مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

شاطر

ام بودى

default سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف ام بودى في الإثنين 20 أكتوبر 2008, 2:02 am



لسورة الفاتحة مكانة مميزة في كتاب الله المجيد، إذ هي فاتحة ذلك الكتاب، وهي ( أم القرآن ) وهي ( أم الكتاب ) وهي ( الأساس ) ولها غير ذلك من الأسماء التي سُميت بها، والتي تدل على مكانة هذه السورة بين سور القرآن الكريم؛ حيث جمعت في آياتها السبع مقاصد القرآن وكلياته .

وفي مقالنا هذا، نطالع بعضًا مما جاء في فضل هذه السورة الكريمة، وموقعها من سور القرآن الكريم، وما ذكره أهل العلم من مناسبات بين آياتها، مستفتحين مقالنا بهذا الحديث:

روى الإمام مسلم في " صحيحه " عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ( قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبد : { الحمد لله رب العالمين } قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال : { الرحمن الرحيم } قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال : { مالك يوم الدين } قال: مجدني عبدي ، وقال مرة: فوَّض إلي عبدي، فإذا قال : { إياك نعبد وإياك نستعين } قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال : { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل ) .

والمراد بـ ( الصلاة ) في الحديث - كما قال شرَّاحه - سورة الفاتحة، سُميت بذلك لأن الصلاة لا تصح إلا بها؛ والمراد: قسمتها من جهة المعنى، لأن نصفها الأول: تحميد لله تعالى، وتمجيد وثناء عليه، وتفويض إليه، والنصف الثاني: سؤال وطلب، وتضرع وافتقار .

ثم قال بعض أهل العلم: أشير في ( الفاتحة ) إلى جميع النعم، فإنها - أي النِعَم - ترجع إلى إيجاد وإبقاء في الحياة الدنيا، وإلى إيجاد وإبقاء في الحياة الآخرة؛ أما إيجاد الدنيا، فيدل عليه قوله سبحانه: { الحمد لله رب العالمين } فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية، وأما إبقاء الدنيا، فيدل عليه قوله تعالى: { الرحمن الرحيم } أي: المنعم بجلائل النعم ودقائقها التي بها البقاء؛ وأما إيجاد الآخرة، فيدل عليه قوله سبحانه: { مالك يوم الدين } وهذا ظاهر، وأما إبقاء الآخرة، فيدل عليه قوله تعالى: { إياك نعبد } إلى آخر السورة، فإن منافع ذلك تعود إلى الآخرة .

وقالوا أيضًا: وكانت سورة الفاتحة ( أم القرآن ) لأن القرآن جميعه مفصَّل من مجملها؛ فالآيات الثلاث الأُول، شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى، والصفات العلى؛ فكل ما في القرآن من ذلك، فهو مفصَّل من جوامعها، والآيات الثلاث الأُخر، شاملة لكل ما يحيط بأمر الخَلْق... فكل ما في القرآن فهو تفصيل لما جاء مجملاً فيها .

وقريب من هذا قولهم: وجميع ما في القرآن تفصيل لما أجملته الفاتحة، فإنها بُنيت على إجمال ما يحويه القرآن مفصَّلاً، فإنها واقعة في مطلع التنـزيل، والبلاغة فيه: أن يتضمن ما سيق الكلام لأجله .

وقد أخرج البيهقي في " شعب الإيمان " عن الحسن البصري أنه قال: " إن الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن في المفصَّل، ثم أودع علوم المفصل في الفاتحة، فمن عَلِم تفسيرها، كان كمن عَلِم تفسير جميع الكتب المنـزلة " .

ورغم تعدد أقوال أهل العلم فيما اشتملت عليه هذه السورة من علوم ومقاصد وحِكَم، بَيْدَ أن كلمتهم قد أجمعت على شمول هذه السورة لكل ما جاء في القرآن، واحتوائها لمقاصد الشريعة في الدنيا والآخرة، ومن هنا كانت فاتحةً لهذا الكتاب، وعنوانًا عامًا يدل على ما جاء فيه من تفصيل وتبيين؛ وبهذا يظهر وجه المناسبة في تصدير هذه السورة لباقي سور القرآن .

ويُسعفنا في هذا المقام، نَقْلُ بعضٍ مما ذكره ابن القيم حول هذه السورة الكريمة، قال رحمه الله: " اشتملت هذه السورة على أمهات المطالب العالية أتمَّ اشتمال؛ فاشتملت على التعريف بالمعبود بثلاثة أسماء: مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها؛ هي: الله، الرب، الرحمن؛ وبُنيت السورة على الإلهية، والربوبية، والرحمة...والحمد يتضمن الأمور الثلاثة، فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ورحمته .

وتضمنت السورة إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، وتفرد الرب سبحانه بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حُكْمُه بالعدل .

وتضمنت إثبات النبوات .

وتضمنت أنواع التوحيد الثلاثة؛ توحيد العلم والاعتقاد، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية .

واشتملت على شفاء القلوب، وشفاء الأبدان؛ فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم، وفساد القصد، ويترتب عليهما داءان قاتلان، وهما: الضلال والغضب؛ فالضلال نتيجة فساد العلم، والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها .

والتحقُّق بـ { إياك نعبد وإياك نستعين } علمًا ومعرفة، وعملاً وحالاً، يتضمن الشفاء من فساد القلب والقصد .

واشتملت السورة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنِّحَل، والرد على أهل البدع والضلال " ول ابن القيم في هذا المقام كلام قيِّم، يمكن الرجوع إليه في كتابه ( مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ) .

نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يعلِّمنا منه ما ينفعنا، وأن يرزقنا العمل بما فيه .


الشبكة الإسلامية

ام بودى

default رد: سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف ام بودى في الإثنين 20 أكتوبر 2008, 2:13 am

وقفات مع سورة الفاتحة

فإنَّ سورةَ الفاتحة التي يقرؤها المسلم في صلاته بعدد ركعات الصَّلوات؛ لقوله فيما رواه البخاري من حديث عبادة: « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب... » يدلُّ هذا على عظيم شأن هذه السُّورة وجليل قدرها، وأنَّه ينبغي للمسلم أن يتأمَّل معانيها فلحكمةٍ بالغةٍ شرع الله تكرارها في الصَّلوات من بين سور القرآن آية.


أسماء سورة الفاتحة:

سورة الفاتحة: فقد سمَّاها النَّبي صلَّى الله عليه وسَّلم: « فاتحة الكتاب » ؛ وذلك لأنَّها أوَّل ما يقرأ من القرآن الكريم.

أم القرآن: وهكذا سمَّاها النَّبيُّ وأنها سمَّيت أم القرآن والله أعلم؛ لأنَّ معاني القرآن الكريم ترجع إلى هذه السُّورة فهي تشمل المعاني الكلِّية والمباني الأساسَّية التي يتكلَّم عنها القرآن.

السبع المثاني: وذلك لأنَّها سبع آيات تقرأ مرَّة بعد مرَّة.

القرآن العظيم: وقد سمَّاها الرَّسول ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : « هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته » .

سورة الحمد: لأنَّها بدأت بحمد الله عزَّ وجلَّ.

الصلاة: كما سمَّاها الله عزَّ وجلَّ في الحديث القدسي: « قسَّمت الصَّلاة بيني وبين عبدي نصفين » ؛ وذلك لأنَّها ذكرٌ ودعاء.


احتواؤها على أسماء الله الحسنى:

في هذه السُّورة ذكر الله عزَّ وجلَّ خمسةً من أسمائه الحسنى:

الله - الربَّ - الرحمن - الرَّحيم - المالك.

أولاً: الله: وهو الإسم الأعظم لله عزَّ وجلَّ ( على قول طائفة من أهل العلم ) الذي تلحق به الأسماء الأخرى، ولا يشاركه فيه غيره.

من معاني اسم الله: أنَّ القلوب تألهه ( تحنُّ إليه ) وتشتاق إلى لقائه ورؤيته، وتأنس بذكره.

من معاني لفظ الجلالة: أنَّه الذي تحتار فيه العقول فلا تحيط به علماً، ولا تدرك له من الكنه والحقيقة إلا ما بيّن سبحانه في كتابه أو على لسان رسوله، وإذا كانت العقول تحتار في بعض مخلوقاته في السَّماوات والأرض، فكيف بذاته جلَّ وعلا.

ومن معاني الله: أنَّه الإله المعبود المتفرد باستحقاق العبادة، ولهذا جاء هذا الإسم في الشَّهادة، فإنَّ المؤمن يقول: ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ولم يقل مثلاً: أشهد أن لا إله إلا الرحمن.

ثانياً: الربُّ: فهو ربُّ العالمين، ربُّ كلَّ شيء وخالقه، والقادر عليه، كلُّ من في السماوات والأرض عبدٌ له، وفي قبضته، وتحت قهره.

ثالثاً ورابعاً: الرَّحمن، الرَّحيم: واسم الرَّحمن كاسم الله لا يسمَّى به غير الله ولم يتَّسم به أحد. فالله والرحمن من الأسماء الخاصة به جلًّ وعلا لا يشاركه فيها غيره أمَّا الأسماء الأخرى فقد يسمَّى بها غير الله كما قال سبحانه عن نبيَّه: { بِالْمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } [التوبة:22].

والرَّحمن والرَّحيم مأخوذان من الرَّحمة.

الرَّحمن: رحمة عامَّة بجميع الخلق. والرَّحيم: رحمة خاصَّة بالمؤمنين.

وفي تكرار الإنسان بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ في جميع شؤونه، ولم يقل أحد ( بسم الله العزيز الحكيم ) مع أنَّه حقٌّ إشارة إلى قول الله سبحانه في الحديث القدسي: « إنَّ رحمتي سبقت غضبي » وكثيراً ما كان الرَّسول يعلِّم أصحابه الرَّجاء فيما عند الله، وأن تكون ثقةُ الإنسان بالله وبرحمته أعظم من ثقته بعلمه، قال صلى الله عليه وسلم : « لن يُدخلَ أحداً الجنَّة عَمَلُهُ، ولا أنا إلا أنْ يتغمَّدني اللهُ برحمتِهِ » .

فهذه الأسماء الثَّلاثة: الله، الربُّ، الرحمن: هي أصول الأسماء الحُسْنى، قاسم الله: متضمِّنٌ لصفات الألوهيَّه. واسم الرَّبِّ: متضمِّنٌ لصفات الرُّبوبيَّة. واسم الرَّحمن: متضمِّنٌ لصفات الجود والبرِّ والإحسان.

فالرُّبوبية: من الله لعباده. والتَّأليه: منهم إليه. والرَّحمة: سببٌ واصلٌ بين الرَّبِّ وعباده.

خامساً: المالك: وذلك في قوله: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي يوم يدان النَّاس بعملهم، وفيه ثناء على الله، وتمجيد له، وفيه تذكيرٌ للمسلم بيوم الجزاء والحساب.

قوله تعالى: { الْحَمْدُ للهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } :

الحمد: هو الثَّناء على المحمود بأفضاله وإنعامه. المدح: هو الثَّناء على الممدوح بصفات الجلال والكمال.

فالحمد ثناءٌ على الله تعالى بما أنعم عليك وما أعطاك، فإذا قيل: إنَّ فلاناً حمد، فمعناه: أنّه شكره على إحسان قدَّمه إليه؛ لكن إذا قيل: مدحه، فلا يلزم أن يكون مدحه بشيء قدَّمه، بل بسبب، مثلاً بلاغته، وفصاحته، أو قوته إلى غير ذلك.

فالحمد فيه معنى الشُّكر ومعنى الاعتراف بالجميل، والسُّورة تبدأ بالاعتراف، والاعتراف فيه معنى عظيمٌ؛ لأنَّه إقرارٌ من العبد بتقصيره وفقره وحاجته واعترافٌ لله جلَّ وعلا بالكمال والفضل والإحسان وهو من أعظم ألوان العبادة.

ولهذا قد يعبد العبد ربَّه عبادة المعجب بعمله فلا يُقبل منه؛ لأنَّه داخله إعجابٌ لا يتَّفق مع الاعتراف والذُّل، فلا يدخل العبد على ربِّه من بابٍ أوسع، وأفضل من باب الذُّلِّ له والانكسار بين يديه، فمن أعظم معاني العبادة: الذُّلُّ له سبحانه. ولهذا كان النَّبيُّ كثير الاعتراف لله تعالى على نفسه بالنَّقص والظُّلم فكان صلى الله عليه وسلم يقول: « اللهمَّ، إنِّي ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وأنَّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنّك أنت الغفور الرَّحيم » .

فبدء السُّورة بـ { الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فيه معنى الاعتراف بالنِّعمة، ولا شكَّ أنَّ عكس الاعتراف هو الإنكار والجحود، وهو الذَّنب الأوَّل لإبليس الذي استكبر عن طاعة الله، فإذا قال العبد: { الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } تبرَّأ من هذا كلَّه فيقول: ( أعترف بأنِّي عبدٌ محتاجٌ فقيرٌ ذليلٌ مقصِّرٌ، وأنَّك الله ربِّي المنعمُ المتفضِّلُ ).

قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } :

{ إِيَّاكَ } : تقديمٌ للضَّمير. إشارة للحصر والتخصيص، وفيه معنى الاعتراف لله تعالى بالعبوديَّة، وأنَّه لا يُعْبَدُ إلا الله وهو أصلُ توحيد الألوهية وما بعث به الرُّسل؛ لأنَّ قضيَّة الرُّبوبيَّة وهي الاعتراف بالله عزَّ وجلَّ أمر تفطر به النُّفوس، والانحراف فيه لا يقاس بما حصل في موضوع الشِّرك في توحيد الألوهية، ولذا ينبغي أن نعتني كثيراً بدعوة النَّاس إلى توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة؛ لأنَّه أصل الدَّين.

وقوله: { إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فيه إثبات الاستعانة بالله، ونفيها عمَّن سواه يعني لا نطلب إلا عونك، فلا نستعين بغيرك، ولا نستغني عن فضلك؛ ولهذا قال تعالى في الحديث القدسي: « هذا بيني وبين عبدي » فقول: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } فهو حقُّ الله تعالى على العبد، فيقرُّ به وأمَّا قوله: { إِيَّاكَ نَستْعِينُ } فهو استعانة العبد بالله عزَّ وجلَّ على ذلك؛ إذ لا قوام له حتَّى على التَّوحيد فضلاً عن غيره من أمور الدُّنيا والآخرة إلا بعون الله. قال تعالى: { وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ } [الأعراف:34].

قوله تعالى: { اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ } :

سؤال هداية يتضمَّن معاني متنوعةً:

المعنى الأوَّل: ثبِّتْنا على الصِّراط المستقيم، حتَّى لا ننحرف، أو نزيغ عنه؛ لأنه من الممكن أنْ يكون الإنسان اليوم مهتدياً وغداً من الظَّالمين.

المعنى الثَّاني: قوِّ هدايتنا، فالهداية درجاتٌ، والمهتدون طبقاتٌ، منهم من يبلغ درجة الصِّديقيَّة، ومن هم دون ذلك، وبحسب هدايتهم يكون سيرهم على الصِّراط، فإنَّ لله تعالى صراطين: صراطاً في الدُّنيا وصراطاً في الآخرة، وسيرك على الصِّراط الأخروي - الذي هو الجسر المنصوب على متن جهنَّم يمشي النَّاس على قدر أعمالهم - بقدر سيرك على الصِّراط الدُّنيوي: فالصِّراط الدُّنيوي هو طريق الله بطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه، قال تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ } [الشُّورى:53،52].

فقوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } يعني: قوِّ هدايتنا، وزد إيماننا، وعلِّمنا، فالعلم من الإيمان، وكلَّما ازداد العبد التزاماً بالصِّراط المستقيم ازداد علمه قال تعالى: { فَأَمَّا الّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } [التَّوبة:124] فزيادة الإيمان هي زيادة ثبات على الصِّراط، قال تعالى: { الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدى } [محمد:17].

فمن الممكن أنْ يكون الإنسان مهتدياً ثمَّ يزداد من الهداية بصيرةً وعلماً ومعرفةً وصبراً فهذا من معاني قوله: { اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ } .

المعنى الثَّالث: أنَّ الصِّرلط المستقيم هو أن يفعل العبد في كلِّ وقت ما أُمِرَ به في ذلك الوقت من علمٍ وعملٍ، ولا يفعل ما نُهِىَ عنه بأن يجعلَ الله في قلبه من العلوم والإرادات الجازمة لفعل المأمور، والكراهات الجازمة لترك المحظور ما يهتدي به إلى الخير، ويترك الشَّرَّ، وهذا من معاني الهداية إلى الصَّراط المستقيم.


حقيقة الهداية:

قولك: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } أي يا ربِّ دُلَّني على ما تحبُّ وترضى في كلِّ ما يواجهني من أمور هذه الحياة، ثمَّ قوِّني وأعنِّي على العمل بهذا الَّذي دللتني عليه، وسرُّ الضَّلال يرجع إلى فقد أحد هذين الأمرين ( العلم والعمل ) والوقوع في ضدها.

أولاً: الجهل: فإنَّ الإنسان قد توجد عنده الرَّغبة في عمل الخير لكنَّه يجهل الطريقة الشَّرعيَّة لتحصيله، فيسلك طرقاً مبتدعة، ويجهد نفسه فيها بلا طائلٍ، وهو يحسب أنَّه يحسن صنعاً؛ بسبب قلَّة العلم، فعندما يقول العبد: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } فهو يسأل ربَّه أنْ يعلمه، ويدُلَّه فلا يبقى في ضلال الجهل متخبطاً.

ثانياً: الهوى: فقد يكون الإنسان عالماً لكن ليس لديه العزيمة، تجعله ينبعث للعمل لهذا العلم، ويغلبه الهوى فيترك الواجب، أو يرتكب المحرَّم عامداً مع علمه بالحكم، لضعف إيمانه ولغلبة الشَّهوة وتعجل المتعة الدُّنيويَّة.

قوله تعالى: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضَّالِّينَ } :

هذا تأكيدٌ للمعنى السّضابق وتفصيلٌ له، فقوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني الذي حازوا الهداية التَّامَّة ممن أنعم الله عليهم من النَّبيِّين والصدِّيقين، والشُّهداء، والصَّالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

ثمَّ قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ هم الذي عرفوا الحقَّ وتركوه اليهود ونحوهم، قال تعالى: { قُلْ هَلْ أُنَبِئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَةُ اللهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } [المائدة:60].

فالمغضوب عليهم من اليهود أو غيرهم: لم يهتدوا إلى الصَّراط المستقيم، وسبب هدايتهم هو الهوى، فاليهود معهم علمٌ لكن لم يعملوا به.

وقدَّم الله تعالى المغضوب عليهم على الضَّالِّين؛ لأنَّ أمرهم أخطر وذنبهم أكبر؛ فأنَّ الإنسان إذا كان ضلاله بسبب الجهل فإنَّه يرتفع بالعلم، وأمَّا إذا كان هذا الضَّلال بسبب الهوى فإنَّه لا يكاد ينزع عن ضلاله. ولهذا جاء الوعيد الشَّديد في شأن من لا يعمل بعمله.

وقوله تعالى: الضَّالِّينَ هما الذين تركوا الحقَّ جهلٍ وضلال كالنَّصارى، ولا يمنع أنْ يكون طرأ عليهم بعد ذلك العناد والإصرار.

الطُّرق الثَّلاثة: إنَّنا الآن أمام ثلاثة طرق:

الأوَّل: الصِّراط المستقيم: وطريقتهم مشتملةٌ على العلم بالحقِّ والعمل به يقول تعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ } [التوبة:33] يعني العلم النَّافع والعمل الصَّالح.

الثَّاني: طريق المغضوب عليهم: من اليهود ونحوهم وهؤلاء يعرفون الحقَّ ولا يعملون به.

الثَّالث: طريق الضَّالَّين: هؤلاء يعملون لكن على جهلٍ ولهذا قال بعض السَّلف: ( من ضلَّ من عباد هذه الأمَّة ففيه شبه من النَّصارى ) كبعض الفرق الصُّوفَّية التي تعبد الله على جهلٍ وضلالة.

وفي الختام أسأل الله تعالى أنْ يجعلنا ممن هدوا إلى الصِّراط المستقيم، ورزقوا العلم النَّافع والعمل الصَّالح وجُنِّبوا طريق المغضوب عليهم والضَّالِّين آمين

هومه

default رد: سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف هومه في الإثنين 20 أكتوبر 2008, 2:32 am

ما شاء الله عليك حبيبتى ام بودى عرض قيم وجميل بارك الله فيك حبيبتى

مها صبحى
الإدارة

default رد: سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف مها صبحى في الإثنين 20 أكتوبر 2008, 4:08 am

ربنا يبارك فيكى حبيبتى ام بودى
دائما تمتعينا و تفيدينا بمواضيعك المميزة مثلك
أسأل الله أن يزيدك علما و ينفعك بما تعلمين

ام بودى

default رد: سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف ام بودى في الأربعاء 22 أكتوبر 2008, 1:50 am

جزاكن الله خير الجزاء اخواتى الكريمات اسعنى مروركن

الطيبه

default رد: سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف الطيبه في الأربعاء 22 أكتوبر 2008, 10:15 am

جزاك الله خيرا حبيبتي ام بودي
موضوع قيم فتح الله عليك بكل خير واسعدك ءامين

engyhussein79

default رد: سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف engyhussein79 في الخميس 23 أكتوبر 2008, 1:53 am

ما شاء الله عليكى
جزاكم الله خيرا

ام بودى

default رد: سورة الفاتحة وموقعها بين سور القرآن

مُساهمة من طرف ام بودى في الإثنين 27 أكتوبر 2008, 2:13 am

جزاكن الله خيرا اخواتى الكريمات

اللهم ارزقنا فهم القران و تدبره

و ارزقنا الخشوع فى الصلاة

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 2:09 pm