مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

شاطر

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:28 am

عبادات الإسلام وشعائره الكبرى
أسرارها وأثرها في الحياة

تمهيد

* المراد بعبادات الإسلام



* عبادات قديمة جديدة

* أسرار العبادات وآثارها

المراد بعبادات الإسلام

حين نتحدث عن "عبادات الإسلام" نعني بها تلك الصور المحددة التي رسمها الإسلام للتقرب بها إلى الله تعالى، واتخذها شعائر مميزة له، وعين لها مواقيت ومقادير وكيفيات لا مجال فيها لتبديل أو تعديل، وهذا ما يجعلنا نقصر الحديث على العبادات الأربع المعروفة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.

ولو شئنا أن نفسح المجال لكان علينا أن ندخل في حديثنا ـ على الأقل ـ عبادتين من أهم العبادات الإسلامية التي لم تدخل في نطاق التعبد بتحديد المواقيت والكيفيات، وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.

فالفريضة الأولى من السمات التي تميزت بها هذه الأمة (كنتم خير أمة أخرجت للناس: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، وهي من شعب الإيمان وخصال المؤمنين (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله) ومن فرط فيها لعن كما (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون).

والفريضة الثانية قد أمر بها المسلم كما أمر بالركوع والسجود وسائر العبادات: (يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) والرسول يقول: "من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة".

ويبين القرآن عظم مثوبة المجاهدين فيقول: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون).

وقال صلى الله عليه وسلم: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير في الدنيا وما فيها".

وسأله بعضهم: يا رسول الله ما يعدل الجهاد في الله؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا وكل ذلك يقول: لا تستطيعونه، ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة وصيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله!".

ومع ما لهاتين الفريضتين أو العبادتين ـ الجهاد والأمر والنهي ـ من شأن ومنزلة في الإسلام، فإننا ندع الحديث عنهما هنا، حيث نتجه إلى العبادات الشعائرية الكبرى، التي وضح فيها معنى التعبد، وهي التي تلتمس في العادة آثارها، وتطلب أسرارها.


عبادات قديمة جديدة

العبادات الإسلامية المعروفة من صلاة وزكاة وصيام وحج عبادات قديمة، عرفتها الأديان قبل الإسلام على صورة من الصور، فالله تعالى يقول عن بعض الأنبياء: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين).

وفي الصيام يقول القرآن: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

وفي الحج يقول: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا يشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).

ولكن هذه العبادات الأربع كانت في تلك الديانات مناسبة لعصرها وبيئتها، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخاتمة، الملائمة للبشرية في طور نضوجها، فرض الله عليه هذه العبادات في أكمل صورة لها، ورقى كل نوع منها إلى غايته ومنتهاه، ونقاها من كل ما شابها خلال العصور وكر الدهور.

فالصلاة لم تعد مجرد ابتهال ودعاء، ولكنها ذكر ودعاء وتلاوة، هي أقوال وأعمال يشترك فيها الفكر والقلب واللسان والبدن، اشترط الإسلام لها النظافة والطهارة، وأخذ الزينة، والاتجاه إلى قبلة واحدة، ووزعها على أوقات النهار والليل بمواقيت معينة، وحدد لكل صلاة منها ركعات معدودة، ورتب كيفيتها على نسق فريد، وكملها بما شرع فيها من جماعة وجمعة، وزان ذلك كله بما شرع لها من أذان وإقامة.

والصلاة الإسلامية بهذه الصورة، وتلك الشروط، عبادة فذة لم تعرف هكذا في دين من الأديان.

والزكاة في الإسلام عبادة فذة، إنها ليست مجرد إحسان يتبرع به متبرع، أو صدقة يتطوع بها متطوع، إنها حق معلوم، وضريبة مقدرة على كل من يملك نصابا محددا ناميا من المال حال عليه الحول، فاضلا عن الحاجات الأصلية لمالكه، إنها حق الله فيما أنعم به من مال أو تجارة أو زرع، حق يدفع الإيمان إلى أدائه، وتقوم الدولة على جبايته (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فمن أداها طيبة بها نفسه، فقد كسب رضا الله والناس، وفاز بخيري الآخرة والأولى، ومن أبى قسر على أدائها قسرا، فإن كانت له شوكة قوتل وجندت له الجنود حتى يؤديها: وهذا ما صنعه الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع مانعي الزكاة.

فالزكاة بهذا الوضع وبمصارفها التي بينها القرآن عبادة جديدة لم تعرف بهذا الكمال في دين من الأديان.

وكذلك الصيام والحج والذكر والدعاء عبادات قديمة مشتركة في أديان كثيرة، ولكن الإسلام نقى هذه العبادات جميعا من كل شائبة، ورقى كل نوع منها إلى غايته، وركز فيها من الأسرار، وربط بها من الآثار، وجعل لها من التأثير في الحياة ما يليق بدين عام خالد، مهمته إصلاح للفرد، وإسعاد البيت، واستقرار الجماعة، وتوجيه الدولة، وهداية العالمين.


أسرار العبادات وآثارها

والأصل في العبادات أنها تؤدى امتثالا لأمر الله، وأداء لحقه على عباده، وشكرا لنعمائه التي لا تنكر، وليس من اللازم أن يكون لهذه العبادات ثمرات ومنافع في حياة الإنسان المادية، وليس من الضروري أن يكون لها حكمة يدركها عقله المحدود، الأًصل فيها أنها ابتلاء لعبودية الإنسان لربه، فلا معنى لأن يدرك السر في كل تفصيلاتها. فالعبد عبد، والرب رب، وما أسعد الإنسان إذا عرف قدر نفسه!

ولو كان الإنسان لا يتعبد لله إلا بما وافق عليه عقله المحدود وعرف الحكمة فيه تفصيلا، فإذا عجز عن إدراك السر في جزئية أو أكثر من جزئياته، أعرض ونأى بجانبه ـ لكان في هذه الحال عبد عقله وهواه، لا عبد ربه ومولاه.

إن العبودية لله شعارها الإيمان بالغيب ولو لم تره، والطاعة للأمر ولو لم تحط بسره.

وحسب المؤمن أن يعلم بالإجمال أن الله غني عن العالمين، غني عن عباداتهم وطاعاتهم، فلا تنفعه طاعة من أطاع ولا تضره معصية من عصى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) (لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).

فالله غني عن عباده كل الغنى، وإذا تعبدهم بشيء فإنما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية والمادية، الفردية والاجتماعية، الدنيوية والأخروية، غير أن الإنسان المحدود قد تخفى عليه حكمة الله جل علاه.

وكم لله من سر خفي يدق خفاه عن فهم الذكي

وكما أخفى كثيرا من أسرار هذا الكون عن الإنسان، أخفى عنه بعض أسرار ما شرع ليظل الإنسان في هذا وذاك متطلعا بأشواقه وراء المجهول آملا في الوصول، معترفا بالقصور، وليظل دائما في دائرة العبودية المؤمنة التي شعارها دائما: (سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير).

وقد ذكر الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال: "أن العبادات لصحة قلب الإنسان، كالأدوية لصحة بدنه، وليس كل إنسان يعرف خواص الدواء وسر تركيبه إلا الطبيب أو العالم الذي اختص بمعرفته، وكل مريض يقلد الطبيب فيما يصف له من دواء ولا يناقشه فيه، قال: فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة لا ببضاعة العقل، وكما أن اختلاف الأدوية في المقدار والوزن والنوع لا يخلو من سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى إن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، فلا يخلو عن سر من الأسرار، وهو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة، فقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط لها حكمة، أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق لا من سر إلهي فيها".

وبهذا علم أنه من الخطأ البين أن نطلب لكل تفصيل من تفصيلات العبادة حكمة تقنع العقل، وتشبع نهمه، ولا سيما ذلك العقل المادي الحديث الذي لا يشبعه إلا الحسية والنفعية.

فالعبادات ـ كما قال الأستاذ العقاد ـ شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها، ولا يتجه الاعتراض إلى وضع من أوضاعها، إلا أمكن أن يتجه إلى الوضع الآخر، لو استبدل منها ما اقترحه المقترح بما جرى عليه العمل وقامت عليه الفريضة من نشأتها.

"لماذا يكون الصوم شهرا ولا يكون ثلاثة أسابيع أو خمسة، لماذا تكون حصة الزكاة جزءا من عشرة أجزاء، ولا تكون جزءا من تسعة أو من خمسة عشر؟"

لماذا نركع ونسجد ولا نصلي قياما أو قياما ركوعا بغير سجود؟

من اعترض بأمثال هذه الاعتراضات فليس ما يمنعه أن يعود إلى الاعتراض لو فرض الصيام ثلاثة أسابيع، أو فرضت الزكاة فوق مقدارها أو دون هذا المقدار، أو فرضت الصلاة على وضع غير وضعها الذي اتفق عليه أتباع الدين وليس معنى أن هذه الأوضاع لا تعرف لها أسباب تدعو إليها، وتفسر لنا اتباعها دون غيرها، ولكنها في نهاية الأمر أوضاع توقيفية لا موجب من العقل للتحكم فيها بالاقتراح والتعديل، لأن المقترح المعدل لن يستند إلى حجة أقوى من الحجة التي يرفضها، ويميل إلى سواها.

ويسري هذا على كل تنظيم في أمور الدنيا، ولا يسري على أمور الدين وحده.

فلماذا يكون عدد الكتيبة في جيش هذه الأمة خمسين مثلا ويكون في أمة غيرها أربعين أو مائة؟

ولماذا يجعل اللون الأخضر رمزا لهذا المعنى في ألوان العلم القومي عند قوم من الأقوام، وهو مجعول لغير هذا المعنى عندأقوام آخرين؟

لا مناص في النهاية من أسباب توقيفية يكون التسليم بها أقرب إلى العقل من المجادلة فيها.

وقد ضل قوم حاولوا أن يفهموا الحكمة من كل جزئية من جزئيات العبادة، فلما خفيت عليهم أسرار بعض التفصيلات في عبادة كالحج شكوا وشككوا، وهم في شكهم وتشكيكهم ضالون عن سواء السبيل.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:29 am

الصلاة

* منزلة الصلاة في الإسلام



* المسجد ورسالته في الحياة

* الصلاة المطلوبة



* المسجد جامعة شعبية

* سر تكرار الصلاة في اليوم



*

المسجد برلمان دائم

* الصلاة نظافة وتجمل



*

المسجد مؤتمر

* الصلاة رياضة بدنية



*

المسجد معهد للتربية العملية

* الصلاة قوة روحية ونفسية



*

الحرية

* الصلاة قوة خلقية



*

الإخاء

* صلاة الجماعة ومزاياها



*

المساواة

* الصلاة تربية عسكرية



*

مسجد الرسول في المدينة

الصلاة عبادة عريقة في القدم، وشعيرة مشتركة بين الديانات عامة، ولا أحسب تاريخ الأديان عرف دينا بغير صلاة.

بيد أن الصلاة الإسلامية لها مزاياها الخاصة، التي برز فيها بوضوح ما ذكرناه من خصائص الإسلام وهديه وما جاء به من إصلاح في العبادات، فلا عجب أن تشتمل على أسرار بليغة لا تشاركها فيها صلاة في أي دين آخر.

منزلة الصلاة في الإسلام

وقد عني الإسلام في كتابه وسنته بأمرها، وشدد كل التشديد في طلبها، وحذر أعظم التحذير من تركها، فهي عمود الدين، ومفتاح الجنة، وخير الأعمال، وأول ما يحاسب عليه المؤمن يوم القيامة، يذكرها القرآن في دعاء الخليل إبراهيم: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء) ويمدح بها الذبيح إسماعيل (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) ويأمر الله كليمه موسى بإقامتها أول ما يأمر به في ساعات الوحي الأولى: (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى، إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) ويوحى إليه وإلى أخيه هارون: (أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة) وفي وصية لقمان لابنه: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) وينطق المسيح عيسى في مهده: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) ويأمر الله بها خاتم أنبيائه: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة) ويجعلها جوهرية من صفات المتقين تتلو الإيمان بالغيب: (هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون).

ويبدأ بها ويختم أوصاف المؤمنين المفلحين: (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون).

ويؤكد المحافظة عليها في الحضر والسفر، والأمن والخوف، والسلم والحرب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين. فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) أي فصلوا في حال الخوف والحرب مشاة أو راكبين كيف استطعتم، بغير ركوع ولا سجود، بل بالإشارة والإيماء. وبدون اشتراط استقبال القبلة للضرورة هنا: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله). وينذر بالويل والهلاك من يسهو عنها حتى يضيع وقتها: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون).

ويدمغ بالذم واستحقاق الغي خلف سوء (أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا).

ويجعلها الرسول الكريم الدليل الأول على التزام عقد الإيمان، والشعار الفاصل بين المسلم والكافر "بين الرجل وبين الشرك والكفر وترك الصلاة" "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" وذكر الصلاة يوما فقال: "من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" قال العلماء في توجيه هذا الحديث: فمن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.

وقال عليه الصلاة والسلام: "من فاتته صلاة فكأنما وتر أهله وماله" أي أصيب في أهله وماله وأصبح بعدهم وترا فردا، فإذا كانت هذه كارثة من فاتته الصلاة، فكيف بمن فاتته الصلوات كلها؟!

فلا عجب بعد هذه التأكيدات والتشديدات من نصوص القرآن والسنة أن ذهب جماعة من أئمة الإسلام إلى أن تارك الصلاة كافر خارج عن ملة الإسلام، وتساهل آخرون فقالوا: إنه عاص فاسق يخشى عليه فقدان الإيمان.

تلك هي مكانة الصلاة في الإسلام، ولهذه المكانة كانت أول عبادة فرضت على المسلمين، فقد فرضت في مكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، وكانت طريقة فرضيتها دليلا آخر على عناية الله بها، إذ فرضت العبادات كلها في الأرض، وفرضت الصلاة وحدها في السماء، ليلة الإسراء والمعراج، بخطاب مباشر من رب العالمين إلى خاتم المرسلين.

إن الحكومات تستدعي سفراءها في الأمور الهامة الحاسمة، التي لا تغني فيها المراسلة عن المشافهة، ومحمد صلى الله عليه وسلم سفير الله إلى خلقه، فإذا استدعاه الله سبحانه وعرج به إلى السموات العلي، ليخاطبه بفرض الصلوات، كان ذلك برهانا ناطقا على سمو منزلة الصلاة وأهميتها عند الله.


الصلاة المطلوبة

والصلاة التي يريدها الإسلام، ليست مجرد أقوال يلوكها اللسان، وحركات تؤديها الجوارح، بلا تدبر من عقل، ولا خشوع من قلب، ليست تلك التي ينقرها صاحبها نقر الديكة، ويخطفها خطف الغراب، ويلتفت فيها التفات الثعلب: كلا، فالصلاة المقبولة هي التي تأخذ حقها من التأمل والخشية واستحضار عظمة المعبود جل جلاله.

ذلك أن القصد الأول من الصلاة ـ بل من العبادات كافة ـ هو تذكير الإنسان بربه الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، قال تعالى: (وأقم الصلاة لذكري) وقال رسوله صلى الله عليه وسلم: "إنما فرضت الصلاة، وأمر بالحج، وأشعرت المناسك، لإقامة ذكر الله تعالى" وأشار إلى روح الصلاة فقال: "إنما الصلاة تمسكن ودعاء وتضرع، وتضع يديك فتقول: اللهم: اللهم" فمن لم يفعل فهي خداج" أي ناقصة.

فهذا تنبيه على أهمية حضور القلب في الصلاة، وأما حضور العقل فحسبنا قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) فنبه بهذا التعليل على وجوب حضور العقل في الصلاة، فكم من مصل لا يعلم ما يقول في صلاته، وهو لم يشرب خمرا، وإنما أسكره الجهل والغفلة وحب الدنيا واتباع الهوى!

ويقول ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكير خير من قيام ليلة والقلب ساه.

هذه هي الصلاة التي كانت قرة عينه عليه الصلاة والسلام، والتي كان يحن إليها، ويتلهف عليها ويقول لبلال: أرحنا بها! هذه هي صلاة الأنس والحب، لا صلاة النقر والخطف، التي يؤديها كثير من المسلمين، وما أعظم الفرق بين من يقوم إلى صلاته وهو يقول: أرحنا "بها"، وبين من يقوم إليها وهو يقول: أرحنا "منها"!


سر تكرار الصلاة في اليوم

جعل الله الصلاة على المؤمنين كتابا موقوتا، أمرهم بإقامتها حين يمسون وحين يصبحون، وعشيا وحين يظهرون، كررها خمس مرات في اليوم لتكون "حماما" روحيا للمسلم يتطهر بها من غفلات قلبه، وأدران خطاياه، وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في حديثه الشريف فقال: أرأيتم لو أن نهرا على باب أحدكم، يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فهل يبقى على بدنه من درنه شيء؟ قالوا: لا قال: كذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا" وأي إنسان يمر عليه يوم من غير خطايا وهفوات؟!

لقد خلق هذا الإنسان خلقا عجيبا، فيه من الملاك روحانيته، ومن البهيمة شهوتها، ومن السباع حميتها، وكثيرا ما تغلبه الشهوة، ويستفزه الغضب، ويجذبه تراب الأرض الذي خلق منه، فيقع في الأخطاء، ويتردى في الخطايا، وليس العيب أن يخطئ الإنسان، فكل بني آدم خطاء، ولكن العيب أن يتمادى في الخطأ، ويستمر في الانحدار، حتى يصير كالأنعام أو أضل سبيلا.

وفي الصلوات اليومية الخمس فرصة يثوب فيها المخطئ إلى رشده، ويفيق المغرور من سباته، ويرجع الإنسان إلى ربه، ويطفئ هذا السعار المادي الذي أججته المطامع والشهوات، ونسيان الله والدار الآخرة.

وفي هذا المعنى يقول الرسول صلوات الله عليه: "إن لله ملكا ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها فأطفئوها" إنها نار موقدة، تطلع على الأفئدة وتلفح القلوب والعقول. والصلاة هي مضخة الإطفاء التي تخمد هذه النار، وتمسح دخانها، وسوادها، وتغسل أثرها من بين جوانح الإنسان. ويوضح هذا ابن مسعود في حديثه الذي يقول: "تحترقون تحترقون، فإذا صليتم الصبح غسلتها ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا تكتب عليكم حتى تستيقظوا!".

ويصور الرسول لأصحابه ـ بكل وسائل التوضيح ـ عمل الصلاة في محو الخطايا التي تبدر من الإنسان في صباحه ومسائه، فيروي لنا عنه سلمان الفارسي: أنه كان معه تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسا، فهزم حتى تحات ورقه، ثم قال: يا سلمان، ألا تسألني، لم أفعل هذا؟ قلت: ولم تفعله؟ قال: إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس تحاتت خطاياه، كما تحات هذا الورق، ثم تلا الآية الكريمة: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين).

وليس أثر الصلوات مقصورا على هذا الجانب من غسل الأدران، وتكفير الخطايا، ومطاردة السيئات، ولكنها تقوم بمهمة إيجابية أخرى، فإنها للحظات خصبة مباركة، تلك المرات الخمس التي ينتزع الإنسان فيها نفسه كل يوم من دنياه، دنيا الطين والحمأ المسنون، دنيا الأحقاد والصراع، وتنازع البقاء أو تنازع الفناء، ليقف بين يدي مولاه لحظات خاشعة يخفف بها من غلواء الحياة، وضغط الطين والمادة الكثيفة على القلوب والأرواح.

إنها تقوم بتغذية ذلك الجزء العلوي الإلهي في كيان الإنسان، وهو المشار إليه بقوله تعالى: (ونفخت فيه من روحي) ذلك الكائن الروحي الذي يعيش بين جوانح الإنسان، لا يكفي لتغذيته علم العلماء، ولا أدب الأدباء، ولا فلسفة المتفلسفين، ولا يغذيه إلا معرفة الله وحسن الصلة به، وهذه الصلوات الخمس هي وجبات الغذاء اليومي للروح، كما أن للمعدة وجباتها اليومية، ففي مناجاة العبد لربه في صلاته شحنة روحية تنير قلبه، وتشرح صدره، وتأخذ بيده من الأرض إلى السماء، وتدخله إلى الله بلا باب، وتقفه بين يديه بلا حجاب، فيكلمه بلا ترجمان، ويناجيه فيناجي قريبا غير بعيد، ويستعين به فيستعين بعزيز غير ذليل، ويسأله فيسأل غنيا غير بخيل، تكاد تشف روحه وتصفو نفسه، فتسمع كلام الله الذي يقول: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي قسمين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: "الحمد لله رب العالمين" قال الله عز وجل: حمدني عبدي، فإذا قال: "الرحمن الرحيم" قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: "مالك يوم الدين" قال: مجدني عبدي، فإذا قال: "إياك نعبد وإياك نستعين" قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: "اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) ويعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن قوة الصلة بين العبد وربه في الصلاة فيقول: "إن الرجل إذا دخل صلاته أقبل الله عليه بوجهه، فلا ينصرف عنه، حتى ينقلب ـ أي يرجع ـ أو يحدث حدث سوء".

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:30 am

الصلاة نظافة وتجمل

ولكن الصلاة في الإسلام ليست عبادة روحية فحسب، إنها نظافة وتطهر، وتزين وتجمل، اشترط الله لها تطهير الثوب والبدن والمكان من كل خبث مستقذر، وأوجب التطهر بالغسل والوضوء، فمفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور: (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا).

لقد اعتبر الإسلام النظافة من الإيمان، روي قول الرسول لأمته: "تنظفوا فإن الإسلام نظيف" "إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة" وأثنى القرآن على أهل مسجد قباء أو المسجد النبوي لحرصهم على التنظف والتطهر: "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين".

وقد أمر المسلم أن يأخذ زينته للصلاة، ويذهب إلى المسجد طيب الرائحة، حسن الملبس، مجتنبا لكل ما يؤذي إخوانه من الروائح الكريهة أو الثياب المستقذرة، كما استحب له أن يتسوك عند كل صلاة: "السواك للفم مرضاة للرب".

وسن له يوم الجمعة أن يغتسل ويتطيب ويلبس أحسن ما عنده ولا يمضي إلى المسجد في ثياب مهنته.

وهكذا كان المسلمون الأولون يفعلون، كان الحسن إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فسئل عن ذلك فقال: إن الله جميل يحب الجمال، فأحب أن أتجمل لربي، وهو تعالى يقول: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد). هذا على حين كان القسيسون والرهبان في العصور الوسطى بأوروبا يعدون الإهمال والقذارة من وسائل القربة إلى الله، والنظافة والتجمل من عمل الشيطان، حتى إن راهبا أثنى على آخر فقال: يرحمه الله، لقد عاش طول عمره ولم يقترف إثم غسل الرجلين!


الصلاة رياضة بدنية

والصلاة تغرس في مقيمها الروح الرياضية، وتقوي عضلات بدنه، فهي تتطلب اليقظة المبكرة، والنشاط الذي يستقبل اليوم من قبل طلوع الشمس، وهي بكيفيتها المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه بالتمرينات الرياضية الفنية التي يقوم بها الرياضيون المحدثون، لتقوية الجسم ورياضة أعضائه، فقد كان عليه السلام يقف في الصلاة وقفة معتدلة، لا يطأطئ ولا يتماوت، وقد رأى عمر رجلا يتماوت في صلاته فقال له: لا تمت علينا ديننا أماتك الله، ورأى آخر يطأطئ رقبته مظهرا الخشوع فقال له: ارفع رأسك فإن الخشوع في القلوب، ليس الخشوع في الرقاب.

وكان الرسول عليه الصلاة والسلام في ركوعه مستوي الظهر، منتصب الساقين، وإذا سجد جافى عضديه عن فخذيه، وإذا خر من القيام للسجود أو نهض من السجود للقيام لم يعتمد على يديه.

وهكذا تكون الصلاة حركة وعملا، يشمل جوانب الشخصية كلها، فالجسم في الصلاة يعمل قائما قاعدا، راكعا ساجدا، واللسان يعمل قارئا مكبرا، مسبحا مهللا، والعقل يعمل متدبرا متفكرا فيما يتلو أو يتلى عليه من قرآن، والقلب يعمل مستحضرا رقابة الله وخشيته وحبه والشوق إليه.



الصلاة قوة روحية ونفسية

والصلاة الحقيقية التي يريدها الإسلام تمد المؤمن بقوة روحية نفسية تعينه على مواجهة متاعب الحياة ومصائب الدنيا، ولذا قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون).

وكان النبي إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة.

في الصلاة يفضي المؤمن إلى ربه بذات نفسه، ويشكو إليه بثه وحزنه، ويستفتح باب رحمته، ويستنزل الغيث من عنده (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد).

في الصلاة يشعر المؤمن بالسكينة والرضا والطمأنينة، إنه يبدأ صلاته بالتكبير فيحس بأن الله أكبر من كل ما يروعه ومن يروعه في هذه الدنيا، ويقرأ فاتحة الكتاب فيجد فيها تغذية للشعور بنعمة الله (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) وتغذية للشعور بعظمة الله وعدله (مالك يوم الدين) وتغذية للشعور بالحاجة إلى الصلة بالله وإلى عونه سبحانه (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

فلا عجب أن تمد الصلاة المؤمن بحيوية هائلة، وقوة نفسية فياضة، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ الأثر النفسي للصلاة وما يسبقها من وضوء وذكر لله تعالى، وكيف يستقبل المؤمن المصلي يومه ويبدأ حياته الجديدة كل صباح، قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإذا هو قام فذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة ثانية، فإذا قام إلى الصلاة انحلت عقده الثلاث، فأصبح طيب النفس نشيطا، وإلا أصبح خبيث النفس كسلا).

وفي عصرنا الحديث نرى من علماء الكون والحياة طبيبا شهيرا مثل الدكتور ألكسيس كاريل يبين لنا في بحث له مدى هذه القوة التي يكتسبها المؤمن من الصلاة فيقول:

"لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عرفت إلى يومنا هذا وقد رأيت بوصفي طبيبا كثيرا من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم، فلما رفع الطب يديه عجزا وتسليما، تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم، إن الصلاة كمعدن "الراديوم" مصدر للإشعاع، ومولد ذاتي للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى استزادة نشاطهم المحدود، حين يخاطبون القوة التي لا يفنى نشاطها.

إننا نربط أنفسنا حين نصلي، بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون، ونسألها ضارعين أن تمنحنا قبسا منها نستعين به على معاناة الحياة، بل إن الضراعة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا، ولن تجد أحدا ضرع إلى الله مرة إلا عادت عليه الضراعة بأحسن النتائج".

هذا في الصلاة عموما، فكيف بصلاة الإسلام؟

الصلاة قوة خلقية

وفي هذه القوة مدد أي مدد لضمير المؤمن يقويه على فعل الخير، وترك الشر، ومجانبة الفحشاء والمنكر، ومقاومة الجزع عند الشر، والمنع عند الخير، فهي تغرس في القلب مراقبة الله تعالى، ورعاية حدوده، والحرص على المواقيت، والدقة في المواعيد، والتغلب على نوازع الكسل والهوى، وجوانب الضعف الإنساني، وفي هذا يقول القرآن الكريم: (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين، الذين هم على صلاتهم دائمون) (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).

وما نرى من المصلين قد ضعفت أخلاقهم، أو انحرف سلوكهم، فلا بد أن صلاتهم جثة بلا روح، وحركات جسم بلا حضور عقل، ولا خشوع قلب، وإنما الفلاح للمؤمنين (الذين هم في صلاتهم خاشعون) أما المتظاهرون بالصلاة دون أن ترقق قلوبهم، أو تفتح للخير صدورهم، فما أحقهم بوعيد الله: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون).


صلاة الجماعة ومزاياها

والصلاة الإسلامية ـ بعد ذلك ـ تربية اجتماعية رشيدة، ومدرسة إنسانية عالية، على نسق فريد في تاريخ الأديان والعبادات.

فالإسلام لم يكتف من المسلم أن يؤدي الصلاة وحده في عزلة عن المجتمع الذي يحيا فيه، ولكنه دعاه دعوة قوية إلى أدائها في جماعة وبخاصة في المسجد، وهم الرسول أن يحرق على قوم بيوتهم لأنهم يتخلفون عن الجماعات، فإن لم تكن هذه الجماعة واجبا فهي أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة في نظر الإسلام.

روى مسلم عن ابن مسعود قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله تعالى شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، وإنكم لو صليتم في بيوتكم، كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها ـ أي صلاة الجماعة ـ إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يتهادى بين الرجلين يسندانه لمرضه حتى يقام في الصف.

ولم يجعل الإعلام بدخول وقت الصلاة عن طريق ناقوس يدق، أو بوق ينفخ، أو نار تشتعل، كما في ديانات سابقة، وإنما اختار لها طريقا آخر فيه معنى الشعار والهتاف والنشيد القومي المؤثر بقوة عباراته، وطريقة إلقائه، ونصاعة معانيه: ذلك هو الأذان: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد ألا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله".

تنطلق بهذا النشيد الإلهي في وقت واحد حناجر المؤذنين من فوق مآذنهم، فيستجيب المؤمنون للنداء ويجتمعون خمس مرات في كل يوم في مسجد حيهم.

ثم يجتمعون على نطاق واسع في صلاة الجمعة، تلك الفريضة الأسبوعية التي أوجب الله فيها الجماعة إيجابا وقال: (يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون).

ولم يبح التخلف عنها لغير عذر "من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه" لنتهين قوم عن ودعهم أي ـ تركهم ـ الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين".

وفي هذا الاجتماع الأسبوعي تعليم وتوجيه، وموعظة وتذكير، وتجديد للبيعة، وإحياء لعاطفة الأخوة، وتركيز للوحدة، وإظهار للقوة. ثم يتسع النطاق أكثر في صلاة العيدين، فقد أراد الإسلام من هذه الصلاة أن تكون مؤتمرا جامعا، ومهرجانا كبيرا يجمع أهل البلدقاطبة في مكان واحد في الخلاء، يذهب إليها الرجال والنساء حتى ذوات العذر منهن.

عن أم عطية قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى: العواتق والحيض وذوات الخدور، فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت: يا رسول الله، إحدانا لا يكون لها جلباب؟

قال: لتلبسها أختها من جلبابها".


زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:31 am



الصلاة تربية عسكرية

وفي الجماعة نوع من التربية العسكرية التي قوامها الطاعة والنظام، وما أحوج الأمم الناشئة ـ كالعرب في أيام الرسول ـ أن يتعلموا عمليا طاعة الأمر، والانقياد للنظام، والخضوع للقانون، واحترام الرؤساء، وهذا ما تصنعه صلاة الجماعة.

وهل رأيت نظاما أكمل وأجمل من صفوف الجماعة وقد وقفت مستقيمة فلا عوج، متلاصقة فلا فرجة: المنكب إلى المنكب، والقدم إلى القدم، ينذرهم إمامهم بأن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج، ويعلمهم أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة وتمامها، ويحدثهم عن نبيهم: أن سدوا الفرج وسووا الصفوف، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم.

فإذا كبر الإمام كبروا، وإذا قرأ أنصتوا، وإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا سلم سلموا.

من خرج على هذا النظام فكأنما خرج على الإنسانية، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "ألا يخشى إذا ركع أحدكم أو سجد قبل الإمام أن يمسخ الله رأسه رأس حمار".

لا يفسد هذا الحال إلا جندي من جنود إبليس، فهو الذي يسره الفوضى ويسوءه النظام: "الذي يركع ويسجد قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان".


المسجد ورسالته في الحياة

وبأداء صلاة الجماعة في المسجد خمس مرات في اليوم أصبح للمسجد مكانة هامة في الإسلام وفي حياة المسلمين فليس هو ديرا لرهبنة، ولا زاوية للمتعطلين، ولا تكية للدراويش، فليس في الإسلام رهبنة ولا دروشة، ورسوله يقول لأبي ذر: "عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي".

ورضي الله عن عمر حين وجد جماعة في المسجد تلبثوا بعد صلاة الجمعة بدعوى التوكل على الله فعلاهم بدرته، وقال كلمته الشهيرة: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة" إن الله يقول: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله).

وقد روى البخاري: أن الحبشة كانوا يلعبون بحرابهم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي ينظر إليهم، ويري عائشة أم المؤمنين لعبهم، وكأن ذلك لم يعجب عمر لشدته وصلابته، فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها فقال: دعهم يا عمر!

وبهذا الحديث استدل العلماء على جواز اللعب بالحراب في المسجد، وقالوا: إن المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه.

قالوا: واللعب بالحراب ليس لعبا مجردا، بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو.

وما كان المسجد في فجر الإسلام إلا جامعة شعبية للتثقيف والتهذيب، وبرلمانا محليا للتشاور والتفاهم، ومجمعا للتعارف والتحاب، ومعهدا للتربية العملية الأساسية.


المسجد جامعة شعبية

وأي جامعة شعبية كالمسجد تسع الجميع في رحابها، في الليل والنهار والصيف والشتاء، ولا ترد طالبا شيخا كان أم صبيا، ولا تشترط رسوما ولا تأمينا، ولا تضع قيودا ولا عراقيل.

أي جامعة كهذه تعلم قواعد العقائد، وفرائض العبادات، ومكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب، وطرائق المعاملات، وتعقد فيها للعلم حلقات تغشاها الرحمة، وتنزل عليها السكينة، وتحفها الملائكة؟

ولم تكن حلقات المساجد مقصورة على العلم الديني المحض، بل شملت كل ما وصل إليه العقل الإسلامي من معارف أدبية وإنسانية، فمنذ صدر الإسلام نرى حلقة كحلقة حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس تتسع لعلوم ومعارف مختلفة يفرد لكل منها يوما، ولا غرو أن نشأ العلم في الإسلام موصولا بالعبادة، وأن ترعرت "الجامعات" العريقة، تحت سقوف "الجوامع" ومن منا يجهل المكانة العلمية لجامع الأزهر في مصر، وجامع القرويين في المغرب، وجامع الزيتونة في تونس؟ وما قدمته هذه الجوامع أو الجامعات من خدمة للعلم والثقافة قرونا طويلة؟!


المسجد برلمان دائم

وأي برلمان كهذا المسجد، ونوابه هم "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله".

برلمان يعرض فيه الحاكم سياسته، ويحدد منهجه ويناقشه الشعب ويستجوبه بلا حجر ولا خوف، وهل سمعنا خطبة سياسية جامعة موجزة لرئيس دولة كالخطبة التي ألقاها أبو بكر يوم ولي الخلافة فقال: أيها الناس: إني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني، ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم".

بيان ألقاه خليفة، يقول فلا يكذب، ويعد فلا يخلف، وسمعته أمة تسمع ولا تنسى، وتحاسب فلا تخشى، وكيف يخلف الخليفة أو تنسى الأمة، وبرلمانها يعقد في كل يوم خمس جلسات، ولا يغلق بابه في عطلة أو إجازة؟


المسجد مؤتمر

وأي مجمع أو مؤتمر كالمسجد يجمع خلاصة الحي في كل صلاة، وصفوة البلد في كل جمعة، فإن الإسلام ـ كما ذكرنا ـ قد ندب إلى صلاة الجماعة، وجعلها أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، وهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحرق على قوم بيوتهم، لأنهم يتخلفون عن الجماعات.

دعا الإسلام أبناءه إلى الجماعة ليتعارفوا فلا يتناكروا، ويتقاربوا فلا يتباعدوا، ويتحابوا فلا يتباغضوا، ويتصافوا فلا يتشاحنوا.

لقد عرف أسلافنا قيمة المسجد ـ بوصفه مؤتمرا حافلا ـ فكانوا يعقدون فيه عقود زواجهم امتثالا للحديث الشريف: "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدف".

ولو أن مسلمي اليوم اتخذوا سلفهم أسوة في ذلك، لوفروا على أنفسهم نفقات طائلة تضيع في أحفال براقة، تبعثر فيها الأموال ابتغاء السمعة والتظاهر والتنافس الأجوف.


المسجد معهد للتربية العملية

وإن شئت فقل هو حقل تجرب في ساحته تعاليم الدين النظرية، وتوضع مبادئ الإنسانية موضع التنفيذ.

فقد كان من مزايا هذا الدين الخالد أنه لم يجعل مبادئه فكرة مجردة في الرأس، أو كلمة تجري على اللسان، ولكنه ربطها بحياة المسلم ونظامه اليومي ربطا لا ينفك عنه.

فالحرية والإخاء والمساواة التي جاء بها الإسلام ـ قبل ثورة فرنسا باثني عشر قرنا ـ تراها في المسجد حقائق علمية، وأعمالا حقيقية، تعلن عن نفسها بلا صوت ولا حرف ولا ضجيج.


الحرية

أما الحرية فأي حرية أعز من حرية المصلي في المسجد وهو طليق من كل عبودية إلا لله، له وحده، يركع ويسجد، ولوجهه وحده يذل ويخشع، أما البشر مهما تعاظموا فهم عبيد مثله لا سلطان لهم عليه (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا).

تلك هي حرية الضمير الإنساني أولى الحريات وأعمقها.

وأما حرية الرأي والنقد فحسبك أن الإمام إذا أخطأ في قول أو فعل من أقوال الصلاة وأفعالها، كان على من وراءه من المصلين أن يصلحوا له الخطأ، وأن يردوه إلى الصواب، يستوي في ذلك الشيخ والشاب والغلام، والرجل والمرأة، فإذا هذا يصحح قراءته، وذلك يقول له سبحان الله، وتلك تصفق بيدها.. حتى يعود إلى الحق والسداد.

فإذا اعتلى الخطيب منبر المسجد فليس "دكتاتورا" يفرض على الناس ما يرى من آراء، ولكنهم شركاؤه في المسؤولية، عليهم أن ينهوه إذا غفل، وأن يذكروه إذا نسي، ويسددوه إذا انحرف عن الصراط المستقيم، ولو كان هو خليفة المسلمين.

أراد أمير المؤمنين عمر أن يضع حدا أعلى للمهور، فأعلن ذلك في المسجد فعارضته امرأة.. وقالت: كيف هذا وقد قال الله: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) فما كان من الخليفة إلا أن رجع عن رأيه وقال في صراحة: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"!


زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:32 am

الإخاء

وأما الإخاء فحسبك أن المسجد يضم أهل الحي في كل يوم خمس مرات، تتلاصق فيها الأبدان، وتتعارف فيها الوجوه، وتتصافح فيها الأيدي، وتتناجى فيها الألسن، وتتآلف فيها القلوب، ويلتقون على وحدة الغاية والوسيلة، وأي وحدة أبلغ وأعمق من وحدة المصلين في الجماعة يصلون خلف رجل واحد هو (الإمام) ويناجون ربا واحدا هو (الله) ويتلون كتابا واحدا هو (القرآن) ويتجهون إلى قبلة واحدة هي (الكعبة) البيت الحرام، ويؤدون أعمالا واحدة من قيام وقعود، وركوع وسجود.

وحدة نفذت إلى اللباب ولم تكتف بالقشور، وحدة في النظرة والفكرة، وحدة في الغاية والوجهة، وحدة في القول والعمل، وحدة في المخبر والمظهر، وحدة يشعر فيها بروح الآية الكريمة (إنما المؤمنون إخوة).

وأي صورة أروع من المسجد النبوي في المدينة، وقد ضم في حناياه أجناسا شتى من غير العرب، من رومي كصهيب، وفارسي كسلمان، وحبشي كبلال، كما ضم قبائل متباينة من العرب، من قحطانيين كالأنصار، وعدنايين كالمهاجرين، وفي هذه القبائل بطون طالما فرقت بينها العداوة والبغضاء في الجاهلية كالأوس والخزرج.

ضم المسجد هؤلاء إلى صدره الحنون، وجمعهم في رحابه الفيحاء، فكانوا بنعمة الله إخوانا، ينام أحدهم على الطوى ليشبع أخوه (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة).

ويبيت على صفاء من الغل والشحناء والسخط والكراهية، حتى لا ترتد عليه صلاته، ولا يقبلها الله منه، ففي الحديث: "ثلاث لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان" أي متشاحنان، ومعنى هذا أن الصلاة المقبولة لا تلائم جو الكراهية والسخط والشحناء، بحال من الأحوال.


المساواة

وأما المساواة فأي مساواة أوضح من تلك التي نراها في الصفوف المتراصة في المسجد؟ الأمير إلى جانب الخفير، والغني بجوار المسكين، والسيد ملاصق للخادم، والعالم الفيلسوف وعن يمينه عامل، وعن شماله فلاح؟!

فليس للمسجد لائحة تخصص الصف الأول للوزراء، والصف الثاني للنواب والثالث للمديرين أو موظفي الدرجة الأولى أو كبار الملاك.

وإنما الجميع سواسية كأسنان المشط الواحد، فمن بكر في الذهاب إلى المسجد احتل مكانته في مقدمة الصفوف أيا كانت منزلته وعمله في الناس.

ويقول الدكتور محمد إقبال: إن اختيار قبلة واحدة لصلاة المسلمين أريد به أن يكفل وحدة الشعور للجماعة، وهيئتها على العموم تحقق الإحساس بالمساواة الاجتماعية وتقوي أواصره، بقدر ما تتجه إلى القضاء على الشعور بالطبقات أو تفوق جنس من المتعبدين على جنس آخر.

إن ثورة روحية هائلة تحدث لو حمل البرهمي الأرستقراطي المختال في جنوب الهند على الوقوف مع المنبوذ كتفا إلى كتف في كل يوم!! إن وحدة الذات المحيطة بكل شيء، التي تخلق جميع الذوات وتكتب لها البقاء، هي التي تصدر عنها الوحدة الضرورية لجميع البشر، وانقسام الشر إلى أجناس وأمم وقبائل قصد به ـ كما جاء في القرآن ـ سهولة التعارف لا غير.

وعلى هذا فإن صلاة الجماعة في الإسلام إلى جانب ما لها من قيمة فكرية تشير إلى الأمل في تحقيق الوحدة الضرورية للبشر، كحقيقة من حقائق الحياة، وذلك بالقضاء على جميع الفوارق التي ميزت بين إنسان وآخر.

ولم يملك كثير من المستشرقين أنفسهم من الإعجاب بالصلاة الإسلامية، وتأثيرها العميق في النفس البشرية وبخاصة صلاة الجماعة التي تميز بها الإسلام والتي توحي بأسمى المبادئ الإنسانية الاجتماعية التي لم يعرفها غير المسلمين إلا في عصر قريب.

من ذلك ما قاله الفيلسوف الفرنسي رينان ـ على الرغم مما له من شطحات عن الإسلام والعرب ـ: "إنني لم أدخل مسجدا من مساجد المسلمين من غير أن أهتز خاشعا وأن أشعر بشيء من الحسرة على أني لست مسلما!" ومن ذلك ما قاله السير توماس أرنولد عن الصلاة: "هذا الفرض المنظم من عبادة الله هو من أعظم الأمارات المميزة للمسلمين عن غيرهم في حياتهم الدينية، فكثيرا ما لاحظ السائحون وغيرهم في بلاد الشرق ما لكيفية أدائه من التأثير في النفوس" ثم نقل عن بعض الأساقفة كلاما عن روعة الصلاة في الإسلام، ثم قال أرنولد: "ولننتقل من صلاة الفرد إلى صلاة الجماعة فنقول: إنه لا يتأتى لأحد يكون قد رأى مرة في حياته ما يقرب من خمسة عشر ألف مصل في وسط المسجد الجامع بمدينة "دلهي" بالهند يوم الجمعة الأخيرة من شهر الصيام "رمضان" وكلهم مستغرقون في صلاتهم، وقد بدت عليهم أكبر شعائر التعظيم والخشية في كل حركة من حركاتهم، نقول: إنه لا يتأتى لأحد يكون قد رأى ذلك المشهد ألا يبلغ تأثره به أعماق قلبه وألا يلحظ ببصره القوة التي تمتاز بها هذه الطريقة من العبادة عن غيرها.

"على أن توقيت الأذان اليومي للصلاة بأوقات معينة حينما يرن به صوت المؤذن، في أبكر البكور قبل الأسفار، وعند الظهيرة والناس مضطربون ومصطخبون في أعمالهم، وعند الإمساء.. هذا الأذان الذي يحصل في هذه الأوقات على تلك الصورة مشحون بذلك الجلال عينه".


مسجد الرسول في المدينة

عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خطر المسجد في الحياة الإسلامية فكان أول مشروع فكر فيه في مدة إقامته القليلة في بني سالم بن عوف وهو طريقه إلى المدينة، أن بني مسجد قباء، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم..).

وكان أول مؤسسة أنشأها بعد استقراره بالمدينة أن بنى مسجده العظيم، وكان يعمل فيه بيده، ويحمل أحجاره بنفسه، وهو يقول:

"اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة".

وكان أصحابه يعملون وهم ينشدون:

لا يستوي من يعمر المساجدا يعمل فيها قائما وقاعدا

ومن يرى الغبار حائدا

فكان هذا المسجد النبوي مدرسة الدعوة الإسلامية الأولى، ودار الدولة الإسلامية الكبرى.

تلك المدرسة التي فتحت أبوابها لمختلفي الأجناس من عرب وعجم ومختلف الألوان من بيض وسود، ومختلفي الطبقات من أغنياء وفقراء، ومختلفي الأسنان من شيوخ وشبان وغلمان.

وفسحت صدرها للمرأة تحضر الجماعة، وتشهد دروس العلم، في عصر كانت المرأة مخلوقا لا حق له في العلم، ولا في مشاركة الرجل الحياة.

مدرسة تلقن العلم والعمل، وتطهر الروح والبدن، وتبصر بالغاية والوسيلة، وتعرف الحق والواجب، وتعنى بالتربية قبل التعليم، وبالتطبيق قبل النظريات، وبتهذيب النفوس قبل حشو الرؤوس.

فلا غرو أن تخرج من الخلفاء أمثال أبي بكر وعمر وعلي، ومن القواد أمثال أبي عبيدة وخالد وعمرو، ومن القراء أمثال ابن مسعود وأبي ابن كعب، ومن العلماء أمثال زيد بن ثابت وابن عباس، ومن فضليات النساء أمثال فاطمة وعائشة وحفصة وأم عمارة وأم سليم.

كان المسجد المحمدي مدرسة الدعوة، وكان كذلك دار الدولة، فيه يهيئ النبي العمل للعاطل، والعلم للجاهل، والمعونة للفقير، ويرشد إلى الأمور الصحية والاجتماعية، ويذيع الأنباء التي تهم الأمة، ويلتقي بسفراء الدول، ويرتب جنود المعارك في الحرب، ويبعث الدعاة والمندوبين في السلم.

هكذا كان المسجد في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وظل كذلك في عهد أصحابه ومن تبعهم بإحسان.

أيستطيع بعد ذلك منصف أن يدعي أن الصلاة ابتهال روحي مجرد بعيد عن الحياة، أو عمل سلبي لا تأثير له في توجيهها وترقيتها؟ كلا..

ونختتم حديثنا عن الصلاة والمسجد بكلمة قيمة لباحث مسلم، قال:

"في المسجد تختفي فوارق المكانة والثروة والجنس واللون، ويعم أرجاءه جو قشيب من الإخاء والمساواة والمحبة، وإنه لأيم الحق لنعمة كبرى أن يكون في مكنة الإنسان التمتع خمس مرات يوميا بجو من السلام التام وسط عالم يسوده الصراع والنضال.. وبجو من المساواة على حين يكون التباين هو النظام السائد.. وبجو من المحبة في معمعة الأحقاد الوضيعة والتنابذات والخصومات المفعمة بها الحياة اليومية.

إنها حقا لأجزل النعم، لأنها العبرة الجلى من الحياة، فليس للإنسان بد من أن يعمل وسط التباين والنضال والصراع، ووسط مشاهد البغضاء والتشاحن، ومع ذلك ينتزع المرء نفسه من كل هذا خمس مرات ليكتنه حقيقة المساواة والإخاء والمحبة، من حيث أنها هي المصادر الحقيقية للسعادة الإنسانية.

ومن أجل ذلك كان الوقت الذي تستغرقه الصلاة غير مضيع عبثا من ناحية الخيرية الفاعلية، والنفع العملي للبشرية، إذ أنه على العكس من ذلك قد استغل أحسن استغلال بتعلم تلك الدروس الجليلة التي تجعل الحياة حقا جديرة بالعيش فيها.

وتلك الدروس في الإخاء والمساواة والمحبة تصبح بممارستها عمليا في الحياة اليومية دعامات لتوحيد الجنس البشري وتخليد الحضارة الأبدية لبني الإنسان.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:34 am

الزكاة

* الزكاة في الديانات السابقة



* حق الجماعة

* في العهد المكي



* حق الله

* الزكاة الإسلامية نظام مبتكر



*

أهداف الزكاة

* الزكاة تجيبها الدولة



*

من شهادات الكتاب الأجانب

* بيت المال ملك الأمة



*

التزام أداء الزكاة كاف لإعادة مجد الإسلام

* فيم تصرف الزكاة وإلى من؟



*

زكاة الفطر

* الزكاة حق لا تفضل



*

في المال حق سوى الزكاة

* حق الفقير



*

الإنفاق المحتسب

الزكاة هي العبادة المالية الاجتماعية الهامة.

وهي الفريضة الثانية في الإسلام، قرنها القرآن بالصلاة في عشرات المواضع، وذكرها تارة بلفظ الزكاة، وطورا بلفظ الصدقة، وأحيانا بلفظ الإنفاق.

وفي مفتتح سورة البقرة يصف الله المتقين الذين ينتفعون بهدي كتابه (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) وفي آيات أخر من السورة (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

الزكاة في الديانات السابقة

وهي في معناها البسيط ـ معونة الفقير بجزء من المال ـ عبادة قديمة عرفت في الرسالات السماوية السابقة، وذكرها الله في وصاياه إلى رسله وفي وصايا رسله إلى أممهم، فيقول عن الخليل إبراهيم وابنه إسحاق، وحفيده يعقوب: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين).

ويمتدح إسماعيل بقوله: (وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا).

ويذكرها الله في مواثيقه لبني إسرائيل (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تبعدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم، لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل).

ويقول على لسان المسيح في مهده (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا).

ويقول في شأن أهل الكتاب عامة (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة، وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وذلك دين القيمة).

هذه هي الزكاة في ديانات السماء، وما كان لهذه الديانات أن تنسى هذا الجانب الخلقي من رسالتها: جانب البر بالفقراء والإحسان إلى المساكين.


في العهد المكي

ومنذ فجر الإسلام في مكة والمسلمون أفراد معدودون مستخفون بدينهم، مضطهدون في ديارهم، كان هذا الجانب الإنساني الاجتماعي موضع عناية بالغة من القرآن العزيز، فالعقبة التي على كل إنسان أن يجتازها حتى يصل إلى رضا الله والجنة تتمثل في البر بالناس من تحرير للرقيق، وإطعام للمسكين واليتيم (فلا اقتحم العقبة، وما أدراك ما العقبة فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة، ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة، أولئك أصحاب الميمنة).

وفي سورة الضحى وهي من أوائل ما نزل من القرآن: (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر) وفي سورة المدثر يسجل القرآن اعتراف المجرمين في النار، (قالوا لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين) وفي سورة الذاريات في وصف المتقين (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) وفي سورة القلم يقص الله على المسلمين قصة أصحاب الجنة الذين اعتزموا أن يقطفوا ثمارها بليل، ليحرموا منها المساكين: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم) وفي سورة الماعون: (أرأيت الذي يكذب بالدين، فذلك الذي يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين) وفي سورة الحاقة يعلل جزاء من يسجر في الجحيم ويسحب في السلاسل والأغلال: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم، ولا يحض على طعام المسكين) وفي سورة فصلت ينذر الله المشركين بالويل ويجعل من أخص أوصافهم عدم إيتاء الزكاة: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون) وفي سورة الشورى يمدح الله المجتمع المؤمن: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) وفي سورة الأنعام: (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) وفي سورة المزمل: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا) هذه بعض عناية القرآن الملحة بالبر ورعاية المسكين، وأداء حق السائل والمحروم.


الزكاة الإسلامية نظام مبتكر

ولكن الزكاة الإسلامية المعروفة شيء يزيد على البر والإنفاق العام، والزكاة المطلقة التي شرعت في العهد المكي، بل شرعت في الديانات السابقة كما ذكر القرآن، الزكاة التي شرعت في العهد المدني تشريع جديد، لم يسبق إليه دين سماوي، ولا تنظيم أرضي.

إنها ركن من أركان الإسلام، ودعامة من دعائم الإيمان، وإيتاؤها ـ مع إقامة الصلاة والشهادة لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة ـ عنوان على الدخول في الإسلام، واستحقاق أخوة المسلمين: (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين).

إنها فريضة لازمة يكفر من جحدها، ويفسق من منعها، ويقاتل من تحدى جماعة المسلمين بتركها، وحسبنا أن الخليفة الأول أبا بكر جهز أحد عشر لواء لمقاتلة قوم امتنعوا عن أداء الزكاة وقال كلمته الشهيرة: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه".

والزكاة في الإسلام ليست "تبرعا" يتفضل به غني على فقير أو يحسن به واجد على معدوم، إنها أبعد من ذلك غورا، وأوسع أفقا.

إنها جزء هام من نظام الإسلام الاقتصادي، ذلك النظام الفريد الذي عالج مشكلة الفقر أو مشكلة المال على وجه عام، قبل أن تعرف الدنيا نظاما عني بعلاج هذا الجانب الخطير من حياة الإنسان.

حدد الإسلام الأموال التي تجب فيها الزكاة والحد الأدنى لما يجب فيه الزكاة، ومتى تجب الزكاة على المال، والمقدار الذي يجب إخراجه على كل منها.

فهناك مال يجب فيه العشر كالزروع التي يخرجها الله من الأرض بغير جهد يذكر من الإنسان، فإن كانت تسقى بالآلات كان فيها نصف العشر، وهذه الزكاة تجب في كل زرعة.

وهناك مال يجب فيه ربع العشر 2.5 بالمئة كالنقدين ـ الذهب والفضة ـ وعروض التجارة مقومة بأحد النقدين، وهذه الزكاة تجب في المال كلما حال عليه الحول ـ اثنا عشر شهرا قمريا.

وهناك مال يتمثل في الحيوانات مثل الإبل والبقر والغنم وقد وضع الإسلام لها نظاما خاصا.

والحكمة في تفاوت المقادير المطلوبة من الزكاة: أنه كلما كان جهد الإنسان في المال أقل، وعمل القدرة الإلهية أظهر، كانت النسبة الواجبة أكثر والعكس بالعكس.

ولقد التفت إلى ذلك الإمام ابن القيم ونبه عليه في "زاد المعاد" فقال: إنه تفاوت بين مقادير الواجب بحسب سعي أرباب الأموال في تحصيلها، وسهولة ذلك ومشقته، فأوجب الخمس فيما صادفه الإنسان مجموعا محصلا من الأموال، وهو الركاز ـ وهو الكنوز المدفونة من عهود بعيدة (ومثله المعدن كالحديد والذهب والنحاس وغيرها) ـ ولم يعتبر له حولا، بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به.

"وأوجب نصفه ـ وهو العشر فيما كانت مشقة تحصيله وتعبه وكلفته فوق ذلك في الثمار والزروع، التي باشر حرث أرضها وبذرها، ويتولى الله سقيها من عنده بلا كلفة من العبد ولا شراء ماء، ولا إثارة بئر ودولاب".

"وأوجب نصف العشر فيما تولى العبد سقيه بالكلفة والدوالي والنواضح ـ المواشي ـ وغيرها وأوجب نصف ذلك ـ وهو ربع العشر ـ فيما كان النماء فيه موقوفا على عمل متصل من رب المال بالضرب في الأرض تارة وبالإدارة تارة، وبالتربص تارة، ولا ريب أن كلفة هذا أعظم من كلفة الزرع والثمار، وأيضا فإن نمو الزرع والثمار أظهر وأكثر من نمو التجارة فكان واجبها أكثر من واجب التجارة، وظهور النمو فيما يسقى بالماء أكثر مما يسقى بالدوالي والنواضح".

وقد أعفى الإسلام من ضريبة الزكاة المال القليل، وجعل لكل من المال نصابا معينا أو حدا أدنى لا تجب الزكاة إلا فيما زاد عنه وفضل عن حاجة صاحبه.

ولعل هذا ما تشير إليه الآية الكريمة: (يسألونك ماذا ينفقون؟ قل العفو).

غير أن الإسلام لم يرفع هذا الحد الأدنى بحيث لا تجب الزكاة إلا على أرباب الثروات والقناطير، وإنما جعله بحيث يتيح الفرصة لمعظم المسلمين أن يسهموا في تأمين المجتمع، ومواساة الضعفاء، وحماية المصالح العامة للمسلمين.


زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:37 am

الزكاة تجيبها الدولة

فلا يذهبن الظن بأحد أن الزكاة من الغني تفضل وامتنان، ومن الفقير "شحاذة" وهوان، فليس بين الغني والفقير تعامل مباشر في الزكاة كما شرعها الإسلام: وإنما الحكومة هي نائبة عن الفقير في أخذ الزكاة من الأغنياء.

ولهذا قال تعالى لرسوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) وقال الرسول لمعاذ حين بعثه واليا ومعلما إلى اليمن "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد إلى فقرائهم".

وأول ما يدل عليه هذا التعليم النبوي "أن الزكاة في نظر الإسلام ليست إلا صرف بعض أموال الأمة، ممثلة في أغنيائها، إلى الأمة نفسها ممثلة في فقرائها، وبعبارة أخرى: ليست نقل الأمة بعض مالها من إحدى يديها وهي اليد المشرفة التي استخلفها الله على حفظه وتنميته والتصرف فيه ـ وهي يد الأغنياء ـ إلى اليد الأخرى، وهي اليد العاملة الكادحة التي لا يفي عملها بحاجتها، أو التي عجزت عن العمل وجعل رزقها فيه ومنه، وهي يد الفقراء".

الحكومة هي التي تجبي الزكاة، وقد أكد الإسلام ذلك فجعل ضمن مصارفها سهما لجباتها "العاملين عليها" وإنما وكل الإسلام جباية الزكاة إلى الدولة لا إلى ضمائر الأفراد وحدها لعدة أسباب:

أولا: إن كثيرا من الأفراد قد تموت ضمائرهم أو يصيبها السقم والهزال، فلا ضمان للفقير إذا ترك حقه لمثل هؤلاء.

ثانيا: في أخذ الفقير حقه من الدولة لا من الغني حفظ لكرامته وصيانة لماء وجهه أن يراق بالسؤال إلى ذي مال.

ثالثا: إن ترك هذا الأمر للأفراد يجعل التوزيع فوضى، فقد ينتبه أكثر من غني لإعطاء فقير، على حين يغفل عن آخر، فلا يفطن له أحد، وربما كان أشد فقرا.

رابعا: إن صرف الزكاة ليس مقصورا على الفقراء أو الأفراد فمن الجهات التي تصرف فيها الزكاة مصالح عامة للمسلمين لا يقدرها الأفراد، وإنما يقدرها أولو الأمر من الجماعة المسلمة، كإعطاء المؤلفة قلوبهم، وإعداد العدة للجهاد في سبيل الله.


بيت المال ملك الأمة

وإلى أين تذهب أموال الزكاة بعد جمعها وجبايتها؟

إنها تذهب إلى "بيت المال" وهو الخزانة العامة التي تجمع فيها موارد الدولة الإسلامية من زكاة وفيء وغنائم وخراج وغيرها، وإن كانت الزكاة تختص ببيت مال مستقل، ولا تخلط ببيوت المال الأخرى، حتى يبقى حق الفقراء مضمونا، ونصيبهم مصونا، فلا تطغى عليه حاجات المصارف الأخرى العامة ومطالبها، وهذا ما جرى عليه العمل ونص عليه جمهور الفقهاء.

وقد زعم بعض خصوم الإسلام أن للخلفاء المسلمين أن ينفقوا من بيت المال ما يشاءون فيما يشاءون وكأنه خزانة خاصة لهم، وهو زعم لا أساس له من تعاليم الإسلام، فبيت المال لجماعة المسلمين، والخليفة أو السلطان إنما هو خازن أمين، وليس له منه إلا ما يستحقه منن راتب بالمعروف، هذا هو مسلك الراشدين المهديين الذين أمرنا الرسول أن نتبع سنتهم وأن نعض عليها بالنواجذ.

فهذا أبو بكر الصديق حين بويع بالخلافة ذهب إلى السوق كعادته ليتاجر ويقوت نفسه وأهله، فلقيه عمر فقال له إلى أين؟ قال: إلى السوق، قال عمر: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: من أين أطعم عيالي؟ فقال عمر: انطلق يفرض لك أبو عبيدة أمين بيت المال، فانطلق إلى أبي عبيدة فقال للخليفة: أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم، وكسوة الشتاء والصيف: إذا أخلقت شيئا رددته وأخذت غيره!!

وهذا عمر يقول: ألا أخبركم بما أستحل من مال الله؟ حلتين: حلة الشتاء والقيظ ـ الصيف ـ وما أحج عليه وأعتمر من الظهر ـ الركوبة ـ وقوت أهلي كرجل من قريش، ليس بأغناهم ولا أفقرهم، ثم أنا رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم".

ويروى عنه أنه قال: إنما أنا وهذا المال كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف.

ويرسل عمر إلى عبد الرحمن بن عوف يستسلفه أربعمائة درهم، فقال عبد الرحمن: أتستسلفني وعندك بيت المال؟ ألا تأخذ منه ثم ترده؟ فقال عمر: إني أتخوف أن يصيبني قدري فتقول أنت وأصحابك: اتركوا هذا لأمير المؤمنين، حتى يؤخذ من ميزاني يوم القيامة، ولكني أتسلفها منك لما أعلم من شحك، فإذا مت جئت فاستوفيتها من ميراثي!".

وهذا علي يدخل عليه بعض الناس فلا يجد عليه إلا قطيفة خلقة، وهو يرعد فيها من البرد، فيقول: يا أمير المؤمنين، إن الله تبارك وتعالى قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال نصيبا، وأنت تفعل هذا بنفسك! فقال: إني والله ما أرزؤكم شيئا".

فمن ذا الذي يزعم بعد ذلك أن الزكاة تجمع في بيت المال لنفقها الخلفاء والحكام فيما يشتهون؟!

على أن هدى الإٍسلام في الزكاة أن توزع أولا في الأقاليم التي جمعت منها، كما نبهت على ذلك السنة: "تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم" وعن عمران بن حصين إنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعناه حيث كنا نضعه".

فإذا فضل شيء من الزكاة عن حاجة أهل البلد جاز نقله إلى من يستحقه في مكان آخر أو إلى بيت المال المركزي، وقد روى أبو عبيدة: أن معاذا بعث إلى عمر من اليمن بثلث الزكاة، فأنكر ذلك عمر وقال: لم أبعثك جابيا، ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحدا يأخذه مني.

فليس من سياسة الإسلام أخذ الأموال من القرى لتنفق على العواصم الكبرى، وإنما تنفق الزكاة حيث جمعت، وهذا ما يقضي به العدل، وحسن التنظيم والتوزيع، وإشعار الفقير في كل بلد بأن له نصيبا في هذا المال الذي يراه، فيحرص عليه، وهذا ما جعل الناس في عصرنا ينتبهون إلى نظام "الإدارة المحلية" وينتفعون بمزاياه.


فيم تصرف الزكاة وإلى من؟

هذا إلى أن الإسلام قد حدد الجهات التي تصرف إليها فيها الزكاة، فلم يدعها لأهواء الحاكمين ينفقون منها على مظاهر الترف لهم، أو على الأتباع والأنصار من حولهم، ولم يدعها كذلك لرغبات الطامعين فيها وهم لا يستحقونها.

وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلعت أعين جماعة من المنافقين إلى أموال الصدقات وسال لعابهم لأخذها، وفيهم قال تعالى:

(ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون)

ثم بين الله تعالى مصارف الزكاة بقوله: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم).

وهكذا تولى الله بنفسه في كتابه توزيع الزكاة، فليس لبشر بعد ذلك أن يحولها عن مصارفها الثمانية إلى مصارف تخدم هواه ما أنزل الله بها من سلطان.

أول هذه المصارف أو الأصناف هم "الفقراء" وثانيهما "المساكين" وهم صنفان لنوع واحد من المستحقين من أهل الفاقة والاحتياج، وإذا ذكر أحدهما منفردا في نص أريد به ما يشمل الآخر، فإذا اجتمعا ـ كما في هذه الآية ـ فالأرجح أن يراد بالفقير المحتاج الذي لا يملك شيئا أو يملك ما دون النصاب، والمسكين محتاج أحسن حالا وأكثر تجملا وسكونا من الصنف الآخر.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم (لا يسألون الناس إلحافا) وفي رواية "ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس".

وهذا الحديث يكشف لنا النقاب عن مسألة هامة، فكثيرا ما يحصر الناس صورة المسكين أو الفقير أو ذلك الشخص المشهور بالفقر، المتظاهر بالمسكنة، الماد يده بالسؤال، ولكن المسكين الذي نبه رسول الله الناس عليه يشمل كثيرا من أصحاب البيوت، وأرباب الأسر المتعففين، الذين أخنى عليه الزمن، أو ضاقت موارد رزقهم عن سد حاجاتهم، أو كان دخلهم من عملهم لا يكفي مطالبهم المعقولة، فلا بأس أن يعطي هؤلاء من مال الزكاة، ولقد سأل رجل الحسن البصري عن الرجل تكون له الدار والخادم، أفيأخذ الصدقة؟ قال: يأخذ الصدقة إن احتاج ولا حرج!!

وليس المقصود أن يعطى درهما أو درهمين، فيظل دائما محتاجا خاوي الكفين، وإنما المقصود أن يعطى ما يسد عوزه، ويقضي حاجته، قال عمر: إذا أعطيتم فأغنوا.. وأعطى رجلا ثلاثا من الإبل ليغنيه من العيلة، حين ذكر له هلكة عياله، وقال: كرروا عليهم الصدقة وإن راح على أحدهم مائة من الإبل، وقال القاضي عبد الوهاب: لم يحد مالك لذلك حدا! فإنه قال: يعطى من له المسكن والخادم والدابة ـ الذي لا غنى له عنه.

فالأولى أن يعطى التاجر ما يستأنف به تجارته، ويعطى الصانع ما يشتري به أدوات صنعته، وهكذا. قال الفقيه التابعي الجليل عطاء: إذا أعطى الرجل زكاة ماله أهل بيت من المسلمين فجبرهم فهو أحب إلي.

وقد قال أبو عبيدة ـ في كتابه القيم "الأموال" ـ بعد أن ذكر هذه الآثار وغيرها عن الصحابة والتابعين: فكل هذه الآثار دالة على أن مبلغ ما يعطاه أهل الحاجة من الزكاة ليس له وقت ـ أي حد ـ محظور على المسلمين ألا يعدوه إلى غيره، وإن لم يكن المعطى غارما، بل فيه المحبة والفضل، إذا كان ذلك على جهة النظر من المعطى بلا محاباة ولا إيثار هوى، كرجل رأى أهل بيت من صالحي المسلمين أهل فقر ومسكنة، وهو ذو مال كثير، ولا منزل لهؤلاء يأويهم ويستر خلتهم فاشترى من زكاة ماله مسكنا يكنهم من كلب الشتاء وحر الشمس، أو كانوا عراة لا كسوة لهم ـ فكساهم ما يستر عوراتهم في صلاتهم ويقيهم من الحر والبرد، أو رأى مملوكا عند مليك سوء قد اضطهده وأساء ملكته، فاستنقذه من رقه، بأن يشتريه فيعتقه، أو مر به ابن سبيل بعيد الشقة، نائي الدار، قد انقطع به، فحمله إلى وطنه وأهله بكراء أو شراء.

"هذه الحلال وما أشبهها، التي لا تنال إلا بالأموال الكثيرة، ولم تسمح نفس الفاعل أن يجعلها نافلة، فجعلها من زكاة ماله، أما يكون هذا مؤديا للفرض؟ بلى ثم يكون محسنا إن شاء الله. وإني لخائف على من صد مثله عن فعله، لأنه لا يجود بالتطوع، وهذا يمنعه بفتياه من الفريضة، فتضيع الحقوق ويعطب أهلها".

وليست الزكاة تشجيعا للبطالة، ومعاونة لطائفة مرتزقة ـ كما يظن من لا يعرفون ـ كلا فقد قال رسول الإسلام: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" ـ المرة: القوة والشدة ـ والسوي: السليم الأعضاء.

وجاء رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فيهما بصره وخفضه، فرآهما جلدين ـ قويين ـ فقال: إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيهما لغني، ولا لقوي مكتسب".

وإنما خيرهما الرسول، لأنهما قد يكونان قويين في ظاهر أمرهما، ولكنهما غير مكتسبين أو يكتسبان ما لا يكفيهما.

فالواجب على كل مسلم أن يعمل، والواجب على الدولة أن تهيئ له ما يناسبه من عمل، فإن عجز عن عمل يقوم بكفايته، فلن يهلك في مجتمع مسلم، بل تقوم الزكاة له بإيفائه حاجاته المعقولة.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:38 am

والصنف الثالث

من مستحقي الزكاة هم: العاملون عليها، سواء أكانوا عاملين على جمعها من مالكي النصاب، وهم الجباة، أم عاملين على حفظها وهم الخزنة، أو عاملين على حراستها أو كتابتها في دواوين وما إلى ذلك، أو عاملين على توزيعها على مستحقيها، وصرفها في مصارفها الشرعية.

والصنف الرابع

هم "المؤلفة قلوبهم" وهم الجماعة الذين يراد تأليف قلوبهم بالاستمالة إلى الإسلام، ليسلموا، أو لتثبت أقدامهم فيه، أو رجاء نفعهم في الدفاع عن المسلمين، أو كفا لشرهم عنهم، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بعض من كان يرجو إيمانه من الكفار كصفوان بن أمية أحد أشراف الجاهلية وأجوادها وفصحائها، وقد أسلم وحسن إسلامه، كما أعطى بعض زعماء القبائل كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس، وقد رجا بإعطائهم تثبيتهم وتقوية إيمانهم، والانتفاع بهم في حرب المشركين.

ووجود هذا الصنف يرجع إلى إمام المسلمين وأهل شواره، فإن رأى أن يتألف قوما لمعنى من المعاني التي ذكرناها كان له أن يعطيهم سهما من مال الزكاة، وإن لم يجد ضرورة لذلك ـ كما فعل عمر ـ فليس بمفروض عليه أن يخلق هذا الصنف، فيسقط سهمهم لعدم وجودهم، كما إذا لم يوجد الفقراء أو الغارمون، أو الرقاب.

وبهذا نتبين خطأ من يزعمون أن عمر عطل نصا من كتاب الله ـ وحاشا له ـ وإنما عطل التأليف ـ وهذا من حقه ـ لقوم طامعين قد أغنى الله عنهم.

ويمكن أن ينفق السهم في عصرنا للتبشير بالإسلام كما يصنع مخالفوا المسلمين، ويمكن أن يعطى منه "قوم من المسلمين يتألفهم الكفار ليدخلوهم تحت حمايتهم أو في دينهم، فإنا نجد دول الاستعمار الطامعة في استعباد جميع المسلمين وفي ردهم عن دينهم يخصصون من أموال دولهم سهما للمؤلفة قلوبهم من المسلمين، فمنهم من يؤلفونه لأجل تنصيره وإخراجه من الإسلام، ومنهم من يؤلفونه لأجل الدخول في حمايتهم، أو مشاقة الدول الإسلامية، أو الوحدة الإسلامية، أفليس المسلمون أولى بهذا منهم؟!!".

والمصرف الخامس

"في الرقاب" أي في تحرير رقاب الأرقاء وتخليصهم من الرق، وقد جاء الإسلام والرق ضارب أطنابه في العالم كله، فلم يكن من السهل أن يلغيه بجرة قلم، بل وضع من التعاليم والتوجيهات ما يلغيه من الحياة بهدوء وتدرج حكيم، وكان من الوسائل التي اتخذها الإسلام لإلغائه أو تضييق نطاقه جعله تحرير الرقبة من أفضل القربات إلى الله، وجعله ذلك كفارة لكثير من الأخطاء التي يتورط فيها المسلم كالحنث في اليمين، ثم أمر المسلمين أمرا عاما أن يكاتبوا أرقاءهم على مبالغ من المال يؤدونها على أقساط ـ ما داموا قد علموا فيهم خيرا ـ كما أمر المسلمين جميعا أن يعاونوا هؤلاء المكاتبين على أداء ما التزموا به وفي هذا يقول القرآن: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم).

ولم يدع الإسلام هذا الأمر الهام ـ أمر تحرير الرقيق ـ للأفراد وحدهم، بل ألقى على عاتق الدولة نصيبا منه، وذلك حين جعل من أموال الزكاة سهما ينفق منه على تحرير الرقيق بإعانة المكاتبين على وفاء أقساطهم، أو بشراء بعض الرقاب لعتقها: وهذا أول تشريع عملي تعرفه الإنسانية لتحرير أولئك المستعبدين، وليس بالهين أن يرصد الإسلام لهذا الغرض ثمن مال الزكاة ـ أو أكثر ـ وهو مقدار قد يبلغ الملايين في كل عام، وقد ترصد الزكاة كلها لهذا الغرض في بعض الأحيان، كما حدث في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز في صدقات أفريقية.

والصنف السادس

"الغارمون" وهم الذين ركبتهم ديون مرهقة تعذر عليهم أداؤها، على أن تكون هذه الديون في غير معصية الله، وفي غير سفاهة وإسراف، فإن العاصي لا يعان بمال الله على معصية الله، والسفيه لا يعان أيضا على سفهه، إلا إذا تابا إلى الله واستقاما وعرفت توبتهما واستقماتهما، والإسلام يكره للمسلم أن يستدين، فإذا استدان ـ بسبب مشروع ـ عاونه على التخلص ن ربقة الدين، فالدين هم بالليل وذل بالنهار، والإسلام لا يحب للمسلم هما ولا ذلا، إنه يقيله من عثرته، وينتشله من وهدته، ولا يتركه يسقط فريسة الديون ويعلن إفلاسه.

وهكذا يأخذ الإسلام بيد الغارم المجهود، ولا يكلفه بيع حوائجه الأصلية ليسدد ما عليه، ويعيش فارغا من المقومات الأساسية للحياة، محروما من كل أثاث ومتاع يليق بمثله، كلا، فقد كتب عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى ولاته: أن اقضوا عن الغارمين، فكتب إليه من يقول: إنا نجد الرجل له المسكن والخادم والفرس والأثاث ـ أي وهو مع ذلك غارم ـ فكتب عمر: إنه لا بد للمرء المسلم من مسكن يسكنه، وخادم يكفيه مهنته، وفرس يجاهد عليه عدوه، ومن أن يكون له الأثاث في بيته، نعم فاقضوا عنه فإنه غارم!".

ومن الغارمين فئة من أصحاب القلوب الكبيرة عرفها المجتمع العربي والإسلامي، كان الواحد من هؤلاء يتقدم لإصلاح ما بين أسرتين أو قبيلتين، ويلتزم دفع ما يقتضيه الصلح من ديات وغرامات، لتخمد نار الفتنة، وتسود السكينة والسلام، فكان من فضل الإسلام أن يعان هؤلاء من الزكاة على ذلك الهدف النبيل.

ويروي لنا الإمامان أحمد ومسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة، حتى يصيبها ثم يمسك ـ أي يكف عن السؤال ـ ورجل أصابته جائحة ـ أي كارثة ـ اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما عن عيش، أو قال: سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش، أو قال: سدادا من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا".

وإنها لروعة من الإسلام أن يمد بالمال كل غارم لإصلاح ذات البين وإقرار السلام والوئام، وروعة منه أن يمد بالمال والمعونة أصحاب الكوارث والجوائح ويأخذ بيدهم لينهضوا، قبل أن تعرف الدنيا بقرون نظام التأمين على الأشياء والممتلكات ضد الحوادث والأخطار.

وروعة منه أن يفتح ذراعيه، بالمعونة للفقير الذي يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أنه قد أصابته فاقة، لا لكل من يظهر الفاقة ويدعي المسكنة، وروعة ثم روعة أن يجعل الغاية من إعطاء هذا وذاك أن يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش، أي ما يقوم بمعيشته ويسد خلته لا مجرد لقيمات يقيم بها صلبه.

والمصرف السابع

"في سبيل الله" وسبيل الله هو الطريق الموصل إلى مرضاته وأول ما يتبادر إلى الذهن منه هو الجهاد والقتال لكثرة اقترانه في القرآن والسنة بكلمة "في سبيل الله" ويدخل فيه إعداد العدة وتجهيز المجاهدين، وإعطائهم منها وإن كانوا أغنياء، ما لم يكن لهم راتب من الدولة، والمراد بالجهاد هنا: الجهاد الإسلامي، الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

ويرى بعض العلماء أن هذا المصرف يشمل كل مصلحة عامة يتحقق بها للمسلمين خير عام لملتهم أو جماعتهم، كعمارة المساجد، وبناء المدارس الإسلامية ونحو ذلك.

وأرى أن يقتصر هذا المصرف على الجهاد الإسلامي وما في معناه من كل عمل يقصد به رفع راية الإسلام ونصرة دعوته، وتحكيم شريعته في الأرض وإعلاء نظامه على كل نظام.

والصنف الثامن

"ابن السبيل" وهو المنقطع عن ماله وإن كان من أهل الغنى واليسار في بلده، فقد قدر الإسلام حاجته، وأكرم غربته، بفرضه له هذا السهم من الزكاة، ويدخل في ذلك اللاجئون المضطهدون من المسلمين الذين فروا من ظلم الحكام الكفرة أو أشباه الكفرة.

هذه هي المصارف الثمانية التي حددها القرآن للزكاة، وهي مصارف إسلامية محضة، فلا تصرف الزكاة إلا للمسلمين المستحقين وفي المصالح العامة لملة الإسلام، وجماعة المسلمين.

كما أنها لا تؤخذ إلا من المسلمين، إذ هي عبادة وشعيرة، قبل أن تكون ضريبة، ومن أجل ذلك لم يفرضها الإسلام على غير المسلمين ممن يعيشون في كنفه ويستظلون بحكمه، فإن العبادات والشعائر لا يكلف بها إلا المسلمون.

وبذلك نعلم أن أموال الزكاة لا تضاف إلى "الميزانية العامة" للدولة فتذوب في غمارها، وتتسرب في مسارب نفقاتها المتشعبة الكثيرة، بل تبقى لها ميزانيتها الخاصة لتنفق في مصارفها الخاصة، كما أوضحها القرآن.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:39 am

الزكاة حق لا تفضل

ومن هذا كله نعلم أن الزكاة ليست تفضلا وإحسانا من إنسان إلى آخر وإنما هي "حق معلوم" كما قال الله.


حق للفقير

حق للفقير بوصفه أخا للغني في الدين والإنسانية، فقد جعل الإسلام المجتمع كالأسرة الواحدة يكفل بعضه بعضا، بل كالجسد الواحد إذا اشتكى بعضه اشتكى كله، فمن حق الفقير الذي لا يستطيع أن يعمل، أو يستطيع ولا يجد عملا، أو يعمل ولا يجد كفايته من عمله، أو يجد ولكن حل به من الأحداث ما أفقره إلى المعونة، من حقه أن يعان ويشد أزره ويؤخذ بيده، وليس من الإيمان ولا من الإنسانية أن يشبع بعض الناس حتى يشكو التخمة، وإلى جواره من طال حرمانه حتى أن من الجوع.

ولا يجوز للمؤمن أن يعيش في دائرة نفسه مغفلا واجبه نحو الآخرين من ضعفاء ومساكين، فهذا نقص في إيمانه، موجب لسخط الله في الدنيا والآخرة، وفي هذا يقص علينا القرآن مشهدا من مشاهد الآخرة بين أهل اليمين في الجنة وأهل الشمال في النار، فأصحاب اليمين (في جنات يتساءلون عن المجرمين: ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين) فهنا كان ترك إطعام المسكين من موجبات الخلود في سقر. وأروع من ذلك وأعجب أن القرآن لا يكتفي بإيجاب إطعام المسكين ـ ومثل إطعامه كسوته ورعاية ضروراته وحاجاته ـ بل يزيد على ذلك فيجعل في عنق كل مؤمن حقا للمسكين أن يحض غيره على إطعامه ورعايته، ويجعل ترك هذا الحض من لوازم الكفر بالله، والتكذيب بيوم الدين، نقرأ في هذا قول الله تعالى: (أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) فقهر اليتيم وإهمال الحث على رعاية المسكين جعلا دليلا على أن القلب خلو من الإيمان بالآخرة والتصديق بالجزاء وما كان لمثل هذا الشخص من صلاة فهي صلاة الساهين المرائين.

ويقول تعالى في شأن أصحاب الشمال: (وأما من أوتي كتابه بشماله، فيقول: يا ليتني لم أوت كتابيه، ولم أدر ما حسابيه؟ يا ليتها كانت القاضية، ما أغنى عني ماليه، هلك عنى سلطانيه) ثم يصدر الله عليه الحكم الذي يستحقه: (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه، ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) ثم يذكر أسباب هذا الحكم الشديد: (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين).

ولم تر الدنيا كتابا كالقرآن يجعل إهمال الحث على العناية بالمسكين من موجبات الجحيم، والعذاب الأليم!


حق الجماعة

والزكاة ـ مع أنها حق الفقير ـ حق الجماعة أيضا، فالإنسان لم يكسب المال بجهده وحده، بل شاركت فيه جهود وأفكار وأيد كثيرة، بعضها عن قصد، وبعضها عن غير قصد، بعضها ساهم من قريب، وبعضها ساهم من بعيد، وكلها أسباب عاونت في وصول المال إلى ذي المال، فإذا نظرنا إلى التاجر مثلا كيف جمع ماله وحقق كسبه؟ رأينا للمجتمع عليه فضلا كبيرا، فممن يشتري؟ ولمن يبيع؟ ومع من يعمل؟ وبمن يسير إذا لم يكن المجتمع؟ وهكذا الزارع والصانع وكل ذي مال. فمن حق المجتمع ممثلا في الدولة التي تشرف عليه وترعى مصالحه، وتسد خلات أفراده أن يكون لها نصيب من مال ذي المال، فلو لم يكن في المجتمع المسلم أفراد فقراء أو مساكين لوجب على المسلم أن يؤدي زكاته ولا بد، لتكون رصيدا للجماعة، تنفق منه عند المقتضيات، ولتبذل منه "في سبيل الله" وهو مصرف عام دائم ما دام في الأرض إسلام.


حق الله

والزكاة بعد ذلك ـ وقبل ذلك ـ حق الله تعالى، فالله هو المالك الحقيقي لكل ما في الكون أرضه وسمائه، والمال في الحقيقة ماله، لأنه خالقه وواهبه وميسر سبله، ومانح الإنسان القدرة على اكتسابه.

إذا زرع الإنسان زرعا فأنبت حبا، أو غرس غرسا فآتى ثمرا فكم يوازي عمل يده في الحرث والسقي والتعهد بجانب عمل يد الله الذي جعل الأرض ذلولا، وأنزل الماء من السماء مطرا؟ وأجراه في الأرض نهرا، وهيأ للحبة في باطن التراب غذاءها حتى صارت شجرة مورقة مثمرة؟ ألا ما أقل عمل الإنسان وجهده بجانب رعاية الله!

ثم ما عمل الإنسان إذا لم يهبه الله الأدوات التي بها يعمل، والعقل الذي به يفكر ويدبر؟

لهذا يبين القرآن فضل الله على عباده، ويرد الحق إلى نصابه، فيقول: (أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ ولو نشاء لجعناه حطاما فظللتم تفكهون: إنا لمغرمون، بل نحن محرومون، أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون؟!)

ويقول في سورة أخرى (فلينظر الإنسان إلى طعامه، أنا صببنا الماء صبا، ثم شققنا الأرض شقا، فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقصبا).

وفي سورة ثالثة يقول: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون، وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون، ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا تشكرون؟!)

نعم "أفلا يشكرون" وهم يأكلون من ثمار لم تعملها أيديهم وإنما عملتها يد الله، الله الذي أحيا الأرض الميتة وأخرج منها الحب، وأنشأ الجنات وفجر العيون.

وليس عمل يد الله في الزراعة فحسب، بل في كل ناحية من الحياة: زراعة أو تجارة أو صناعة أو غيرها، ففي الصناعة مثلا نجد المادة الخام من خلق الله لا من إنتاج الإنسان، ومن هنا امتن الله على الناس بمادة الحديد فقال: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس) والتعبير بـ (أنزلنا) يعني أن الله خلقه بتدبير سماوي علوي لا دخل للإنسان فيه.

ونجد الاهتداء إلى الصناعات من إلهام الله وتعليمه للإنسان ما لم يكن يعلم كما قال تعالى عن نبي الله داود (وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون؟).

والنتيجة من هذا أن المال رزقه يسوقه الله للإنسان فضلا منه ونعمة، ومهما ذكر الإنسان عمله وجهده فليذكر عمل القدرة الإلهية في الإيجاد والإمداد. فلا غرابة بعد هذا أن ينفق الإنسان ـ عبد الله ـ بعض ما رزقه الله، على إخوانه عباد الله، قياما للواجب المنعم بحق الشكر على نعمائه، ومن أجل هذا يقول الله في كتابه (أنفقوا مما رزقناكم) (ومما رزقناهم ينفقون) ويقرر أن المال مال الله والإنسان ما هو إلا مستخلف فيه أو موظف مؤتمن على تنميته وإنفاقه والانتفاع والنفع به، يقول تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) (أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه).

وهذا المعنى في الزكاة ـ أنها حق الله ـ هو الذي يميزها عن الضريبة في النظم المادية الأخرى، إنها ضريبة وعبادة معا، ضريبة، لأنها حق محدد مقرر لا تهاون فيه، تتولى الدولة المسلمة جبايته وتوزيعه، وعبادة، لأن المسلم يؤديها طاعة لأمر الله، وشكرا له، واعترافا بفضله. ولهذا لا يكتفي الإسلام بالأداء الآلي لهذه الضريبة ما لم تصحبه نية القربة إلى الله، بل لا يرضى من المسلم أن يؤديها كارها متبرما كأنما يدفع مغرما، ولهذا أيضا أوصى النبي دافع الزكاة أن يقول عند أدائها: "اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما".

وقال: "ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه".

وجعل من أسباب البلاء للأمة: أن تصير الأمانة مغنما، والزكاة مغرما.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:41 am

أهداف الزكاة

لكلمة "الزكاة" في لغة العرب معنيان: معنى الطهارة والنظافة ومعنى النماء والزيادة.

وإنما اختار الإسلام هذه الكلمة ليعبر بها عن الفريضة المالية المعلومة، لأن هذه اللفظة تكشف عما يقصد إليه الإسلام من وراء هذه الفريضة.

فالزكاة فيها معنى الطهارة ومعنى النماء كلاهما.

هي طهارة لنفس الغني من الشح البغيض. تلك الآفة النفسية الخطرة التي قد تدفع من اتصف بها إلى الدم فيسفكه، أو العرض فيبذله، أو الوطن فيبيعه، ولن يفلح فرد أو مجتمع سيطر الشح عليه وملك ناصيته (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).

وهي في الجانب الآخر طهارة لنفس الفقير من الحسد والضغن على ذلك الغني الكانز لمال الله عن عباد الله (الذي جمع مالا وعدده، يحسب أن ماله أخلده) ومن شأن الإحسان أن يستميل قلب الإنسان، كما أن من شأن الحرمان في جانب، والتنعم في جانب، أن يملأ قلوب المحرومين بالبغضاء والأضغان.

وهي طهارة للمجتمع كله ـ أغنيائه وفقرائه ـ من عوامل الهدم والتفرقة والصراع والفتن الهوج.

ثم هي طهارة للمال، فإن تعلق حق الغير بالمال يجعله ملوثا لا يطهر إلا بإخراجه منه، وفي مثل هذا المعنى يقول بعض السلف: "الحجر المغصوب في الدار رهن بخرابها" وكذلك الدرهم الذي استحقه الفقير من المال رهن بتلويثه كله. ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره".

وأكثر من ذلك ما روي أنه قال: "حصنوا أموالكم بالزكاة".

وما أحوج الأغنياء إلى هذا التحصين، وخاصة في عصرنا الذي عرف المبادئ الهدامة، والثورات الحمراء!!

ثم هي ـ بعد معنى الطهارة ـ نماء وزيادة. نماء لشخصية الغني وكيانه المعنوي، فالإنسان الذي يسدي الخير، ويصنع المعروف، ويبذل من ذات نفسه ويده، لينهض بإخوانه في الدين والإنسانية، وليقوم بحق الله عليه، يشعر بامتداد في نفسه، وانشراح واتساع في صدره، ويحس بما يحس به من انتصر في معركة، وهو فعلا قد انتصر على ضعفه وأثرته وشيطان شحه وهواه، فهذا هو النماء النفسي، والزكاة المعنوية.

ولعل هذا ما نفهمه من عبارة الآية (تطهرهم وتزكيهم بها) فعطف التزكية على التطهير قد يفيد هذا المعنى الذي ذكرناه، إذ كل كلمة في القرآن لها معناها ودلالتها.

والزكاة أيضا نماء لشخصية الفقير، حيث يحس أنه ليس ضائعا في المجتمع، ولا متروكا لضعفه وفقره، ينخران فيه حتى يوديا به، ويعجلا بهلاكه، كلا، إن مجتمعه ليعمل على إقالة عثرته، ويحمل عنه أثقاله، ويمد له يد المعونة بكل ما يستطيع، وبعد ذلك هو لا يتناول الزكاة من فرد يشعر بالاستعلاء عليه، ويشعر هو بالهوان أمامه، بل يأخذ حقه من يد الدولة حرصا على كرامته أن تخدش، ولو قدر للأفراد أن يكونوا هم المعطين بأنفسهم، فالقرآن يحذرهم المن والأذى: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم).

والزكاة بعد ذلك نماء للمال وبركة فيه، وربما استغرب ذلك بعض الناس فالزكاة في الظاهر نقص من المال بإخراج بعضه، فكيف تكون نماء وزيادة؟!

ولكن العارفين يعلمون أن هذا النقص الظاهري وراءه زيادة حقيقية: زيادة في مال المجموع، وزيادة في مال الغني نفسه، فإن هذا الجزء القليل الذي يدفعه يعود عليه أضعافه من حيث يدري أو لا يدري.

وقريب من هذا ما نراه في بعض الدول الغنية المتخمة تتبرع بأموال من عندها لبعض الدول الفقيرة، لا لله، ولكن لتخلق قوة شرائية لمنتجاتها.

وإذا نظرنا نظرة نفسية نرى أن الدينار في يد رجل تخفق له القلوب بالحب، وتهتف له الألسنة بالدعاء، وتحوطه الأيدي بالحماية والرعاية ـ الدينار مع هذا الإنسان أشد قدرة وأكثر حركة من بضعة دنانير مع غيره، ممن يعيش لنفسه، غريقا في أنانيته، يتمنى الناس له الفشل والإخفاق.

ولعل هذا التفسير الاقتصادي للنماء هو بعض ما تشير إليه آيات القرآن (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم) (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) (يمحق الله الربا ويربي الصدقات).

ولا تنس هنا عمل العناية الإلهية في هذا الإخلاف والإرباء، بغير ما نعرف من الأسباب، والله يؤتي من فضله ما يشاء لمن يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

والزكاة بعد ذلك وسيلة من وسائل الضمان الاجتماعي الذي جاء به الإسلام، فإن الإسلام يأبى أن يوجد في مجتمعه من لا يجد القوت الذي يكفيه، والثوب الذي يزينه ويواريه، والمسكن الذي يؤويه، فهذه ضروريات يجب أن تتوافر لكل من يعيش في ظل الإسلام، والمسلم مطالب بأن يحقق هذه الضرورات وما فوقها من جهده وكسبه، فإن لم يستطع فالمجتمع يكفله ويضمنه، ولا يدعه فريسة الجوع والعري والمسكنة.

فهكذا علم الإسلام المسلمين أن يكونوا كالجسد الواحد، إذا اشتكى بعضه اشتكى كله.

والزكاة مورد أساسي لهذه الكفالة الاجتماعية المعيشية التي فرضها الإسلام للعاجزين والمحرومين.

ثم هي وسيلة من وسائل الإسلام التي اتخذها لتقريب المسافة بين الأغنياء والفقراء، فالإسلام ـ باعتباره دينا، يعترف بالفطرة ويهذبها ويسمو بها ولا يعلن الحرب لاستئصالها أو مقاومتها ـ قد أقر الملكية الفردية الناشئة عن سبب مشروع، استجابة للدوافع الفطرية الأصلية في الإنسان التي تتطلب التملك والمنافسة والادخار.

وبالتالي يكون الإسلام قد اعترف بالتفاوت الفطري في الأرزاق بين الناس، إذ هو بلا شك ناشئ عن تفاوت فطري آخر في المواهب والملكات، والقدر والطاقات، ولكن هذا الاعتراف بالتفاوت الفطري في الرزق، ليس معناه أن يدع الغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقرا، فتتسع الشقة بين الفريقين، ويصبح الأغنياء "طبقة" كتب لها أن تعيش في أبراج من العاج، ويصبح الفقراء "طبقة" كتب عليها أن تموت في أكواخ من البؤس والحرمان، بل تدخل الإسلام بتشريعاته القانونية، ووصاياه الروحية والخلقية، لتقريب المسافة بين هؤلاء وأولئك، فعمل على الحد من طغيان الأغنياء، والرفع من مستوى الفقراء.

ولست هنا في مقام الحديث عن وسائل الإسلام في هذا التقريب من تحريم للربا والاحتكار والسرف والترف الخ، وإنما أتحدث عن الزكاة، فهي وسيلة بارزة من هذه الوسائل: هي أخذ من الأغنياء، وإعطاء للفقراء.

وهي أمضى سلاح في محاربة الكنز وإخراج النقود من مخابئها في الصناديق أو الشقوق، لتشارك في ميدان العمل والتثمير، بدل أن تبقى قوة معطلة شلاء، ولقد شبه من يحبس المال ويكنزه عن التداول بمن يحبس جنديا في جيش الإسلام عن مزاولة عمله في ميدان الجهاد، وهذا حق، فالدينار المتداول المستثمر جندي يعمل لخدمة الأمة ورخائها وسيادتها، والدينار المخزون المكنوز جندي قاعد أو محبوس.

ولهذا حرم الإسلام الكنز، وأعلن القرآن سخط الله على الكانزين الأشحاء (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم: هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون).

ولم يكتف الإسلام بهذا الوعيد للكانزين، لقد زاد على ذلك بوضع خطة عملية لمقاومة الكنز، تلك هي الزكاة، فأي إنسان يرضى أن ينتقص كل عام من دراهمه ودنانيره 2.5 بالمئة وهي بحالها لا تنمو؟ إن الزكاة لتوشك أن تلتهمها بعد سنوات قلائل ما لم يتدارك ماله فيثمره وينميه. وهذا ما جعل الرسول الكريم يأمر الأوصياء على أموال اليتامى أن يتجروا فيها حتى لا تأكلها الزكاة.


من شهادات الكتاب الأجانب

تلك هي الزكاة في الإسلام، وذلك بعض أهدافها وأسرارها، فلا غرو إن رأينا كثيرا من الكتاب والباحثين الغربيين ينوهون بها، ويشيدون بفضل الإسلام في شرعيتها.

يقول "ليودوروش": لقد وجدت في الإسلام حل المشكلتين اللتين تشغلان العالم.

الأولى: قول القرآن: (إنما المؤمنون إخوة) فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية.

والثانية: (فرض الزكاة على كل ذي مال) وينقل لنا صاحب "الإسلام والنظام العالمي الجديد" عن "ماركس" ـ غير كارل ماركس اليهودي الشيوعي ـ قوله عن الزكاة:

"وكانت هذه الضريبة فرضا دينيا يتحتم على الجميع أداؤه، وفضلا عن هذه الصفة الدينية، فالزكاة نظام اجتماعي عام، ومصدر تدخر به الدولة المحمدية ما تمد به الفقراء وتعينهم، وذلك على طريقة نظامية قويمة، لا استبدادية تحكمية، ولا عرضية طارئة.

"وهذا النظام البديع كان الإسلام أول من وضع أساسه في تاريخ البشرية عامة، فضريبة الزكاة التي كانت تجبر طبقات الملاك والتجار والأغنياء على دفعها، لتصرفها الدولة على المعوزين والعاجزين من أفرادها هدمت السياج الذي كان يفصل بين جماعات الدولة الواحدة، ووحدت الأمة في دائرة اجتماعية عادلة، وبذلك برهن هذا النظام الإسلامي على أنه لا يقوم على أساس الأثرة البغيضة".

وينقل عن "ماسينيون" المستشرق الشهير:

"إن لدين الإسلام من الكفاية ما يجعله يتشدد في تحقيق فكرة المساواة، وذلك بفرض الزكاة التي يدفعها كل فرد لبيت المال، وهو يناهض الديون الربوية، والضرائب غير المباشرة التي تفرض على الحاجات الأولية الضرورية، ويقف في نفس الوقت إلى جانب الملكية الفردية ورأس المال التجاري، وبذلك يحل الإسلام مرة أخرى مكانا وسطا بين نظريات الرأسمالية البرجوازية، ونظريات البلشفية الشيوعية".


التزام أداء الزكاة كاف لإعادة مجد الإسلام

يقول الشيخ رشيد رضا رحمه الله في تفسيره:

"إن الإسلام يمتاز على جميع الأديان والشرائع بفرض الزكاة فيه ـ كما يعترف بهذا حكماء جميع الأمم وعقلاؤها ـ ولو أقام المسلمون هذا الركن من دينهم لما وجد فيهم ـ بعد أن كثرهم الله ووسع عليهم في الرزق ـ فقير مدقع، ولا ذو غرم مفجع، ولكن أكثرهم تركوا هذه الفريضة، فجنوا على دينهم وأمتهم، فصاروا أسوأ من جميع الأمم حالا في مصالحهم المالية والسياسية، حتى فقدوا ملكهم وعزهم وشرفهم، وصاروا عالة على أهل الملل الأخرى، حتى في تربية أبنائهم وبناتهم، فهم يلقونهم في مدارس دعاة النصرانية، أو دعاة الإلحاد، فيفسدون عليهم دينهم ودنياهم، ويقطعون روابطهم الملية والجنسية، ويعدونهم ليكونوا عبيدا أذلة للأجانب عنهم، وإذا قيل لهم: لماذا لا تؤسسون لأنفسكم مدارس كمدارس هؤلاء الرهبان والمبشرين أوالملاحدة الإباحيين؟ قالوا: إننا لا نجد من المال ما يقوم بذلك، وإنما الحق أنهم لا يجدون من الدين والعقل وعلو الهمة والغيرة ما يمكنهم من ذلك، فهم يرون أبناء الملل الأخرى يبذلون للمدارس وللجمعيات الخيرية والسياسية ما لا يوجبه عليهم دينهم، وإنما أوجبته عليهم عقولهم وغيرتهم الملية والقومية، ولا يغارون منهم، وإنما يرضون أن يكونوا عالة عليهم، تركوا دينهم فضاعت بإضاعتهم له دنياهم (نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون)".

"فالواجب على دعاة الإصلاح فيهم أن يبدأوا بإصلاح من بقي فيه بقية من الدين والشرف بتأليف جمعية لتنظيم جمع الزكاة منهم، وصرفها قبل كل شيء في مصالح المرتبطين بهذه الجمعية دون غيرهم، ويجب أن يراعى في تنظيم هذه الجمعية أن لسهم "المؤلفة قلوبهم" مصرفا في مقاومة الردة والإلحاد، وأن لسهم "في الرقاب" مصرفا في تحرير الشعوب المستعمرة من الاستعباد، إذا لم يكن له مصرف تحرير الأفراد، وأن لسهم "سبيل الله" مصرفا في السعي لإعادة حكم الإسلام، وهو أهم من الجهاد لحفظه في حال وجوده من عدوان الكفار، ومصرفا آخر في الدعوة إليه والدفاع عنه بالألسنة والأقلام، إذا تعذر الدفاع عنه بالسيوف والأسنة.

"ألا إن إيتاء جميع المسلمين أو أكثرهم للزكاة وصرفها بانتظام كاف لإعادة مجد الإسلام، بل لإعادة ما سلبه الأجانب من دار الإسلام، وإنقاذ المسلمين من رق الكفار، وما هي إلا بذل العشر أو ربع العشر مما فضل عن حاجة الأغنياء، وإننا نرى الشعوب التي سادت المسلمين ـ بعد أن كانوا سادتهم ـ يبذلون أكثر من ذلك في سبيل أمتهم وملتهم، وهو غير مفروض عليهم من ربهم!!".


زكاة الفطر

وهناك نوع فريد من الزكاة شرعه الإسلام لا يتبع رأس المال كزكاة النقدين، ولا الدخل والغلة كزكاة الزروع والثمار، ولا يشترط فيه اليسار وملك النصاب كبقية أنواع الزكاة، إنها "زكاة الفطر" وسميت بهذا، لأنها تجب بالفطر من رمضان كل عام، فهي دورية سنوية، وهي معونة أو منحة عاجلة من غالب قوت أهل البلد، شرعت بمناسبة الانتهاء من الصيام والدخول في العيد شكرا لله على نعمة التوفيق في الصيام، ونعمة الفرحة بالعيد، ومواساة من المسلم لإخوانه المحتاجين وإغناء لهم عن السؤال في يوم العيد، ولأنها مشروعة بهذه المناسبة حدد الإسلام وقت أدائها بما قبل صلاة العيد. وفي هذا قال ابن عباس "فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث ـ الكلام الفاحش ـ وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات".

وكان ابن عمر يؤديها قبل العيد بيوم أو يومين، وقال الشافعي: يجوز تقديمها في أول الشهر.

فرض الإسلام هذه الزكاة على كل مسلم يملك مقدارها ـ وهو صاع من قمح أو شعير أو تمر أو نحوه ـ زائدا عن قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، وتجب على المسلم عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من كل من يلي أمورهم وينفق عليهم كزوجته وأبنائه وخدمه، روى الشيخان عن ابن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين".

وإنها لحكمة بالغة من الإسلام ألا يوجب هذه الزكاة على الموسر المالك للنصاب وحده، بل يوجبها على كل مسلم تقريبا، فقلما يوجد في المجتمع المسلم من لا يملك مقدار قدح وثلث من الحبوب فاضلا عن قوت يومه وليلته، وإن هذه الحكمة لتتجلى في تعويد المسلم البذل وتدريبه على الإنفاق ولو كان فقيرا معسرا، وإشعاره بكرامته وشخصيته حين يمد يده معطيا لا آخذا، ولهذا كان من صفات المتقين الذين أعد الله لهم جنة عرضها السموات والأرض أنهم (الذين ينفقون في السراء والضراء).

وإذا تبينا هذه الحكمة الجليلة لم نجد غرابة في أن يعطى هذه الزكاة من هو مستحق للزكاة، وهو لن يخسر، لأنه يعطي من ناحية، ويعطى من نواح.

وفي هذا يقول النبي الكريم: "صاع من بر أو قمح على كل امرئ: صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، غني أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى".

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:42 am

في المال حق سوى الزكاة

والزكاة ليست هي الحق الوحيد في مال المسلم، وإنما هي الحق الدوري المحدد المرسوم، وفي المال حقوق أخرى تقتضيها الظروف، وتوجبها الحاجات وتوكل في الغالب إلى ضمير المسلم ومشاعره الزكية التي رباها الإسلام، فليس لها قدر محدد ولا زمن معين.

عن أنس بن مالك أن رجلا من بني تميم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع، وكيف أنفق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك وتعرف حق المسكين والجار والسائل" فجعل صلة الأقرباء من المال ومعرفة حق المسكين والجار والسائل من الحقوق عليه بعد الزكاة.

وقال تعالى في بيان حقيقة البر وعناصره: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).

فجعل من عناصر البر إيتاء المال ذوي القربى ومن بعدهم، مع الزكاة المقرونة بالصلاة.


الإنفاق المستحب

وكل ما ذكرناه إنما هو في الإنفاق الواجب، ولكن دائرة الإنفاق تتسع بعد ذلك لما تهفو إليه القلوب المؤمنة من التطوع بالخير، والتوسع في إسداء المعروف، وقد رغب الإسلام في ذلك ترغيبا يشرح صدر الكريم، ويدفع البخيل إلى العطاء، فالله تعالى يتقبل الصدقة بيمينه، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدنا مهره حتى تصير التمرة مثل جبل أحد، هذا ما صوره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصور القرآن ذلك فيقول: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).

ومن الترغيبات القرآنية:

(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم)

ومن الأحاديث: "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا".

وروي عن عائشة أنهم ذبحوا شاة فتصدقوا ببعضها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما بقي منها؟ قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: بقي كلها غير كتفها!!" وقال صلى الله عليه وسلم: "يقول العبد مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأقنى (أي ادخره عند الله) وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس".

وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟

قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر".

من أجل هذه النصوص وغيرها جادت نفوس المسلمين الأولين بما يحبون من المال وفاضت أيديهم بالخير فيضا، ولم يشبع نهمهم للقربات أداء الزكاة وما فوق الزكاة من الحقوق المالية، بل زادوا عليها متطوعين يبتغون ما عند الله، وما عنده خير وأبقى.

وبحسبنا أن نذكر هنا الإمام الليث بن سعد الذي كان يتصدق بكل ما يجمعه من مال ولا يدعه حتى يحول عليه حول معه، وقالوا: إن دخله السنوي كان ثمانين ألف دينار.

وكذلك كان عبد الله بن جعفر الذي لم يكن يرد سائلا يؤمه في حاجة قط، ولما قيل له في ذلك قال:

"إن الله عودني عادة وعودت عباده عادة: عودني أن يعطيني، وعودت عباده أن أعطيهم، وأخشى إذا قطعت عادتي عنهم أن يقطع عادته عني!.

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 08 ديسمبر 2016, 9:48 pm