مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

تأملات في سورة الفاتحة (( الجزء الأول ))

شاطر

ام بودى

default تأملات في سورة الفاتحة (( الجزء الأول ))

مُساهمة من طرف ام بودى في الأربعاء 12 أغسطس 2009, 2:54 am




أسباب البدء بتدبر وتأمل سورة الفاتحة



أولاً:

نحنُ بين يدي سورة هي أعظمُ وأفضل سورة في كتاب الله ، القرآن كله تفسيرٌ لها..وشرحٌ مُجملٌ لها..
هي أم القرآن .. وأمُ الشيء في اللغة : أي أصله.. وقيل أيضاً: أعلاه.. فهي أفضل القرآن وأعلاه..وقد حَوَتْ جميع مقاصده ..

يقول ابن القيم رحمه الله:

"
أعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتمَّ اشتمال ،
وتضمنتها أكمل تضمن.. فاشتملتْ على التعريف بالمعبود تباركَ وتعالى بثلاثة
أسماءٍ ..هي مرجِعُ الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ومدَارُها
عليها..الله والرب والرحمن .... إلى أن قال: وتضمنتْ إثبات المعاد وجزاء
العباد بأعمالهم حسنها وسيئها..".


{ الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين } تعريفٌ بالخالق بأسمائه وصفاته وأفعاله..

{ إياك نعبدُ وإياك نستعين } تعريفُ الطريق إلى الخالق .. وهذا لا يكون إلاَّ بعبادتهِ وعبادته لا تكون إلاَّ بشرعهِ..

{ إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } تعريفٌ بمن سلَكَ الطريقَ ، ومن جانَبه ، ثم معرفة مآلهم : إمَّا إلى جنةٍ أو إلى نار..

وبهذا جمعت الفاتحة مقاصد القرآن الثلاث الكبرى...

هي منحةٌ ربانيةٌ خاصة لنبينا محمد ولأمته.. لم تنزل على نبيٍ من الأنبياء قبله..

قال
صلى الله عليه وسلم :[ والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ، ولا في
الإنجيل ، ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها.. وإنها سبعٌ من المثاني
والقرآن العظيم الذي أُعطيته ]... و وُصِفت بالسبع المثاني لأنها تُكرر
قراءتها في كل ركعة..




هي النور الذي أُعطيه محمد ..


عن
ابن عباس قال: " بينما جبرائيل عليه السلام قاعدٌ عند النبي سمعَ نقيضاً
من فوقه فقال: (( هذا بابٌ من السماء فُتحَ اليوم ، لم يفتح قط إلا اليوم
)) ، فنزلَ منه ملكٌ فقال: ((هذا مـلكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا
اليوم ))، فسلَّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يُؤتهما نبيٌ قبلك ،
فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرفٍ منهما إلا أُعطيته ".


هي الشافية التي تشفي القلوب والأبدان..


كما
حصَلَ في قصة اللديغ التي ذكرها أبي سعيد الخدري فقال: " إن نفراً من
الصحابةِ أضافوا حيّاً من أحياء العرب فلم يُضيفوهم، فلُدِغَ كبيرهم -
لدغته حيةٌ أو عقرب - ولم يجدوا له علاجاً، فجاءوا إلى هؤلاء النفير من
الصحابةِ فطلبوا منهم الرقية..فقالوا: إنكم لم تضيَّفونا ، وإنَّا لا نرقي
إلاَّ بِجُعْلٍ: يعني بأجرْ..فحدُّوا لهم قطيعاً من الغنم فقام أحد
الصحابة فقرأ عليه سورة الفاتحة، فقام الرجل وكأنما نَشِطَ من عِقال،
فأخذوا الغنم ، ولكن لم يتصرَّفوا فيها حتى يستأذنوا رسول الله فَقدِموا
على الرسول وذكروا له القصة فقال: " وما أدراك أنها رقية ؟" ثم إنه قال
لهم: اقتسموا هذه الغنم واضربوا لي معكم بسهم، أو قال : إن أحقَّ ما أخذتم
عليه أجراً كتاب الله ".


والمتأمل في الفاتحة يجد أنها سورةٌ أولها لله وآخرها للعبد، ووسطها مشتركٌ بين العبد وربه ..


كما جاء في الحديث القدسي :" قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: {الحمد لله رب العالمين} قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: { الرحمن الرحيم } ، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي ، وإذا قال:{ مالك يوم الدين } قال: مجَّدني عبدي , وقال مرَّة: فوّضَ إليّ عبدي ،فإذا قال:{ إياك نعبد وإياك نستعين } قال: هذه بين وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، فـإذا قـال: { اهدنا الصراط المستقيم صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهمْ غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ".



ويجدُ أيضاً أن أول هذه السورة رحمة ووسطها هداية وآخرها نعمة ..

وهذا
الترتيب الثلاثي بين الرحمة والهداية والنعمة هو ترتيب مبنيٌ بعضه على بعض
؛ فمن رحمهُ الله هداه, ومن هداهُ فقد أنعمَ عليه.. فالنعمة الحقيقية تكون
بالرحمة والهداية..


ومن مُجملِ ما تقدَّم ذكره من المزايا والفضائل نفهم لماذا كانت الفاتحة هي أفضل سورة في القرآن...
وعلى ذلك قال أهل العلم:
" إن تلاوة ًوتدبر ما كان مفضّلاً يترتب عليه من الأجر والثواب ما لا يترتب على غيره ".
فنحنُ
نطمعُ في تدبرها وتأملها ومدارستها أن نحصّلُ على عظيم أجر الله ، وثوابه
وعطائه .. فعطاء الله ليس كعطاء أحدٍ من خلقهِ ، فالعظيمُ إذا أعطى
تفضَّل.. بل لا يستطيع أحدٌ من الخلقِ أن يَقْدُرَ قدرَ ذلك العطاء..

ولك في سورة الكوثر يا متدبر القرآن أعظم وأصدقُ وأروعُ مثال.. فتأمل...!

ثانياً:

قال ابن القيم رحمه الله:
" علم القرآن جُمعَ في المفصَّل ، وعِلمُ المُفصَّلِ جُمعَ في الفاتحة , وعلمُ الفاتحة جمع في {إياك نعبدُ وإياك نستعين}".
فإذا
كان مرجع الدين كله إلى هاتين الآيتين :{إياك نعبدُ وإياك نستعين} ومدار
العبودية والتوحيد قائمٌ عليها فحريٌ بنا أن نقف معها تأملاً وتدبراً
وفهماً ، واستنباطاً وجمعاً لأقوال أهل العلم فيها..


فبقدر عمق القرآن وعظمته ؛ بقدرِ ما يجب أن نبذل من جهدٍ في فهمه وتدبره..

ثالثاً:

تدبرنا
لسورة الفاتحة يُوصلنا لتحقيق مرتبة الإحسان في صلاتنا.. وهي أعلى مراتب
الدين ، عرّفه رسول الله بقوله: [ أن تعبُدَ الله كأنك تراه ، فإن لم تكن
تراه فهو يراك ]..


قال الحافظ ابن حجر في الفتح :
"
والمقصود بالإحسان : إتقان العبادة ، وإحسان العبادة الإخلاص فيها ،
والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود". والمعنى أن تتعبد
الله وكأنك واقفٌ بين يديه جل جلاله، مُستحضر قُربه مِنك واطِّلاعه عليك
.. تستشعرْ أن الله يراك وأن الله يسمعك..


وهذا الإحسان يستلزم حضور قلبك .. قلبٌ يعي ويفهم ما يقرأهُ وما يردده ..
ليست
الفاتحة عنده مجرد كلماتٍ وألفاظ حفظها منذ الصِغر ، وتدرَّب على قراءتها
في كل صلاة.. بل الفاتحة معاني وفتوحات وأسرارٌ ومفاتيح يسعى لكي ينال
بركتها ويُفتح على قلبه بها ، وهذا لن يكون إلاَّ إذا فعَّل حضور قلبه ولم
يُعطِّله..


من
أجل ذلك فقضية الصلاة بالذات تحتاج منَّا ليس إلى صبر فقط ؛ بل إلى اصطبار
وفرقٌ بين الصبر والاصطبار.. فالزيادة في المبنى زيادة في المعنى كما يقول
أهل اللغة..

الله عزوجل يقول: { وأْمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك ..}


الصبرُ قد يكون له حدٌ معين .. وقتٌ معين .. قوة معينة .. بينما الاصطبار
كأن الآية تخاطبك لتقول لك: "اصبر صبراً فوق صبرك " أي تكلَّفهُ وزد فيه
..!
وقد نتساءل .. هذا الاصطبار نحتاجه في صلاتنا على ماذا تحديداً ؟


أولاً:

من
جهة أن العبادات المنقطعة أسهل على النفس من العبادات المتكررة ، إذ أن
الثبات على الشيء ولمدة طويلة هذا من أصعب الأشياء ، وأشقِّها على النفوس
.. فأنت طيلة عمرك مطلوب منك أن تقوم لصلاة الفجر، وأن تقوم لصلاة العصر ،
وأن تقوم لسائر الصلوات .. هذا الثبات وهذه والمداومة تحتاج إلى اصطبار
وليس إلى صبرٍ فقط..

ثانيا:

ومن
جهة أخرى يأتي الاصطبار حين نُرابط على حضور قلوبنا في صلاتنا ،والأصل
الذي تستصحبه دائماً معك؛ أنه على قدر عنايتك بقلبك تؤجر..وحضور القلبِ
المطلوب ليس في كل صلاة فحسب ؛ ولا في كل ركعة .. بل في كل قراءة ويصبح
هذا همَّاً تحمله وشُعلاً تنشغل به .. أن تكون مُحسناً لا مؤدياً فقط..
يا معاذ لا تدع دُبر كل صلاةٍ أن تقول :[ اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسنِ عبادتك ] ورسولنا
لم يقل: كثرة عبادتك ، أو طول عبادتك ، وإنما قال حُسن عبادتك ، هذا
الإحسان الذي يترتب عليه الأجر.. فمتى كان الإحسان كاملاً كان الأجرُ
تاماً.. ومتى نقص الإحسان نقص الأجر تبعاً له..
فالمُصلون كُثر .. ولكن المحسنين في صلاتهم قلة..
وأول
طريق هذا الإحسان : أن تجمع قلبك حال قراءة الفاتحة ، فكل صلاة لم يُقرأ
فيها بفاتحة الكتاب فهي خُداج غيرُ تمام.. خرَّج مسلم في صحيحه من حديث
أبي هريرة عند النبي قـال: [ من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خُداجٌ – ثلاثاً – غيرُ تمام ]..


نراكم في لقاء آخر نبدأ بتدبر الآيات

الموضوع منقول
للأستاذة نجلاء السبيل


خادمة الإسلام
هيئة التدريس

default رد: تأملات في سورة الفاتحة (( الجزء الأول ))

مُساهمة من طرف خادمة الإسلام في الأربعاء 19 أغسطس 2009, 3:03 pm


استفدت جدا من موضوعك
{ وأْمُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقاً نحن نرزقك ..}


الصبرُ قد يكون له حدٌ معين .. وقتٌ معين .. قوة معينة .. بينما الاصطبار
كأن الآية تخاطبك لتقول لك: "اصبر صبراً فوق صبرك " أي تكلَّفهُ وزد فيه

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 08 ديسمبر 2016, 1:54 am