، ومنطلقا له. إلا أن هدى "الصراط المستقيم" هو الغاية من كل سلوك، وهو المقصود من كل عبادة، إنه كمال الإيمان وصفاء الإخلاص. فهو معرفة يقينية بمسلك الوصول إلى الله، بعيدا عن فتن القيل والقال، من المشارب المختلطة بالابتداع العقدي والانحراف السلوكي، مما قد يعتري المنهاج العام للمسلم على الإجمال. فالصراط المستقيم: إنما هو طريق أهل اليقين وكمال الإيمان، ودونه ما دونه من مفاوز المجاهدة والمكابدة! فمن تحقق به فقد نال تاج النعم، وكمال الهدى! فأكرم به وأنعم! ولذلك وجب السعي إليه في كل صلاة، دعاءً أبديا يستغرق العمر كله!
وإلى نحو ذلك ذهب غير واحد من المفسرين. ورجَّحه ابن عطية الأندلسي بعدما ذكر اختلافهم في معنى "الصراط" بين معنى القرآن، وبين معنى الإسلام، وبين معنى سنة الرسول – صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أبي بكر وعمر، قال رحمه الله: (ويجتمع من هذه الأقوال كلها أن الدعوة إنما هي في أن يكون الداعي على سَنَنِ المنعَمِ عليهم، من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، في معتقداته، وفي التزامه لأحكام شرعه، وذلك هو مقتضى القرآن والإسلام، وهو حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – وصاحبيه (...) وأقول: إن كل داع به فإنما يريد: "الصراط" بكماله، في أقواله وأفعاله ومعتقداته، فيحسن على هذا أن يدعو في الصراط على الكمال مَنْ عنده بعضُه.)( ) يعني: أن الجدير بهذا الدعاء الذي يراد به طلبُ الكمال، إنما هو مَنْ عنده بعض معناه، وهو عموم الإسلام مهما شابه من نقص، أي: ولو لم يكن في التزامه إياه على تمام الكمال؛ ولذلك ناسب أن يسعى إلى غايته ومنتهاه بهذا الدعاء. فيكون طلب الهداية إلى الصراط المستقيم طلبا لكمال الهدى وتمام الاستقامة!
وخصوص هذا المعنى من مفهوم "الصراط المستقيم" واضح من بيانه الوارد بعدُ مباشرة في السورة، على سبيل التعريف: "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ"، وهؤلاء وقع الكشف عنهم في سورة النساء، بسياق دال على كل كمال التثبيت على الحق، مع صنف خاص من المؤمنين وهم: الكُمَّلُ من أهل السبق واليقين، من طبقة الأنبياء ورفيقهم! وذلك قوله تعالى في حق بني إسرائيل: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً. وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً. وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً!)(النساء: 66- 69)،
وتقييد الدعاء بهذا الوصف المبعد لفئة المغضوب عليهم، ولفئة الضالين، "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ" – رغم بُعْدِ المسافة الفاصلة بينهم وبين المنعم عليهم - دال على أن المسلم غير المتحقق بصراط أهل اليقين، وغير المتأسي بهديهم، لا يأمن على نفسه أن تزيغ به الشهوات والأهواء؛ فيتردَّى في جحيم العذاب؛ بما يقع عليه من غضب الله، أو يضيع في متاهات الضلال؛ بما يعبد من هواه! تماما كما وقع لليهود من قبل، وكما وقع للنصارى بعدهم!
فقوله تعالى: "غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" أي غير طريق المغضوب عليهم وهم "اليهود" الذين وصفهم الله بقوله: " فَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ"( ).
وقوله سبحانه: "وَلاَ الضَّالِّينَ." أي وغير طريق الضالين، وهم "النصارى"، الذين وصفهم الله بقوله: " قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ"( ).
وموجبات الغضب والضلال كلها أمراض معدية، لا أحد بمنأى عنها، ولو كان من المسلمين! اللهم إلا من عصمه الله بالتثبيت على هدى "الصراط المستقيم"، ووفقه إلى التزام منهاجه القويم. فلا غرو إذن أن يكون ذلك دعاءَنا عند مناجاة الرحمن، في كل ركعة من كل صلاة، سائرين إليه عبر مواقيتها، متقلبين في أحوال العبودية بين يديه تعالى، متقربين ومتزلفين، ما بين منازل الليل والنهار، ونحن نتوجه إليه بطلب نعمة الهدى، ونجأر إليه بأصدق ما يكون الْجُآرُ والاستغاثة؛ رجاءَ بشارة الاستجابة، بما تفيض به من نور، وتتنـزل به من أمان وسلام: آمين!
منقول للفائدة

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:32 pm

3- الهدى المنهاجي:
دعاء الهدى من هذه الآيات هو الغاية التي تنتهي إليها سورة الفاتحة. فإذا كانت آيةُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" هي خلاصتها وروحها، فإن دعاء: "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ!" هو ثمرة تلك الخلاصة، وبشارتها المتنـزلة على العبد، هديةً تملأ قلبَه بالأمن والسلام؛ تحيةً من الله السلام! وإذناً منه - جل علاه - بدخول جنات القرآن! فكانت هذه الآيات هي مصب روافد سورة الفاتحة، ومجمع بحورها، وخزانة أسرارها. والفاتحة متضمنة لكل رسالات القرآن! فأنى لنا استيعابها في كلمات؟ كيف وها الله - جل جلالُه – قد أثقلها بما أثقلها به من كنوز، وجعل فيها ما جعل من عمران، يختصر قصة الوجود ومسيرة الإنسان! ثم طواها لنا طَيّاً، تيسيرا لتلاوتها في لحظات برحمته، وثناها لنا ثنياً معجزا؛ حتى كانت الفاتحة هي "السبع المثاني والقرآن العظيم"!( ) فانطوت بذلك على كل حقائق الإيمان، واختصرت كل قصة السير إلى الرحمن! فمن ذا قدير على تلقي رسالات الهدى من خاتمتها في لحظات؟!
وإنما لنا أن نبقى مع رحمة الثَّنْيِ؛ بما تحيل عليه من رسالات القرآن العظيم، وترشد إليه من مسالك وممالك، وفيما تعرضه من عمران، وتَبْنِيهِ من مدارج ومعارج، ترتقي بالعبد إلى منازل الجوار العظيم، سيرا على صراط المنعم عليهم، من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين.
فجعلنا هذه الآيات - لذلك - متضمنةً على الإجمال الكلي لخمس رسالات، هي:

- الرسالة الأولى:
بما أن دعاء الهدى من هذه السورة، وُضِعَ لِيُتْلَى معها في كل صلاة؛ تجديدا للإيمان، وإلحاحا على الله تعالى بالحاجة والافتقار؛ فقد حق على العبد الالتزام بأوراد الأدعية والأذكار على كل حال – كما أشرنا إليه في المجلس السابق - وتكرارها بالليل والنهار! والحكمةُ المرجوة منها بهذا المجلس هي أن تكون روافدَ روحيةً لدعاء الهدى في الفاتحة، ورافعةً للعبد إلى مقام شهوده، بما له من تميز وخصوص. وبيان ذلك هو كما يلي:
قد تواتر أولا أن الصلاة هي عماد الدين، وأنها خير العبادات، ثم تواتر أن الفاتحة هي أهم أركانها، وأنها أم القرآن وخلاصته، ثم تحقق أن الدعاء هو ثمرتها ونتيجتها، كما أن الدعاء هو مخ كل عبادة، وقد صح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة!)( )
فآل أمر الدين في نهاية المطاف إلى حكمة الدعاء، بما هو سير إلى الله بالافتقار الصادق، الذي يربي القلب على صفاء الإخلاص. فلزم من ذلك كله وجوب سير العبد إلى الله بالدعاء على الإجمال، يحققه في كل عبادة، ويتخذ لنفسه منه أورادا – مهما قَلَّتْ - على حسب مواقيت الليل والنهار، وعلى حسب أذكار اليوم والليلة.
ذلك صريح منطوق القرآن في قوله تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ!)(غافر:40-60) وعلى هذا يفهم قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لاَ يَدْعُ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ!)( ) أي: بما هو قد استغنى عن الله! فكأنما الحديث تفسير للآية. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها : (سَلُوا اللهَ كلَّ شيء! حتى الشِّسْعَ! فإن الله - عز وجل - إن لم يُيَسِّرْهُ لم يَتَيَسَّرْ!)( ) وهو تعبير بليغ عن حقيقة التوحيد وإخلاص الدين لله؛ عقيدةً وعملاً. وذلك هو جماع مقاصد القرآن، وخلاصة غاية الدين، (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ. أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)(الزمر: 2-3). فالدعاء هو التعبير الجامع عن حقيقة الإخلاص، بما هو توجه إلى الله بالافتقار الصادق، رغباً ورهباً، توحيداً وتفريداً. وما من عبادة إلا وهي تؤول إلى هذا المعنى العظيم، الذي هو مخ الدين!
وعليه؛ فكما أن سائر العبادات خادمة للصلاة، باعتبار أن الصلاة هي "عمود الدين"، وأنها خير أعمال المؤمن، كما تواترت بمعناه الأحاديث( )؛ فإن سائر الأدعية خادمة لدعاء الهدى، باعتبار أن هذا أعلى مقام يناله العبد من ربه! فيحتاج لشهود مقامه إلى سير إليه عبر أدعية شتى بالليل والنهار! فانظر كم هو تعيس من يغفل عن أوراد الدعاء!

- الرسالة الثانية:
في أنَّ هُدَى الصراط المستقيم هو أعظم نعمة نازلة من رب العالمين على الإطلاق! وأعظم رحمة تجلت عن اسميه الكريمين: الرحمن الرحيم؛ فكان ذلك هو خير ما يطلبه المؤمن من مولاه؛ لأن به أو بعدمه يتحدد مصيره الأخروي في مملكة الحق، عند ملك يوم الدين. فيا لتعس من خسر ذلك المصير! ويا لسعد من فاز بنجاته وسلامه، وصار إلى مقام جماله!
فيا نفسي الجهولة! إلى متى وأنت منشغلة بسفاسف الأهواء والشهوات؟ وإلى متى وأنت مُعْرِضَةٌ عن برامج الأوقات والصلوات؟ ولاهية عن مجاهدة الخطايا والزلات؟ ثم إلى متى وأنت متراخية عن التشمير عن ساعد الجد في طلب الهدى، وحث الخطى للحاق بقافلة الْمُنْعَمِ عليهم، من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين؟ فبأي رفيقٍ انشغلتِ عن صحبتهم؟ وبأي فتنةٍ عَمِيتِ عن مشاهدتهم؟ وبأي شيطان انقطعتِ عن متابعهم؟ ثم بأي دعوة فاجرة انصرفتِ عن صراطهم المستقيم؟ إنكِ يا نفسُ إن لم تدخلي في العمل الواقف الآن بحقه عليكِ، فعلى دينك السلام! وإنكِ يا نفسُ إن لم تبادري إلى التوبة من التنقل بين السُّبُلِ هلكتِ! فراية القرآن واحدة، ورسالة الهدى لها زمن معلوم هو معيارها، إن فَاتَكِ إبَّانُه فَاتَكِ كلُّ شيء! فالبِدَارَ البِدَارَ قبل فوات الأوان!

- الرسالة الثالثة:
في أن الحياة سير قهري إلى الله، وإنما الاختيار واقع بين طريق مستقيم موصل إلى رحمة الله، وبين طريق معوج موصل إلى عذاب الله. إننا كادحون إلى الله كدحا فملاقوه! لا خيار للبشرية في ذلك أبدا! وإنما وصية الله جاءت ببيان الصراط المستقيم هُدًى للعالمين؛ حتى يكون الكدح سيرا إلى رضى الله لا إلى عذابه! (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(الأنعام: 153).
فيا صاح! إنك راحل إلى الله حتما، وما عمرك هذا المتناثر من بين يديك صباح مساء إلا دلالة صريحة على السير الحثيث، فبعد قليل ستنتهي الرحلة، ونقف على محطة القبر – أنا وأنت! - لنلج عالمَ البرزخ، في انتظار اجتماع أجيال الخلائق لليوم الموعود!

- الرسالة الرابعة:
في أن الهدى - بوصفه توفيقا وتـثبيتا، وبوصفه نعمة ورحمة - لا يكون إلا من الله وبه! هو وحده تعالى مصدر الهدى، وهو وحده مصدر التوفيق إليه، والإرشاد إلى صراطه المستقيم، والتثبيت على التزامه، والتحقق من صفاته وشروطه؛ لذلك فلا إمكان للوصول إلا بما دل عليه هو تعالى من آيات وعلامات. فمن رجا أن يهتدي بغير هدي الله فقد ضل ضلالا بعيدا! فلا يغرنك قول فلان أو علان ممن نصب نفسه دالا على الله بغير منهاج الله! وإنما منهاج الله هو هذا القرآن العظيم. وبذلك جاء الجواب للداعي - بعد ختام دعاء الهدى في الفاتحة مباشرة – بياناً له، في أول سورة البقرة: (اَلَمِّ. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ!)(البقرة:1). ثم ورد البيان النبوي بعد ذلك بعرض منهج الاشتغال بالقرآن وتصريف آياته في الحياة.
فيا قلبي العليل! هذا دواؤك الشافي! فلا تلتفت عنه إلى ما تزينه لك الأهواء، وما يلقيه الشيطان في خواطرك المضطربة، من العدول عن الحق الواضح المبين – في الدعوة والتربية والسلوك - إلى بدع أصحاب الأهواء! فإنما تلك فتنة عمياء وضلالة صماء! ورب شيخ نصب نفسه دالا على الله، وما هو في الحقيقة إلا حِجَابٌ ثقيلٌ من الْحُجُبِ الصَّادَّةِ للخلق عن الله!
فالقرآنَ القرآنَ!.. القرآن زاد الدعوة والدعاة، والقرآن منهاج العبادة والحياة، والقرآن صراط الهدى المستقيم الموصل إلى الله، فماذا تلقيتَ يا صاح بقلبك من هداه؟ وماذا قَدَحْتَ من نوره بين يديك؛ لضبط السير ومعرفة الاتجاه؟ فيا طالب الشفاء للنفس، ويا طالب الغذاء للروح، ويا طالب الصلاح للبلاد والعباد! ذلك هو الحق الذي لا حق سواه! (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ؟ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ؟!)(يونس:32).

- الرسالة الخامسة:
في أن من علامات الهدى، ومن شروط السير على صراطه المستقيم، الاقتداءَ الجميل والتأسي الحسن بمجاهدات الْمُنْعَمِ عليهم، والسير على سَنَنِهِمْ، من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. والتشمير عن عزائم الصبر؛ للالتزام بمسلكهم، والدخول في صحبتهم، ونقل الخطى إلى مجالسهم؛ للغَرْفِ من علمهم، والتخلق بسمتهم، وتلقي حكمتهم، والانضمام إلى قوافلهم السائرة إلى الله. فقوافلهم لا تنقطع أبداً، ومدرستهم مفتوحة سَرْمَداً، فسجل قلبك بفصولها، وادْخُلْ مجالس القرآن!


منقول

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:33 pm


4- مسلك التخلق:
وأما الدخول في مسالك هذه الآيات، على سبيل الابتلاء بكلماتها، والتخلق بِحِكَمِهَا، بما هي باب الدخول إلى عالم القرآن، وفاتحة النور الهادي إلى الرحمن، فهو قائم على قطع خمس خطوات منهجية، وهي الكالتالي:

- الخطوة الأولى: تحقيق شهود الافتقار إلى الله عند تلاوة دعاء "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ!" ومجاهدة النفس أن تشرد في متاهات الغفلة، عند تلقي أنوار التلاوة للكلمات.

- الخطوة الثانية: مطالعة معالم الهدى ومشاهدة جماله، في نماذج الْمُنْعَمِ عليهم من السابقين، وعلى رأسهم أسوة الخلق أجمعين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مَنْ كان معه من الصحابة الميامين، وخاصة منهم خلفاءه الراشدين. فوجب أن نتلقى منه - عليه الصلاة والسلام – هَدْيَهُ في كل شيء، وأن نتعرف على معالم سيرته، ومنهاج سنته، في تعامله مع ربه بالليل والنهار، وتعامله مع أهله، وأصحابه، وأعدائه، في كل أحواله. ثم وجب أن نتدارس سنة خلفائه المهديين الراشدين من بعده، ساداتنا: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، رضوان الله عليهم أجمعين، ففي سنتهم من معالم الهدى ما وجب أن نعض عليه بالنواجد!

- الخطوة الثالثة: الحرص على شهود صلاة الجماعة بمساجدها؛ لأنها من أهم معالم الهدى، ومقياس دقيق لمعرفة موقعك من هدى الصراط المستقيم. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه – قَالَ: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ! فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى! وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ! وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ؛ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً. وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ! وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ!)( )

- الخطوة الرابعة: مجاهدة النفس بالقرآن؛ حتى لا تَفْتَتِنَ عن منهاج الفطرة، ونور الصراط المستقيم، بالالتفات إلى بهارج الهياكل والألقاب، وملاهي الطوائف والأحزاب. ويتم ذلك بالدخول إلى مجالس التلقي للقرآن الكريم، والالتزام بمواعيدها، فهي خير من الدنيا وما فيها! ففي رياضها تتنـزل الرحمة والسكينة، وبفضائها تحتف الملائكة، أنوارا تصل أرواح الجلساء بالسماء، لتلقي الهدى من الله، ونيل شرف الذكر في الملأ الأعلى! فأكرم به مجلسا وأنعم! ذلك بيان الرسول لمنهاج تلقي القرآن، في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده. ومن أبطأ به عملُه لم يسرع به نسبُه!)( )‌
فيا جليسَ الملائكةِ أَبْشِرْ بالهدى والصلاح!

- الخطوة الخامسة: تخصيص وقت خالص - من حين لآخر - للخلوة إلى النفس، لتنظر فيما بينك وبين ربك؛ حتى يصفو لك النظر إلى سيرك؛ فترى موقعك من صراط الله المسقيم، قُرْباً أو بُعْداً، واستقامةً أو حَيْداً، فتحاور نفسك وتناقشها، مساءلةً عما فات، وبحثا فيما أضمرت من مقاصدها لما هو آت، على سبيل التقويم والمحاسبة.
ومقاييسك النقدية التي تحاسب بها نفسك، وتقوم اعوجاجها، عبارةٌ عن مرآة ثلاثية الأبعاد، تكشف لك الصورة الحقيقية لنفسك الأمارة، وتظهر لك كل ما بها من غش وثلمات، أو ما بها من ضعف وهَنَات. فالمقياس الأول: هو مرآة الصلوات والأوقات. والمقياس الثاني: هو برنامج القرآن. والمقياس الثالث: هو مدى انقطاعك عن كبائر المحرمات. وتلك أمور سبق بيان مسالكها العملية ومواردها التطبيقية.
حتى إذا رأيت ما رأيت من نفسك وأحوالها، وشاهدت ما شاهدت من أمراضها وأدرانها، رسمت خطتك للانتقال من حال إلى حال، ووضعت طريقتك للتدرج من مقام إلى مقام. ثم تعزم – بعد ذلك – عزمتك، وتتوكل على الله، مستعيذا به تعالى من كل شيطان رجيم، ثم تهرع بالمبادرة إلى صلاتك! - فهي أول مداخل التصحيح والتقويم - تَجْأَرُ فيها إلى خالقك، وتدعوه رَغَباً ورَهَباً: "اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ!" آمين!

خاتمة
تلك بعض معالم الهدى المتلقَّى من سورة الفاتحة، وتلك بعض رسالاتها. وإنما تتحقق حكمتُها لمن كَابَدَهَا، إذ لا حظ من الحكمة ولا من التخلق، لقارئٍ بغير مكابدة ومعاناة! فهذه مسالك العمل واضحة بين يديك، وهذه حجة الله قائمةٌ أبداً عليَّ وعليك! وهذا العمر يتصرم منا اللحظةَ تِلْوَ الأخرى! فالبِدَارَ البِدَارَ قبل وقوع الْخَسار..!
ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
ــــــــانتهت بحمد الله.
منقول

عزة

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف عزة في الثلاثاء 29 سبتمبر 2009, 9:39 pm

اخواتى اسفة على الاطالة ولكنى احببت ان تقران الموضوع كلة على بعضة واستحلفكم بالله بعد قراءة الموضوع ان تقوموا لتصلوا لله ركعتين وتبكين فيها على تقصيرنا فى حق الخالق الرحمن الرحيم وارجو ان تدعو لى بالثبات اللهم انى اعوذبك ان اشرك بك وانا اعلم واستغفرك لما لا اعلم

ليلاس

default رد: مدارسةسورة الفاتحة

مُساهمة من طرف ليلاس في الأحد 17 يناير 2010, 4:51 am

جزاك الله خيرا حبيبتي
انظر للحياة نظرة المحب المتفائل، فالحياة هدية من الله للإنسان، فاقبل هدية الواحد الأحد، وخذها بفرحٍ وسرور، اقبل الصباح بإشراقه وبسمته الرائعة، اقبل الليل بوقاره وصمته، اقبل النهار بسنائه وضيائه، عُبَّ الماء النمير حامداً شاكراً، استنشق الهواء فرحاً مسروراً، شُمّ الزهْرَ مسبِّحاً، تفكَّر في الكون معتبراً،!


اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ فَرَجاً قَرِيباً وَصَبْراً جَمِيلاً، وَأَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ مِنْ كُلِّ بَلِيَّةٍ، وَأَسْأَلُكَ الشُّكْرَ عَلَى الْعَافِيَةِ، وَأَسْأَلُكَ الْغِنَى عَنِ النَّاسِ. وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَلِيَّ الْعَظِيمِ.

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 03 ديسمبر 2016, 1:45 pm