مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

قبل أن نغرق مع تيتانيك الجديدة (1-2)

شاطر

انتصار
الادارة العامة

default قبل أن نغرق مع تيتانيك الجديدة (1-2)

مُساهمة من طرف انتصار في الثلاثاء 17 فبراير 2009, 4:54 pm

قبل أن نغرق مع تيتانيك الجديدة (1-2)

كتبه/ ياسر عبد التواب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

فالإنسان المعاصر –لا سيما التائه في أغوار العلمانية وجهلها- يركبه الغرور بشكل مثير للسخرية لمجرد أنه صنع شيئًا متقنًا، أو ابتكر نظامًا جديدًا، اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا، وكأنه لم يأت أحد في الكون بمثل ما جاء به، ولا يلتفتُ إلى خَـلـْقٍ هم أدنى منه منزلةً يأتون بأعمال، ولهم نظم هي غاية في الإتقان والروعة، كالنحل، والنمل، والعنكبوت.

بل يصل التمادي مداه حين يظن الإنسان المغرور بالعلمانية في سكرة عماه أنه يمكنه تعميم نتائج نجاحه في جانب على جميع جوانب حياته، بحيث يتجرأ على الخروج عن مسيرة الدين وشرع الله، ويتحدى ربه -سبحانه وتعالى- بذلك الإتقان وذلك الكشف. قل هذا تحديدًا الآن على النظم الاقتصادية والفكرية والسياسية التي تروج لها العلمانية!!

لكن دعنا نضرب المثل بتيتانيك، التي يمكن أن نعدها مثالاً واضحًا على فشل تقدير البشر، إن لم تكن مثالاً على الغرور البشري.
لقد تم تصميم السفينة وفقًا لنظرية السفينة التي لا تغرق -وكان لها قاعان-، وتم تطبيق نظريات حسابات الطفو، ودراسة وتحديد المسافات بين القواطع السادَّة للمياه، ورغم ذلك يضرب الله -تعالى- المثل بهذا الفشل الإنساني -رغم الحرص على الدقة- على عظيم قدرته -تعالى-، وافتقار الناس إليه.
ويمكننا بعين الخيال أن نشاهد إحدى الأميرات البريطانيات وهي تقوم بتدشين السفينة تيتانيك، وتستمع إلى شرح من المهندس الألماني الذي قام بتصميمها وهو يحدثها عن إجراءات الأمان والإمكانيات الخارقة التي تتمتع بها، وتسأله الأميرة: هل يمكن لهذه السفينة أن تغرق؟!
وكان يمكن أن يكون الجواب هادئًا متواضعًا بأنهم اجتهدوا والتوفيق من الله، وما يشبه ذلك من الردود التي تعرف قدر الإنسان، لكن العجيب أن يجيبها المهندس على الفور: "الله لا يستطيع أن يغرقها"!!

ومع ذلك فقد غرقت في رحلتها الأولى، وتحديدًا الساعة 2.20 بعد ظهر يوم 15 إبريل عام 1912م، ويا لجهل الإنسان بربه وقدرته.
فبدلاً من شكر الله -تعالى- وإدراك نعمته؛ حيث هيأ للإنسان القدرة على التنعم برحمة الله -تعالى-، وتسخير الكون له؛ إذا به يظن أن الأمر بيده، وأن إحاطته ببعض أسباب الدنيا تمنعه من أن يأتيه الله -تعالى- من حيث لا يحتسب.

قال -تعالى-: (وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ . إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ . أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ)(الشورى:32-34)، (يُوبِقْهُنَّ): أي يهلكهن.

واسم "تيتانيك" يعني: الجبار أو المارد، سميت بذلك للفخامة التي كانت عليها وضخامة حجمها، ولم يكن غرقها أخذًا سريعًا في لحظة واحدة، كالصاروخ تشالنجر "المتحدي" الذي سقط أمام مودعيه تحديدًا بعد انطلاقه بـ 73 ثانية في 28 يناير 1986 م، وتسبب في مصرع روّاد الفضاء السبعة الذين كانوا على متنه.

وإنما غرقت السفينة تيتانيك في العمق بين سواحل نيويورك وكندا، وكما يقول الدكتور مصطفى الجمال -من جامعة الإسكندرية-؛ بعد ما لاحظ أحد ضباطها وجود هالة من السواد تنبئ عن وجود جبل من الجليد في طريق الإبحار، وتبعد عن مقدمة السفينة آنذاك بمسافة حوالي ثمانية أميال بحرية؛ حتى أعطى القرار الخاطئ بإصداره الأوامر بتحويل وتغيير مسار السفينة فجأة من قيمة الصفر إلى أقصى قيمة لوضع الدفة؛ مما نتج عنه إجهادات عصر فجائية للبدن نتج عنها حدوث شرخ بسطح السفينة، والذي هيأت الظروف له الانتشار بسرعة الصوت في المادة؛ مما أدي إلى انشطار السفينة إلى جزأين غرق الجزء الأمامي منها في التو، بينما ظل الجزء الخلفي يقاوم الغرق لمدة حوالي ساعتين ونصف الساعة كانت كافية لإنقاذ أقل من نصف عدد الركاب بينما غرق جميع من كانوا جهة المقدم من السفينة.

وقد ظن البعض خطأً أن السفينة قد ارتطمت بجبل من الجليد، مع أن موضع غرقها كان يبعد عن أقرب جبل للجليد في المنطقة بقيمة تقدر بخمسة أميال بحرية، أي حوالي 10كيلومترات!

ولا نعني -بالطبع- عندما نذم غرورَ الإنسان وظنَّه الإحاطة بالأشياء؛ أننا نحب الأذى للبشر.
ولا أننا نظن أن الله -تعالى- عاقب أصحاب السفينة بما نقل عن مصممها؛ فالله -تعالى- رحيم لا يحاسب الإنسان بجريرة غيره.
ولا يـُظن -أيضًا- أننا ضد إتقان الأعمال.

ولا أننا ننتقد اجتهاد الإنسان في مجالات العلم أو العمل، أو نقلل من أهمية البحث والاجتهاد، فهذه قضية أخرى لا أظن أننا نختلف عليها، ولم يكن ثمة شيء في أن تخترع السفينة تلك أو الصاروخ إياه -مع تحفظنا على إضاعة الأموال بشكل أناني وغير واضح الفائدة في مثل الصاروخ؛ بينما البشرية ترزح تحت وطأة الفقر، والجهل، والمرض-.

إنما نحن ضد أن يظن الإنسان أنه بمعزل عن قدرة الله، وأن إتقانه لعمل ما يغنيه عن ربه -تعالى-، ويدفعه ذلك إلى محاولة الاستقلال بالتشريع، وتنظيم حياته وفق آرائه البحتة، وبعيدًا عن تشريع الله -تعالى- وهدايته؛ وتكشف الأيام والأحداث أنه كان مخطأً وساذجًا عند ظنه ذلك، ولكنه يندم بعد فوات الأوان. فهل نقول ذلك على ندم "بوش" -المزعوم- على غزوه للعراق دون سند إلا الغطرسة والغرور، ومزاعم مخابراته التي تهرف، وها هو يدفع الثمن غاليًا؟ نعم.

وكم من عالم ضل وأضل، وظَلَم وآذى! إما بتجاربه المباشرة أو بنتائج أعماله، ولو أنه أخضع جموح نفسه ورغباته العلمية والعملية لضوابط الشرع العقدية والأخلاقية؛ لما شهدنا هذا البؤس الذي جرَّت إليه الآلات الحربية، وقنابل الإبادة الجماعية، والتجارب الدوائية على البشر، والنظم الاقتصادية التي لعبت بالإنسان وآذته؛ كالشيوعية والرأسمالية وهلم جرًّا....

فالله -تعالى- هو خالق الكون ومدبر أمره، ولا يكون في ملك الإنسان إلا ما شاء، ولا يجلب الإنسان من خير أو شر إلا إذا أراده -سبحانه-، بل هو في الحقيقة المعطي والمانع، والمعز والمذل؛ فيجب على الإنسان أن يدرك حجمه، قال -تعالى-: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(آل عمران:26).

وكل ما يأتينا من رزق من السماوات والأرض هو من عنده -تعالى- ومن إنعامه، يقول الله -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ . فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)( الروم:48-50).
انظر إلى الفرج من عند الله، وكيف يفرح العباد بذلك، فإذا فرحوا هلاَّ شكروا الله -سبحانه وتعالى- أن أعطاهم ذلك! فلا ينسَ العاقل وهو في غمرة فرحته بنجاحه، أو برزقٍ أعطاه الله -عز وجل- إياه؛ أن يشكر الله -سبحانه-، ولا يطغَ ولا يبغِ، ولا هو كذلك إن أصابه ضراء كفر؛ كمثل الذين ذمهم الله في قوله -تعالى-: (وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ)(الروم:51).

فإذا رأوا رياحاً صفراء، أو رأوا سحابات صفراء، أو رأوا الزرع أصفر؛ يئسوا وقنطوا وحزنوا على ذلك، وظلوا من بعده يكفرون.
وعجيب جداً حال الإنسان! إذا وجد الرزق والماء والطعام، ووجد من فضل الله ورحمته عليه في الدنيا؛ فإنه يفخر به، ويرتفع على غيره، ويكفر النعمة ولا يشكر الله -سبحانه وتعالى-، فإذا ضيق الله -عز وجل- عليه؛ كفر نعمة الله عليه، وبدأ يشتكي من الله، فينسى أنه أعطاه قبل ذلك، وأنه سيعطيه بعد ذلك، ولكن يضيق -سبحانه وتعالى- على العبد؛ حتى يلجئه إلى ربه، وحتى يجأر إليه، ويعرف النعم.

ولو أن الإنسان اعتبر بهذا، وعمم مفهومه على جميع حاله؛ لما تكرر معه هذا الفشل في أحوال كثيرة، وأقصد هنا ما يتعلق بما نسميه: "تيتانيك الثانية"، التي أطلت برأسها مع ظهور قمة الجبل الجليدي للأزمة الاقتصادية الحالية، والتي يتوقع منها غرق سريع ومريع، ينذر بكارثة معها تيتانيك الأولى.
وليس ذلك زعمًا مني، بل إن خبراءَ يشهدون أن تلك الأزمة الجديدة هي تيتانيك أخرى ربما تبتلع الولايات المتحدة، وغالبًا النظام الرأسمالي برمته لو كنا ننظر إلى الأمور بمقدماتها، أما ما مظاهر ذلك؟ وكيف نسعى لنتقيه؟ فذلك حديث آخر.

المصدر
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

انتصار
الادارة العامة

default رد: قبل أن نغرق مع تيتانيك الجديدة (1-2)

مُساهمة من طرف انتصار في الثلاثاء 17 فبراير 2009, 4:57 pm

قبل أن نغرق مع تيتانيك الجديدة (2-2)

كتبه/ ياسر عبد التواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فليس زعما مني بأن تلك الأزمة الجديدة ستغرق فيها الولاياتُ المتحدةُ -وغالبا النظام الرأسمالي برمته- فهي تيتانيك أخرى تهوي من عليائها، ولا ينفعها ما احتاط له صانعوها، ويشهد بذلك خبراء؛ حيث تعددت آراؤهم فيما يحدث وفي أسبابه، وإن كانوا جميعا يؤكدون أنها بداية النهاية سواءً في الاقتصاد أو السياسة أو الاجتماع.

وفي حقيقة الأمر فإن أفول الحضارات هو سنة كونية؛ حيث يحدث ضمور لكل ازدهار ما دامت الأمة حازت أسبابه، وهو ما عبَّر عنه الكاتب الأمريكي "بول كيندي" الذي كتب كتاباً حاز شهرة واسعة من نَحْوِ 20 سنة، ويحمل عنوان "صعود وأفول الدول العظمى"، حيث كان هاجسه فيه أن يجيب على سؤال مفاده: هل من الضروري أن يعقب ازدهار دولة وصعودها إلى مقام الدول العظمى، هبوط وأفول؟ وهل سيحدث هذا أيضا للولايات المتحدة؟

وقد وصل بول كينيدي إلى أن هذا الأفول بعد الصعود يكاد يكون حتمياً، وأن السبب هو أن الدولة العظمى تميل بعد بلوغها درجة معينة من القوة والسيطرة إلى أن تمد نفوذها إلى أبعد من طاقتها، أي إلى أبعد مما تستطيع الاحتفاظ به، إذ يفرض عليها هذا التوسع نفقات اقتصادية فضلاً عن بعض الأعباء السياسية والاجتماعية لا تقدر على مواجهتها، فإذا بها تنكمش وتضطر إلى تقليص نفوذها.

وقد طبق الكاتب هذا بالفعل على أمريكا، وتوقع أن تنكمش كما حدث لبريطانيا، وببعض التأمل نجد أن تصوره هذا ليس ببعيد، وهو ما شاهدناه متمثلا في رغبة الأمريكان في التوسع والسيطرة من خلال مشروع طموح غطوا عليه بغطاء محاربة الإرهاب، ورصدوا له ميزانية ضخمة للغاية لا شك أنها استدراج رباني أضر بها من حيث لا تحتسب، و(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)(الفجر:14).

فيكفي أن نتأمل في أن الإنفاق العسكري زاد حوالي ألف مرة في العالم بعد أن تولت الولايات المتحدة رفع هذا الشعار عقب أحداث سبتمبر.
سبحان الله!! كان الإنفاق العسكري عالميا لا يتجاوز المليار دولار سنويا فرفعته الولايات ورجال الحرب وتجار السلاح إلى حوالي 15 مرة، وفقا لتقرير معهد "ستوكهولم" لأبحاث السلام الدولي الذي رصد بلوغَ الإنفاق على التسلح مبلغا قياسيا بعد أحداث 11 سبتمبر، بلغ 1204 مليار دولار في عام 2006 بينما لم يكن في التسعينات يتجاوز المليار.

وكان مصير هذا التصور للنجاح والسيطرة هو الفشل -بحمد الله تعالى-؛ فلقد وُوْجـِه المشروعُ المتحذلق بمقاومة بدأت بوقف مشروعها وستنتهي ليس فقط بالأحذية، بل بانسحاب ذليل -ربما كان هو أكبر أسباب اختيار أوباما-، فأراد اللهُ -تعالى- أن يجابِهَ التخطيطَ الظالمَ بدفع من الأمة أوقفت تقدمه من جهة، وكبدته خسائر فادحة من جهات سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو الاقتصادي.
خسارات ضخمة للغاية لا تستطيع أمريكا أن تتحملها، فحمل هذا مزيدا من التعجيل بهذا الأفول المذكور.
وعلى صعيد الاقتصاد دعني أذكر لك توقعات الخبراء في هذا الصدد؛ فقبل سنوات كنت أقرأ تحليلات للأستاذ عادل حسين -رحمه الله-، يتوقع تدهورا وأفولا ربطه -وَحُقَّ له- بالنظام الربوي ومشكلاته الاقتصادية والشرعية، فأسَجِّلُ له هنا بُعْدَ نظرهِ، وصائبَ تفكيرِهِ في وقتٍ كانت نشوةُ الولاء على أشدها لهذا النظام البالي المُفْرِطِ الأنانية.

وهذا الذي ذكره الأستاذ عادل ذكره غيرُه، ومنهم الدكتور "إيغور بانارين" عميد كلية العلاقات الدولية في الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الروسية الذي أدلى بتصريح يوم 24 نوفمبر/ 2008 بتصريح لصحيفة "أزفيستيا" الروسية يتحدث فيه عن الانهيار المتسارع الخطى للاقتصاد الأميركي والرأسمالي، وهو صاحب تعليق تيتانيك الذي استعرته منه للتعبير عن الأفول السريع أو سَمِّهِ الانهيارَ.
وكان "البروفيسور بانارين" قد تنبأ بهذا منذ 10 سنوات في عام 1998 بالنمسا بمؤتمر دولي تحت عنوان "الحرب المعلوماتية" متوقعا أزمة اقتصادية ستحدث قي الولايات المتحدة في عام 2009، قد تؤدي إلى حرب أهلية وإلى تفكك الدولة الأمريكية فيما بعد، وبدت آنذاك تنبؤات خيالية، غير أن الكثير منها باتت تتحقق.

وذكر "البروفيسور بنارين" ذلك، وذكر أن الولايات المتحدة ستتفكك إلى أجزاء مقدما فيها براهين مقنعة تشير إلى أن العامل المالي -الاقتصادي- هو القوة المدمرة الرئيسية للولايات المتحدة، بسبب أن الدولار غير مدعوم بشيء، وأن الديون الخارجية كانت تتعاظم بشكل متوال، في حين لم تكن موجودة في عام 1980.

وعندما تنبأ بهذا الأمر عام 1998 كان الدَيْنُ الخارجيُ آنذاك يزيد عن 2 تريليون دولار، أما الآن فإنه بلغ قيمة تزيد عن 11 تريليون دولار، وهذا يشكلُ هَرَمًا سَيَنْهارُ حَتْمًا.

قارِنْ الرقمَ الناجم عن الديون الخارجية، وأضفْ إليه الإنفاقَ العسكري المذكور، وتأتي بعد ذلك المشكلة الاقتصادية الحالية، وما يتبعها من انهيار شركات عملاقة وتأثر البورصة، ودخول البلاد مرحلة الكساد، ألا يمكن أن نشبِّهَ هذا بتيتانيك التي اغتر أصحابها، وظنوا أنهم قد جمعوا لها أسباب النجاة، فإذا بها تهلك في ساعات أمام أعينهم بخطأ غير متوقع؟!

لكنا لا نكتفي بترديد هذه الأقوال عن الفشل الاقتصادي والعسكري وفشو الحماقات السياسية، بل نقول: إن أكبر أسباب الانهيار هو الظلم... نعم ائتوني بطفل في أقصى الأرض لا يعرف مظالم أمريكا! هل تضيع دماء الناس في مشارق الأرض ومغاربها هدرا؟! حاش لله.
فما من ذنب أجدر أن يعجل الله -تعالى- لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم.
والشيء بالشيء يذكر: فلنقل هذا أيضا في أفعال اليهود في فلسطين وفي غزة المحاصرة التي ضمت بعض بلاد العرب للبغي بأهلها قطيعة الرحم، فنسأل الله أن يرحمنا.

إذاً نعود لحديثنا ونقول: إن الله -تعالى- ذكر في كتابه بكل وضوح آيات متعددة حول هذا الطغيان وعاقبته ومآله، ولابد أن نفهمها جيدا ونتأمل فيها، ومن ذلك قول الله -تعالى-:

(مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)(آل عمران:179)، ففيها يتضح لنا أن دوام الظلم محال، وأن الله -تعالى- يتدخل بحكمته وقدرته ليفشل الطغاة ويفضح المفسدين، ويمن -سبحانه- على المستضعفين الذين قال في أمثالهم: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(القصص:5-6)، وفيها أنه مهما بلغ الطغاة من الحذر فإنه -تعالى- يأتيهم من حيث لم يحتسبوا، ويريهم ما كانوا يحذرون، ولا غرو أن أرى اللهُ -تعالى- فرعونَ ما كان يحذر من زوال الملك على يد رضيع تربى في حجره.

وقال -تعالى-: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة:251)، فمن فضله على العالَم أن تدافعَ قوى الخير قوى الشر، وأنه بذلك يذل الله -تعالى- المتكبرين، ولو ذهبنا نستقصي لطال المقام.
ونقول في النهاية -قبل أن نغرق مع تيتانيك الثانية فنضيع كمثل ضياعهم، ونضل كمثل ضلالهم-: لا بد لنا من وقفة؛ وقفة نعود فيها إلى الله -تعالى- ونكبر دينه، ونقر بمنهجه، ونعلم بأن ما قاله -تعالى- هو صدق لا باطل فيه، وهو حق لا زيغ فيه، فلنتبع دينه وأوامره، ولننصر شريعته، وكلنا ثقة بأنها الخير كله.

ومن اتباعنا الصادق ويقيننا القوي أن نسعى أفرادا وجماعات ودُوَلاً إلى تطبيق العقيدة الصافية التي جاء بها الإسلام حيث يزداد يقيننا بألا غالب إلا الله، وألا ملجأ من الله إلا إليه، وأنه -تعالى- غالب على أمره، وأنه لا راد لحكمه، وأنه لا ينفع في البر والبحر غيره.

قبل أن نغرق معهم فلنعد لديننا ولتوجيهاته؛ فلنربأ بأنفسنا عن الربا واقتصاده المشوه الكذوب، وليكن لنا اقتصادنا المستقل القائم على أداء الحقوق والبعد عن الغرر واستغلال حاجات الناس؛ الاقتصاد الإسلامي الحقيقي الذي يحمل في طياته البر والإحسان للفقراء وذوي الحاجات.

وما أجمل الفكرة الرائدة عن الدينار الذهبي الإسلامي وربط العملات به بدلا من الدولار الذي بدأته ماليزيا ولم يلقَ إلا التجاهل من إخوانهم المسلمين.
فقبل أن نغرق معهم فلنستقل عنهم حضاريا في مجالات الحياة المتنوعة: سياسيا، واقتصاديا واجتماعيا، وثقافيا.. نعم نأخذ منهم ونعطيهم، لكن بعزة نفس وتكافؤ مصالح، بل لتكن دعوتنا معنا نقدمها لهم غير أذلة ولا منهزمين فربما ينفعهم ذلك يوما ما، قال -تعالى-: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ)(التوبة:6).
المصدر
www.salafvoice.com
موقع صوت السلف

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 09 ديسمبر 2016, 5:31 am