مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

التشديد والتخفيف في ضوء قراءة حفص

شاطر
avatar
مودة
الإدارة

default التشديد والتخفيف في ضوء قراءة حفص

مُساهمة من طرف مودة في الأربعاء 22 أكتوبر 2008, 10:22 am

بسم الله الرحمن الرحيم


التشديد والتخفيف :



التشديد والتخفيف ظاهرتان شائعتان في اللهجات العربية شيوعا بارزا، ونعني بالتشديد الكلمة


التي زيد على حروفها الأصلية، سواء أكانت هذه الزيادة بتضعيف عين الكلمة أو بتكرار أصوات مماثلة،


فإذا ما جردت الكلمة من أي حرف زائد فهي مخففة، ليس هذا فحسب ، بل إذا تغير شكل الكلمة دون


حذف الزائد فهو شكل من أشكال التخفيف، ومن ثم رأي الباحث أن ثمة مظاهر أربعة للتخفيف، وارتاي


ترتيبها على هذا النحو: تخفيف بالإبدال ، تخفيف بالتجرد ، تخفيف بالادغام ، تخفيف بالحذف .


ولم يكن ثمة نزاع أن التشديد سمة من سمات القبائل البدوية شرق الجزيرة ووسطها، وتتمركزها


قبيلة تميم شهرة؛ وذلك لما في طبعها من جفاء وغلظة، وبهذا يتميز نطقهم بسلسلة من الأصوات


القوية السريعة التي تطرق الآذان؛ كأنما هي مفرقعات متعددة، وتأكيدا لذلك أن وفدا من تميم قدموا


على رسول الله e يعلنون إسلامهم، فأسرعوا إليه ينادون بصوت أجشّ؛ فنزل فيهم قوله تعالى:


"إن الذين ينادونك من وراء الحجرات اكثرهم لا يعقلون ـ الحجرات4"، ثم دعاهم القرآن


إلى خفض الصوت في قوله: "واغضض من صوتك" .



ويقدم د.الجندي تفسيرا مقبولا لميل قبائل شرق الجزيرة وفي مقدمتها تميم إلى الشدة في الكلام


نوجزه في أن البدو يعيشون في الصحاري الواسعة المترامية إلى حد فناء الصوت، فلا يكاد يُسمع،


فحرص البدوي على توضيح أصواته حتى يُسمع، ولجأ إلى تحقيق ذلك بطُرُق شتي منها الجهر


والتفخيم والشدة ، ويضيف الباحث الهمز؛ فهو سمة من سمات الشدة التى اتسمت بها قبائل شرق


الجزيرة تأييدا لهذا الرأي.


ويري د.الجندي أن التشديد مظهر من مظاهر التطور اللغوي؛ إذ يمثل عملية ترميم في جسم العربية ، والباحث


ليس على وفاق وهذا الرأي؛ حيث يري أن التشديد سمة من السمات التي كانت عليها العربية في مراحلها المتقدمة،


داومت بعض القبائل على استعماله، وأخرى عدلت عنه ميلاً نحو التخفيف، وربما كان معظم تلك القبائل من تلك


التي غدت على درجة من الرقي والتحضر؛ ليتواءم ذلك ورقيهم وتحضرهم، والقبائل المتحضرة تلك متثلة في


القبائل الحجازية. وقد احتفظت لنا قراءة حفص بنماذج كثيرة من المستويين


اللغويين، نقتبس بعضا منها للدرس والتحليل
avatar
مودة
الإدارة

default رد: التشديد والتخفيف في ضوء قراءة حفص

مُساهمة من طرف مودة في الأربعاء 22 أكتوبر 2008, 10:23 am

أولا : التشديد :



نلمس هذا المظهر في إيثار صيغة "فعـل" بتضعيف العين،

ومما جاء على هذه الصورة في رواية حفص :

ـ ينزل :

البقرة 90، وبابه إذا كان فعلا مضارعا أوله تاء أو ياء أو نون مضمومة. حيث قرئ بالتشديد من "نزل"

بتضعيف الزاى، وبالتخفيف من "أنزل"، وبالتشديد قراءة حفص . وذكر اللغويون أن دلالة

التشديد التكرار والمداومة شيئا بعد شي .

وعلى شاكلة (نـزّل): (وصي) البقرة 132 و(عقدتم) المائدة 89 و(يمسكون) الأعراف 170

و(سعرت) التكوير 12

كذلك من مظاهر التشديد إيثار صيغتي (تفعّل وتفاعل)، ومما نلمس فيه هذا المظهر:

(يصعد) الأنعام 125، حيث قرئ بتشديد الصاد والعين، وبإسكان الصاد وفتح العين ، والتشديد قراءة

حفص ، وأصلها يتصعد، وأدغمت التاء في الصاد ، فشددت، والتخفيف والتشديد بمعني واحد ، واختار

الطبرى التشديد ؛ لقول عمر: ما تصعدني شي ما تصعدني خطبة النكاح .

و(ادّارك) النمل66،

قرئ بهمزة وصل ودال مشددة مفتوحة بعدها ألف وبهمزة قطع ودال ساكنة، والأولى في رواية حفص .

وأصل (ادراك) تدارك، ثم تماثل الصوتان الأول والثاني لتقاربهما مخرجا وصفة؛ فكلاهما أسناني

انفجاري، بيد أن التاء مهموس والدال مجهور ، والمجهور أقوي، فكانت المماثلة بينهما

رجعية Regressive Assmalation ، حيث أثر صوت الدال القوي في التاء المهموس،

فانقلبت التاء دالا، ثم حدث إدغام بينهما، فسكن الأول، فاجتلبت همزة وصل من أجل النطق بساكن.

و(يّسمّعون) الصافات8 بتشديد السين والميم وبتخفيفهما، والتشديد رواية حفص ،

والأصل: يتسمعون، فتماثلت التاء والسين للتقارب مخرجا وصفة؛ إذ كلاهما صوت أسناني

مهموس، غير أن التاء صوت انفجاري، والسين صوت

احتكاكي ، فكان التماثل رجعيا، إذ انقلبت التاء سينا وأدغمت في السين. واختار أبوعبيدة قراءة

التشديد؛ لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه، وإنما تقول: تسمعت إليه، وعليها ينتفي أن يقع منهم

استماع أو سماع، والتسمع أبلغ من السمع ؛ لأن نفي التسمع يقتضي نفي السمع .

ويلحظ الباحث أن نماذج هذا المظهر تشديدها بالإدغام، الأمر الذي يثير تساؤلا: أليس الإدغام

مظهرا من مظاهر التخفيف؟! و من ثم يري الباحث أن الإدغام ربما لم يكن سبيلا للتخفيف في جميع

الحالات ، فقد يكون مظهرا من مظاهر التشديد والتثقيل؛ ولعل حديثا لأبي عمرو يؤكد هذا، يقول فيه:

الإدغام كلام العرب إذا أرادت التخفيف أدغمت ، فإن كان الإدغام أثقل أتمت" .


ثانيا : التخفيف :


سبق القول بأن ثمة مظاهر أربعة، كل مظهر يمثل مرحلة ما من مراحل التطور اللغوي نحو

التخفيف في رأي الباحث ، وقد ارتأي ترتيبها على هذا النحو :

1ـ تخفيف بالإبدال :

وقد لمسه الباحث في العدول عن صيغة (فعّـل) بتشديد العين إلى صيغة (أفعـل) وهناك كلمات كثيرة

تمثل هذا السلوك الغوي، يرصد الباحث منه على سبيل النموذج :


ـ لتكملوا :

البقرة 185، حيث قرئ بالتخفيف من (أكمل)، وبالتشديد من (كمّل) بتشديد الميم،

والأولي رواية حفص . وذكر المحللون أن التشديد والتخفيف لغتان ، واختار مكي التخفيف لخفته .

ومما يماثل النموذج السابق قوله تعالى: (نُنـج) يونس 103

(يثبت) الرعد 39 ، (يبدل) الكهف 81 (ليوفوا) الحج 29 ، (تمسكوا) الممتحنة 10 .

2ـ تخفيف بالتجرد :

مقصد الباحث منه تلك الصيغ التي جاءت مزيدة بالتشديد في بعض القراءات،

وجاءت مجردة من الزيادة تخفيفا في رواية حفص ، ومن تلك الكلمات:

ـ يطهرن :

البقرة 222، حيث قرئ بإسكان الطاء وضم الهاء وبتشديدها، والأولى رواية حفص ، والتخفيف يحمل

دلالة تخالف دلالة التشديد؛ لأن الطهر يعني انقطاع الـدم، في حين أن التطهر لا يتم إلا بالاغتسال،

والدليل قول العرب: طهرت المرأة من الحيض، فهي طاهر واختار مكي

التخفيف؛ لأن فيه بيان الشرطين الذين بهما تكون الحائض متطهرة : انقطاع الدم والتطهر بالماء .

ـ تلقف :

الأعراف 117 وطه 69، قرئ بإسكان اللام وقاف خفيفة وبتشديد القاف وفتح اللام، والأولى

رواية حفص . والتخفيف من الثلاثي (لقف)، وإنما التشديد من (تلقّف) ، ولا اختلاف دلاليا بينهما بذكر.

ـ يفصل :

الممتحنة3، قرئ بإسكان الفاء وتخفيف الصاد، وبفتح الفاء وتشديد الصاد، والأولى رواية حفص .

وليس بينهما اختلاف دلالي سوى أن التشديد للتكرار. وعلى شاكلة ما سبق: (يذكر) مريم67،

و(فتحت) الزمر71 و19


لمس الباحث من خلال نماذج القراءات السابقة أن التخفيف سمة من سمات لغة الحجاز؛ حيث قرأها

حفص جميعا بالتخفيف، وكذلك أهل الحرمين عدا (تلقف وفتحت)، ولعل هذا الأمر يؤكد أن التشديد

مرحلة سابقة لمرحلة التخفيف، استعملته كل قبائل العرب شرقا وغربا خصوصا في مرحلة بداوتهم،

ومع التطور والرقي لجأت بعض القبائل ـ لاسيما الحجاز ـ إلى التخفيف وقد حفظت لنا رواية

حفص نماذج تمثل المرحلتين.


يتبع ان شاء الله

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 21 سبتمبر 2017, 5:07 pm