مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

شاطر

زمزم

default كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 1:25 am



مقدمة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. وسيئات أعمالنا. ونصلي ونسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. (وبعد)


ليس بحثا في "الأحكام الفقهية" للعبادة، فلهذا موضع آخر، هو كتاب " تيسير الفقه" الذي أسأل الله أن يعين على إخراجه وإتمامه. وإنما هو بحث في حقيقة العبادة ومنزلتها وأسرارها، وإن شئت فقل: هو بحث في "فلسفة العبادة" في الإسلام.

ولو شئنا كلمة إسلامية أصيلة نعبر بها عن هذا المعنى لكانت "فقه العبادة" لا بالمدلول الاصطلاحي الذي شاع وأصبح عنوان على معرفة الأركان والشروط والأحكام الظاهرة والجزئية، بل بالمدلول الذي جاء به القرآن والسنة: في مثل قوله تعالى: (قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون). (لهم قلوب لا يفقهون بها). (ليتفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، لعلهم يحذرون). وقوله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين".

ولكني لم استعمل هذه الكلمة خشية أن تفهم بالمدلول الاصطلاحي، وهو ما لم أقصده. ولم أحب استعمال كلمة "فلسفة" مضافة إلى العبادة. فآثرت جعل عنوانه "العبادة في الإسلام" وكفى.

والعبادة ليست أمرا على هامش الحياة، إنها المبدأ الأول الذي أنزل الله كتبه، وبعث رسله لدعوة الناس إليه، وتذكيرهم به إذا نسوه أو ضلوا عنه. ولهذا خاطب خاتم رسله محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليك: أنه لا إله إلا أنا فاعبدون).

وكانت الصيحة الأولى في كل رسالة (أن اعبدوا الله، واجتنبوا الطاغوت). (اعبدوا الله، ما لكم من إله غيره).

ولما ختم الله كتبه بالقرآن، وختم رسالاته بالإسلام، وختم النبيين بمحمد عليه السلام، أكد هذه الحقيقة، وأعلن في كتاب الخلود: أن الغاية من خلق المكلفين أن يعرفوا الله ربهم ويعبدوه، فهذا سر خلق هذا الجنس الناطق المفكر المريد في هذا العالم (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون).

بيد أن الناس ـ حتى المسلمين أنفسهم ـ ظلموا "العبادة" وحرفوها عن وجهها، وعن حقيقتها، وعن مكانها، فهما وأسلوبا، ونظرا وتطبيقا.

فوجدنا من الناس من لم يعتبروا عبادة الله غاية تطلب لذاتها، إنما هي مجرد وسيلة لتهذيب النفس، وتربية الضمير. وهي ليست ـ عندهم ـ الوسيلة الوحيدة، ولا الوسيلة المثلى، ففي الاستطاعة الاستغناء عنها بغيرها من الوسائل "المدنية" التي يتخذها بعض الشعوب أو الدول ـ حتى الملحدة منها ـ لتكوين المواطن الصالح.

ووجدنا من الناس من آمنوا بقيمة العبادة ومنزلتها، ولكنهم وجهوها لغير مستحقها، لغير الرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، فاتخذوا مع الله ـ أو من دونه ـ آلهة أخرى، أو اتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله. حتى رأينا في المتأخرين من المسلمين أيضا لوثة من هذا الضلال. فمنهم من يعظم غير الله، أو يقدس غير الله، أو ينذر لغير الله، أو يذبح لغير الله، أو يطيع ـ طاعة مطلقة ـ غير الله!

ووجدنا من الناس من آمنوا بمنزلة العبادة، ووجهوها إلى مستحقها ـ سبحانه ـ ولكنهم لم يعبدوا الله بما أمر به، ولم يتقيدوا بما شرع لهم من طرائق العبادة وصورها. فشرعوا منها ما لم يأذن به الله، وسنوا ما لم يسنه رسول الله، فشددوا على أنفسهم، وشردوا عن سواء الصراط، وأحاطوا العبادات بالبدع والضلالات، التي ورثوها عمن ضل قبلهم من اتباع الديانات. غافلين عن الإصلاح العظيم الذي جاء به دينهم في مجال العبادة، حيث قوم عوجها، وأبطل زائفها، ووضع لها الأصول والمبادئ التي تحميها من الغلو والانحراف.

ووجدنا آخرين قد فهموا معنى العبادة ـ التي جعلها الله غاية الخلق ـ فهما جزئيا قاصرا، فهي لا تعدوا أداء الشعائر المعروفة من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وما يلحق بها من الذكر والتلاوة والدعاء.

وبهذا الفهم المبتور لا يبالون ما قصروا فيه بعد ذلك من أوامر الإسلام ونواهيه، وأحكامه ووصاياه، التي تستوعب كل مجالات الحياة، مع أن العبادة ـ كما جاء بها القرآن والسنة. وكما فهمها خير قرون هذه الأمة ـ تشمل الدين كله، وتشمل الحياة كلها.

من هنا رأينا واجبنا أن نصحح المفاهيم المغلوطة، التي سادت بين كثير من المسلمين المتأخرين في شأن العبادة، وأن نطارد الأفكار الضالة التي يريد بعض الناس أن يدخلوها في رؤوس المسلمين عن قيمة العبادة ومكانتها في الإسلام، وأن نبين معنى العبادة وحقيقتها، وشمولها وغايتها وسر التكليف بها، وما جاء به الإسلام من هدى وإصلاح في مجالها، وبهذا نعرف: من نعبد؟ ـ وهو الله تعالى ـ ولماذا نعبده؟ وبماذا نعبده؟ وكيف نعبده؟

كما تممنا ذلك ببحث عن أسرار العبادات الإسلامية الكبرى التي عرفت بأنها "شعائر الإسلام" والتي خصت في المصطلح الفقهي باسم "العبادات".

ثم ختمنا الكتاب بفصل عن المنهج الأمثل في تعليم هذه العبادات والشعائر التي عدت من مباني الإسلام.

ولعلي أن أكون بهذا الكتاب قد جليت ما قصدت إليه. وأمطت اللثام عن وجه هذا الجانب الأساسي الهام من جوانب هذا الإسلام العظيم، الذي أكمله الله لنا، وأتم به علينا نعمته، ورضيه لنا دينا.

وأسأل الله أن ينفعني به وقارئه وناشره، وأن يغفر لي ما عسى أن يكون به من زلات الفكر والقلم، وأن يجعلنا من أهل الإخلاص في عبادته. والمتابعة لشريعته، المترقين في مدارج السالكين، ومنازل السائرين إلى مقامات (إياك نعبد، وإياك نستعين) إنه سميع مجيب.
يوسف القرضاوي


عدل سابقا من قبل زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 4:48 pm عدل 1 مرات

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 1:31 am


مهمة الإنسان في هذا الوجود
لماذا وجدت؟ وما مهمتي في هذا الوجود؟ ورسالتي في هذه الحياة؟ سؤال واجب على الإنسان ـ كل إنسان ـ أن يسأله لنفسه. وأن يفكر مليا في جوابه.
فإن كل جهل ـ مهما عظمت نتائجه ـ قد يغتفر، إلا أن يجهل الإنسان سر وجوده، وغاية حياته، ورسالة نوعه وشخصه في هذه الأرض!
وأكبر العار على هذا الكائن الذي أوتي العقل والإرادة ـ الإنسان ـ أن يعيش غافلا، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، لا يفكر في مصيره، ولا يدري شيئا عن حقيقة نفسه، وطبيعة دوره في هذه الحياة حتى يوافيه الموت بغتة، فيواجه مصيره المجهول، دون استعداد له، ويجني ثمرة الغفلة والجهل والانحراف في عمره الطويل أو القصير، وحينئذ يندم حين لا ينفع الندم ويرجو الخلاص ولات حين مناص.
لهذا كان لزاما على كل بشر عاقل أن يبادر فيسأل نفسه بجد: لماذا خلقت؟ وما غاية خلقي؟


الأسئلة الخالدة
وقبل أن يجيب عن هذا السؤال، أو يجاب عنه، بل قبل أن يسأله، يلزمه أن يسأل نفسه سؤالين آخرين، لكي يتضح له الجواب، وتتبين له الحقيقة كاملة مشرقة، لا يحجبها سحاب ولا ضباب.
السؤال الأول هو: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وبعبارة أخرى: من أوجدني؟
السؤال الثاني هو: ما مصيري بعد أن وجدت؟ وإلى أين أذهب بعد الموت؟
ويعبر بعض المفكرين عن هذه الأسئلة بهذه الكلمات الموجزة: من أين؟ وإلى أين؟ ولم؟
هذه هي الأسئلة الثلاثة التي صاحبت الإنسان منذ فكر وتأمل، ولا زالت تصحبه وتلح عليه وتطلب الجواب الشافي لها. فبدون هذا الجواب لا تتحدد كينونة الإنسان، ولا موضعه في الكون ولا رسالته في الوجود، وكيف يتحدد شيء من ذلك إذا كان كائنا لا يعرف: ما هو؟ ولا لم هو؟ ولا من أين هو؟ ولا إلى أين هو؟!
إنها الأسئلة الخالدة التي حاولت كل فلسفة في الشرق أو في الغرب أن تجيب عنها. بل لا تعد فلسفة إذا أغفلت الجواب عنها.
من أين؟
وإلى أين؟
ولماذا؟
من أين جئت أنا الإنسان؟ ومن جاء بي؟ وكذلك من أين جاء هذا العالم الكبير من حولي؟
وإلى أين أسير وأرحل بعد أن أوجدت في هذا الكون؟ وإلى أين يسير هذا الكون أيضا؟ وماذا بعد هذه الصفحات التي أطويها من كتابي الذي يسمى "العمر"؟
ولماذا خلقت في هذا العالم؟ وهل لي فيه من رسالة خاصة، ومهمة متميزة؟ وما هي هذه الرسالة، وتلك المهمة؟


من أين؟
أما السؤال الأول فهو عقدة العقد عند الماديين الذين لا يؤمنون إلا بما تقع عليه الحواس، إنهم يخنقون صوت الفطرة في صدورهم، ويتحدون منطق العقل في رءوسهم، ويصرون ـ في عمى عجيب ـ على أن هذا الكون بما فيه ومن فيه وجد وحده! وكل ما فيه من إحكام وترتيب إنما هو صنع المصادفة العمياء!
أما الذين يستجيبون لنداء الفطرة فيقرون بأن لهم ولهذا الكون حولهم ربا عظيما تتجه قلوبهم إليه بالتعظيم والرجاء والخشية والتوكل والاستعانة، هذا شيء يشعرون به في أعماقهم شعورا أصيلا، وهذا هو الدين الذي عبر عنه القرآن بقوله: (فاقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
وقد يخفت هذا الصوت الفطري في النفس أو يكبته صاحبه عمدا في ساعات الرخاء والدعة، فإذا نزلت بالإنسان أحداثا مريرة، واهتز عوده أمام الشدائد القاسية، وخاب أمله في الناس حوله، هنالك ينطلق هذا الصوت متجها إلى ربه ضارعا خاشعا داعيا راجيا منيبا إلى الله.
سأل رجل الإمام جعفر الصادق ـ رضي الله عنه ـ عن "الله" فقال: ألم تركب البحر؟ قال: بلى، قال: فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة؟ قال: نعم، قال: وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم، قال: فهل خطر في بالك وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء؟ قال: نعم، قال: فذلك هو "الله".
وعلى هذه الحقيقة تنبه آيات كثيرة في القرآن: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه) (وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) (وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه).
ويقول ديكارت: إني مع شعوري بنقص في ذاتي، أحس في الوقت نفسه بوجود ذات كاملة، وأراني مضطرا إلى اعتقادي بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع الصفات الكاملة وهي "الله".
ونظرا لأن الشعور نابع من الفطرة الأصيلة نجد الإيمان بقوة عليا فوق الطبيعة وفوق الأسباب، أمرا مشتركا بين بني الإنسان في جميع البقاع، وبين شتى الأجناس والأقوام، وفي مختلف مراحل التاريخ.
يقول الفيلسوف الفرنسي برغسون: "لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد قط جماعات بدون ديانة".
ويقول أرنست رينان في تاريخ الأديان: "إنه من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة في الحياة الأرضية".
وإذا كان منطق الفطرة يهدي إلى الله ـ والفطرة ليست وجدانا خالصا ولا عقلا محضا، وإنما هي مزيج منهما ـ فإن العقل المحض يرى الإيمان بالله ضرورة لا محيص عنها حتى يستطيع أن يفسر بها وجود الكون والحياة والإنسان فإن العقل ـ بغير تعلم ولا اكتساب ـ يؤمن بقانون "السببية" إيمانه بكل البدائة والأوليات، فلا يقبل فعلا من غير فاعل، ولا صنعة من غير صانع.
وقانون السببية هو الذي عبر عنه الأعرابي بسذاجة وبساطة حين سألوه عن "الله" فقال: البعرة تدل على البعير، وخط السير يدل على المسير، فكيف بسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على العلي الكبير؟!
يقول العالم الطبيعي المعروف إسحاق نيوتن: "لا تشكوا في الخالق فإنه ممالا يعقل أن تكون المصادفات وحدها هي قاعدة هذا الوجود!" وكلما ازداد إطلاع الإنسان على عجائب الكون، ومعرفته بما فيه من جمال وإحكام ولم يقف عند القشور ازداد إيمانا بوجود الخالق وحكمته وعظمته وكمال صفاته.
وفي هذا ينقل لنا سبنسر عن "هرشل" قوله: كلما اتسع نطاق العلم ازدادت البراهين الدامغة القوية على وجود خالق أزلي لا حد لقدرته ولا نهاية: فالجيولوجيون والرياضيون والفلكيون والطبيعيون قد تعاونوا على تشييد صرح العلم وهو صرح عظمة الله وحده!
ويقول سبنسر: "إن العالم الذي يرى قطرة الماء فيعلم أنها تتركب من الأكسجين والأيدروجين بنسبة خاصة، بحيث لو اختلفت هذه النسبة لكانت شيئا آخر غير الماء. ليعتقد عظمة الخالق وقدرته، وحكمته وعلمه الواسع، بأشد وأعظم وأقوى من غير العالم الطبيعي الذي لا يرى فيها إلا أنها نقطة ماء فحسب! وكذلك العالم الذي يرى قطعة البرد وما فيها من جمال الهندسة، ودقة التقسيم، لا شك أنه يشعر بجمال الخالق، ودقيق حكمته، أكبر من ذلك الذي لا يعلم عنها إلا أنها مطر تجمد من شدة البرد.
ويقول فرنسيس بيكون: "إن القليل من الفلسفة يميل بعقل الإنسان إلى الإلحاد، ولكن التعمق فيها ينتهي بالعقول إلى الإيمان، ذلك لأن عقل الإنسان قد يقف عندما يصادفه من أسباب ثانوية مبعثرة، فلا يتابع السير إلى ما وراءها، ولكنه إذا أمعن النظر، فشهد سلسلة الأسباب كيف تتصل حلقاتها لا يجد بدا من التسليم بالله".
تلك هي شهادة رجال رسخوا في علوم الكون، وغاصوا في أعماقها، وهي شهادات في جانب الإيمان، ولكن الشك والإلحاد يأتيان من جانب الذين عرفوا قشورا من العلم، أو درسوا قليلا من الفلسفة، كما قال بيكون بحق.
إن الإيمان بالله ليس غريزة فطرية فحسب، بل هو ضرورة عقلية كذلك وبدون هذا الإيمان سيظل هذا السؤال الذي أثاره القرآن قلقا حائرا بغير جواب:
(أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السموات والأرض؟)
وهم بداهة لم يخلقوا من غير شيء، وطبعا لم يخلقوا أنفسهم، ولم يدع أحد منهم ولا ممن قبلهم أو بعدهم أنه خالق السموات والأرض! فمن الخالق إذن؟!
وليس لهذا السؤال إلا جواب واحد، لا يملك الإنسان ـ إذا ترك ونفسه ـ إلا أن يجيب به، كما فعل المشركون أنفسهم: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض؟ ليقولن: خلقهن العزيز العليم).

إلى أين المسير؟
أما السؤال الثاني: إلى أين؟ فإن الماديين يجيبون عنه جوابا يهبط بالإنسان المكرم إلى درك الحيوانية الدنيا، إنهم يقولون ببساطة عن مصير الإنسان بعد رحلة الحياة الحافلة: إنه الفناء والعدم المطلق: أن تطويه الأرض في بطنها كما طوت ملايين الحيوانات الأخرى، وأن تعيد هذا الجسد ـ الذي هو الإنسان عندهم ـ إلى عناصره الأولى، فيعود ترابا تذروه الرياح!
هذه هي قصة الحياة والإنسان عند هؤلاء: "أرحام تدفع، وأرض تبلع!" ولا خلود ولا جزاء، يستوي في ذلك من عاش عمره للناس على حساب

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 1:32 am

شهواته، ومن عاش عمره لشهواته على حساب الناس، يستوي في ذلك من ضحى بحياته في سبيل الحق، ومن اعتدى على حياة الآخرين في سبيل الباطل!
فعلام إذن تميز الإنسان على غيره من كائنات الأرض؟ ولماذا سخر له كل ما حوله؟ ولماذا منح من المواهب والقوى الروحية والعقلية ما لم يمنح لغيره؟ وما سر هذا التطلع إلى الكمال والخلود يغمر جوانب نفسه. إذا كان مصيره التلاشي والعدم بعد أيام الحياة المعدودات؟!
أما المؤمنون فهم يعرفون إلى أين يسيرون؟ يعرفون أنهم لم يخلقوا لهذه الدنيا. وإنما خلقت هذه الدنيا لهم.
يعرفون أنهم خلقوا لحياة الخلود ودار البقاء وهم في هذه الحياة إنما يستصلحون ويعدون للدار الأخرى، ويتزودون منها هنا ما ينفعهم هناك، ويترقون في مدارج الكمال الروحي والنفسي حتى يكونوا أهلا لدخول تلك الدار الطيبة التي لا يدخلها إلا الطيبون، وهناك يقول لهم خزنتها. (سلام عليكم، طبتم فادخلوها خالدين).
وإنه لعسير على العقل أن يؤمن بخالق عليم حكيم أحسن هذا الكون صنعا وقدر كل شيء فيه تقديرا، ووضع كل شيء فيه بميزان وحساب، ثم يؤمن بعد ذلك أن سوق هذه الحياة ستنفض، وقد نهب فيها الناهب، وسرق السارق، وقتل القاتل، ولا تقتص يد العدل الإلهي من هؤلاء المجرمين، ولا تنتصر للضعيف المظلوم الذي لم يكن له نصير غير الله، ولا ملجأ غير السماء، ولا تكافئ المحسن الذي كافأه الناس بالتنكر والاضطهاد!! إن هذا لهو العبث الذي يتنزه خالق هذا الكون البديع عنه، وإنه للباطل الذي قامت السموات والأرض بضده، وما أروع القرآن وهو يوضح هذه الحقيقة الكبيرة: (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون؟! فتعالى الله الملك الحق) (أيحسب الإنسان أن يترك سدى؟) (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون، وخلق الله السموات والأرض بالحق لتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون) (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار، أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار!) (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهم إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعملون. إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين).

لماذا خلق الإنسان؟
وأما السؤال الثالث وهو الذي يجب أن يسأله الإنسان ـ بعد أن يعرف أنه مخلوق لخالق ومربوب لرب ـ وهو ببساطة: لماذا خلقت في هذه الحياة؟ ولماذا ميزت على سائر الكائنات الأخرى؟ وما مهمتي فوق الأرض؟
فالجواب عنه عند المؤمنين حاضر: إن كل صانع يعرف سر صنعته لماذا صنعها؟ ولماذا صنعها على نحو معين دون غيره؟
والله ـ تعالى ـ هو صانع الإنسان وخالقه ومدبره أمره، فلنسأله: يا رب لماذا خلقت هذا الإنسان؟ هل خلقته لمجرد الطعام والشراب؟ هل خلقته للهو واللعب؟ هل خلقته لمجرد أن يمشي على التراب ويأكل مما خرج من التراب، ثم يعود كما كان إلى التراب، وقد ختمت القصة؟ هل ليعيش تلك الفترة القصيرة المعذبة ما بين صرخة الوضع أنة النزع؟ إذن فما سر هذه القوى والملكات التي أودعتها الإنسان من عقل وإرادة وروح؟
وسيرد الله على تساؤلنا بما بين لنا في كتابه ـ كتاب الخلود ـ أنه خلقه ليكون خليفة في الأرض ـ وهذا واضح في آدم وما كان من تمني الملائكة لمنزلته (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون).
وأول شيء في هذه الخلافة أن يعرف الإنسان ربه حق معرفته ويعبده حق عبادته قال تعالى: (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن، لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) وفي هذه الآية جعلت معرفة الله هي الغاية من خلق السموات والأرض.
ويقول تعالى: (وما خلقت الإنس والجن إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطمعون، إن الله هو الرازق ذو القوة المتين).
وفي بعض الآثار القدسية يقول سبحانه: (عبادي إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم من وحدة على أمر عجزت عنه، ولا لجلب منفعة ولا لدفع مضرة، وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلا وتذكروني كثيرا وتسبحوني بكرة وأصيلا).
إن المتأمل في هذا الكون الذي نعيش فيه يرى كل شيء فيه يحيا ويعمل لغيره، فنحن نرى أن الماء للأرض، والأرض للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ هذا هو السؤال.
والجواب الذي تنادي به الفطرة، وتنطق به مراتب الكائنات في هذا الكون: أن الإنسان لله.. لمعرفته.. لعبادته.. للقيام بحقه وحده، ولا يجوز أن يكون الإنسان لشيء آخر في الأرض أو في الأفلاك، لأن كل العوالم العلوية والسفلية مسخرة له، وتعمل في خدمته كما هو مشاهد، فكيف يكون هو لها أو يعمل في خدمتها؟
ومن هنا كانت عبادة الإنسان لقوى الطبيعة ومظاهرها من فوقه ومن تحته، كالشمس والقمر والنجوم والأنهار والأبقار والأشجار ونحوها، قلبا للوضع الطبيعي، وانتكاسا بالإنسان أي انتكاس!!
والإنسان إذن بحكم الفطرة ومنطق الكون، إنما هو الله سبحانه لا لغيره، لعبادته وحده، لا لعبادة بشر ولا حجر، ولا بقر ولا شجر، ولا شمس ولا قمر، وكل عبادة لغير الله إنما هي من تزيين الشيطان عدو الإنسان.

النداء الأول في كل رسالة: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره
هذه العبادة لله وحده هي العهد القديم الذي أخذه الله على بني الإنسان، وسجله بقلم القدرة في فطرهم البشرية، وغرسه في طبائعهم الأصيلة، منذ وضع في رؤوسهم عقولا تعي، وفي صدورهم قلوبا تخفق، وفي الكون حولهم آيات تهدي (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم).
هذا العهد بين الله وعباده هو الذي صوره القرآن في روعة وبلاغة حين قال: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون).
فلا عجب أن يكون المقصد الأعظم من بعثة النبيين، وإرسال المرسلين، وإنزال الكتب المقدسة، هو تذكير الناس بهذا العهد القديم، وإزالة ما تراكم على معدن الفطرة من غبار الغفلة أو الوثنية أو التقليد، ولا عجب أن يكون النداء الأول لكل رسول: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) بهذا دعا قومه نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب وكل رسول بعث إلى قوم مكذبين. قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) وقال تعالى بعد أن ذكر قصص طائفة كبيرة من الأنبياء: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) كما قال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم. وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون).

الجميع مأمورون بالعبادة
وقد أمر الله نبيه محمدا بقوله: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) أي الموت. كما قال تعالى على لسان قوم (وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين) وهو الموت. فالتكليف بالعبادة لازم له حتى يلحق بربه. لم تسقط عنه بسمو الروح ولا بالاتصال القوي بالله، وهكذا ظل حتى في مرض موته عابدا لله.
وقال تعالى في شأن المسيح عيسى بن مريم الذي رفعه قومه إلى مرتبة الألوهية (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون، ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا).
ويعرض لنا القرآن مشهدا من مشاهد يوم الحشر. يسأل الله فيه المسيح عما نسبوه إليه وافتروه عليه، فيجيب في أدب العبودية متبرئا مما صنعوا (وإذ قال الله: يا عيسى بن مريم: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم، وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد).
ويروي إنجيل متى عن المسيح أن إبليس اللعين أراد أن يختبره فأخذه إلى جبل عال جدا، وأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها ثم قال له: أعطيك هذه كلها إن خررت ساجدا لي، حينئذ قال له المسيح عليه السلام: اذهب يا شيطان، فإنه قد كتب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد.
فالأديان كلها دعوة إلى عبادة الله وحده، والأنبياء جميعا أول العابدين لله.
وعبادة الله وحده هي ـ إذن ـ مهمة الإنسان الأولى في الوجود، كما بينت ذلك كل الرسالات.
يتبع

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 1:46 am

معنى العبادة في اللغة

في القاموس: العبدية والعبودية والعبادة: الطاعة.

وفي الصحاح: أصل العبودية الخضوع والذل. والتعبيد: التذليل.
يقال: طريق معبد. والبعير المعبد: المهنوء بالقطران المذلل.

يتبع
والعبادة: الطاعة. والتعبد: التنسك، تفرق بين المعاني بحسب الاشتقاق.
(فادخلي في عبادي) أي في حزبي، فأضاف معنى جديدا وهو الولاء.
وفي المخصص ج13 ص96:
أصل العبادة: التذليل. من قولهم طريق معبد أي بكثرة الوطء عليه، ومنه أخذ "العبد" لذله لمولاه.

والعبادة والخضوع والتذلل والاستكانة قرائب في المعاني.

يقال: تعبد فلان لفلان ـ إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة، طاعة كان للمعبود أو غير طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخضوع والتذلل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلى المنعم بأعلى أجناس النعم. كالحياة والفهم والسمع والبصر.

وفي اللسان: أصل العبودية: الخضوع والتذلل.. وفي حديث أبي هريرة "لا يقل أحدكم لمملوكه: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي" هذا على نفي الاستكبار عليهم وأن ينسب عبوديتهم إليه. فإن المستحق لذلك الله تعالى رب العباد كلهم والعبيد.

وجعل بعضهم العبادة لله. بخلاف العبدية وغيرها فهي تجعل لله وللمخلوقين.

قال الأزهري: ولا يقال: عبد يعبد عبادة، إلا لمن يعبد الله، ومن عبد إلها دونه فهو من الخاسرين، قال وأما عبد خدم مولاه، فلا يقال: عبده.

قال الليث: ويقال للمشركين: هم عبدة الطاغوت.
ويقال للمسلمين: عباد الله، يعبدون الله، والعابد: الموحد.
قال في اللسان: والتعبد: التنسك. والعبادة: الطاعة.
قال: والتعبد: التذلل. والتعبيد: التذليل.
بعير معبد مذلل، وطريق معبد: مسلوك مذلل.

ويرى الأستاذ أبو الأعلى المودودي استنادا إلى الاستعمال اللغوي لمادة ع ب د: أن مفهوم العبادة الأساسي أن يذعن المرء لعلو أحد وغلبته، ثم ينزل له عن حريته واستقلاله، ويترك إزاءه كل مقاومة وعصيان وينقاد له انقيادا. وهذه هي حقيقة "العبدية" و"العبودية" ومن ذلك أن أول ما يتمثل في ذهن العربي بمجرد سماعه كلمة "العبد" و"العبادة" هو تصور العبدية والعبودية، وبما أن وظيفة العبد الحقيقية هي إطاعة سيده وامتثاله أوامره، فحتما يتبعه تصور الإطاعة.

ثم إذا كان العبد لم يقف به الأمر على أن يكون قد أسلم نفسه لسيده طاعة وتذللا، بل كان مع ذلك يعتقد بعلائه ويعترف بعلو شأنه، وكان قلبه مفعما بعواطف الشكر والامتنان على نعمه وأياديه، فإنه يبالغ في تمجيده وتعظيمه، ويتفنن في إبداء الشكر على ألائه، وفي أداء شعائر "العبدية" له، كل ذلك اسمه التأله والتنسك. وهذا التصور لا ينضم إلى معاني العبدية إلا إذا كان العبد لا يخضع لسيده رأسه فحسب، بل يخضع معه قلبه أيضا.

فكأن الأستاذ يرى أن أصل معنى العبادة هو الإذعان الكلي، والخضوع الكامل، والطاعة المطلقة، ثم قد يضاف إلى هذا المعنى عنصر عاطفي جديد، تتمثل فيه عبودية القلب، بعد عبودية الرأس أو الرقبة، ومظهر هذا العنصر هو التأله والتنسك وأداء الشعائر.

ويقول الشيخ محمد عبده في تفسير (إياك نعبد وإياك نستعين) من سورة الفاتحة في "المنار":

"ما هي العبادة؟ يقولون: هي الطاعة، مع غاية الخضوع، وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل فتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل، فكثيرا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها، بل يكتفون أحيانا بالتعريف اللفظي، يبينون الكلمة بما يقرب من معناها، ومن ذلك هذه العبارة، التي شرحوا بها معنى العبادة. فإن فيها إجمالا وتساهلا.

وإننا إذا تتبعنا آي القرآن، وأساليب اللغة، واستعمال العرب لـ"عبد" وما يماثلها ويقاربها في المعنى ـ كخضع، وخنع، وأطاع، وذل ـ نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي "عبد" ويحل محلها، ويقع موقعها، ولذلك قالوا إن لفظ "العباد" مأخوذ من العبادة، فتكثر إضافته إلى الله تعالى، ولفظ "العبيد" تكثر إضافته إلى غير الله تعالى، لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق. وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى.

ومن هنا قال بعض العلماء، إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعالى، ولكن استعمال القرآن يخالفه، ثم يسترسل الشيخ في النهاية فيقول:
"يغلو العاشق في تعظيم معشوقه، والخضوع له، غلوا كبيرا، حتى يفني هواه في هواه، وتذوب إرادته في إرادته، ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة، ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء، والملوك والأمراء فترى في خضوعهم لهم، وتحريهم مرضاتهم ما لا تراه من المتحنثين القانتين. دع سائر العابدين، ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة. فما هي العبادة إذن؟

تدل الأساليب الصحيحة، والاستعمال العربي الصراح، على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ناشئ عن استشعار القلب عظمة للمعبود، لا يعرف منشأها، واعتقاده بسلطة له لا يدرك تفهمها وماهيتها، وقصارى ما يعرفه منها أنها محيطة به، ولكنها فوق إدراكه، فمن ينتهي إلى أقصى الذل لملك من الملوك لا يقال "إنه عبده" وإن قبل موطئ أقدامه، ما دام سبب الذل والخضوع معروفا، وهو الخوف من ظلمه المعهود، أو الرجاء في كرمه المحدود، اللهم إلا بالنسبة إلى الذين يعتقدون أن الملك قوة غيبية سماوية أفيضت على الملوك من الملأ الأعلى، واختارتهم للاستعلاء على سائر أهل الدنيا، لأنهم أطيب الناس عنصرا، وأكرمهم جوهرا، هؤلاء هم الذين انتهى بهم هذا الاعتقاد إلى الكفر والإلحاد، فاتخذوا الملوك آلهة وأربابا وعبدوهم عبادة حقيقية".

فالشيخ محمد عبده يرى هنا أن الذي يميز العبادة من غيرها من ألوان الخضوع والتذلل والانقياد ليس هو درجة الخضوع والطاعة. كما يقول اللغويون الذين يرون العبادة هي أقصى الطاعة والخضوع، وإنما ينظر إلى منشأ هذا الخضوع والانقياد، فإن كان منشؤه وسببه أمرا ظاهرا كالملك والقوة ونحوهما، فلا يسمى عبادة، وإن كان منشؤها الاعتقاد بأن للمعبود عظمة وقدرة فوق الإدراك والحس فهذا هو العبادة.



العبادة في الشرع خضوع وحب

أما شيخ الإسلام ابن تيمية، فهو ينظر إلى العبادة نظرة أعمق وأوسع، فهو يحلل معناها إلى عناصره البسيطة، فيبرز إلى جوار المعنى الأصلي في اللغة ـ وهو غاية الطاعة والخضوع ـ عنصرا جديدا له أهمية كبرى في الإسلام، وفي كل الأديان، عنصرا لا تتحقق العبادة ـ كما أمر الله ـ إلا به، وذلك هو عنصر "الحب" فبغير هذا العنصر العاطفي الوجداني لا توجد العبادة التي خلق الله لها الخلق، وبعث بها الرسل، وأنزل الكتب.

وفي توضيح ذلك يقول شيخ الإسلام في رسالته عن "العبودية":
"الدين يتضمن معنى الخضوع والذل، يقال: دنته فدان، أي أذللته فذل. ويقال: يدين الله ويدين لله: أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله عبادته وطاعته والخضوع له".

"والعبادة أصل معناها: الذل أيضا، يقال طريق معبد، إذا كان مذللا قد وطئته الأقدام، لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الله تعالى بغاية المحبة له. فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله العلاقة، لتعلق القلب بالمحبوب ثم الصبابة لانصباب القلب إليه، ثم الغرام، وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق، وآخرها التتيم، يقال: تيم الله، أي عبد الله، فالمتيم: المعبد لمحبوبه".

قال: "ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له، لم يكن عابدا له، كما قد يحب الرجل ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلي العبد من كل شيء. وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله، وكل ما أحب لغير الله فمحبته فاسدة وما عظم بغير أمر الله فتعظيمه باطل، قال تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله، وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره).

وبهذا الشرح العميق لمعنى العبادة وحقيقتها، ندرك أن العبادة المشروعة لا بد لها من أمرين:

الأول: هو الالتزام بما شرعه الله ودعا إليه رسله، أمرا ونهيا، وتحليلا وتحريما، وهذا هو الذي يمثل عنصر الطاعة والخضوع لله.
فليس عبدا ولا عابدا لله من رفض الاستسلام لأمره، واستكبر عن اتباع نهجه، والانقياد لشرعه، وإن أقر بأن الله خالقه ورازقه، فقد كان مشركو العرب يقرون بذلك، ولم يجعلهم القرآن بذلك مؤمنين ولا عبادا لله طائعين، فخضوع الإقرار بالربوبية لا يكفي، وخضوع الاستعانة في الكربات والاستغاثة في الشدائد لا يكفي، ولا بد من خضوع التعبد والانقياد والاتباع الذي هو حق الألوهية، وبهذا يتحقق معنى (إياك نعبد وإياك نستعين).

وأساس الخضوع لله تعالى هو الشعور الواعي بوحدانيته تعالى، وقهره لكل من في الوجود، وما في الوجود، فكلهم عبيده وخلقه، وفي قبضة قدرته وسلطانه، وفي هذا يقول القرآن الكريم:

(ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال. قل: من رب السموات والأرض؟، قل: الله، قل: أفأتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا؟ قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور، أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل: الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار).

أساس الخضوع لله الواحد القهار هو الشعور الذاتي بالحاجة إلى من يملك الضر والنفع والموت والحياة، ومن له الخلق والأمر، ومن بيده ملكوت كل شيء، ومن إذا أراد شيئا قل له (كن) فيكون.. الشعور بالضعف أمام
من يملك القوة كل القوة. والشعور بالجهل أمام من أحاط بكل شيء علما. والشعور بالعجز أمام من يملك القدرة كل القدرة، والشعور بالفقر أمام من يملك الغنى كل الغنى، وباختصار شعور العبودية المخلوقة الفانية الفقيرة بالذات أمام الربوبية الخالقة الأزلية الأبدية، المالكة لكل شيء، والمدبر لكل أمر.

وكلما ازداد الإنسان معرفة بنفسه، ومعرفة بربه، ازدادت هذه المشاعر وضوحا وقوة، فقوى اعتماده على الله، واتجاهه إليه، وتوكله عليه، واستعانته به، وتذلله له، ومد يد الضراعة إليه، ووقوفه ببابه سائلا داعيا منيبا إليه.

فإذا جهل الإنسان قدر نفسه، وجهل قدر ربه لم تمت هذه المشاعر، ولكنها تنحرف وتتحول فتبحث لها عن رب تتجه إليه، وتخضع له، وتنقاد إليه، ولا بد، وإن لم تشعر بذلك، أو لم تسمه خضوعا وانقيادا، ولم تسم مقصودها ربا وإلها.

الثاني: أن يصدر هذا الالتزام من قلب يحب الله تعالى، فليس في الوجود من هو أجدر من الله تعالى بأن يحب، فهو صاحب الفضل والإحسان، الذي خلق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا، وخلق له ما في الأرض جميعا، وأسبع عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وخلقه في أحسن تقويم وصوره فأحسن صورته، وكرمه وفضله على كثير من خلقه، ورزقه من الطيبات، وعلمه
البيان، واستخلفه في الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، فمن أولى من الله بأن يحب؟ ومن يحب الإنسان ـ إذن ـ إن لم يحب الله تعالى؟ إن أساس محبة الله تعالى هو الشعور بفضله ونعمته، وإحسانه ورحمته، والإحساس بجماله وكماله، فمن كان يحب الإحسان فالله هو واهبه وصاحبه، ومن كان يحب الجمال فالله هو مصدره، ومن كان يحب الكمال فلا كمال في الحقيقة إلا كماله، ومن كان يحب ذاته، فالله هو خالقه.

فمن عرف الله أحبه، وبقدر درجته في المعرفة تكون درجته في المحبة، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أشد الناس حبا لله، لأنه كان أعرفهم بالله، وكانت قرة عينه في الصلاة، لأنها الصلة المباشرة بين قلبه وبين الله، وكان في دعائه يسأل الله الشوق إلى لقائه، ولذة النظر إلى وجهه سبحانه، ولما خير بين البقاء في الدنيا وبين اللحوق بربه قال: أختار الرفيق الأعلى!

أما علماء الكلام أو بعضهم ممن زعموا أن الحب الحقيقي لا يتصور من جانب العبد لله، وقالوا: إن معنى حب الله هو المواظبة على طاعته تعالى، وأما حقيقة الحب فهو محال، إلا مع الجنس والمثال، فقد رد عليهم الغزالي في "الإحياء" ردا مفصلا، مبينا أن الذي يستحق المحبة الكاملة بكل وجوهها، وكافة أسبابها هو الله وحده.


زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 1:53 am

فإن أسباب الحب ـ كما شرحها ـ ترجع إلى خمسة هي: 1. حب الإنسان وجود نفسه وكماله وبقاءه، 2. وحبه من أحسن إليه فيما يرجع إلى دوام وجوده ويعين على بقائه ودفع المهلكات عنه، 3. وحبه من كان محسنا في نفسه إلى الناس وإن لم يكن محسنا إليه، 4. وحبه لكل ما هو جميل في ذاته، سواء كان من الصور الظاهرة أو الباطنة، 5. وحبه لمن بينه وبينه مناسبة خفية في الباطن.

فلو اجتمعت هذه الأسباب في شخص تضاعف الحب لا محالة، كما لو كان للإنسان ولد جميل الصورة، حسن الخلق، كامل العلم، حسن التدبير، محسن إلى الخلق، ومحسن إلى الوالد نفسه، كان محبوبا لا محالة غاية الحب، وتكون قوة الحب ـ بعد اجتماع هذه الخصال ـ بحسب قوة هذه الخلال في نفسها، فإن كانت هذه الصفات في أقصى درجات الكمال، كان الحب لا محالة في أعلى الدرجات.

وقد بين الغزالي بالتفصيل أن هذه الأسباب كلها لا يتصور كمالها واجتماعها إلا في حق الله تعالى، فلا يستحق المحبة بالحقيقة إلا الله سبحانه وتعالى.

ولا مجال هنا لذكر هذا التفصيل، ونجتزئ بنبذة يسيرة من حديثه عن السبب الأول للمحبة قال:

"فأما السبب الأول ـ وهو حب الإنسان نفسه، وبقاءه وكماله، ودوام وجوده، وبغضه لهلاكه وعدمه، ونقصانه وقواطع كماله ـ فهذه جبلة كل حي، ولا يتصور أن ينفك عنها، وهذا يقتضي غاية المحبة لله تعالى".

"فإن من عرف نفسه، وعرف ربه، عرف قطعا أنه لا وجود له من ذاته، وإنما وجود ذاته، ودوام وجوده، وكمال وجوده، من الله وإلى الله وبالله. فهو المخترع الموجد له، وهو المبقي له، وهو المكمل لوجوده، بخلق صفات الكمال، وخلق الأسباب الموصلة إليه، وخلق الهداية إلى استعمال الأسباب، وإلا فالعبد ـ من حيث ذاته ـ لا وجود له من ذاته، بل هو محو محض، وعدم صرف، لولا فضل الله تعالى عليه بالإيجاد، وهو هالك عقيب وجوده لولا فضل الله عليه بالإبقاء، وهو ناقص بعد الوجود لولا فضل الله عليه بالتكميل لخلقته. وبالجملة فليس في الوجود شيء له بنفسه قوام إلا القيوم الحي، الذي هو قائم بذاته وكل ما سواه قائم به، فإن أحب العارف لذاته ـ ووجوده ذاته مستفاد من غيره ـ فبالضرورة يحب المفيد لوجوده، والمديم له، إن عرفه خالقا موجدا ومخترعا مبقيا وقيوما بنفسه ومقوما لغيره".

"فإن كان لا يحبه فهو لجهله بنفسه وبربه، والمحبة ثمرة المعرفة، فتنعدم بانعدامها، وتضعف بضعفها، وتقوى بقوتها. ولذلك قال الحسن البصري ـ رحمه الله تعالى ـ : من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، وكيف يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه الذي به قوام نفسه. ومعلوم أن المبتلى بحر الشمس لما كان يحب الظل فيحب ـ بالضرورة ـ الأشجار التي بها قوام الظل، وكل ما في الوجود ـ بالإضافة إلى قدرة الله تعالى ـ فهو كالظل بالإضافة إلى الشجر، والنور بالإضافة إلى الشمس، فإن الكل من آثار قدرته تعالى، ووجود الكل تابع لوجوده، كما أن وجود النور تابع للشمس، ووجود الظل تابع للشجر".

محبة الله إذن ضرورية لكل من عرف نفسه وعرف ربه.
ولكن الخطر إنما يكمن في ادعاء المحبة لله دون تحقيق العنصر الأول وهو الاتباع والانقياد لما جاءت به رسل الله، كاليهود والنصارى الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. مع أنهم انحرفوا عما نزلت به كتب الله، ودعا إليه رسله، وحرفوا الكلم عن مواضعه، فحادوا عن الصراط المستقيم.

لا بد إذن في العبادة من العنصرين معا: غاية الخضوع لله، وغاية المحبة لله، كما بين ابن تيمية رحمه الله.

خطأ صنفين من الناس في فهم حقيقة العبادة

وهذا البيان لحقيقة العبادة يصحح خطأ صنفين من الناس:

الصنف الأول: أسرف في دعوى المحبة، حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وتدخل العبد في نوع الربوبية التي لا تصلح إلا الله، فيدعي أحدهم دعاوي تتجاوز حدود الأنبياء المرسلين ـ فضلا عن عامة الناس ـ أو يطلب من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا الله، لا يصلح الأنبياء ولا للمرسلين. قال ابن تيمية: وهذا باب وقع فيه كثير من الشيوخ (يعني من المتصوفة) وسببه: ضعف تحقيق العبودية التي بينها الرسل، وحررها الأمر والنهي، الذي جاءوا به، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته.

وإذا ضعف العقل، وقل العلم بالدين، وفي النفس محبة طائشة جاهلة، انبسطت النفس بحمقها في ذلك، كما ينبسط في محبة الإنسان مع حمقه وجهله، ويكون سببا لبغض المحبوب له، ونفوره منه، بل سببا لعقوبته.

"وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من أمور الجهل بالدين. إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله، وإما من ادعاء الدعاوي الباطلة التي لا حقيقة لها، كقول بعضهم: أي مريد لي ترك في النار أحدا فأنا برئ منه! فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدا من المؤمنين يدخل النار فأنا منه برئ!".

فالأول: جعل مريده يخرج كل من في النار.
الثاني: جعل مريده يمنع أهل الكبائر من دخول النار.

"ويقول بعضهم: إذا كان يوم القيامة نصبت خيمتي على جهنم، حتى لا يدخلها أحد!! وأمثال ذلك من الأقوال التي تؤثر عن بعض المشايخ المشهورين، هي إما كذب عليهم، وإما غلط منهم".

"ومثل هذا قد يصدر في حال سكر وغلبة فناء يسقط فيها تمييز الإنسان، أو يضعف حتى لا يدري ما قال والسكر هو لذة مع عدم تمييز. ولهذا كان من هؤلاء من إذا صحا استغفر من ذلك الكلام. والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام، كان هذا أصل مقصدهم فإن هذا الجنس يحرك ما في القلب من الحب كائنا ما كان. ولهذا أنزل الله محنة (اختبارا) يمتحن بها المحب فقال (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويدعي من الحالات ما لا يتسع هذا الموضوع لذكره، حتى قد يظن أحدهم سقوط الأمر، وتحليل الحرام له، وغير ذلك مما فيه مخالفة شريعة الرسول وسنته وطاعته.

"بل قد جعل الله أساس محبته ومحبة رسوله، الجهاد في سبيله، والجهاد يتضمن كمال محبة ما أمر الله به، وكمال بغض ما نهى الله عنه، ولهذا قال في صفة من يحبهم ويحبونه (أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم).

"ولهذا كانت محبة هذه الأمة لله أكمل من محبة من قبلها، وعبوديتهم لله أكمل من عبودية من قبلهم، وأكمل هذه الأمة في ذلك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ومن كان بهم أشبه كان ذلك فيه أكمل".
هذا صنف.

والصنف الثاني: الذي غلط في فهم حقيقة العبادة: هو الذي ظن أن المحبة تنافي أدب العبودية ولا تصاحب خشية الله ومخافته التي يجب أن يتصف بها كل عبد الله. كما ظن أن المحبة لا تتحقق من المخلوق للخالق، إنما المطلوب منه الطاعة والخضوع فقط.

والحقيقة أن المحبة لا تنافي الخشية والمخافة، بل الخوف لازم للمحبة كما قال ابن تيمية، إذ ليس عند القلب السليم أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من حلاوة الإيمان المتضمن عبوديته لله، ومحبته له وإخلاصه الدين له، وذلك يقتضي انجذاب القلب إلى الله، فيصير القلب منيبا إلى الله، خائفا منه، راغبا راهبا، كما قال تعالى: (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب) إذ المحب يخاف من زوال مطلوبه أو عدم حصول مرغوبه، فلا يكون عبد الله ومحبه إلا بين خوف ورجاء، كما قال تعالى (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا).

ويؤكد ابن تيمية في غير موضع من رسالة "العبودية" أن المحبة جزء لا يتجزأ من حقيقة العبودية مستدلا على ذلك باللغة والشرع قال: "ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب، فإنهم يقولون: قلب متيم إذا متعبدا للمحبوب، والتتيم: التعبد، وتيم الله: أي عبد الله، وهذا على الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم".
وفي موضع آخر يقول:

"إنما الدين الحق هو تحقيق العبودية لله بكل وجه، وهو تحقيق محبة الله بكل درجة وبقدر تكميل العبودية تكمل محبة العبد لربه، وتكمل محبة الرب لعبده، وبقدر نقص هذا يكون نقص هذا، وكلما كان في القلب حب لغير الله كانت فيه عبودية لغير الله بحسب ذلك، وكلما كان فيهعبودية لغير الله كان فيه حب لغير الله بحسب ذلك".

وكل محبة لا تكون لله فهي باطلة، وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، فالدنيا ملعونة ما فيها إلا ما كان لله، ولا يكون لله إلا ما أحبه الله ورسوله، وهو المشروع.
وكل عمل أريد به غير الله لم يكن لله، وكل عمل لا يوافق شرع الله لم يكن لله، بل لا يكون لله إلا ما جمع وصفين: أن يكون لله وأن يكون موافقا لمحبة الله ورسوله، وهو الواجب والمستحب".

ومن السلف من لم ينكر حقيقة المحبة وإنما أنكر ادعاءها والانبساط في هذه الدعوى بما لا يليق بمقام العبودية، وجلال الربوبية، كما رأينا في أقوال من ذكرنا من الصنف الأول.

ومن علماء الكلام من ذهب إلى أن المحبة لا تجوز في حق الله، وتأول ما جاء في الكتاب والسنة، ومن ذلك بأن المراد به الطاعة، فالعبودية هي الذل والخضوع لله سبحانه لا غير.

وفي الرد على هؤلاء يقول ابن تيمية بعد أن ذكر أن الخلة والمحبة لله تحقيق عبوديته:

"وإنما يغلط من يغلط في هذه من حيث يتوهمون أن العبودية مجرد ذلك وخضوع فقط، لا محبة معه، وأن المحبة فيها انبساط في الأهواء، أو إذلال لا تحتمله الربوبية، ولهذا ذكر عن ذي النون: أنهم تكلموا عنده في مسألة المحبة، فقال: أمسكوا عن هذه المسألة، لا تسمعها النفوس فتدعيها".

"وكره من كره من أهل المعرفة والعلم مجالسة أقوام يكثرون الكلام في المحبة بلا خشية، وقال من قال من السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء، فهو مؤمن موحد".

والذي دعا هذا القائل من السلف إلى اتهام من عبد الله بالحب وحده بالزندقة والمروق إنما هو غلو فريق من الناس انتهى به المطاف في دعوى الحب لله أن زعم لنفسه أنه وصل إلى حال مع الله لم تعد فيها لتكاليف الشرع فائدة عنده، فقد عبد ربه حتى أتاه اليقين! وليس بعد اليقين شيء، فسقط عنه الأمر والنهي، وأحل له شرب الخمر والمعاصي!!

وهذا الصنف هو الذي قال فيه الإمام الغزالي: هذا ممن لا شك في وجوب قتله، وقتل مثل هذا أفضل من قتل مائة كافر، إذ ضرره في الدين أعظم، وينفتح به باب من الإباحة لا ينسد. وضرر هذا فوق ضرر من يقول بالإباحة مطلقا، فإنه يمنع عن الإصغاء إليه ظهور كفره، وأما هذا فإنه يهدم الشرع من الشرع! ويزعم أنه لم يرتكب فيه إلا تخصيص عموم، إذ خصص عموم التكليفات بمن ليس له مثل درجته في الدين، وربما يزعم أنه يلابس ويقارف المعاصي بظاهره وهو بباطنه برئ عنها!.

يتبع

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 1:55 am

على أن الغزالي إن توقف هنا في تكفير هذا الصنف المدعي، فقد استدرك عليه ذلك من بعده، كابن حجر الهيثمي المكي الشافعي الذي جزم بكفره، لأنه منكر لقطعيات الدين وضرورياته.
ومن هنا عني ابن تيمية في بيانه حقيقة العبودية بذكر "الضوابط" التي تقف بالعبد عند حده ولا تشرد به عن سواء الصراط تحت عنوان "محبة الله" يقول ابن تيمية:

"وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله تعالى ويعادي أعداء الله تعالى، هذا هو الذي استكمل الإيمان، كما في الحديث: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان" وقال: "أوثق عرا الإيمان الحب في الله والبغض في الله".

وفي الصحيح: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار.

فهذا وافق ربه فيما يحبه وما يكرهه، فكان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأحب المخلوق لله لا لغرض آخر، فكان هذا من تمام حبه لله، فإن محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، فإذا أحب أنبياء الله وأولياء الله لأجل قيامهم بمحبوبات الحق لا لشيء آخر، فقد أحبهم الله لا لغيره وقد قال تعالى: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) ولهذا قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله) فإن الرسول لا يأمر إلا بما يحب الله، ولا يخبر إلا بما يحب الله التصديق به.

فمن كان محبا لله لزم أن يتبع الرسول، فيصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ويتأسى به فيما فعل، ومن فعل هذا فعل ما يحبه الله، فيحبه الله.

وقد جعل الله لأهل محبته علامتين: اتباع الرسول، والجهاد في سبيله، وذلك لأن الجهاد حقيقته الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان، وقد قال تعالى (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره).

فتوعد من كان أهله وماله أحب إليه من الله ورسوله والجهاد في سبيله بهذا الوعيد بل قد ثبت عنده صلى الله عليه وسلم في "الصحيح" أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".

وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال: فوالله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال: الآن يا عمر.

فحقيقة المحبة لا تتم إلا بموالاة المحبوب، وهو موافقته في حب ما يحب، وبغض ما يبغض، والله يحب الإيمان والتقوى، ويبغض الكفر والفسوق والعصيان.

مزاعم المستشرقين

للمستشرقين في كل جانب من جوانب الإسلام، وفي كل فرع من فروع المعرفة الإسلامية دعاو عريضة دفع إليها أحد أمرين أو كلاهما.

الأول: سوء الفهم لدين الإسلام ولغته التي نزل بها كتابه، وجاءت بها أحاديث نبيه، وكتبت بها مؤلفات علمائه، وهم ـ لعجمتهم وغربتهم عنها ـ لا يتذوقونها، ولا يدركون أسرار تعبيرها، وتنوع دلالاتها.

والثاني: سوء النية والقصد إلى البحث عن عورات يشنعون بها، ونقاط ضعف يسوغون بها ما يعتقدونه من دعوى بشرية القرآن وعدم صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فهم يقرأون تراثنا ويدرسونه بروح المتعصب الباحث عن المطاعن، لا بروح الباحث عن الحق.

فهم قد كونوا فكرة سابقة عن الإسلام وكتابه ونبيه ورجاله وتاريخه، وهمهم في دراسة تراث الإسلام أن يعثروا على أدلة توافق فكرتهم، فإن لم يجدوا الأدلة ـ كما هو الواقع ـ تصيدوا الشبهات، فإن أعيتهم الشبهات، لفقوا من المصادر الضعيفة، والأقوال المردودة، والروايات المنكرة، ما يشوشون به يبهرجون.

ومن ذلك ما ذكره بعضهم عن عبادة المسلمين وأنها تقوم على الخوف والخضوع وحده، ولا مجال فيها لحب الله تعالى، وأن الله في تصور المسلمين إله قهر وجبروت لا إله رحمة وحب.

ويزعمون أن المسلمين لم يعرفوا عنصر الحب في صلتهم بالله تعالى، إلا بعد انتشار التصوف الذي اقتبس هذا العنصر من مصادر أجنبية عن الإسلام.

ولو أنصف هؤلاء ورجعوا إلى نصوص القرآن والسنة، وسيرة الرسول وسير أصحابه ومن تبعهم بإحسان، بل لو حللوا معنى العبادة لغة ـ كما فعل ابن تيمية ـ لكفوا عن هذا اللغو، وعلموا أن العبادة في الإسلام تعني: غاية الخضوع لله مع غاية الحب له.

والمتصوفة لم يستمدوا حب الله تعالى من خارج الإسلام، وإنما التفتوا إليه ونموه وعمقوه في الوقت الذي كان بعض المنتسبين إلى علم الكلام لا يتصورون قيام حب حقيقي من الإنسان لربه، لأن الحادث كيف يحب القديم؟

وما حاجة الصادقين من أهل الذوق والوجدان الروحي (الصوفي) إلى اقتباس الحب من مصدر أجنبي عن الإسلام، ونصوصه المحكمة في هذا الأمر أمام أعينهم بينة واضحة، وكافية شافية؟

يكفي أن نذكر هنا ما كتبه الإمام الغزالي في بيان شواهد الشرع في حب العبد لله تعالى في كتاب "المحبة" من "إحيائه" لنعلم من أي ينبوع استقى الصوفية المعتدلون فكرة "الحب الإلهي" قال: "اعلم أن الأمة مجمعة على أن الحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فرض، وكيف يفرض ما لا وجود له؟ وكيف يفسر الحب بالطاعة، والطاعة تبع الحب وثمرته؟ فلا بد أن يتقدم الحب ثم بعد ذلك يطيع من أحب، ويدل على إثبات الحب لله تعالى قوله عز وجل: (يحبهم ويحبونه) وقوله تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله) وهو دليل ثابت على إثبات الحب وإثبات التفاوت فيه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحب لله من شرط الإيمان في أخبار كثيرة، إذ قال أبو رزين العقيلي: "يا رسول الله ما الإيمان قال أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما" وفي حديث آخر: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" وفي رواية (ومن نفسه) كيف وقد قال تعالى: (قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم) الآية، وإنما أجرى ذلك في معرض التهديد والإنكار، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمحبة فقال: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحب الله إياي". ويروى أن رجلا قال: يا رسول الله إني أحبك، فقال صلى الله عليه وسلم: استعد للفقر، فقال: إني أحب الله تعالى فقال: استعد للبلاء" وعن عمر رضي الله عنه قال: "نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، فدعاه حب الله إلى ما ترون" وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم في دعائه "اللهم ارزقني حبك، وحب من أحبك، وحب ما يقربني إلى حبك، واجعل حبك أحب إلي من الماء البارد" وجاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ فقال: ما أعدت لها كثير صلاة ولا صيام إلا أنني أحب الله ورسوله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب" قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بذلك".

فهذه هي حقيقة العبادة في الإسلام إنها معنى مركب من عنصرين: غاية الخضوع لله تعالى، مع غاية المحبة له سبحانه.

بل قال ابن القيم: "أصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وإنما يحب لأجله وفيه".

يتبع

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 4:50 pm

مجالات العبادة كما بينها الإسلام

عرفنا أن رسالة الإنسان في هذه الأرض أن يعبد الله الذي خلقه فسواه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة.
وعرفنا معنى العبادة، وحقيقتها في اللغة والشرع.
وبقي أن نعرف صور العبادة وأنواعها ومظاهرها ومجالاتها. وبعبارة أخرى: علينا أن نعرف جواب هذا السؤال: بماذا نعبد الله تعالى؟
إذا كان الله قد خلقنا لنعبده، أي لنطيعه طاعة مصحوبة بأقصى الخضوع، الممزوج بغاية الحب، ففي أي شيء تكون هذه الطاعة ـ طاعة الخضوع والحب؟ وفي أي مجال يجب أن تكون؟ إن الجواب عن هذا التساؤل سيبين لنا حقيقة هامة، هي: شمول معنى العبادة في الإسلام، وسعة آفاقها، وهذا الشمول له مظهران:
الأول: شمولها للدين كله وللحياة كلها.
الثاني: شمولها لكيان الإنسان كله ظاهره وباطنه، كما سنشرح ذلك فيما يلي:


شمول العبادة للدين كله

لقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قول الله عز وجل: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم): ما العبادة؟ وما فروعها؟ وهل مجموع الدين داخل فيها أم لا؟ فأجاب الله عن ذلك إجابة مبسوطة مفصلة تضمنتها رسالته المعروفة باسم "العبودية" وقد بدأها بقوله:
"العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، والمملوك من الآدميين، والبهائم، والدعاء والذكر والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة".
"وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله".
وهكذا نجد أن للعبادة ـ كما شرحها ابن تيمية ـ أفقا رحبا ودائرة واسعة، فهي تشمل الفرائض والأركان الشعائرية من الصلاة والصيام والزكاة والحج، وهي تشمل ما زاد على الفرائض من ألوان التعبد التطوعي من ذكر وتلاوة ودعاء واستغفار، وتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد.
وهي تشمل حسن المعاملة والوفاء بحقوق العباد، كبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان لليتيم والمسكين وابن السبيل، والرحمة بالضعفاء، والرفق بالحيوان.
وهي تشمل الأخلاق والفضائل الإنسانية كلها، من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، وغير ذلك من مكارم الأخلاق.
كما تشمل ما نسميه بـ "الأخلاق الربانية" من حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته والخوف من عذابه.
وأخيرا تشمل العبادة الفريضتين الكبيرتين اللتين هما سياج ذلك كله وملاكه وهما
. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، 1
2. وجهاد الكفار والمنافقين في سبيل الله.

بل تشمل العبادة أمرا له أهميته وخطره في الحياة المادية للناس، ذكره ابن تيمية في موضع آخر من رسالته، وهو الأخذ بالأسباب، ومراعاة السنن التي أقام الله عليها الكون قال: "فكل ما أمر الله به عباده من الأسباب فهو عبادة".
وأكثر من ذلك ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله: أن الدين كله داخل في العبادة، إذ الدين يتضمن معنى الخضوع والذل يقال: دنته فدان، أي أذللته فذل، ويقال: يدين الله ويدين لله، أي يعبد الله ويطيعه ويخضع له، فدين الله: عبادته وطاعته والخضوع له، والعبادة أصل معناها الذل أيضا.
وبهذا يلتقي معنى الدين بأصل معنى العبادة لغة وشرعا.

العبادة تسع الحياة كلها

وإذا عرفنا أن الدين كله عبادة كما قال الإمام ابن تيمية، وعرفنا أن الدين قد جاء يرسم للإنسان منهج حياته، الظاهرة والباطنة، ويحدد سلوكه وعلاقاته، وفقا لما يهدي إليه هذا المنهج الإلهي ـ عرفنا أن عبادة الله تسع الحياة كلها، وتنتظم أمورها قاطبة: من أدب الأكل والشرب، وقضاء الحاجة، إلى بناء الدولة، وسياسة الحكم، وسياسة المال، وشئون المعاملات والعقوبات، وأصول العلاقات الدولية في السلم والحرب.
ولهذا نجد كتاب الله الكريم يخاطب عباده المؤمنين بأوامر تكليفية وأحكام شرعية، تتناول جوانب شتى من الحياة، وفي سورة واحدة هي سورة البقرة، نجد مجموعة من التكاليف كلها جاءت بصيغة واحدة
(كتب عليكم) ولنقرأ هذه الآيات الكريمة:
(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف). (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون). (كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم).
فهذه الأمور كلها من القصاص، والوصية، والصيام، والقتال، مكتوبة من الله على عباده، أي مفروضة عليهم، فعليهم أن يعبدوا الله بالتزامها والانقياد لها.
وبهذا البيان يتضح لنا حقيقة هامة لازال يجهلها الكثيرون من المسلمين، فبعض الناس لا يفهم من كلمة "العبادة" إذا ذكرت إلا الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة، ونحو ذلك من الأدعية والأذكار، ولا يحسب أن لها علاقة بالأخلاق والآداب، أو النظم والقوانين، أو العادات والتقاليد.
إن عبادة الله ليست محصورة ـ إذن ـ في الصلاة والصيام والحج وما يلحق بها من التلاوة والذكر والدعاء والاستغفار، كما يتبادر إلى فهم كثير من المسلمين إذا دعوا إلى عبادة الله، وكما يحسب كثير من المتدينين أنهم إذا قاموا بهذه الشعائر فقد وفوا الإلهية حقها، وقاموا بواجب العبودية لله كاملا.
إن هذه الشعائر العظيمة والأركان الأساسية في بناء الإسلام ـ على منزلتها وأهميتها ـ إنما هي جزء من العبادة لله، وليست هي كل العبادة التي يريدها الله من عباده.
والحق أن دائرة العبادة التي خلق الله لها الإنسان، وجعلها غايته في الحياة، ومهمته في الأرض، دائرة رحبة واسعة، إنها تشمل شئون الإنسان كلها، وتستوعب حياته جميعا.

العبادة انقياد لمنهج الله وشرعه

إن مقتضى عبادة الإنسان لله وحده: أن يخضع أموره كلها لما يحبه تعالى ويرضاه، من الاعتقادات والأقوال والأعمال، وأن يكيف حياته وسلوكه وفقا لهداية الله وشرعه، فإذا أمره الله تعالى أو نهاه، أو أحل له أو حرم عليه كان موقفه في ذلك كله: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.
ففرق ما بين المؤمن وغيره: أن المؤمن خرج من العبودية لنفسه وللمخلوقين إلى العبودية لربه، خرج من طاعة هواه إلى طاعة الله، ليس المؤمن "سائبا" يفعل ما تهوى نفسه أو يهوى له غيره من الخلق، إنما هو "ملتزم" بعهد يجب أن يفي به، وميثاق يجب أن يحترمه، ومنهج يجب أن يتبعه، وهذا التزام منطقي ناشئ من طبيعة عقد الإيمان ومقتضاه.
مقتضى عقد الإيمان: أن يسلم زمام حياته إلى الله، ليقودها رسوله الصادق، ويهديه الوحي المعصوم.
مقتضى عقد الإيمان: أن يقول الرب: أمرت ونهيت، ويقول العبد: سمعت وأطعت.
مقتضى عقد الإيمان: أن يخرج الإنسان من الخضوع لهواه إلى الخضوع لشرع مولاه.
وفي هذا يقول القرآن الكريم: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) ويقول: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون).
ليس بعابد لله إذن من قال: أصلي وأصوم وأحج، ولكني حر في أكل لحم الخنزير، أو شرب الخمر، أو أكل الربا، أو رفض ما لا يروقني من أحكام الشريعة، فأحكم فيه بغير ما أنزل الله! ليس بعابد لله من أدى الشعائر، ولكنه لم يخضع لآداب الإسلام وتقاليده في نفسه أو أهله، كالرجل الذي يلبس الحرير الخالص ويتحلى بالذهب، ويتشبه بالنساء، والمرأة التي تلبس ما يبرز مفاتنها، ولا يغطي جسدها، ولا تضرب بخمارها على جيبها. ليس بعابد لله من ظن أن عبوديته لله لا تعدو جدران المسجد، فإذا انطلق في ميادين الحياة المتشعبة، فهو عبد نفسه فقط، وبعبارة أخرى: هو حر في اتباع هواها، أو اتباع أهواء عبيد أنفسهم من المخلوقين!

يتبع

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 4:53 pm

من اتبع غير منهج الله فقد أشرك في عبادته

إن من العبادة التي يغفلها كثير من الناس: الخضوع لشرع الله، والانقياد لأحكامه التي أحل بها الحلال وحرم الحرام، وفرض الفرائض، وحد الحدود.
فمن أدى الشعائر وصلى وصام وحج واعتمر، ولكنه رضي أن يحتكم في شئون حياته الخاصة والعامة، أو في شئون المجتمع والدولة، إلى غير شرع الله وحكمه، فقد عبد غير الله، وأعطى غيره ما هو خالص حقه سبحانه.
إن الله وحده هو المشرع الحاكم لخلقه، لأن الكون كله مملكته، والناس جميعا عباده، وهو وحده الذي له أن يأمر أو ينهى، وأن يقول: هذا حلال، وهذا حرام، بمقتضى ربوبيته وملكه وألوهيته للناس، فهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس.
فمن ادعى من الخلق أن له أن يشرع ما شاء، أمرا ونهيا وتحليلا وتحريما، بدون إذن من الله، فقد تجاوز حده، وعدا طوره، وجعل نفسه ربا أو إلها من حيث يدري أو لا يدري!
ومن أقر له بهذا الحق، وانقاد لتشريعه ونظامه، وخضع لمذهبه وقانونه، وأحل حلاله وحرم حرامه، فقد اتخذه ربا، وعبده مع الله، أو من دون الله، ودخل في زمرة المشركين من حيث يشعر أو لا يشعر!
إن القرآن الكريم دمغ أهل الكتاب بالشرك، ورماهم بأنهم عبدوا أحبارهم ورهبانهم، واتخذوهم أربابا من دون الله، وذلك حين أطاعوهم واتبعوهم فيما شرعوا لهم مما لم يأذن به الله.
قال تعالى: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، لا إله إلا هو، سبحانه عما يشركون).
وقد فسر هذه الآية أعلم الناس بمراد ربه ـ عز وجل ـ من كلامه، وهو الرسول الذي لا ينطق عن الهوى، والذي أوحى الله إليه هذا القرآن ليبينه للناس ولعلهم يتفكرون، فلنصغ إلى التفسير النبوي الكريم لهذه الآية الكريمة.
روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير ـ من طرق ـ عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فر إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أختهوأعطاها، فرجعت إلى أخيها، فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عدي إلى المدينة ـ وكان رئيسا في قومه وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم ـ فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنق عدي صليب من فضة، وهو يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) قال: إنهم لم يعبدوهم! فقال: بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم وأياهم".
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وهكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس، وغيرهما في تفسير (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله): إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا.
وقال السدي: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.
قال: ولهذا قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) أي الذي إذا حرم الشيء فهو حرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ (لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).

الأعمال الاجتماعية النافعة عبادة

وأكثر من ذلك: أن الإسلام قد فسح مجال العبادة ووسع دائرتها، بحيث شملت أعمالا كثيرة لم يكن يخطر ببال الناس أن يجعلها الدين عبادة وقربة إلى الله.
إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات مادام قصد فاعله الخير لا تصيد الثناء، واكتساب السمعة الزائفة عند الناس، كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائرا، أو يعلم جاهلا، أو يؤوي غريبا، أو يدفع شرا عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعا إلى ذي كبد رطبة ـ فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية.
أعمال كثيرة من هذا النوع جعلها الإسلام من عبادة الرحمن، وشعب الإيمان، وموجبات المثوبة عند الله.

فليست الصلاة أو الصيام أو الذكر والدعاء هي التي تكتب لك عبادة في يومك وتستوجب بها الأجر عند ربك، كلا إنك تستطيع في اليوم الواحد أن تضيف إلى ميزان عبادتك وحسناتك أشياء كثيرة، لها ثقلها وقيمتها في تقدير الحق تبارك وتعالى، وإن بدت عندك هينة خفيفة في الميزان.

من ذلك ما قاله رسول الإسلام عن الإصلاح بين المتخاصمين قال: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى.
قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة: وفي رواية: لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين.
ويقول عليه السلام في عيادة المريض وما لها من مكانة عند الله لما فيها من تخفيف ومواساة: "من عاد مريضا ناداه مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا" "من عاد مريضا لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس اغتمس فيها".

ويروي لنا النبي صلى الله عليه وسلم مشهدا من المشاهد البديعة العميقة يوم القيامة في صورة حوار بين الله وعباده: "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يابن آدم مرضت فلم تعدني!! قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب؟ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟! يابن آدم استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي".

ويروي الشيخان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك فأخره فشكر الله له، فغفر له، وفي رواية مسلم: "مر رجل بغصن شجرة على ظهر الطريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم.. فأدخل الجنة".
وعن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق".

والإسلام لا يستحب هذه الأعمال ويحمدها فحسب، بل هو يدعو إليها، ويحث عليها، ويأمر بها، ويجعلها من الواجبات اليومية على المسلم، التي تقربه إلى الجنة، وتبعده عن النار، وهو تارة يسميها "صدقة" وطورا يسميها "صلاة" وهي على كل حال عبادة وقربة إلى الله الكريم.

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله.
قلت: يا نبي الله، مع الإيمان عمل؟
قال: أن ترضخ مما خولك الله (أي تعطي مما ملكك الله).
قلت: يا نبي الله، فإن كان فقيرا لا يجد ما يرضخ؟
قال: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
قلت: فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟
قال: فليعن الأخرق (هو الجاهل الذي لا يعرف صنعة، يعينه على تعلم صنعة).
قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟
قال: فليعن مظلوما.
قلت: يا نبي الله، أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟!
قال: ما تريد أن تترك لصاحبك من خير؟ ليمسك أذاه عن الناس.
قلت: يا رسول الله، أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة؟
قال: "ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة".
بمثل هذه الروح يستحث نبي الإسلام كل مسلم ـ وإن يكن محدود الاستطاعة ـ أن يؤدي هذه العبادة أو "الضريبة" الاجتماعية، ولم يجعل الإسلام هذه العبادة موقوتة بزمان أو مرهونة بمكان، كما لم يجعل هذه العبادة أو الضريبة مالية فينفرد بها الأغنياء، ولا بدنية فيختص بها الأقوياء، ولا ثقافية فيتميز بها المتعلمون، ولكنه جعلها ضريبة إنسانية عامة، يؤديها كل إنسان على قدر طاقته، يشترك فيها الفقير والغني، والضعيف والقوي، والأمي والمتعلم.

وإننا لنقرأ أحاديث النبي الكريم في هذا الباب، فنرى أنه لم يكتف بفرض هذه العبادة العامة على الإنسان من حيث هو إنسان فحسب، بل يشتد في طلبها، فيفرضها على كل ميسم من مياسمه، أو كل مفصل من مفاصله.
فيروي أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: يعدل بين الاثنين صدقة. ويعين الرجل في دابته، فيحمله أو يرفع عليها متاعه صدقة. والكلمة الطيبة صدقة. وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة".
ويروي ابن عباس نحو هذا عن الرسول إذ يقول: "على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم! فقال رجل من القوم: هذا من أشد ما أنبأتنا به! قال: أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صلاة وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر من الطريق صلاة، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة".
ونحو ذلك ما رواه بريدة عنه صلى الله عليه وسلم قال: "في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة، قالوا: فمن يطيق ذلك يا رسول الله؟ ـ ظنوها صدقة مالية ـ قال: النخامة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق".
وقد وردت أحاديث عديدة تجعل تبسم المرء في وجه أخيه صدقة وإسماع الأصم، وهداية الأعمى، وإرشاد الحيران، ودلالة المستدل على حاجته، والسعي بشدة الساقين مع اللهفان المستغيث، والحمل بشدة الذراعين مع الضعيف، وما يدور في هذا الفلك من الأعمال، عده رسول الإسلام عبادة كريمة، وصدقة طيبة.
وبهذا يعيش المسلم في مجتمعه ينبوعا يفيض بالخير والرحمة، ويتدفق بالنفع والبركة، يفعل الخير ويدعو إليه، ويبذل المعروف ويدل عليه، فهو مفتاح للخير، مغلاق للشر، كما حثه النبي الكريم.

وأفق الخير والنفع الذي يعيش المسلم في دائرته ليس خاصا بالإنسان وحده، وإنما يتسع فيشمل كل كائن حي في الوجود حتى الطير والحيوان فكل إحسان يسديه إليه أو أذى يدفعه عنه عبادة تقربه إلى الله، وتوجب له رضاه.
وقد حدث النبي أصحابه عن رجل وجد كلبا يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فنبضت عروق الرحمة في قلبه، وعز عليه أن يدع هذا الكلب في حرقه وشدة ظمئه، فذهب به إلى بئر فنزع خفه وملأه منها، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له، سمع الصحابة هذه القصة فقالوا في عجب: أئن لنا في البهائم لأجرا يا رسول الله؟

قال: "في كل كبد رطبة (أي فيها حياة) أجر".
وفي هذه الدائرة الرحبة من أعمال البر التي شملت الإنسان وغير الإنسان يجد المهتمون بالعبادة، الراغبون في الإكثار منها، والمهتمون بخدمة المجتمع والإحسان إلى الخلق أيضا ما يشبع نهمهم ويتجاوب مع أشواقهم، بدل أن يحصروا في عبادات "الصوامع" وحدها وينقطعوا عن ركب الحياة.

عمل الإنسان في معاشه عبادة بشروط
وأعجب من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الأعمال الدنيوية التي يقوم بها الإنسان لمعيشته، والسعي على نفسه وأهله، من أبواب العبادة والقربات إلى الله، وإن لم يتعد نفعها دائرته الشخصية والأسرية، فالزارع في حقله، والعامل في مصنعه، والتاجر في متجره، والموظف في مكتبه، وكل ذي حرفة في حرفته، يستطيع أن يجعل من عمله المعاشي صلاة وجهادا في سبيل الله، إذا التزم فيه الشروط الآتية:
1. أن يكون العمل مشروعا في نظر الإسلام، أما الأعمال التي ينكرها الدين كالعمل في الربا والحانات، والمراقص ونحوها، فلا تكون ولن تكون عبادة أبدا، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
2. أن تصحبه النية الصالحة: نية المسلم إعفاف نفسه، وإغناء أسرته، ونفع أمته، وعمارة الأرض، كما أمر الله.
3. أن يؤدي العمل بإتقان وإحسان ففي الحديث: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
4. أن يلتزم فيه حدود الله فلا يظلم ولا يخون، ولا يغش ولا يجور على حق غيره.
5. ألا يشغله عمله الدنيوي عن واجباته الدينية كما قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة).
إذا راعى المسلم هذه الأمور كان في سعيه عابدا وإن لم يكن في محراب، متبتلا إلى الله وإن لم يكن في صومعة.
عن كعب بن عجرة قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله، لو كان هذا في سبيل الله؟! (أي في الجهاد لإعلاء كلمة الله، وكان أفضل العبادات عندهم) فقال: إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان.
ويخلع القرآن على السعي في مناكب الأرض، لطلب الرزق تسمية جميلة موحية برضا الله، فيسمي ذلك "الابتغاء من فضل الله" مثل قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) ويقرن المسافرين للرزق بالمجاهدين لله في سياق واحد إذ يقول: (آخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله، وآخرون يقاتلون في سبيل الله).
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في فضل الزرع والغرس وما يجلب لصاحبه من مثوبة عند الله: "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".
ويعلن أن "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء".
وفي ظل هذه التعاليم لا يجوز للمسلم ـ ولا يتصور منه ـ أن يكون عالة على غيره، أو عبئا على المجتمع: يأخذ من الحياة ولا يعطيها، ويعتزل الناس والحياة باسم التفرغ للعبادة أو التبتل، بل يندفع بغير وازع خارجي إلى كل ميادين الحياة منتجا متقنا متفوقا، وهو يوقن أنه في صلاة وجهاد!

يتبع

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 5:34 pm

حتى أعمال الغريزة والشهوة

على أن الأروع مما تقدم كله أن تشمل العبادة الحاجات الضرورية التي يؤديها المسلم استجابة لدافع الغريزة البشرية، فالأكل والشرب ومباشرة الزوج لزوجته، وما كان من هذا القبيل يدخله الإسلام في دائرة العبادة الفسيحة بشرط واحد هو "النية". فالنية هي المادة السحرية العجيبة التي تضاف إلى المباحات والعادات فتصنع منها طاعات وقربات.
وأوضح شاهد على ذلك ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
"وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر!!" قال العلماء: وهذا من تمام رحمة الله على عباده، يثيبهم على ما فيه قضاء شهواتهم إذا نووا أداء حق الزوجة وإحصان الفرج ولله الحمد.

صحح وجهتك تكن كل حياتك عبادة

بحسب المسلم أن ينظر إلى نفسه على أنه خليفة الله في الأرض، مهمته أن ينفذ أمره، ويقيم حدوده ويعلي كلمته، ويقوم بواجب العبودية له تعالى. بحسبه ذلك لتصطبغ أعماله كلها بصيغة ربانية، وليكون ما يصدر عنه من أقوال وأفعال وحركات وسكنات عبادة لله رب العالمين.
وهذا هو الموافق لما تعطيه الآية الكريمة من معنى كبير: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فأين هي العبادة التي جعلها الله غاية لخلقهم إذا حصرنا معنى العبادة في تلك الشعائر التي لا تستغرق إلا دقائق معدودات من يوم الإنسان وليلته، أما جل الوقت ففي معترك الحياة، ويعجبني ما قاله هنا الأستاذ محمد الغزالي.
"إن الإسلام ليس أفعالا تعد على الأصابع دون زيادة أو نقص، كلا، إنه صلاحية الإنسان للمسير في الحياة وهو يؤدي رسالة محددة".
فالمهندس الذي يصنع آلة ما لا يعنيه كم تنتج من السلع والأدوات، وإنما يعنيه أن تكون أجهزتها مستعدة على الدوام لإنجاز ما تكلف به.
فصلاحية الطيارة للانطلاق، وصلاحية المدفع للقذف، وصلاحية القلم للكتابة، هذه الصلاحيات هي مناط الحكم على قيمة الشيء فإذا أطمأننا إلى وجودها قبلناها ورجونا ثمرتها.
كذلك الإنسان، إن الإسلام يريد أن تستقيم أجهزته النفسية أولا، فإذا توفرت لها صلاحيتها المنشودة، بصدق اليقين، وسلامة الوجهة، فكل عمل تتعرض له في الحياة يتحول من تلقاء نفسه إلى طاعة الله، إن آلة سك النقود يدخلها المعدن الغفل (الخام) فيخرج منها عملة مالية غالية الثمن، تحمل من الألوان والأختام والشارات ما يجعلها شيئا آخر، كذلك المسلم يعالج ما يعالج من شئون الدنيا، فيضفي عليه من طبيعة إيمانه وسناء وجهته ما يجعل أي عمل يقبل عليه يتحول في يده إلى عبادة غالية القدر.
وبهذه الصلاحية النفسية رفض الله دعوى أصحاب الذين اغتروا (وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
في شئون الحياة ليس للأعمال الصالحة حصر تنتهي عنده ولا رسم تخرج فيه، إنما هو إسلام الوجه لله وإصلاح العمل والبلوغ به حد الكمال المطلوب.


آثار هذا الشمول في النفس والحياة

إن شمول معنى العبادة في الإسلام ـ كما شرحناه ـ له آثار مباركة في النفس والحياة يحسها الإنسان في ذاته، ويلمسها في غيره، ويرى ظلالها في الحياة من حوله، وأبرز هذه الآثار وأعمقها أمران:
الأول: أنه يصبغ حياة المسلم وأعماله فيها بالصبغة الربانية، ويجعله مشدودا إلى الله في كل ما يؤديه للحياة، فهو يقوم به بنية العابد الخاشع، وروح القانت المخبت، وهذا يدفعه إلى الاستكثار من كل عمل نافع، وكل إنتاج صالح، وكل ما ييسر له ولأبناء نوعه الانتفاع بالحياة، على أمثل وجوهها، فإن ذلك يزيد رصيده من الحسنات والقربات عند الله عز وجل، كما يدعوه هذا المعنى إلى إحسان عمله الدنيوي وتجويده وإتقانه، ما دام يقدمه هدية إلى ربه سبحانه، ابتغاء رضوانه وحسن مثوبته.
الثاني: أنه يمنح المسلم وحدة الوجهة، ووحدة الغاية في حياته كلها، فهو يرضي ربا واحدا، في كل ما يأتي ويدع، ويتجه إلى هذا الرب بسعيه كله: الديني والدنيوي، لا انقسام ولا صراع ولا ازدواج في شخصيته ولا في حياته.
إنه ليس ممن يعبدون الله في الليل، ويعبدون "المجتمع" في النهار.
وليس ممن يعبدون الله في المسجد، ويعبدون "الدنيا" أو "المال" في ساحة الحياة.
وليس ممن يعبدون الله في يوم من أيام الأسبوع ثم يعبدون ما سواه ومن سواه سائر أيام الأسبوع.
كلا إنه يعبد الله وحده حيثما كان، وكيفما كان، وفي أي عمل كان فوجه الله لا يفارقه في عمل ولا حال، ولا زمان (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله).
وبهذا ينصرف همه كله إلى الله، ويجتمع قلبه كله على الله، ولا يتوزع شمل حياته وفكره وإرادته ووجدانه بين شتى الاتجاهات، والتيارات والانقسامات.
إن حياته كلها وحدة لا تتجزأ، منهجه فيها عبادة الله، وغايته رضوان الله، ودليله وحي الله.
يقول المسلم النمساوي الأستاذ محمد أسد في بيان مزية العبادة في الإسلام:
"يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في كل دين آخر، إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلاة والصيام مثلا، ولكنها تتناول "كل" حياة الإنسان العملية أيضا، ولذا كانت الغاية من حياتنا على العموم "عبادة الله" فيلزمنا حينئذ ـ ضرورة ـ أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها كلها على أنها تبعة أدبية، متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها ـ حتى تلك التي تظهر تافهة ـ على أنها عبادات، وأن نأتيها بوعي، على أنها تؤلف جزءا من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه الله.. تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مثل أعلى بعيد، ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع؟
إن موقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل، إنه يعلمنا أولا: أن عبادة الله الدائمة، والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها، هي معنى الحياة نفسها، ويعلمنا ثانيا: أن بلوغ هذا المقصد بطل مستحيلا ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين: حياتنا الروحية، وحياتنا المادية، يجب أن تقترن هاتان الحياتان في وعينا وفي أعمالنا، لتكون (كلا) واحدا متسقا.. إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى في سعينا للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في حياتنا.
هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه، هي فرق آخر بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة، ذلك أن الإسلام ـ على أنه تعليم ـ لا يكفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة فيما بين المرء وخالقه فقط، ولكن يعرض أيضا ـ بمثل هذا التوكيد على الأقل ـ للصلات الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية.
إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صدقة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال الآخرة، التي هي آتية لا ريب فيها، من غير أن تكون منطوية على معنى ما، ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة في نفسها، والله تعالى "وحدة" لا في جوهره فحسب، بل في الغاية إليه أيضا، من أجل ذلك كان خلقه وحدة، ربما في جوهره، إلا أنه وحدة في الغاية منه بكل تأكيد.
وعبادة الله في أوسع معانيها ـ كما شرحنا آنفا ـ تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية، هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال ـ في إطار حياته الدنيوية الفردية ـ ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام ـ وحده ـ يعلن أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا.. إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات "الجسدية"، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من "تناسخ الأرواح" على مراتب متدرجة ـ كما هي الحال في الهندوكية ـ ولا هو يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانقسام علاقاتها الشعورية من العالم.. كلا، إن الإسلام يؤكد في إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية، وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوي في حياته هو".


سؤالان وجوابهما

يعن لبعض الناس هنا سؤال يحتاج إلى جواب، وهو: إذا كانت العبادة تشمل الدين كله ـ كما قال ابن تيمية ـ فلماذا عطف القرآن عليها غيرها من أوامر الدين ونواهيه، في مثل قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى.. الآية) وقوله على لسان شعيب: (يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، ولا تنقصوا المكيال والميزان، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط.. الآية).
فهذه الأشياء المعطوفة على العبادة تدل على أنها غيرها، فإن العطف يقتضي المغايرة، كما هو معلوم، فما تفسير ذلك؟
وسؤال آخر يرد هنا أيضا، وهو: إذا كان الدين كله عبادة، فلماذا قسم العلماء أحكام الشرع إلى "عبادات" و"معاملات"؟
أما السؤال الأول، فجوابه يسير، وهو: أن عطف الخاص على العام مألوف في العربية، ومأنوس لدى البلغاء، وذلك للتنبيه على مزية في الخاص اقتضت إفراده بالذكر، كأنه جنس مستقل، مع دخوله في أفراد العام، كما أن عكسه أيضا معروف، وهو عطف العام على الخاص.
يتبع

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 20 أغسطس 2008, 5:50 pm

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) فنص على إيتاء ذى القربى مع أنه يدخل في الإحسان، وكذلك خص الفحشاء بالذكر مع دخولها في عموم المنكر وكذلك البغي، وأمثلة ذلك في القرآن كثيرة.
وأما السؤال الثاني، فجوابه: أن تقسيم الفقهاء الأحكام الشرعية العملية إلى عبادات ومعاملات، إنما هو إصلاح منهم، أرادوا به التفريق بين نوعين من الأحكام:
الأول: يضم الصور والكيفيات المحددة التي شرعها الله تعالى، ليتقرب عباده إليه بأدائها، فالشارع هو المنشئ لها والآمر بها، وليس للعباد فيها إلا التلقي والتنفيذ، وتلك هي الشعائر التعبدية التي لا يخلو دين منها، وبها يمتحن الله عباده، وبها تظهر حقيقة العبودية، حيث لا يبدو للعباد فيها حظ شخصي لأول وهلة.
أما النوع الثاني: فهو يشمل الأحكام التي تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض في حياتهم ومعايشهم ومبادلاتهم، فهذه العلاقات والنشاطات لم ينشئها الشرع، بل هي موجودة قبله، ومهمة الشارع هنا: أن يعدلها، ويهذبها ويقر الصالح منها، والنافع، ويمنع الفاسد الضار.
وبهذا يتبين لنا أن موقف الشرع من النوع الأول الذي سماه الفقهاء "العبادات" غير موقفه من النوع الثاني الذي سموه "المعاملات" فهو في الأولى منشئ مخترع، وليس من حق غيره أن ينشئ أو يبتدع صورا للعبادة من عند نفسه لم يأذن بها الله، وفيه جاءت بذلك الأحاديث: "من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد، وكل بدعة ضلالة".
وهو في الثانية مصلح لما أنشأه الناس وأوجدوه فعلا.
وبناء على هذا قرروا أن الأصل في العبادات الحظر والمنع، حتى لا يشرع الناس في الدين ما لم يأذن به الله، أما في العادات والمعاملات فالأصل فيها الإباحة.
وهناك فائدة أخرى لهذا التقسيم، نبه عليها الإمام الشاطبي وغيره، وهي: أن الأصل في جانب العبادات هو التعبد، دون الالتفات إلى المعاني والمقاصد، أما العادات أو المعاملات فالأصل فيها الالتفات إلى ما وراءها من المعاني والحكم والمقاصد.
فإذا أمر الشارع مثلا بذبح الهدي في الحج، فهذا أمر تعبدي لا يجوز تركه، والتصدق بثمن الهدي، لما في ذلك من تعطيل هذه العبادة الشعائرية.
ولكن إذا حث الشارع على ربط الخيل واقتنائها والاهتمام بها لقتال الأعداء، ثم تغير الزمن وأصبح الناس يركبون للحرب الدبابات والمدرعات بدل الخيل، أصبح الاهتمام بهذه الأسلحة الجديدة هو التنفيذ العملي لما جاء من حث على رباط الخيل، بناء على رعاية المعاني والمقاصد التي تفهم من وراء ما جاءت به نصوص الشرع هنا.
فهذا هو سر تقسيم الفقهاء أحكام الفقه إلى عبادات ومعاملات، وهذا هو أثره، وإن كان التزام أحكام الشرع في كل المجالات هو عبادة بالمعنى الشامل الذي بيناه من قبل.
غير أن هذا التقسيم الاصطلاحي الفني الذي هو طابع التأليف العلمي ـ أنشأ فيما بعد، كما ذكر الشهيد سيد قطب ـ آثارا سيئة في التصور، تبعته ـ بعد فترة ـ آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس: أن صفة "العبادة" إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات" بينما أخذت الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي يتناوله فقه المعاملات.
إن ذلك التقسيم ـ مع مرور الزمن ـ جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدوا نشاط "العبادات" وفق منهج آخر، لا يتلقونه من الله، ولكن من إله آخر! هو الذي يشرع لهم في شئون الحياة ما لم يأذن به الله!
وهذا وهم كبير، فالإسلام وحدة لا تنفصم، وكل من يفصمه إلى شطرين ـ على هذا النحو ـ فإنما يخرج من هذه الوحدة، أو بتعبير آخر: يخرج من هذا الدين.
ولا ريب أن هذا الانحراف الذي وقع في تصور كثير من المسلمين لحقيقة الإسلام، وحقيقة العبادة فيه، لم يكن مقصودا للفقهاء، ولا هم مسئولون عنه، فإن ما صنعوه من التقسيم هو مقتضى التصنيف والتأليف العلمي كما ذكر المرحوم سيد قطب نفسه، ولم يستطع من ألف في الفقه في عصرنا أن يستغني عن هذا التقسيم أيضا.
على أن هذا التقسيم إنما يأتي إذا كتبوا في الفقه ـ فإذا كتبوا في غيره وجدنا مثل ابن تيمية يصرح بأن العبادة تشمل الدين كله، كما ذكرنا، ووجدنا مثل ابن القيم يدخل الدين كله أيضا في (إياك نعبد) كما سيأتي قريبا في بيانه لمراتب العبودية الخمسين.

شمول العبادة لكيان الإنسان كله

هذا هو المظهر الثاني لشمول العبادة في الإسلام.
فكما شملت العبادة في الإسلام الحياة كلها، استوعبت كذلك كيان الإنسان كله.
فالمسلم يعبد الله بالفكر، ويعبد الله بالقلب، ويعبد الله باللسان، ويعبد الله بالسمع والبصر وسائر الحواس، ويعبد الله ببدنه كله، ويعبد الله ببذل المال، ويعبده ببذل النفس، ويعبده بمفارقة الأهل والوطن.
المسلم يتعبد الله بالفكر، عن طريق التأمل في النفس والآفاق، والتفكر في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، والتدبر لآيات الله المنزلة وما فيها من هدى وحكمة، والنظر في مصاير الأمم وأحداث التاريخ وما فيها من عظة وعبرة، فهذا كله مما يتقرب به المسلم إلى الله الذي أنزل كتابه إلى الناس (ليتدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) ودعاهم في محكم كتابه إلى إعمال العقل نظرا وتفكرا وتعلما (وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون) (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض: ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).
وقد ورد عن ابن عباس: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة".
وقال الشافعي رضي الله عنه: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة" ونص على ذلك أبو حنيفة رضي الله عنه وقال وهب: كنت بين يدي مالك رضي الله عنه فوضعت ألواحي، وقمت أصلي، فقال: ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي قمت عنه.
ويتعبد المسلم لله بالقلب عن طريق العواطف الربانية والمشاعر الروحية، مثل: حب الله وخشيته، والرجاء في رحمته والخوف من عقابه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه، والشكر لنعمائه، والحياء منه، والتوكل عليه، والإخلاص له، قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت).
ويتعبد المسلم لله باللسان عن طريق الذكر والتلاوة والدعاء والتسبيح والتهليل والتكبير جاء في القرآن الكريم (يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا) (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين) وقال عليه الصلاة والسلام: "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه" وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم "إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أتشبث به، فقال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله".
والذكر نوعان: ذكر ثناء مثل "سبحانك الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر".
وذكر دعاء مثل: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين".
وقد جاء من النوعين عن النبي صلى الله عليه وسلم أدعية وأذكار كثيرة، في مختلف المناسبات والأوقات، تجعل المسلم موصول القلب بربه، ورطب اللسان بذكره تعالى: عند النوم واليقظة، وعند الإصباح والإمساء، وعند الأكل والشرب، وعند السفر والأوبة، عند لبس الثوب، وركوب الدابة، وهبة الريح ونزول المطر.. وفي كل حال وكل حين، وقد ألف العلماء في ذلك كتبا شتى.
والذكر المحمود هو ما اجتمع فيه القلب واللسان، ولا خير في ذكر اللسان إذا كان القلب ناسيا غافلا.
ويتعبد المسلم لله ببدنه كله: إما كفا وامتناعا عن ملذات البدن وشهواته، كما في الصيام، وإما حركة وعملا ونشاطا، كما في الصلاة التي يتحرك فيها البدن كله: اللسان والأعضاء، مع العقل والقلب.
ويتعبد المسلم لله ببذل المال الذي هو شقيق الروح، كما في الزكاة والصدقات، وهذا ما يسميه الفقهاء "العبادة المالية" كما سموا الصلاة والصوم "العبادة البدنية" ويعنون بكلمة "البدن" هنا كيان الإنسان كله لا الجسم المادي وحده، فإن النية شرط لكل عبادة، ومحلها القلب بالإجماع وعبادة المجنون والسكران ونحوها لا تصح ولا تقبل (حتى تعلموا ما تقولون).
ويتعبد المسلم لله ببذل مهجته والتضحية بنفسه وبمصالحه المادية العاجلة، ابتغاء مرضاة الله، كما في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى.
ويتعبد المسلم لله بمفارقة الأهل والوطن والضرب في الأرض: إما للحج والعمرة، وإما للهجرة إلى أرض يستطيع فيها المسلم إقامة دينه، وإما للجهاد في سبيل الله، وإما لطلب علم نافع، أو نحو ذلك، مما يبذل فيه المسلم ـ عادة ـ راحة بدنه وحر ماله، ولهذا نعتبر هذا النوع من العبادات "بدنيا وماليا" معا حسب التقسيم الفقهي المتعارف.
يتبع

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في السبت 15 نوفمبر 2008, 11:56 pm

لماذا نعبد الله؟

عرفنا أن رسالة الإنسان في الوجود هي عبادة الله وحده،

وعرفنا أن العبادة هي غاية الخضوع الممزوج بغاية الحب لله.

وعرفنا أن العبادة ـ في الإسلام ـ تشمل الدين كله، وتسع الحياة بمختلف جوانبها.

وبقي هنا سؤال قد يسأله بعض الناس، وهو: لماذا نعبد الله تعالى؟ وبعبارة أخرى: لماذا فرض الله علينا عبادته وطاعته وهو الغني عنا؟ وما الغاية من تكليفنا هذه العبادة؟ هل يعود عليه ـ سبحانه ـ نفع من عبادتنا له، وخشوعنا لوجهه؟ ووقوفنا ببابه، وانقيادنا لأمره ونهيه جل شأنه؟ أم النفع يعود علينا نحن المخلوقين؟ وما حقيقة هذا النفع إن كان؟ أم الهدف هو مجرد الأمر من الله والطاعة منا؟

والجواب: أنه ـ تبارك اسمه ـ لا تنفعه عبادة من عبده، ولا يضره إعراض من صد عنه، ولا يزيد في ملكه حمد الحامدين، ولا ينقصه جحود الجاحدين، فهو الغني ونحن الفقراء إليه، وهو الودود الكريم، والبر الرحيم، الذي لا يأمرنا إلا بما فيه خيرنا وصلاحنا نحن المخلوقين، فضلا عن حقه ـ تعالى ـ في أن يفرض علينا ما يشاء، يكلفنا ما يريد، بحكم خلقه لنا وإنعامه علينا، وبحكم عبودتنا الطبيعة القسرية له سبحانه، فهو لا يكلفنا إلا بما ينفعنا نحن ويصلحنا نحن المحتاجين إليه في كل نفس من أنفاس حياتنا، وهو الغني عنا غنى ذاتيا، إذ كيف يحتاج الخالق إلى من خلق؟

وقد أخبرنا على لسان سليمان في القرآن: (قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم) وقال تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله، ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) وقال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وقال تعالى: (يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) وقال عز وجل في الحديث القدسي: "يا عبادي إنكم لم تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما ذاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا".

وإذا كان الله سبحانه له هذا الغنى المطلق فلماذا إذن كلف عباده أن يعبدوه ويطيعوه؟

وأظن ـ بعد أن يعرف الإنسان جواب الأسئلة الخالدة: من أين؟، وإلى أين؟ ولم ـ أن من السهل أن يعرف جواب هذا السؤال ـ إنه كامن في طبيعة الإنسان نفسه، وطبيعة مهمته في الأرض، والغاية التي أعد لها من وراء هذه الحياة.


العبادة غذاء الروح

أ. فالإنسان ليس هو هذا الغلاف المادي الذي نحسه ونراه، والذي يطلب حظه من طعام الأرض وشرابها، ولكن حقيقة الإنسان في ذلك الجوهر النفيس الذي به صار إنسانا مكرما سيدا على ما فوق الأرض من كائنات. ذلك الجوهر هو الروح، الذي يجد حياته وزكاته في مناجاة الله عز وجل، وعبادة الله هي التي توفر لهذا الروح غذاءه ونماءه، وتمده بمدد يومي لا ينفذ ولا يغيض.

ولئن تراكم على هذا الجوهر المعنوي الغفلة والغرور، وران عليه صدأ الجحود أو الشك، لقد تهب عواصف المحن فتزيح الغبار، أو تندلع نار الشدائد فتجلو الصدأ. وسرعان ما يعود الإنسان إلى ربه فيدعوه ويتضرع إليه. وهذه حقيقة ذكرها القرآن، وأيدتها وقائع الحياة: (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله: مخلصين له الدين: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين).

إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل صادق لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود، وهذا ما تقوم به العبادة إذا أديت على وجهها.

يقول ابن تيمية رحمه الله:

"القلب فقير بالذات إلى الله من جهتين: من جهة العبادة… ومن جهة الاستعانة والتوكل، فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا ينعم ولا يسر، ولا يلتذ ولا يطيب، ولا يسكن ولا يطمئن، إلا بعبادة ربه وحده وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه (بالفطرة) من حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور، واللذة والنعمة، والسكون والطمأنينة.

وهذا لا يحصل له إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائما مفتقر إلى حقيقة (إياك نعبد وإياك نستعين).

فإنه لو أعين على حصول كل ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده ولم يحصل له عبادة لله، فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها إلا بإخلاص الحب لله بحيث يكون الله هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئا لذاته إلا الله.

وهكذا كلما أخلص المرء العبودية لله وجد نفسه، واهتدى إلى سر وجوده، ووجد مع ذلك سعادة روحية لا تدانيها سعادة.. تتمثل فيما سماه الرسول "حلاوة الإيمان".

وإن لهذه الحلاوة لطعما لا يتذوقه إلا من عرف الله، وآثره على كل ما سواه.

قال ابن القيم رحمه الله: "إنه لا شيء أحب إلى القلوب من خالقها وفاطرها، فهو إلهها ومعبودها، ووليها ومولاها، وربها ومدبرها ورازقها ومميتها ومحييها، فمحبته نعيم النفوس، وحياة الأرواح، وسرور النفوس، وقوت القلوب، ونور العقول، وقرة العيون، وعمارة الباطن.

فليس عند القلوب السليمة والأرواح الطيبة، والعقول الزاكية، أحلى ولا ألذ ولا أطيب ولا أسر ولا أنعم من محبته والأنس به والشوق إلى لقائه، والحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه بذلك فوق كل حلاوة والنعيم الذي يحصل له بذلك أتم من كل نعيم، واللذة التي تناله أعلى من كل لذة، كما أخبر بعض الواجدين عن حاله بقوله: إنه ليمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب.

وقال آخر: إنه ليمر بالقلب أوقات يهتز فيها طربا بأنسه بالله وحبه له. وقال آخر: مساكين أهل الغفلة! خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها فقيل له: وما هو؟ قال: محبة الله والأنس به. ومثل هذا ما قاله لآخر: أطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وأطيب ما في الآخرة رؤيته وسماع كلامه بلا واسطة.

وقال آخر ـ من أهل معرفة الله وطاعته ـ : لو علم المملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف!

ووجدان هذه الأمور وذوقها هو بحسب قوة المحبة وضعفها، بحسب إدراك جمال المحبوب والقرب منه، وكلما كانت المحبة أكمل، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر، كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى.

فمن كان بالله سبحانه وأسمائه وصفاته أعرف، وفيه أرغب، وله أحب، وإليه أقرب، وجد من هذه الحلاوة في قلبه ما لا يمكن التعبير عنه، ولا يعرف إلا بالذوق والوجد، ومتى ذاق القلب ذلك لم يمكنه أن يقدم عليه حبا لغيره، ولا أنسا به، وكلما ازداد له حبا ازداد له عبودية وذلا، وخضوعا ورقا له، وحرية عن رق غيره.

فالقلب لا يفلح ولا يصلح ولا ينعم ولا يبتهج ولا يلتذ ولا يطمئن ولا يسكن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه، وكلما تمكنت محبة الله من القلب، وقويت فيه أخرجت منه تألهه لما سواه وعبوديته له:

فأصبح حرا عزة وصيانة على وجهه أنواره وضياؤه

وقال الإمام فخر الدين الرازي:

"اعلم أن من عرف فوائد العبادة طاب له الاشتغال بها، وثقل عليه الاشتغال بغيرها. وبيانه من وجوه:

الأول: أن الكمال محبوب بالذات، وأكمل أحوال الإنسان اشتغاله بعبادة الله، فإنه يستنير قلبه بنور الألهية، ويتشرف لسانه بشرف الذكر والقراءة، وتتجمل أعضاؤه بجمال خدمة الله، وهذه الأحوال أشرف المراتب الإنسانية، والدرجات البشرية، فإذا كان حصول هذه الأحوال أعظم السعادات الإنسانية في الحال، وهي موجبة أيضا لأكمل السعادات في الزمان المستقبل، فمن وقف على هذه الأحوال، زال عنه ثقل الطاعات، وعظمت حلاوتها في قلبه.

الثاني: أن العبادة أمانة، بدليل قوله تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان..) وأداء الأمانة صفة من صفات الكمال محبوبة بالذات، ولأن أداء الأمانة من أحد الجانبين سبب لأداء الأمانة من الجانب الثاني، قال بعض الصحابة: رأيت أعرابيا أتى باب المسجد فنزل عن ناقته وتركها ودخل المسجد، وصلى بالسكينة والوقار ودعا بما شاء، فتعجبنا، فلما خرج لم يجد ناقته، فقال: أديت أمانتك فأين أمانتي؟! قال الراوي: فزدنا تعجبا! فلم يمكث حتى جاء رجل على ناقته.. وسلم الناقة إليه.

قال الرازي: والنكتة أنه لما حفظ أمانة الله حفظ الله أمانته، وهو المراد من قوله عليه السلام لابن عباس: "احفظ الله… يحفظك".

الثالث: أن الاشتغال بالعبادة انتقال من عالم الغرور إلى عالم السرور، ومن الاشتغال بالخلق إلى حضرة الحق، وذلك يوجب كمال اللذة والبهجة.

يحكى عن أبي حنيفة أن حية سقطت من السقف وتفرق الناس، وكان أبو حنيفة في الصلاة ولم يشعر بها، ومن استبعد هذا فليقرأ قوله تعالى ـ في قصة يوسف ـ (فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن). فإن النسوة لما غلب على قلوبهن جمال يوسف عليه السلام، وصلت تلك الغلبة إلى حيث قطعن أيديهن وما شعرن بذلك، فإذا جاز هذا في حق البشر فلأن يجوز عند استيلاء عظمة الله على القلب أولى. ولأن من دخل على ملك مهيب فربما مر به أبواه وبنوه وهو ينظر إليهم ولا يعرفهم، لأن استيلاء هيبة ذلك تمنع القلب عن الشعور بهم، فإذا جاز هذا في حق ملك مخلوق، فلأن يجوز في حق خالق العالم أولى.."

وبهذا نتبين أن الذي يذوق طعم الإيمان الحق، وتزهر في قلبه مصابيح اليقين، لا ينظر إلى العبادة على أنها مجرد خضوع أو "تنفيذ أوامر" فحسب، إنه يجد فيها تلذذا بمناجاة الله وطاعته، والسعي في مرضاته، ويجد فيها سعادة لا تدانيها سعادة أصحاب القصور والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر فريضة الصلاة انتظار الظمآن اللهف إلى شربة الماء العذب الزلال، ويهرع إليها كما يهرع السائر في الصحراء إلى الواحة الخضراء، وكان يقول لبلال ـ في شوق ولهفة ـ إذا حان وقتها: أرحنا بها يا بلال. وقالت زوجه عائشة: كان رسول الله يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة، فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، فلا عجب أن يقول عليه السلام: "جعلت قرة عيني في الصلاة".

إن المؤمن ليجد في عبادة ربه في ساعة الشدة، سكينة لنفسه، وأنسا لوحشته، وانشراحا لصدره، وتخفيفا عن كاهله، كما قال الله تعالى لرسوله: "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون، فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" فدله على العبادة إذا ضاق صدره بأقاويل المتقولين، وأكاذيب المفترين.

وفي ساعة المنحة والنعمة يتذوق المؤمن حلاوة الشكر للمنعم، والحمد لذي الجلال والإكرام، وما أروع خطاب الله لنبيه في مثل هذا الموقف: (إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا).

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:02 am



العبودية لله سبيل الحرية

ب. ثم إن العبودية الخالصة لله هي ـ في واقع الأمر ـ عين الحرية، وسبيل السيادة الحقيقية، فهي ـ وحدها ـ التي تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل والخضوع لكل ما سوى الله من أنواع الآلهة والطواغيت التي تستعبد الناس وتسترقهم أشد ما يكون الاسترقاق والاستعباد، وإن ظهروا ـ صورة وشكلا ـ بمظهر السادة الأحرار!

ذلك أن في قلب الإنسان حاجة ذاتية إلى رب، إلى إله، إلى معبود، يتعلق به، ويسعى إليه، ويعمل على رضاه، فإذا لم يكن هذا المعبود هو الله الواحد الأحد، تخبط في عبادة آلهة شتى وأرباب أخر، مما يرى وما لا يرى، وممن يعقل، وما لا يعقل، ومما هو موجود وما ليس موجود، إلا في الوهم والخيال.

وليس أشرف للإنسان العاقل من أن يعبد من خلقه فسواه فعدله، ويطرح عبادة كل ما سواه ومن سواه.

وليس أجلب لسعادته وسلام ضميره من توجيه همه إلى إله واحد يخصه بالخضوع والحب، فلا تتوزع قلبه الآلهة والأرباب المزيفون (وضرب الله مثلا: رجلا فيه شركاء متشاكسون، ورجلا سلما لرجل، هل يستويان مثلا؟).

فالعبد السالم لسيد واحد قد استراح، إذ عرف ما يرضي سيده فأداه بارتياح وانشراح، أما العبد الذي يملكه شركاء متشاكسون يأمره أحدهم بعكس ما يأمره غيره، فما أتعسه وما أشقاه!!

يقول ابن تيمية:

"وكل من استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره، فإن الإنسان حساس يتحرك بالإرادة. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أصدق الأسماء حارث وهمام" فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمام: فعال من الهم، والهم أول الإرادة، فالإنسان له إرادة دائما. وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب: إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما يتخذه إلها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والأوثان، وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أربابا، أو غير ذلك مما عبد من دون الله.

وإذا كان عبدا لغير الله يكون مشركا، وكل مستكبر فهو مشرك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارا عن عبادة الله، وكان مشركا. قال تعالى: (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (يعني فرعون) إلى قوله: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار).

وقد وصف فرعون بالشرك في قوله: (وقال الملأ من قوم فرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟!).

بل الاستقراء يدل على أنه كلما كان الرجل أعظم استكبارا عن عبادة الله. كان أعظم إشراكا بالله، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرا وحاجة إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول، فيكون مشركا بما استعبده من ذلك.

"ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه الرب ويكرهه، ولا يوالي إلا من والاه الله، ولا يعادي إلا من عاداه الله، ولا يحب إلا لله ولا يبغض شيئا إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله.

فكلما قوي إخلاص دينه لله، كملت عبوديته واستغناءه عن المخلوقات، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك".


العبادة ابتلاء إلهي يصقل الإنسان

ج. والحياة التي نحياها هذه ـ طالت أو قصرت ـ ليست هي الغاية ولا إليها المنتهى، وما هي إلا محطة انتقال إلى حياة أخرى ودار أخرى حياة البقاء، ودار الخلود، وفي بعض الآثار: (إنكم خلقتم للأبد، وإنما تنتقلون من دار إلى دار) وقال الشاعر:

وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي

فالمعول عليه إذن إنما هو الدار الأخرى (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون).

والإنسان في هذه الدار الفانية إنما يستصلح لتلك الدار الباقية، يستخلفه الله هنا ليعد ويصقل للخلود هناك، ولا شيء يصقله ويهذبه ويعده مثل الابتلاء، فهو البوتقة التي تصهر فيها النفس ويصفو الروح.

فقد شاء الله أن يخلق الإنسان نوعا متميزا على غيره، بما ركب فيه من عناصر مزدوجة، يمكن أن تصعد به إلى السماء، وأن يهبط بها إلى الأرض، ففيه الغريزة والشهوة، وفيه العقل والإرادة، فيه المادة، وفيه الروح، وقد دل هذا الخلق على أن الإنسان مسؤول ومبتلى، وهذا هو السر في استعداده لحمل المسئولية، وأمانة التكاليف الإلهية التي عبر عنها القرآن تعبيرا بديعا فقال: (إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان).

لقد كان ما أوتي الإنسان من عقل وإرادة وضمير واستطاعة، وما يسر له من أسباب، نعمة عليه أي نعمة، وتكريما له أي تكريم، ولكنها كانت تحمل في طيها ابتلاء له أي ابتلاء: أيشكر أم يكفر؟ أيطيع ربه أم يتمرد عليه؟

وهكذا ذكر القرآن الكريم أن الله سبحانه إنما خلق السموات والأرض، وخلق الموت والحياة، وزين الأرض بما عليها، ليبتلي عباده ويمتحنهم ـ وهو بهم أعلم ـ ليظهر من يريده ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا وزينتها، قال تعالى: (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا).

(تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا).

(إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوكم أيهم أحسن عملا).

(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه).

إن هذه الحياة الدنيا لا تعطي حصادها إلا لمن يزرعون، ولا جناها إلا لمن يغرسون، ولا ينال المرء فيها ما يحب إلا بصبره على ما يكره، ولا يتحقق له أمل يصبو إليه إلا بعد أن يجتاز امتحانات عسيرة، ويتحمل مشقات شديدة، ولذلك لا يطمع في إدراك المعالي وتحقيق الآمال الكبيرة إلا أولو العزم وأصحاب النفوس الكبيرة، وفي هذا يقول المتنبي:

ذريني أنل ما لا ينال من العلا فصعب العلا في الصعب والسهل في السهل

تريدين إدراك المعالي رخيصة ولا بد دون الشهد من إبر النحل!

هذا شأن حياتنا هذه القصيرة، فكيف بحياة الخلود؟ أيريد الإنسان أن يحظى بنعيمها ورضوان الله فيها، ويسعد بالنظر إلى وجهه الكريم، دون جهد ولا ابتلاء ودون أن يسعى لها سعيها؟ إذن يستوي القاعدون والمجاهدون يستوي الكسالى والعاملون، يستوي الطالحون والصالحون، وهم في عدالة الله لا يستوون!!

لقد عرفنا من عدالة السنن الإلهية في الكون أن الشيء النفيس لا يدرك إلا بجهد كبير، وكلما كانت نفاسته أظهر، احتاج إلى جهد أكبر، فهل هناك شيء أنفس وأعظم من الآخرة الباقية، من الحياة الأبدية، من رضوان الله تعالى؟ لا والله، ولهذا حفت الجنة بالمكاره، وملئ طريقها بأشواك الابتلاء.

ومن هنا قال الإنجيل: "ما أضيق الطريق الذي يؤدي إلى الحياة الأبدية!" وما ضيقه إلا تكاليف العبودية والتزامات الإيمان.

وقال القرآن العظيم: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؟).


العبادة حق الله على عباده

د. والعبادة ـ فوق ذلك كله ـ هي حق الخالق ـ جل شأنه ـ على خلقه.

وفي ذلك روى البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا".

وليس بمستنكر أن يكون لله علينا حق عبادته وحده سبحانه، بل المستنكر أن يكون غير هذا، المستنكر أن نعبد ما دون الله أو من دون الله، فنؤدي الحق لغير أهله، أو نزعم لأنفسنا الاستقلال عن الله فنجحد عبوديتنا له بغير حق.

إننا لم نكن شيئا مذكورا ثم كنا: خرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود، ثم كنا نوعا مكرما من الخليقة: خلقنا في أحسن تقويم، وصورنا في أحسن صورة، وعلمنا البيان، وأوتينا العقل والإرادة، وسخرت الكائنات حولنا لخدمتنا: الأرض لنا مهاد وفراش، والسماء لنا سقف وبناء، والشمس تمدنا بالضوء والحرارة، والكواكب تهدينا وتزين سقفنا، والبحار تجري فيها سفائننا بأرزاقنا، والماء ينزل من السماء ليكون لنا شرابا طهورا، ونسقي منه أنعاما وأناسي كثيرا.

ترى من الذي فعل ذلك كله؟ أما نحن فلم نخلق أنفسنا ولم نصنع ذرة مما حولنا، ولم يدع بشر ولا جن ولا ملاك: أنه صانع ذلك ومدبره، فمن هو صاحب العلم الواسع والحكمة البالغة والقدرة القاهرة والإرادة الفعالة، الذي صنع هذا الكون الدقيق فأحكمه، ورتبه فأحسنه؟ والذي خلق الإنسان فأحسن خلقه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليه النعم ظاهرة وباطنة؟

إنه الله الذي شهدت بربوبيته الفطر السليمة، وأقرت بوجوده وكماله ووحدانيته العقول النيرة (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله، قل أفلا تذكرون؟ قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم؟ سيقولون لله، قل أفلا تتقون؟ قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون؟ سيقولون لله، قل فأنى تسحرون).

(قل: من يرزقكم من السماء والأرض؟ أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون: الله، فقل، أفلا تتقون؟ فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون؟).

فلا عجب أن يكون لهذا الخالق المنعم حق العبادة والاستعانة به والابتهال إليه، والوقوف ببابه الكريم موقف الضراعة والتسليم والانقياد (سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى).

(يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون).

هذه العبادة إذن هي حق الربوبية على العبودية، حق الخالق على اللق، حق الكريم الذي أحسن وأنعم على من أحسن إليه وأنعم عليه.

ألا إن من كنود الإنسان لربه، وظلمه لنفسه، أن يشكر للخلق ولا يشكر للخالق، وأن يأسره إحسان من يحسن إليه من الناس ولا يأسره إحسان الله إليه، وهو يغمره من قرنه إلى قدمه، من يوم أن كان نطفة فعلقة فمضغة، إلى ما شاء الله من أطوار الحياة! واقرأ إن شئت قول الله تعالى: "الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم الليل والنهار، وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار).

وظلم الإنسان وكفرانه هو الذي عجب منه ربنا في الحديث القدسي:

"إني والجن والإنس في نبأ عظيم: أخلق ويعبد غيري! وأرزق ويشكر سواي! خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد! أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، فيتعرضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي!!".

فالله الخالق المنعم هو المستحق للعبادة وحده، أما من دون الله فلا يستحقون عبادة الإنسان وهم مثله مخلوقون مرزوقون مربوبون!! ولهذا قال ابن سيده فيما نقلناه في أول الكتاب: "العبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم كالحياة والفهم والسمع والبصر، لأن أقل القليل من العبادة يكبر عن أن يستحقه إلا من كان له أعلى جنس من النعمة (وهو الله) فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله.

وبهذا كله نعلم أن العبادة مطلوبة في الدين طلب الغايات والمقاصد، لا طلب الأدوات والوسائل، أعني أنها من الدرجة الأولى: امتثال لأمر الله ووفاء بحقه سبحانه، فهي مطلوبة لذاتها، قبل أي شيء آخر في هذه الحياة.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:03 am

العبادة طلبا للثواب وخوفا من العقاب

طمعا في ثوابه وخوفا من عقابه؟ وبعبارة هل يجوز أن يعبد الله أخرى: طلبا لجنته، وهربا من ناره؟

لقد شنع الصوفية على من عبد الله بهذا القصد، وقالوا: لا ينبغي للعابد أن يعبد الله ويقوم بأمره ونهيه، خوفا من عقابه أو طمعا في ثوابه، فإن مثل هذا العابد واقف مع غرضه وحظ نفسه، ومحبة الله حقا تأبى ذلك وتنافيه، فإن المحب لا حظ له مع محبوبه، فوقوفه مع حظه علة في محبته، كما أن طمعه في الثواب تطلع إلى أنه يستحق بعمله على الله تعالى أجرة، وفي هذا آفتان: تطلعه إلى الأجرة، وإحسان ظنه بعمله، ولا يخلصه من ذلك إلا تجريد العبادة والقيام بالأمر والنهي من كل علة، بل يقوم به تعظيما للآمر الناهي، وأنه أهل أن يعبد وتعظم حرماته، فهو يستحق العبادة والتعظيم والإجلال لذاته، كما في الأثر الإلهي: "لو لم أخلق جنة ولا نارا، أما كنت أهلا أن أعبد؟" ومنه قول القائل:

هب البعث لم تأتنا رسله وجاحمة النار لم تضرم

أليس من الواجب المستحق ثناء العباد على المنعم؟

فالنفوس الزكية العلية تعبده، لأنه أهل أن يعبد، ويجل ويحب ويعظم، فهو لذاته مستحق للعبادة، قالوا: ولا يكون العبد مع ربه، كأجير السوء: إن أعطي أجره عمل، وإن لم يعط لم يعمل، فهذا عبد الأجرة، لا عبد المحبة والإرادة.

ولهذا يرون عن رابعة الأبيات المشهورة:

كلهم يعبدون من خوف نار ويرون النجاة حظا جزيلا

أو بأن يدخلوا الجنان فيحظوا بنعيم ويشربوا سلسبيلا

ليس لي في الجنان والنار حظ أنا لا أبتغي بحبي بديلا

ومن علماء المسلمين من رد هذا الكلام، واعتبره من شطحات القوم ورعوناتهم، ولم ير أي حرج أو نقص في عبادة الله خوفا وطمعا، ورغبا ورهبا، واحتج هؤلاء العلماء بأحوال الأنبياء والرسل والصديقين والصالحين، ودعائهم والثناء عليهم ـ في كتاب الله ـ بخوفهم من النار، ورجائهم للجنة. كما قال تعالى في خواص عباده الذين عبدهم المشركون ودعوهم من دون الله أو مع الله: (أولئك الذين يدعون، يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا).

وذكر سبحانه عباده الذين شرفهم بالإضافة إلى اسمه "الرحمن" فسماهم "عباد الرحمن" وأثنى عليهم بأحسن أعمالهم، فجعل منها: استعاذتهم به من النار، فقال تعالى: (والذين يقولون: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقرا ومقاما).

وأخبر عنهم أنهم توسلوا إليه بإيمانهم أن ينجيهم من النار، فقال تعالى: (الذين يقولون: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار) فجعلوا أعظم وسائلهم إليه، وسيلة الإيمان، أن ينجيهم من النار.

وأخبر تعالى عن سادات العارفين أولي الألباب: أنهم كانوا يسألونه جنته، ويتعوذون به من ناره، فقال تعالى: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب، الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلا، سبحانك، فقنا عذاب النار، ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار، ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، فاستجاب لهم ربهم: إني لا أضيع عمل عامل منكم.. الآية).

ولا خلاف أن الموعود به على ألسنة رسله هو الجنة التي سألوها.

وقال عن حليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين. رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لأبي إنه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون).

فسأل الله الجنة واستعاذ به من النار وهو الخزي يوم البعث.

وأخبرنا سبحانه عن الجنة: أنها كانت وعدا عليه مسئولا، أي يسأله إياها عباده وأولياؤه.

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يسألوا له في وقت الإجابة ـ عقيب الآذان ـ أعلى منزلة في الجنة، وأخبر أن من سألها له حلت عليه شفاعته.

وقال له سليم الأنصاري: "أما إني أسأل الله الجنة، وأستعيذ به من النار، لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ! فقال صلى الله عليه وسلم: "أنا ومعاذ حولها ندندن!".

وفي الصحيح، في حديث الملائكة السيارة: أن الله تعالى يسألهم عن عباده، وهو أعلم بهم، فيقولون: أتيناك من عند عبادك يهللونك ويكبرونك ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول عز وجل: وهل رأوني؟ فيقولون: لا، يا رب، ما رأوك، فيقول عز وجل: كيف لو رأوني؟! فيقولون: لو رأوك لكانوا لك أشد تمجيدا، قالوا: يا رب، ويسألونك جنتك، فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا، وعزتك ما رأوها. فيقول: كيف لو رأوها؟! فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد منها هربا، فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا وأعذتهم مما استعاذوا.

والقرآن والسنة مملوءان من الثناء على عباده ـ تعالى ـ وأوليائه بسؤال الجنة ودرجاتها، والاستعاذة من النار والخوف منها.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "استعيذوا بالله من النار" وقال لمن سأله مرافقته في الجنة: "أعني على نفسك بكثرة السجود".

قالوا: والعمل على طلب الجنة والنجاة من النار، مقصود الشارع من أمته، ليكونا دائما على ذكر منهم، فلا ينسونهما، ولأن الإيمان بهما شرط في النجاة، والعمل على حصول الجنة والنجاة من النار، هو محض الإيمان.

وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته على طلب الجنة، فوصفها وجلاها لهم ليخطبوها، وقال: ألا مشمر للجنة؟ فإنها ـ ورب الكعبة ـ نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وزوجة حسناء، وفاكهة نضيجة، وقصر مشيد، ونهر مطرد… الحديث. فقال الصحابة: يا رسول الله، نحن المشمرون لها. فقال: قولوا، إن شاء الله.

ولو ذهبنا نذكر ما في السنة من قوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل كذا وكذا أدخله الله الجنة" تحريضا على عمله لها، وأن تكون هي الباعثة على العمل، لطال ذلك جدا، وذلك في جميع الأعمال.

فكيف يكون العمل لأجل الثواب وخوف العقاب معلولا، والرسول صلى الله عليه وسلم يحرض عليه؟! قالوا: وأيضا، فالله سبحانه يحب من عباده أن يسألوه جنته، ويستعيذوا به من ناره، فإنه يحب أن يسأل، ومن لم يسأله يغضب عليه، وأعظم ما سئل "الجنة" وأعظم ما استعيذ به من "النار".

قالوا: وإذا خلا القلب من ملاحظة الجنة والنار، ورجاء هذه، والهرب من هذه، فترت عزائمه، وضعفت همته، ووهى باعته، وكلما كان أشد طلبا للجنة وعملا لها، كان الباعث له أقوى، والهمة أشد، والسعي أتم، وهذا أمر معلوم بالذوق.

قالوا: ولو لم يكن هذا مطلوبا للشارع، لما وصف الجنة للعباد، وزينها لهم، وعرضها عليهم، وأخبرهم عن تفاصيل ما تصل إليه عقولهم منها، وما عداه أخبرهم به مجملا، تشويقا لهم إليها، وحثا لهم على أن يسعوا لها سعيها.

على أن الإمام ابن القيم وقف موقفا وسطا بين الصوفية وبين من رد عليهم وخطأهم من علماء الأمة فقال، بعد أن حكى قول أولئك ورد هؤلاء:

"والتحقيق أن يقال: الجنة ليست اسما لمجرد الأشجار والفواكه، والطعام والشراب، والحور العين، والأنهار والقصور، وأكثر الناس يغلطون في مسمى الجنة، فإن الجنة اسم لدار النعيم المطلق الكامل. ومن أعظم نعيم الجنة: التمتع بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فلا نسبة للذة ما فيها من المأكول والمشروب والملبوس والصور إلى هذه اللذة أبدا. فأيسر يسير من رضوانه أكبر من الجنان وما فيها من ذلك، كما قال تعالى (ورضوان من الله أكبر) وأتى به منكرا في سياق الإثبات، أي أي شيء كان من رضاه عن عبده فهو أكبر من الجنة".

قليل منك يكفيني، ولكن قليلك لا يقال لهقليل

وفي الحديث الصحيح ـ حديث الرؤية ـ "فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إلى وجهه" وفي حديث آخر: "أنه سبحانه إذا تجلى لهم، ورأوا وجهه عيانا، نسوا ما هم فيه من النعيم، وذهلوا عنه ولم يلتفتوا إليه".

قال ابن القيم: ولا ريب أن الأمر هكذا، وهو أجل مما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، ولا سيما عند فوز المحبين هناك بمعية المحبة، فإن المرء مع من أحب، فأي نعيم، وأي لذة، وأي قرة عين، وأي فوز، يداني نعيم تلك المعية ولذتها وقرة العين بها؟

وهذا والله هو العلم الذي شمر إليه المحبون، واللواء الذي أمه العارفون، وهو روح مسمى الجنة وحياتها، وبه طابت الجنة، وعليه قامت.

فكيف يقال: لا يعبد الله، طلبا لجنته، ولا خوفا من ناره؟

وكذلك النار أعاذنا الله منها، فإن لأربابها من عذاب الحجاب عن الله وإهانته، وغضبه وسخطه، والبعد عنه، أعظم من التهاب النار في أجسامهم.

فمطلوب الأنبياء والمرسلين والصديقين والشهداء والصالحين هو: الجنة، ومهربهم: من النار.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:08 am

الإصلاح الإسلامي في مجال العبادة

تمهيد

إن لعنة الجاهلية لم تدع شيئا دون أن تصيبه بالعقم والفساد. أفسدت العقائد والأفكار، وأفسدت العبادات والشعائر، وأفسدت الأخلاق والآداب، وأفسدت النظم والتقاليد، وأفسدت الحياة كلها، ولم يبق شيء من دين الله المنزل على أنبيائه إلا ناله رذاذ من هذا الشر المستطير.

وحينما أراد الله أن يبعث خاتم رسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، كان في العالم ألوان من الشعائر والعبادات، بعضها بقايا أديان سماوية قديمة، وبعضها إضافات، وابتداعات أرضية جديدة، بعضها مسخت صورته ومعناه، وبعضها بقيت صورته، وإن مسخ معناه، فلم يعد يوجه إلى مستحقه وهو الله وإنما يتوجه به العابدون إلى إله أو آلهة أو سماسرة آلهة في الأرض أو في السماء!

أديان بلغت في الرسوم والشكليات ففقدت الروح والإخلاص، وأديان تحررت من كل رسم وشكل، ففقدت معنى التعبد والابتلاء.

أديان تشددت وتعنتت وتزمتت حتى لكأنها إصر وأغلال، وأخرى ترخصت وغلت في الترخص، حتى لكأنها لهو ولعب.

وجاء الإسلام، فلم يمل مع الغالين، ولم ينحرف إلى المقصرين، بل شرعه الله "دينا قيما" لا عوج فيه، ولا غلو ولا تقصير، بل كان كما خاطب الله رسوله: (قل: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين. قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء).

أجل، جاء الإسلام بعدة توجيهات ومبادئ إصلاحية كانت هي حجارة الأساس، التي يقوم عليها صرح العبادة الشعائرية في الإسلام، ونحن نذكرها فيما يلي من الصحائف.

لا يعبد إلا الله

* مقدمة



* لا تتخذوا القبور مساجد

* دعوة الإسلام إلى عبادة الله وحده



* لا ذبح ولا نذر إلا لله

* سد الذرائع المفضية إلى الشرك



*

أوثان جديدة يجب الحذر منها

مقدمة

منذ أكثر من ألفي سنة قال المؤرخ اليوناني المشهور بلوتارك بعد فحص واستقراء: "من الممكن أن نجد مدنا بلا أسوار، ولا ملوك ولا ثروة، ولا آداب ولا مسارح، لكن لم ير إنسان قط مدينة بلا معبد، أو لا يمارس أهلها العبادة".

وما سجل التاريخ هذه الحقيقة إلا لأن الاتجاه إلى الخالق الأعلى مركوز في الفطرة البشرية، نابع من أعماق النفس، غير أن هذا الشعور الأصيل كثيرا ما أخطأ الطريق إلى معبوده الحق "الله جل جلاله" وجرفته تيارات الجهل أو الغفلة أو التضليل، فعبد غير الله، أو عبد معه آلهة شتى، أو عبده بغير ما شرعه ورضيه من صور التعبد.

ولذا كانت مهمة الرسل أن يوجهوا الفطرة وجهتها السليمة إلى الله، وأن يحفظوا ذلك الشعور الأصيل من الانحراف، حتى لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يشرك به شيئا، ولا يتخذ بعض المخلوقات أربابا من دونه.

وفي الفترات التي طال فيها الأمد على دعوة الرسل فنسيت أو حرفت، ضل الناس وعبدوا أنواعا من الآلهة لا يكاد العقل يصدقها.

فهناك قوم عبدوا الشمس، كما حكى القرآن عن ملكة سبأ وقومها على لسان هدهد سليمان: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون).

ومنهم من عبد القمر والكواكب، كقوم إبراهيم ومن بعدهم من الصابئة.

ومنهم من عبد النار كالمجوس، الذين بنوا لها البيوت الكثيرة، ووقفوا لها الأوقاف، واتخذوا لها السدنة والحجاب، فلا يدعونها تخمد لحظة واحدة.

ومن عبادتهم لها: أن يحفروا لها أخدودا مربعا في الأرض ويطوفون به. وهم أصناف مختلفة:

فمنهم من يحرم إلقاء النفوس فيها وإحراق الأبدان بها، وهم أكثر المجوس.

وطائفة أخرى منهم تبلغ بهم عبادتهم لها أن يقربوا أنفسهم وأولادهم لها!!

وهناك طائفة عكس هؤلاء عبدوا الماء من دون الله وتسمى (الحلبانية) وتزعم أن الماء لما كان أصل كل شيء، وبه كل ولادة ونمو ونشوء وطهارة وعمارة، كان حقه أن يعبد.

وهناك طوائف كثيرة عبدوا الحيوانات: فطائفة عبدت الخيل، وطائفة عبدت البقر (كقدماء المصريين قديما الذين عبدوا عجل أبيس، وكالهندوس حتى اليوم).

وهناك طائفة عبدت البشر الأحياء والأموات.

وطائفة عبدت الشجر، وطائفة عبدت الجن كما قال تعالى: (بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون).

وهناك من عبد الأصنام والأوثان، وهذا داء قديم منذ عهد قوم نوح الذين اتخذوا من دون الله ردا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وقد روى ابن عباس أنها كانت في الأصل صورا لبعض موتاهم الصالحين اتخذوها لتذكرهم بهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوها.

وفي بلاد كالهند، قد بلغت الوثنية أوجها في القرن السادس الميلادي، وأصبح عدد الآلهة في هذا القرن 330 مليون. وقد أصبح كل شيء رائع، وكل شيء جذاب، وكل مرفق من مرافق الحياة، إليها يعبده الناس! وهكذا جاوزت الأصنام والتماثيل والآلهة والإلهات الحصر، وأربت على العد.

وكانت عبادة الأصنام قد انتشرت في ديار العرب قبل الإسلام انتشارا ذريعا، قال ابن اسحاق: واتخذ إله كل دار في دارهم صنما يعبدونه، فإذا أراد رجل منهم سفرا تمسح به، وإذا قدم من سفر تمسح به، فيكون آخر عهده به وأول عهده به.

وقال أبو رجاء العطاردي: كنا نعيد الحجر في الجاهلية فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه نلقي ذلك ونأخذه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه، ثم طفنا به.

وكذلك قال عمرو بن عبسة: "كنت امرءا ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله، فيخرج الرجل منهم، فيأتي بأربعة أحجار فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلها يعبده، ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل، فيعتزله ويأخذ غيره"!!

ترى أي هوان أصاب الإنسان وأي ضلال لحقه حتى ركب هذه الأضاليل؟

ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما، فجعل يطعن بسيفه في وجوهها وعيونها ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) وهي تتساقط على رؤوسها، ثم أمر بها فأخرجت من المسجد وحرقت.

حتى القوم الذين كانوا قريبي العهد بالكتب السماوية والنبوات الهادية ـ وهم اليهود والنصارى ـ ضلوا طريق التوحيد، وزحفت عليهم الوثنيات، فأفسدت عليهم دينهم.

فاليهود فسد تصورهم للألوهية، ونسبوا إلى الله ما لا يجوز أن ينسب إليه من صفات النقص، فهو تعالى عما يقولون ـ يجهل ويندم ويتعب ويصارع ويصرع ـ إلى آخر ما في أسفار العهد القديم.

والنصارى غزتهم الوثنية، فتسرب دين المسيح من بين أيديهم، كما يتسرب الماء من بين الأصابع! والمؤسف حقا أن ديانة المسيح الحقة لم تكد تعيش على سلامتها وتوحيدها إلا فترة قصيرة جدا، ثم رزئ تاريخها برجلين حرفاها شر تحريف: أحدهما: رجل دين والثاني رجل ملك.

فالأول: هو سانت "بولس" الذي طمس معالمها، وأطفأ نور التوحيد فيها، وطعمها بخرافات الجاهلية التي انتقل منها، والوثنية التي تأثر بها.

والثاني: هو الملك قسطنطين الذي قضى على البقية الباقية ـ فقد جمع الأساقفة والبطارقة ليتناظروا ويخلصوا إلى عقيدة يتفقون عليها، وقد انتهوا إلى تلك العقيدة العجيبة: الإيمان بالله الواحد الأب، وبالرب يسوع المسيح ابن الله! إله حق من إله حق! تجسد من روح القدس وصار إنسانا وحمل به ثم ولد من مريم البتول، والم وشج وقتل وصلب ودفن الخ.

وهكذا أصبحت النصرانية مزيجا من الخرافات اليونانية والوثنية الرومية والأفلاطونية المصرية.

والمهم أن القوم عبدوا المسيح الذي كان من أشد الناس عبادة لله، واعترافا بعبوديته لربه! واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله. وأسرف المسيحيون في عبادة القديسين والصور المسيحية، كما يقول "سيل" ـ مترجم القرآن إلى الإنجليزية ـ عن نصارى القرن السادس.

إلى الأعلى

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:09 am


دعوة الإسلام إلى عبادة الله وحده

ذلك هو الشرك الذي طم سيله في الآفاق قبل الإسلام، وتلك هي الوثنية الجاهلية التي سادت العالم القديم، فماذا كان موقف الإسلام من الشرك بكل مظاهره وأنواعه؟

لقد جاء الإسلام يدعو إلى عبادة الله وحده، ونبذ عبادة كل ما سواه ومن سواه من الآلهة المزعومين، والأرباب المزيفين، سواء كانوا من البشر أم من الجن أم أي عالم من عوالم المخلوقات العلوية والسفلية، إن روح الإسلام هو التوحيد، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، الذي هو إفراد الله بالعبادة ـ وأن عنوان الإسلام هو تلك الكلمة العظيمة التي هي أفضل ما قاله محمد والنبيون من قبله "لا إله إلا الله" إحدى كلمتي الشهادة في الإسلام.

إن سر الإسلام ـ على سعة تعاليمه ـ يتجلى في دستوره الخالد: القرآن الكريم، وسر هذا الدستور يتركز في فاتحته: أم القرآن والسبع المثاني، وسر هذه الفاتحة يتلخص في هذه الآية الكريمة: (إياك نعبد وإياك نستعين): أي لا نعبد شيئا ولا أحدا غيرك، ولا نستعين بكائن سواك.


إن أول وصية في القرآن، وأول مبدأ يبايع عليه الرسول كل من اعتنق دينه أن (اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا).

وأول ما دعا إليه رسول الإسلام ملوك الأرض وأمراءها هو هذه القضية الكبرى: أن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن تطرح الآلهة والأرباب التي اتخذها الناس من دون الله، فأذلوا أنفسهم لمن لا يستحق الذل والخضوع.

ومن هنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يختم رسائله إلى قيصر والنجاشي، وغيرهما من أصحاب الملك والإمارة بهذه الآية الكريمة من سورة آل عمران: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون).

بل أكد القرآن أن هذه الدعوة هي دعوة الرسل جميعا، فكلهم دعا قومه إلى عبادة الله وحده، واجتناب عبادة الطاغوت، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، فهما مبعودان لا ثالث لهما: إما الله وإما الطاغوت. ومن استكبر عن عبادة الله سقط ـ حتما ـ في عبادة الطاغوت.

قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت).

وقال سبحانه مخاطبا خاتم رسله محمدا صلى الله عليه وسلم: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه: أنه لا إله إلا أنا فاعبدون).

شدد الإسلام حملته على الشرك، وقعد له كل مرصد، وحاربه بكل سلاح، وقرر أنه الإثم العظيم، والضلال البعيد، والجرم الأكبر، والذنب الذي لا يغتفر. (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله، فقد افترى إثما عظيما) (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا).

وفي الصحيح: "من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار"، "ومن لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار".

كل ذنب يمكن أن يغفره الله بفضله وكرمه، ويمكن أن يقبل فيه شفاعة الشافعين، إلا الإشراك بالله تعالى.

في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا، لاتيتك بقرابها مغفرة!".

ففي هذه الآيات والأحاديث أن أهل التوحيد الخالص ـ الذي لا يشرك صاحبه بالله شيئا أي شيء ـ يعفى لهم ما لا يعفى لغيرهم، لأن التوحيد المحض يحرق الذنوب والخطايا وإن كانت مثل زبد البحر، كما أن الشرك يمحق الحسنات وإن كانت عدد الرمل.

لقد كان الإسلام على الحق ـ كل الحق ـ حين وقف موقفة الصارم من الشرك بكل أنواعه. وحرم ـ أشد التحريم ـ أو توجه العبادة إلى غير الله جل ثناؤه.

فالعبادة ـ كما قال ابن سيده ـ نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أجناس النعم، كالحياة والفهم والسمع والبصر، لأن أقل القليل من العبادة يكبر عن أن يستحقه إلا من كان له أعلى جنس من النعمة، ألا وهو الله سبحانه، فلذلك لا يستحق العبادة إلا الله.

وقال الإمام الرازي:

إن العبادة عبارة عن نهاية التعظيم، وهي لا تليق إلا بمن صدر عنه غاية الإنعام، وأعظم وجوه الإنعام: الحياة التي تفيد المكنة من الانتفاع، وإليها الإشارة بقوله تعالى: (وقد خلقتك من قل وإن لم تك شيئا) وقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم..؟ الآية). وخلق ما ينتفع به من الأشياء وإليها الإشارة بقوله تعالى: (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا).

ومثله قوله سبحانه: (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة).

والحقيقة التي لا ريب فيها أن النعم التي تحيط بالإنسان في كل أطوار حياته، وتغمره من قرنه إلى قدمه، إنما هي من عند الله، كما قال سبحانه: (وما بكم من نعمة فمن الله).

يقول ابن القيم في "شفاء العليل":

"الرب تبارك اسمه، وتعالى جده ولا إله غيره ـ هو المنعم على الحقيقة بصنوف النعم، التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه. فإيجادهم نعمة منه.. وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه.. وإعطاؤهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه.. وإدرار الأرزاق عليهم ـ على اختلاف أنواعها وأصنافها ـ نعمة منه.. وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه.. وإجراء ذكره على ألسنتهم، ومحبته ومعرفته على قلوبهم، نعمة منه.. وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه.. وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه.. وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعايشهم نعمة منه.. وذكر نعمه تعالى على سبيل التفضيل لا سبيل إليه ولا قدرة للبشر عليه".

فلهذا كان هو وحده الجدير بأن يعبد، ولا يشرك معه أحد ولا شيء في الأرض أو في السماء.

لم يكن الإسلام متعنتا ولا متزمتا إذن، حين قاوم الشرك إلى هذه الدرجة. فالشرك ـ في الحقيقة ـ هوان لا يليق بكرامة الإنسان، وأي هوان يصيب الإنسان أشد من هذا الشرك الذي يسخر الإنسان المكرم للحيوان والجماد، ويخيفه مما لا يخاف، ويرجيه فيما لا يرجى؟!

ثم إن الشرك ـ فضلا عما فيه من انحطاط وقذارة وهوان بالإنسان ـ هو كذب على الحقيقة، وتزوير على الواقع، وصدق الله: إذ يقول: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان، اجتنبوا قول الزور، حنفاء لله غير مشركين به، ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).

أعلن الإسلام الحرب على هذا الشرك الضال المضل بكل ألوانه وأصنافه، ورفع من قيمة الإنسان، وأعلن أنه المخلوق المكرم المفضل المستخلف لله في الأرض، المصور في أحسن صورة وأحسن تقويم.

(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر) (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة) (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) (وصوركم فأحسن صوركم) (علم الإنسان ما لم يعلم) (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه).

فكيف يسجد الإنسان لهذه المخلوقات وهي له مسخرة، وفي مصلحته وخدمته مذللة؟ وكيف يسجد لها وقد سجدت الملائكة بأمر الله تحية له واحتفاء به (إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس).

أعلن الإسلام أنه ليس في العالم المخلوق شيء يستحق أن يسجد له الإنسان أو يتضرع إليه أو يرجوه أو يخشاه!

فالملائكة عباد لله خاشعون خاضعون (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون) (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون).

والبشر ـ وإن علا سلطانهم، أو عظم قدرهم، أنبياء كانوا أو سلاطين، هم أيضا عباد لله، لا يملكون لأنفسهم، فضلا عن غيرهم، ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.

والعبودية هي الوصف اللازم لهم جميعا (إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبدا، لقد أحصاهم وعدهم عدا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا).

والشمس والقمر والنجوم إن هي إلا كواكب مسخرات بأمره تعالى، لا يجوز أن ينحني صلب من أجلها راكعا، أو يخر وجه من أجلها ساجدا (ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون).

وكل ما يدعى من دون الله في الأرض أو السماء، هو مخلوق عاجز لا قدرة له، محتاج لا قيام له بذاته، ضعيف لا يقوى على حماية نفسه بله غيره (يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره، إن الله لقوي عزيز) (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا).

(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين).

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:12 am

سد الذرائع المفضية إلى الشرك

وقد احتاط الإسلام كل الاحتياط، فسد كل ذريعة تفضي إلى الشرك أو مشابهة المشركين.

فنجد نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يرفض في شدة وصراحة كل مبالغة في تعظيمه تظهره في غير مظهر العبودية لله، التي لا يفخر بغيرها، فيقول لأصحابه " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وقولوا: عبد الله ورسوله" متفق عليه.

وروى النسائي عن ابن عباس: أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده.

وروى الطبراني: أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله".

وهكذا علمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطوا كل ذي حق حقه، فالعبد عبد والرب رب.

وروى النسائي عن أنس بسند جيد ـ أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا، وابن سيدنا، فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل". وفي رواية أنه قال لهم "السيد الله تبارك وتعالى".

إن الجماهير دائما تميل إلى الغلو في تعظيم القادة، بعضهم عن إخلاص، وبعضهم عن ملق، فكيف إذا كان القائد نبيا؟ وكيف إذا كان سيد النبيين؟!

ولكن النبي لقنهم درسا ألا يتجاوزوا به حد العبودية: "أنا محمد بن عبد الله ورسوله".

كما علمهم أن يعلنوا ل يوم تسع مرات، في الصلوات المفروضة، فضلا عن السنن والنوافل كلما جلسوا للتشهد: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله".


لا تتخذوا القبور مساجد

إن الغلو في تعظيم الصالحين والقديسين في حياتهم، والتبرك بآثارهم وقبورهم بعد مماتهم، هما أوسع أبواب الشرك بالله، وقد سدهما النبي صلى الله عليه وسلم سدا منيعا، فلم يقر أحدا على الغلو في تعظيمه حيا أو تعظيم قبره ميتا، بل دعا ربه فقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

وعن علي بن الحسين ـ زين العابدين ـ رضي الله عنهما: أنه رأى رجلا يجئ إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: "ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم ليبلغني إينما كنتم".

وفي الصحيح عن عائشة: أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله".

فهؤلاء ـ كما قال العلماء ـ جمعوا بين فتنة القبور، وفتنة التماثيل.

وروى الشيخان عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم (وهو في اللحظات الأخيرة له يودع الدنيا ويستقبل الآخرة) كان يقول: لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.

وكل هذا احتياط من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، فالقليل يجر إلى الكثير، والصغير يدفع إلى الكبير، فربما تدرج بهم الأمر إلى تلك القبور فعظموها مع الله، وأصبحت شبيهة بالأصنام تبركا وتمسحا بها، وطوافا حولها، وتقبيلا لجوانبها، والتماسا للبركات عندها أو منها، كما يفعل ذلك اليوم بعض الضالين من المسلمين، ويعتذر لهم بعض الخادعين أو المخدوعين.

وقد روى أهل العلم في أصنام قوم نوح "ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر" أنها أسماء قوم صالحين، لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم!

وقد أنكر أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم كل ما يشتم منه رائحة التقديس لمكان أو شيء من مخلوقات الله، فعن المعرور بن سويد قال: صليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريق مكة صلاة الصبح، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا: كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها، وكذلك أرسل عمر رضي الله عنه أيضا فقطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما نهى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس أو عند زوالها أو عند غروبها، بعدا بالمسلم عن مظنة المشابهة لعباد الشمس الذين يسجدون لها في هذه الأوقات.


لا حلف إلا بالله

ومما منعه النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلف المسلم بغير الله تعالى، فالحلف تنظيم وتقديس للمحلوف به، ولا ينبغي أن يكون التعظيم والتقديس إلا للخالق جل وعلا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله"، "من حلف بغير الله فقد أشرك"، "لا تحلفوا بآبائكم". وكانوا يحلفون فيقولون: والكعبة فأمرهم النبي إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة.


لا ذبح ولا نذر إلا لله

وحرم الإسلام على المسلم أن يذبح لغير الله فقال عليه السلام "لعن الله من ذبح لغير الله".

وقد جعل من الأطعمة المحرمة ما أهل لغير الله به (أي رفع الصوت عند ذبحه باسم غير الله) وكذلك ما ذبح على النصب.

وهكذا حمى الإسلام جناب التوحيد، وسد منافذ الشرك.


أوثان جديدة يجب الحذر منها

ومن واجبنا ونحن نتبين تحذير الإسلام من الشرك بكل صوره ـ أن ننبه على أوثان جديدة غزت عقيدة التوحيد الخالصة في هذا العصر، إن بعض السطحيين من المتدينين أنفسهم يحصرون الشرك وعبادة غير الله في صورة واحدة، هي الوثنية التقليدية التي تتمثل في عبادة إله أو آلهة مجسمة أو منظورة، تقدم الصلوات والقرابين إليها، وتلتمس المنافع والبركات من بين يديها.

ونسي هؤلاء أن الشرك مراتب وأنواع، وأن الأصنام منها ما يرى ومنها ما لا يرى، وأن العبادة منها التقليدي وغير التقليدي.

من الشرك أكبر وأصغر، ومنه جلي وخفي، بل منه ما هو أخفى من دبيب النمل على الصفا.

ومن الأوثان ما يعبده الناس ويقدمون له الولاء، وإن لم يسموه وثنا أو إلها أو ربا، ولم يسموا ما يقدمونه إليه عبادة، ولكن العبرة بالمقاصد لا بالألفاظ، وبالمسميات لا بالأسماء.

لهذا حذر الإسلام من الشرك كله: أكبره وأصغره، جليه وخفيه، وأغلق كل المنافذ التي تهب منها ريحه السموم، حماية لحمى التوحيد.

حتى رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يعد الرياء شركا.

ويعتبر القسم بغير الله شركا.

وينكر على من قال له: ما شاء الله وشئت يا رسول الله، فيقول له: أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده.

وينهى أن يقول المسلم: هذه لله وللرحم، أو لوجه الله وفلان، فإن الله لا يقبل الشركة، وإنه لأغنى الأغنياء عن الشرك.

كما رأيناه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعد تقديس المقابر والأضرحة ضربا من الوثنية، وهذا ما جعله يدعو ربه فيقول: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد".

بل رأينا القرآن الكريم يلفتنا إلى "وثن" أو "إله" خطير، يتعبد له الملايين وهم لا يشعرون، وذلك هو "الهوى". أفرأيت من اتخذ إلهه وهواه وأضله الله على علم.." أرأيت من اتخذ ألهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا".

وفي عصرنا هذا ظهرت أوثان ومعبودات شتى، أصبحت تمتلك قلوب الناس ومشاعرهم وولاءهم، بذكرها يهتفون، وباسمها يقسمون، وفي سبيلها يجاهدون ويستشهدون، تلك هي أوثان الوطنية والقومية وما شاكلها.

تدخل المدارس والجامعات، وتشهد المؤتمرات والندوات، وتقرأ الصحف والمجلات، وتسمع برامج الإذاعات، فلا تكاد تسمع لله ذكرا، أو تجد له مكانا، وإنما تجد معبودا آخر، تدور حوله كل الأفكار، وكل المشاعر، وكل الأعمال، إلا القليل، أو أقل القليل، إنه "الوطن" أو القومية ـ العروبة مثلا ـ أو المجتمع أو الدولة أو غير ذلك من أصنام هذا العصر.

ومن السائد المنتشر الآن البداءة باسم الوطن أو الشعب، وإن تكرم فباسم الله واسم الشعب، والحلف باسم الوطن أو الشعب "أقسمت باسمك يا بلادي" والجهاد في سبيل الوطن أو العروبة، فإن قتل فهو شهيد الوطن أو العروبة ونحوها.

وهذا هو أخطر أنواع الشرك التي دخلت على المسلمين من حيث لا يشعرون، وسجلها الدارسون الأيقاظ، بوصفها ظاهرة جديدة في حياة المسلمين.

يقول الأستاذ برنارد لويس:

"كل باحث في التاريخ الإسلامي يعرف قصة الإسلام الرائعة في محاربته لعبادة الأوثان منذ بدء دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف انتصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وأقاموا عبادة الإله الواحد التي حلت محل الديدنات الوثنية لعرب الجاهلية، وفي أيامنا هذه تقوم معركة مماثلة أخرى ولكنها ليست ضد (اللات) و(العزى) وبقية آلهة الجاهلية، بل ضد مجموعة جديدة من الأصنام اسمها الدولة: والعنصر والقومية، وفي هذه المرة يظهر أن النصر حتى الآن هو حليف الأصنام!!! فإدخال هرطقة القومية العلمانية أو عبادة (الذات الجماعية) كان أرسخ المظالم التي أوقعها الغرب على الشرق الأوسط، ولكنها مع كل ذلك كانت أقل المظالم ذكرا وإعلانا.


زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:14 am

تحرير العبادة من رق الكهنوت

* رجال الكهنوت في العصور الوسطى



* الله فوق عباده

* تحرير العبادة من قيود المكان



* الله مع عباده

* تحرير الضمير من قيود الوساطة في العبادة



*

لا مكان للوسطاء في الإسلام

لقد أفسد الناس الأديان.. أنزلها الله لتسمو بهم فهبطوا هم بها! والعجب أن فسادها كان من رجال الأديان أنفسهم، لقد جعلوا من أنفسهم حجابا على باب الله الفسيح، مهمتهم أن يمنعوا الناس الاتصال المباشر به أو التقرب المباشر إليه، إنهم احتكروا لأنفسهم الصلة بالله والقرب منه، ووجدوها بضاعة رائجة وسلعة تشتد الحاجة إليها، فبالغوا في احتكارها وإغلاء أسعارها.

ومن ثم قيدوا العبادات بمكان معين ـ يدخل في سلطتهم ـ لا تجوز إلا فيه. وقيدوها بوسيط معين، يقوم بعملية السمسرة بين الله وعباده، وقيدوها بمراسم وطقوس كهنوتية خاصة لا تقبل بدونها.

وكل هذا يحتاج إلى إتاوات تبذل، وجعالات تدفع للأحبار والكهنة، المحتكرين لهذا الصنف من العلاقات!

رجال الكهنوت في العصور الوسطى

وقد بالغ رجال الدين المسيحي بالغرب في العصور الوسطى في فرض هذه المظاهر الكهنوتية فعلقوا في معابدهم رسوما وتماثيل للعذراء والمسيح، وأيقونات ونحوها، وعدتها الكنيسة شعائر تعبدية واجبة التقديس.

وكان أعجب ما صنعوه أنهم اتخذوا من الجنة مصدرا للثروة يبيعون منها قراريط وأسهما لمن يدفع الثمن المعلوم، وعلى قدر المدفوع يكون عدد الأسهم، ومن الطرائف اللاذعة ما حكوا أن أحد أثرياء اليهود أراد أن يقابل هذه السخريات العجيبة بسخرية أمر وأعجب، فقد ذهب إلى أحد البابوات ولم يشتر منه الجنة، كما كان يفعل المسيحيون، ولكنه اشترى منه صفقة أخرى هي: جهنم! فباعها له بثمن بخس: لأنها سلعة لا يرغب فيها أحد، ولكن اليهودي الماكر أعلن للمسيحيين جميعا: ألا يبالوا بشراء الجنة بعد اليوم، لأنه هو قد اشترى من البابا جهنم، ولن يدخل أحدا فيها!! قالوا: فعاد البابا واشتراها بأضعاف ما باعها به!

وكل قارئ للتاريخ يعرف ثروة "لوثر" على ما أسموه "صكوك الغفران".

والرؤساء الروحانيون في المسيحية يزعمون أن لهم سلطة المنح والمنع، والغفران والحرمان، والإدخال في رحمة الله، والطرد منها، لأن المسيح قال لبعض تلاميذه: سأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما ربطته على الأرض يكون مربوطا في السموات، وكل ما حللته على الأرض يكون محلولا في السموات.


تحرير العبادة من قيود المكان

أما الإسلام فكان له شأن آخر في تقرير الصلة بالله والعبادة له.

لقد حرر الإسلام العبادة من قيود الوساطة والمكان وكل مظاهر العبودية للكهنوت.

فالأرض كلها محراب كبير للمسلم، فحيثما توجه يستطيع أن يتجه بعبادته إلى الله، وفي هذا يقول القرآن العظيم (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) ويقول الرسول الكريم في بيان الخصائص التي أعطيتها أمته ولم تعطها أمة قبلها: (وجعلت لي الأرض مسجدا طهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل).

وقد كانت هذه الخصيصة للعبادة الإسلامية موضع الإعجاب العظيم والتأثير البالغ من كثيرين من غير المسلمين، حتى من رجال الأديان أنفسهم، حتى قال أحدهم ـ وهو أسقف "لوفروا": لا يستطيع أحد يكون خالط المسلمين لأول مرة، ألا يدهش ويتأثر بمظهر عقيدتهم، فإنك حيثما كنت سواء أوجدت في شارع مطروق أم في محطة سكة حديدية أم في حقل ـ كان أكثر ما تألف عينك مشاهدته أن ترى رجلا ليس عليه أدنى مسحة للرياء، ولا أقل شائبة من حب الظهور، يذر عمله الذي يشغله كائنا ما كان، وينطلق في سكون الليل وتواضع لأداء صلاته في وقتها المعين".

ولقد كان هذا المشهد الفريد في الأديان أحد العوامل التي أثرت في وجدان المحامي الكبير الأستاذ زكي عريبي عميد الطائفة اليهودية في مصر والذي اهتدى إلى الإسلام في عام 1960م، ومما جاء في محاضرته "لماذا أسلمت؟" قوله:

"وما سمعت المؤذن يؤذن في الفجر أو في الظهر أو في وقت آخر إلا شعرت بأن صوت المؤذن ينبعث من الأفق من فوق المئذنة، شعرت بأنه صوت الله، الذي يفصل بين الحق والباطل والحلال والحرام، ويهدي الإنسان إلى الطريق المستقيم، وأركب السيارة في السفر وعلى الطريق بين الحقول وبين الفضاء تقع عيني على رجل متواضع يقف بين يدي الله في ثياب رثة مهلهلة، يقف على مصلى صغير، مفروش بالرقيق من الحصير على شاطئ ترعة متواضعة أيضا، يقف الرجل يصلي لله في خشوع وابتهال، فكانت نفسي تهفو إلى أن أصلي مثل صلاته، كنت أعتقد أن هذه نفحات الله في الأرض يلقيها في نفوس عباده الصالحين".

حرر الإسلام العبادة من القيود المكانية المتزمتة، ولم يشترط المكان الخاص في عبادة من عباداته إلا في الحج، لما فيه من فوائد تفوق فائدة التحرر من المكان، من التجمع العالمي للمسلمين حول أول بيت وضع للناس، وفي أرض الذكريات الإبراهيمية، والذكريات المحمدية، إلى آخر ما سنذكر في أسرار الحج.


تحرير الضمير من قيود الوساطة في العبادة

ومع اشتراط المكان لعبادة الحج، فليس فيه أي شائبة لتأثير الكهنوت، وليس فيه أي ثغرة لتدخل الوسطاء والكهان بين المسلم وبين الله، وشأنه في ذلك شأنه في سائر عبادات الإسلام.

يقول الأستاذ العقاد: إن عبادات الإسلام قد امتازت بين عبادات الأديان بمزية لا نظير لها، فهي أرفعها وأرقاها بالنظر إلى حقيقتها، أو بالنظر إلى جماهير المتدينين بها، وتلك مزيته البينة التي يرعى بها استقلال الفرد في مسائل الضمير خير رعاية تتحقق لها في نظام حياة.

فالعبادات الإسلامية بأجمعها تكليف لضمير الإنسان وحده، لا يتوقف على توسيط هيكل أو تقريب كهانة.

يصلي حيث أدركه موعد الصلاة، وأينما تكونوا فثم وجه الله.

ويصوم ويفطر في داره أو في موطن عمله.

ويحج ليذهب إلى بيت لا سلطان فيه لأصحاب سدانة، ولا حق عنده لأحد في قربانه، غير حق المساكين والمعوزين.

ويذهب إلى صلاة الجماعة، فلا تتقيد صلاته الجامعة بمراسم كهانة أو إتاوة محراب، ويؤمه في هذه الصلاة الجامعة من هو أهل للإمامة بين الحاضرين باختيارهم لساعتهم إن لم يكن معروفا عندهم قبل ذلك، إنه الدين الذي نتعلم فيه أن الإنسان مخلوق مكلف، لا جرم تقوم عباداته على رعاية حق الضمير واستقلاله بمشيئته أكرم رعاية".

إن عقيدة المسلم في الله لا تتيح مكانا لأولئك الوسطاء الذين يتحكمون في ضمائر عباد الله.

فاعتقاد المسلم في الله يقوم على حقيقتين:


الله فوق عباده

أولاهما: أنه تعالى فوق عباده علوا وقهرا، وسلطانا وتصرفا، لا يشبهه شيء، ولا يحكم عليه شيء، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد. (وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير) (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (قل هو الله أحد الله الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) (والخلق جميعا عبيد في قضبته، لا يملكون لأنفسهم ـ فضلا عن غيرهم ـ ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا).

ويتمثل هذا العلو الإلهي على الخلق في آية من القرآن عرفت عند المسلمين بآية الكرسي: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤده حفظهما، وهو العلي العظيم).


الله مع عباده

والحقيقة الثانية: أنه تعالى ـ مع عظمته وعلو شأنه ـ قريب من خلقه، بل هو معهم أينما كانوا، في جلوتهم وفي خلوتهم، يسمع ويرى، ويرعى ويهدي، يعطي من سأله، ويجيب من دعاه، فهو تعالى قريب في علوه، علي في دنوه، وقد جمع تعالى بين العظمة والعلو، وبين القرب والدنو، في آية واحدة، فقال تعالى: (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم والله بما تعلمون بصير).

وقد عبر القرآن على لسان إبراهيم ـ أبي الأنبياء ـ عن العلاقة بين الإنسان والله فقال: (الذي خلقني فهو يدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين).

وقال الله سبحانه مبينا قربه من عبده: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون).

وروى المفسرون أن رجلا جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه، فنزل القرآن يجيب عن هذا السؤال بهذه الآية الكريمة: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان).

ون اللطائف في هذه الآية: أن سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن بعض الأمور قد وقع في القرآن بضع عشرة مرة، وكان كل جواب عن تلك الأسئلة مقترنا بكلمة (قل) مثل ـ (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت) (يسألونك ماذا ينفقون قل العفو) وكان مقتضى تلك الآيات أن يقال في هذه: وإذا سألك عبادي فقل: إني قريب، ولكن أسلوب الآية خالف المعتاد ولم يأمر الله رسوله أن يقول للناس ذلك، وقال سبحانه مباشرة (فإني قريب) ولهذا الأسلوب دلالته وإيحاؤه في الأنفس والعقول، إذ لم يجعل الله واسطة بينه وبين عباده، كأنه قال لرسوله لا تبلغهم أنت عني، كما تبلغ في أسئلة الأحكام، ولكن دعني أنا أقول لهم: إني قريب!

ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه يجهرون بالدعاء قال لهم: "اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ولكن تدعون سميعا قريبا".

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:17 am

لا مكان للوسطاء في الإسلام

وبهاتين الحقيقتين: أنه تعالى فوق عباده قهرا وعلوا وسلطانا، وأنه قريب منهم، بل معهم، علما وإحاطة، ورعاية وإجابة ـ يتبين لنا أن لا مكان في الإسلام للوسطاء والسماسرة الذين يدعون الشفاعة عند الله، ويزعمون احتكار الوساطة لديه، ويبيعون ويشترون في خلق الله، كما يصنع أنصار الملوك الجبارين، والرؤساء المستبدين.

نعم: لا مكان لهؤلاء، لأن الله في عقيدة الإسلام أجل وأعلى من أن يكون له وسطاء أو شفعاء يعلمونه من أمر الناس بما لم يكن يعلم، أو يوجهون إراداته إلى ما لم يكن يريد، وهو سبحانه أكرم من أن يدع رحمته وجنته غنيمة لهؤلاء الدجاجلة المضللين، يوزعونها بالأسهم والقراريط، فله وحده الخلق والأمر، وله وحده الملك والملك، وله وحده العقوبة والعفو، وقد قال تعالى ردا على من زعم أن الملائكة أبناء الله: (بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون).


ورد على من زعم من اليهود والنصارى: أن لهم منزلة خاصة من الله (وقالت اليهود والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير).

وحكى عن المسيح أنه يقول لربه يوم القيامة في شأن من ادعوا الانتساب إلى دينه: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم).

وعرف خاتم رسله محمدا حدود وظيفته فقال: (فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر) (قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء، إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون).

فهل بعد هذا يمكن أن يعتقد المسلم في وجود "وسيط" يملك "التأثير" في إرادة الله رب العالمين؟!

ثم لا مكان لهؤلاء الوسطاء أيضا، لأن المسلم لا يشعر يوما بحاجته إلى أحد منهم في الصلة بينه وبين ربه. إنه يوقن أن الله أقرب إليه من نفسه، وأنه معه حيث كان، وأنه يدنو منه كل ليلة فينادي: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من كذا؟ هل من كذا؟ وأنه تعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين، وأنه تعالى إذا تقرب عبده إليه شبرا تقرب هو إليه ذراعا، وإذا تقرب إليه ذراعا، تقرب سبحانه إليه باعا.

إنه يستطيع أن يكلم ربه بلا ترجمان، وأن يناجيه بما شاء حيث شاء ومتى شاء، وأن يقف بين يديه بلا حجاب.

فما حاجته إذا إلى الوسيط المزعوم؟

إن الوسيط الفذ الذي يعترف به الإسلام هو العمل الصالح مع الإيمان: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا).



إخلاص القلوب أساس القبول

*

مقدمة



*

بركة النية الصالحة

*

العبادة المقبولة عند الله



*

إنما الأعمال بالنيات

مقدمة

إن المبدأ الثالث الذي وضعه الإسلام في شأن العبادة: أن أساس القبول لأي عبادة هو إخلاص القلوب لله تعالى، فإن حقيقة العبادة ليست شكلا يتعلق بالمظهر، ولا رسما يتصل بالجسد، ولكنها سر يتعلق بالقلب، وإخلاص ينبع من الروح، فإذا لم يصدق قلب المسلم في عبادته، ولم يخلص لله في طاعته، وأداها رسوما خالية من الروح، كما ينطق الأبله بالألفاظ الخالية من المعنى، فهناك يردها الله عليه، كما يرد الصيرفي النقاد الدارهم الزائفة. قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين) (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) (قل الله أعبد مخلصا له الدين).

وقد افترى بعض المبشرين والمستشرقين على الإسلام، فزعموا أنه لا يعنى إلا بالمراسم والأشكال في العبادات، ولا يعنى بالقلب والنية والضمير، ورد هذه الفرية عليهم مستشرقون آخرون لم يسلم الإسلام منهم أيضا.. بيد أنهم لم يسيغوا هذا الكذب الوقاح والجهل الصراح.

قال جولد زيهر في كتابه عن "العقيدة والشريعة في الإسلام":

"مما لا شك فيه أن الإسلام شريعة، فهو يخضع المؤمنين به لأعمال شعائرية، ومع ذلك.. فإن معين التعاليم الإسلامية الأولى ـ وهو القرآن ـ يعتبر صراحة: أن الأعمال بالنيات، ويعد النية معيارا للقيمة الدينية: ويرى أنه إذا لم تقترن دقة احترام الشريعة بأعمال رحمة وخير كانت قليلة القيمة.

(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).

"وفيما يتعلق بشعائر الحج التي نظمها، من بين تقاليد الوثنية العربية ـ استنادا إلى كلمة الله: (لكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم) ـ جعل محمد أهمية كبرى لنية التقوى التي يجب أن تصحب هذه الشعيرة حين يقول: "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يناله التقوى منكم".

"والجزء الأكبر للإخلاص ـ كما في سورة غافر (فادعوا الله مخلصين له الدين) ولتقوى القلوب ـ كما في سورة الحج (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) ـ وللقلب السليم ـ كما في سورة الشعراء (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم).

فهذه هي وجهة النظر التي تسود في تقدير الفضل الديني للمؤمنين.

"وهذا الإقناع قد نما فيما بعد بفضل التعاليم المستخلصة من السنة، والتي ما لبثت أن شملت جميع نواحي الحياة الدينية، وبفضل نظرية النية والقصد والروح التي تلهم الأعمال، والتي اتخذت معيارا لقيمة العمل الديني، فمجرد ظل لباعث من بواعث الأثرة أو الرياء يجرد كل عمل طيب من قيمته.

فالقلب هو الأساس في الإسلام، وهو موضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، وهو مستند القبول والفلاح في الآخرة، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يحب أن ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم"، "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب". ويقول القرآن: (وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد، هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب، ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود).


العبادة المقبولة عند الله

ولهذا يرى الإسلام أن العبادة المرضية عند الله ليست هي ذلك الشبح الخالي من الروح، وإنما هي تلك التي تصاحبها النية الصادقة، ويسري فيها روح الإخلاص سريان العصارة في أغصان الشجرة الناضرة، فتؤتي في النفس أكلها، وتثمر في الخلق والسلوك ثمرتها، وتذكر صاحب العبادة بحق الله، وتنبهه على حقوق الناس، فليست كل صلاة جديرة بالقبول عند الله، فإن من الصلوات ما يضرب بها وجه صاحبها، ومن هنا قال تعالى في شأن الصلاة المقبولة: (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) فإن الصلاة ـ كما قال ابن تيمية ـ فيها دفع لشر مكروه، وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل لخير محبوب، وهو ذكر الله، وحصول هذا المحبوب أكبر من دفع ذلك المكروه، فإن ذكر الله عبادة الله، وعبادة القلب لله مقصودة لذاتها، وأما اندفاع الشر عنه، فهو مقصود لغيره على سبيل التبع، فإن القلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنها تفسد القلب، كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل، ولذا قال تعالى: (قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها) (قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى).

فإذا لم تؤد الصلاة مهمتها في إيقاظ الضمير، وغرس خشية الله ومراقبته في النفس، تلك التي تؤدي إلى الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، فإن صلاته تلك تكون صلاة بتراء ناقصة، تكون جثة هامدة تنقصها الحياة وقد جاء في بعض الآثار: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له".

وما قلناه في الصلاة نقوله في الصيام، فليس كل صيام يحظى بدرجة الرضا عند الله، ما لم يؤد إلى التقوى التي جعلها القرآن مرجوة بحصوله: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) فإذا لم يؤد إلى هذه التقوى، وصام بطنه وفرجه، ولم يصم لسانه ولا جوارحه ولا قلبه، فحري بصيامه أن يرد وأن يكون عملة زائفة، وأن ينطبق عليه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" وقال عليه السلام: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر".

ومن أجل ذلك كله كان السلف الصالحون من المسلمين يهتمون بالصوم عن اللغو والحرام، كما يصومون عن الشراب والطعام.

قال عمر: ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو" وروي عن علي مثله.

وعن جابر قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمآثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صيامك سواء.

وقال ميمون بن مهران: أهون الصيام الصيام عن الطعام.

وكذلك الزكاة والصدقة، إذا داخلها رياء، أو لحقها من أو أذى للفقير، فإن ذلك يفسدها ويحبط ثوابها، فليس المهم هو المال الذي تعطيه اليد الغنية لليد المستحقة، وإنما المهم هو صدق النية، وصفاء السريرة، وإخلاص القلب، وقد قال ابن عطاء: الأعمال صور قائمة وروحها هو وجود سر الإخلاص فيها.

وإننا لنجد هذا المعنى واضحا في هذه الآيات الكريمة من كتاب الله: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم، يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر، فمثله كمثل صفوان عليه تراب، فأصابه وابل فتركه صلدا، لا يقدرون على شيء مما كسبوا، والله لا يهدي القوم الكافرين، ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين، فإن لم يصبها وابل فطل، والله بما تعملون بصير).

وليس بعد هذا التصوير القرآني بيان فيما للإخلاص من أثر في قبول الصدقة أو ردها.


بركة النية الصالحة

وقد قص علينا النبي صلى الله عليه وسلم قصة رجل مخلص أراد أن يتستر بصدقته، ويعطيها تحت ستار الليل، حيث يكون في مأمن من رياء الخلق، وابتغاء المحمدة والشهرة عند الناس، ولكنه أخطأ السبيل، فوضعها في غير موضعها، وأعطاها من لا يستحقها، ولكن صدق نيته وإخلاصه نفعه، وبارك عمله، فلم تذهب صدقته سدى، ولم تضع هباء، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال رجل: لا تصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد على سارق؟! لأتصدقن بصدقة.. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية!! فقال: اللهم لك الحمد على زانية؟! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني!! فقال: اللهم لك الحمد.. على سارق وزانية وغني؟!: فأتى ـ أي في المنام ـ فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما صدقتك على زانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله".

وبهذا القصص كان يعلمهم النبي الكريم أن الإخلاص هو ينبوع الخير، وميزان القبول.


إنما الأعمال بالنيات

وما قلناه هنا عن الصلاة والصيام والصدقة يقال عن الحج وتلاوة القرآن، والجهاد، والهجرة من أجل الدين، وكل عمل شرعه الله ليتعبد به ويتقرب إليه، وقد هاجر بعض المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة من أجل امرأة يهواها تعرف بأم قيس، فسماه من يعرفونه "مهاجر أم قيس".

وفي هذا الشأن حدثهم النبي ذلك الحديث الجامع الذي عده بعض المحدثين ربع الإسلام أو ثلثه أو نصفه، والذي افتتح به الإمام البخاري جامعه الصحيح "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".

والعجيب أن بعض المستشرقين يشكك في ثبوت هذا الحديث ـ الذي أجمع علماء الإسلام في كل اختصاص على تلقيه بالقبول ـ بدعوى أنه حديث آحاد.

ونسي المستشرق أن قيمة "النية" في الإسلام لا تعتمد على هذا الحديث وحده، وإنما تعتمد على نصوص وأحاديث كثيرة مستفيضة، تعطي في مجموعها يقينا جازما بأن الأعمال بالنيات، وأن لكل امرئ ما نوى، ولو أخذنا كتابا كالترغيب والترهيب للحافظ المنذري مثلا لوجدناه يذكر في فضل النية الصالحة أحد عشر حديثا، وفي الترغيب في الإخلاص ثلاثة عشر حديثا، وفي الترهيب من الرياء أكثر من ثلاثين.

فهذا المجموع من الأحاديث وما شابهها، مع ما جاء في القرآن من آيات هو السند اليقين لقيمة النية في الإسلام.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:20 am

لا يعبد الله إلا بما شرع

* مقدمة



* كيف أفسد الابتداع الأديان كلها؟

* حكمة تشديد الإسلام في منع البدع



* مجال الابتداع ليس هو الدين

* أثر تحريم البدع في الإسلام

مقدمة

المبدأ الرابع الذي دعا إليه الإسلام: أن يتبع المسلم في عباداته الحدود المرسومة له، فليس يكفي أن يقصد بالعبادة وجه الله وحده، ولا يتوجه به إلى أحد أو شيء غيره، بل لا بد أن تكون عبادة الله بالصورة التي شرعها الله، وبالكيفية التي ارتضاها، ولا تكون عبادته بما يخترع الناس من أهواء وظنون، قال تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) (بلى من أسلم وجهه لله ـ وهو محسن ـ فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن).

فالآية الأولى تأمر بالعمل الصالح مع النهي عن الإشراك بالله، والآيتان الأخريان تشترطان الإحسان مع إسلام الوجه لله سبحانه، فمن أسلم وجهه لله ولم يشرك بعبادة ربه أحدا فقد أخلص الدين لله وحده، ولكن ذلك لا يكفي ما لم يفعل ذلك (وهو محسن) وما لم يعمل (عملا صالحا) والإحسان والعمل الصالح أن يتقرب لله بما شرعه الله لا بما وضعه الناس، وقد كان عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحا، واجعله لوجهك خالصا، ولا تجعل لأحد فيه شيئا" وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) مفسرا معنى أحسن العمل قال: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، ولا يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص، أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة" يعني الطريقة المشروعة المرضية عند الله ورسوله.

لقد عد الإسلام من الشرك أن يشرع الناس من الدين ما لم يأذن به الله، ومن البدع المردودة الزيادة في العبادات المرسومة أو النقص منها أو التحريف فيها، وقد قال عليه الصلاة والسلام في شأن الصلاة:

"صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال في الحج: "خذوا عني مناسككم".

وحذر من كل ابتداع في شؤون العبادة والدين: "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".

فليس لإمام من أئمة المسلمين وإن علا كعبه في العلم، ولا لمجمع من مجامع المعرفة وإن عظم شأنه، ولا لمعهد من معاهد الثقافة، ولا لطائفة من المسلمين صغرت أو كبرت، أن تبتدع في دين الله عبادة جديدة، أو تزيد على عبادة قديمة، أو تغير في كيفيتها عما كانت أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله وحده هو المشرع، والرسول هو المبلغ، ونحن المتبعون، وفي الاتباع الخير كل الخير (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم).

قال الإمام ابن تيمية:

"جماع الدين أصلان: 1. ألا نعبد إلا الله. 2. ولا نعبده إلا بما شرع. لا نعبده بالبدع، كما قال تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا).

وذلك تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله.

ففي الأولى: أن لا نعبد إلا الله.

وفي الثانية: أن محمدا هو رسوله المبلغ عنه، فعلينا أن نصدق خبره، ونطيع أمره.

وقد بين لنا ما نعبد الله به، ونهانا عن محدثات الأمور، وأخبر أنها ضلالة.

قال تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون).

وكما أننا مأمورون ألا نخاف إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نرغب إلا إلى الله، ولا نستعين إلا بالله، وألا تكون عبادتنا إلا لله ـ فكذلك نحن مأمورون أن نتبع الرسول ونطيعه، ونتأسى به، فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه".



حكمة تشديد الإسلام في منع البدع

ولقد كان الإسلام حكيما غاية الحكمة حين حرم ـ أشد التحريم ـ على البشر أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله، وأن يبتدعوا صورا للتقرب إلى الله لم يجئ بها وحيه المعصوم، حتى أعلن في صراحة قاطعة: أن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

والذي يقرأ تاريخ الأديان يرى الحكمة في هذا التشديد ماثلة للعيان، واضحة وضوح الصبح لذي العينين.


كيف أفسد الابتداع الأديان كلها؟

إن الابتداع في الدين هو الكوة التي تسلل منها الشيطان إلى عامة المتدينين من اتباع الملل، فأفسد عليهم دينهم وحياتهم، وخرب عليهم عقائدهم وعباداتهم، ولم يدع في حياتهم الدينية دعامة إلا أتى عليها من القواعد، وفتح عليهم أبوابا من الفساد لم يستطيعوا بعد إغلاقها.


عن طريق الابتداع زحف الشرك ودخلت الوثنية على الأمم، حتى الكتابية منها، فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وعبدوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، قائلين: هؤلاء شفعاؤنا عند الله!

وعن طريق الابتداع جاء الغلو في الدين والتنطع فيه، وإدخال الحرج والعنت والآصار والأغلال على أتباعه، واخترع الناس ألوانا شتى من الشعائر والتعبدات، كلها عنت وإرهاق، وتكليف ما لا يكاد يطاق.

وعن طريق الابتداع حرم الغلاة ما أحل الله من الزينة والطيبات، فأهملوا الدنيا باسم الدين، وخربوا العمران بدعوى الإيمان، وعذبوا الأجسام بزعم تصفية الأرواح!

وعن طريق الابتداع حدثت التحريفات الهائلة، والانحرافات الشنيعة في كثير من الأديان، وقع فيها رجال ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

ويكفي أن نتأمل ما ابتدعه النصارى من نظام "الرهبانية" وما فيه من غلو وعتو وقسوة على الطبيعة، وشرود عن الفطرة، لنعلم كيف ينحرف العقل البشري إذا مشى وحده، ولم يعتصم بحبل الله، ولم يستضئ بنوره وهداه، وكيف يجور ويعتسف، ويرتكب أكبر الحماقات والجهالات، مع أن قصده ونيته ـ فيما يحسب ـ التقرب إلى الله تعالى؟!

وكذلك نرى مشركي العرب كيف اتخذوا الأوثان وعبدوا الأحجار والأصنام، لتقربهم إلى الله زلفى، فأساس الشرك في الحقيقة هو الابتداع.

وكيف سولت لهم شياطينهم تحريم ما أحل الله من طيبات الحرث والأنعام؟ بل كيف زينوا لهم ذبح أولادهم وفلذات أكبادهم، تقربا إلى الآلهة فيما زعموا، ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم!

وكيف طوعت لهم أنفسهم أن يطوفوا بالبيت عراة، كما ولدتهم أمهاتهم، رجالا ونساء، لا يستحيون ولا يتحرجون. وكيف وهم بعملهم هذا ـ في زعمهم ـ إلى الله يتقربون؟!

تقرأ في سورة الأنعام نماذج من هذه المبتدعات والتحريمات في قول الله تعالى: (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه، فذرهم وما يفترون، وقالوا هذه أنعام وحرث حجر، لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم بما كانوا يفترون، وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم أنه حكيم عليم، قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين).

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:21 am

مجال الابتداع ليس هو الدين

إن مجال الابتداع والابتكار ليس هو الدين، فالدين توقيف من الله يجب أن يبقى مصونا منزها عن عبث العابثين وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

أما مجال الابتداع الحقيقي، فهو الدنيا وشؤونها، وما أوسعها وما أكثر ما تحتاج إليه من طاقات الافتنان والابتكار، ولهذا حين انتكس المسلمون وساءت حالهم، وفسد أمرهم، وانحل مجتمعهم، أصبح الأمر الطبيعي عندهم معكوسا والوضع مقلوبا، فوقفوا في شؤون الدنيا جامدين كالحجارة أو أشد جمودا، لا يبتكرون ولا يخترعون ولا يكتشفون، شعارهم: ما ترك الأول للآخر شيئا!!

وأما في الدين فاخترعوا وابتدعوا من صور التعبد ما لم يأذن به الله ولم يتنزل به سلطانا.


أثر تحريم البدع في الإسلام

وتحريم الإسلام الابتداع في العبادة، وتشديده في الأمر باتباع ما جاء به الرسول، قد حفظ على المسلمين عباداتهم، وصانها من التحريف والتبديل، والزيادة والنقصان.

فالعبادات الإسلامية واحدة في جوهرها في كل مذهب من مذاهب الإسلام: الصلاة عند جميع المسلمين منذ عهد الرسول إلى اليوم: عند السنيين والشيعة هي هذه الأقوال والأعمال المخصوصة، المتفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، خمس صلوات في اليوم والليلة، في كل صلاة عدد معين من الركعات، وفي كل ركعة تلاوة وأذكار وركوع وسجودان عند الجميع، ولكل صلاة شروط متفق عليها من الطهارة وأخذ الزينة، واستقبال القبلة.. وهكذا.

والصوم عند جميع المسلمين يتمثل في هذا الشهر العربي ـ رمضان ـ ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما، يبدأ كل يوم من طلوع الفجر وينتهي عند غروب الشمس.

وهكذا الزكاة والحج كلها عبادات محددة معروفة بتفاصيلها، منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتواتر القاطع جيلا عن جيل.

وهذه ميزة لعبادات الإسلام لم يظفر بها دين من الأديان، فكل العبادات في شتى الديانات قد عدت عليها الأيام، وخضعت لتحريف السدنة، وألاعيب الكهنة، وغلو العامة، ولم تجد من يقول للمبتدعين: قفوا عند حدود الله، ولا تشرعوا ما لم يأذن به الله.

وهل يستطيع أحد أن ينكر على الكاهن إذا ابتدع أو غير، وفي يديه مفاتيح الجنة وملكوت السماء؟ إنه يستطيع أن يطرد من رحمة الله من شاء، ويدخل فيها من شاء، ويبيع من قراريط الجنة ما يشاء!!

أما الإسلام فقد نفى من أول الأمر فكرة الكهنوت واحتكار أسرار الملكوت، وجعل أمر العبادة في أيدي المسلمين جميعا، وفرضهم حراسا عليها، وأوصاهم أن يتبعوا ولا يبتدعوا، وأن يأخذوا على يد كل مبتدع محرف كائنا من كان.

وإذا أخذنا الشريعة المسيحية مثلا وجدناها قد تغيرت وتناسخت على يد المسيحيين أنفسهم، وخرجوا على الناموس الذي أعلن المسيح: أنه جاء ليتمه لا لينقضه.

فقد استحلوا الخنزير وأحلوا السبت، وعوضوا منه يوم الأحد، وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة، وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس، فصلوا هم إلى المشرق، ولم يعظم المسيح صليبا قط فعظموا هم الصليب وعبدوه، ولم يصم المسيح عليه السلام صومهم هذا أبدا ولا شرعه، ولا أمر به البتة، بل هم وضعوه على هذا العدد، ونقلوه إلى زمن الربيع، فجعلوا ما زادوا فيه من العدد عوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية.

وتعبدوا بالنجاسات وكان المسيح عليه السلام في غاية الطهارة والطيب والنظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود ومراغمتهم، فغيروا دين المسيح وتقربوا إلى الفلاسفة وعباد الأصنام، بأن وافقوهم في بعض الأمر ليرضوهم، وليستنصروا بذلك على اليهود.

فهذه هي المسيحية، وذلك هو الإسلام.

نعم إن بعض المسلمين في بعض الأزمنة قد ابتدعوا في دينهم ما لم يجئ به كتاب ولا سنة، ولكنهم وجدوا في كل عصر من يجهر فيهم بالحق، ويردهم إلى سواء الصراط، ويحيي فيهم السنة ويطارد البدعة، تصديقا لوعد الله الذي وعد به هذه الأمة الخاتمة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إن الله يبعث لهذه الأمة، على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".

على أن الذي امتاز به الإسلام بلا ريب أن شعائره وعباداته الأصلية بقيت سليمة في جوهرها، مصونة من التحريف والتبديل.

قال أبو بكر: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ، وقد خطب عمر بن الخطاب الناس فقال: أيها الناس: قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة، إلا أن تميلوا بالناس يمينا وشمالا.

وقال ابن مسعود: أيها الناس لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا تعمقوا وعليكم بالعتيق (المأثور الموروث) خذوا ما تعرفون، ودعوا ما تنكرون.

وعن الحسن في قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) قال: كتب الله صيام رمضان على من كان قبلكم، فأما اليهود فرفضوه، وأما النصارى فشق عليهم الصوم، فزادوا فيه عشرا وأخروه إلى أخف ما يكون عليهم فيه الصوم من الأزمنة فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث قال: عمل قليل في سنة (اتباع المأثور) خير من كثير في بدعة.

ولما بويع عمر بن عبد العزيز بالخلافة صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، إنه ليس بعد نبيكم نبي، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنتكم سنة، ولا بعد أمتكم أمة، ألا وإن الحلال ما أحل الله في كتابه على لسان نبيه، حلال إلى يوم القيامة، ألا وإن الحرام ما حرم الله في كتابه على لسان نبيه، حرام إلى يوم القيامة، ألا وإني لست بمبتدع ولكني متبع، ألا وأني لست بقاض (يعني لست بمشرع) ولكني منفذ".

فهذا هو موقف الخلفاء والحكام في الإسلام: متبعون في الدين لا مبتدعون، ومنفذون للشرع لا مشرعون.

وقد وقف أئمة الإسلام في وجه كل بدعة يراد لها أن تظهر في عبادة الناس لله، حتى وإن بدت صغيرة في عين الرائي، ولكن الصغير يجر إلى الكبير، ومعظم النار من مستصغر الشرر.

جاء رجل إلى الإمام مالك وهو بالمدينة وقال له: يا أبا عبدالله، من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة (مكان إحرام أهل المدينة) من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد! فقال: لا تفعل، قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر (قبر النبي صلى الله عليه وسلم) قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة! قال: وأي فتنة في هذا، وإنما هي أميال أزيدها؟! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إني سمعت الله يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم).

فمع أن الرجل كان يريد الإحرام من أشرف البقاع في المدينة، وهو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم وموضع قبره، وأنه يزيد ولا ينقص، حيث يحرم من موضع أبعد من الميقات المحدد ـ خشي عليه الإمام مالك الفتنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، لما يحمل عمله في ثناياه من تفضيل لنفسه ونسبة النقص إلى عمل رسول الله.

وقد قال الإمام مالك أيضا، من أحدث في هذه الأمة شيئا لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خان الدين، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا!!".

فإذا كان الدين قد أكمله الله وأتم به النعمة، فلا مجال فيه لإحداث زيادة، لأن الكامل لا يقبل الزيادة، ومحاولة الزيادة عليه اتهام له بعدم الكمال.


زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:22 am

التوازن بين الروحية والمادية

* غلو اليهود في أمر الدنيا



* حق الله وحق الحياة

* إهمال المسيحية لأمر الدنيا



* حسنة الدنيا وحسنة الآخرة

* عتو الرهبانية وقسوتها على الطبيعة البشرية



* لا تغلو في دينكم

* التوازن سمة الإسلام



* سقي النخيل أم تطويل الصلاة

التوازن والاعتدال بين الروحية والمادية، أو بين الدين والدنيا، هو المبدأ الإصلاحي الخامس من المبادئ التي دعا إليها الإسلام ورعاها، ليصلح بها ما أفسده محرفو الأديان في مجال العبادة.

غلو اليهودية في أمر الدنيا

نقرأ أسفار التوراة الخمسة الحالية، فلا نكاد نجد للروحانية أثرا، ولا نكاد نرى للآخرة مكانا، حتى الوعد والوعيد في هذه التوراة للمطيعين والعصاة، إنما يتعلقان بأمور دنيوية، وتكاد تستأثر بها النزعة المادية الخالصة فالخصب والصحة والثراء وطول العمر، والنصر على الأعداء ونحوها من المكاسب الدنيوية الحسية العاجلة، هي المثوبات التي تبشر بها التوراة من نفذ أحكام الناموس، وأضداد هذه الأمور من الجدب والمرض والموت والوباء والفقر والهزيمة ونحوها للذين يعرضون عن الشريعة.

ويكفي أن نقرأ هذه النصوص من التوراة لندرك هذه الحقيقة:

احترموا آباءكم وأمهاتكم لتعمروا طويلا في الأرض..

اعبدوا ربكم الإله الأزلي، وهو يبارك خبزكم وماءكم، ويبعد عنكم العلل والأدواء.. وسيطيل أعماركم..الخ.

إذا أطعتم أمري وحفظتم وصيتي فسأبعث عليكم الأمطار في أوقاتها، فتخرج الأرض ثمرتها والأشجار فاكهتها.. الخ.

فليس للأجزية الروحية ولا الأخروية مكان في التوراة..


إهمال المسيحية لأمر الدنيا

فإذا انتقلنا إلى الإنجيل وجدنا دعوة قوية إلى إلغاء قيمة هذه الدنيا، واعتبار هذه الأرض بمثابة منفى للإنسان، وطلب النجاة والسعادة هناك، في العالم الآخر، حيث تقوم مملكة السماء، فمن أراد ملكوت السماء فليعرض عن هذه الأرض، ومن أراد العالم الآخر، فليرفض هذا العالم أو هذه الدنيا، وهكذا لا تحس في الإنجيل أن لك في الدنيا نصيبا، وأن لك في طيبات الحياة حظا، ولا تشعر أن لبدنك عليك حقا، وأن لك في عمارة الأرض دورا.

يقول الإنجيل: لا يدخل غني ملكوت السموات، حتى يدخل الجمل في سم الخياط.. وقال المسيح لشاب آمن به ودخل في دينه: "إذا أردت أن تكون كاملا فاذهب وبع ما تملك واعطه للفقراء، ثم تعال واتبعني. وقال لتلاميذه: "وأنتم فلا تبحثوا عما تأكلون وما تشربون ولا تهتموا لذلك، لأن هذه الأشياء إنما يبحث عنها غير المؤمنين".


عتو الرهبانية وقسوتها على الطبيعة البشرية

ولم تقف الدعوة إلى التقشف والتزهد وإهمال الحياة الأرضية، عند الحد الذي جاء به الإنجيل، بل ابتدع أتباع النصرانية نظام الرهبانية، بما فيه من قسوة على النفس، وتحريم الزواج، وكبت للغرائز، ومصادرة للنزوع إلى الزينة والطيبات من الرزق.

وانتشر هذا النظام العاتي، وكثر أتباعه، وأصبح مما يتعبدون به لله ويتقربون به إليه: البعد عن النظافة والتجمل، واعتبار العناية بالجسم ونظافته ونوازعه رجسا من عمل الشيطان.

ينقل لنا السيد أبو الحسن الندوي عن "تاريخ أخلاق أوروبا" للأستاذ "ليكي" صورا لجموح الرهبانية وغلوها، تقشعر منها الجلود، وتفزع القلوب، وتدهش العقول، وهذه الصور ـ كما يقول الأستاذ ـ قليل من كثير جدا، يقول المؤرخ:

"زاد عدد الرهبان زيادة عظيمة، وعظم شأنهم واستفحل أمرهم واسترعوا الأنظار وشغلوا الناس، ولا يمكن الآن إحصاؤهم بالدقة، ولكن مما يلقي الضوء على كثرتهم وانتشار الحركة الرهبانية، ما روى المؤرخون أنه كان يجتمع أيام عيد الفصح خمسون ألفا من الرهبان، وفي القرن الرابع المسيحي كان راهب واحد يشرف على خمسة آلاف راهب، وكان الراهب (سرابين) يرأس عشرة آلاف، وقد بلغ عددهم في نهاية القرن الرابع عدد أهل مصر.

ظل تعذيب الجسم مثلا كاملا في الدين والأخلاق إلى قرنين، وروى المؤرخون من ذلك عجائب فحدثوا عن الراهب (ماكاريوس) أنه نام ستة أشهر في مستنقع ليقرص جسمه العاري ذباب سام! وكان يحمل دائما نحو قنطار من حديد! وكان صاحبه الراهب (يوسيبيس) يحمل نحو قنطارين من حديد! وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نزح! وقد عبد الراهب (يوحنا) ثلاث سنين قائما على رجل واحدة ولم يتم ولم يقعد طول هذه المدة، فإذا تعب جدا أسند ظهره إلى صخرة! وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائما! وإنما يتسترون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالأنعام! وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر، ويأكل كثير منهم الكلأ والحشيش، وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ويتأثمون من غسل الأعضاء، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة وأوغلهم في النجاسات والدنس، يقول الراهب (اتهينس)! إن الراهب (أنتوني) لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره! وكان الراهب (إبراهام) لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة! وقد قال الراهب الإسكندري بعد زمن متلهفا: واأسفاه! لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حراما فإذا بنا الآن ندخل الحمامات!! وكان الرهبان يتجولون في البلاد ويختطفون الأطفال ويهبونهم إلى الصحراء والأديار، وينتزعون الصبيان من حجور أمهاتهم ويربونهم تربية رهبانية، والحكومة لا تملك من الأمر شيئا، والجمهور والدهماء يؤيدونهم ويحبذون الذين يهجرون آباءهم وأمهاتهم ويختارون الرهبانية ويهتفون باسمها، وعرف كبار الرهبان ومشاهير التاريخ النصراني بالمهارة في التهريب، حتى روي أن الأمهات كن يسترن أولادهن في البيوت إذا رأين الراهب (أمبروز) وأصبح الآباء والأولياء لا يملكون من أولادهم شيئا، وانتقل نفوذهم وولايتهم إلى الرهبان والقسوس.

فكان الرهبان الذين تفيض قلوبهم حنانا ورحمة، وعيونهم من الدمع، تقسو قلوبهم وتجمد عيونهم على الآباء والأمهات والأولاد، فيخلفون الأمهات ثكالى، والأزواج أيامى، والأولاد يتامى، عالة يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء، همهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة، لا يبالون ماتوا أو عاشوا، وحكي (ليكي) من ذلك حكايات تدمع العين وتحزن القلب.

وكانوا يفرون من ظل النساء ويتأثمون من قربهن والاجتماع بهن، وكانوا يعتقدون أن مصادفتهن في الطريق والتحدث إليهن ـ ولو كن أمهات أو أزواجا أو شقيقات ـ تحبط أعمالهم وجهودهم الروحية.. وروى (ليكي) من هذه المضحكات المبكيات شيئا كثيرا".


التوازن سمة الإسلام

هكذا كانت اليهودية في إغفالها للآخرة وللروح، وهكذا كانت المسيحية في تحقيرها للدنيا وللجسد.

فلما جاء الإسلام كانت سمته التوازن والاعتدال في كل الآفاق والنواحي، الاعتدال الذي يليق برسالة عامة خالدة، جاءت لتسع أقطار الأرض، وأطوار الزمن، وتشرع لشتى الأجناس والطبقات والأفراد، في مختلف شؤون الحياة، الاعتدال بين أشواق الروح وحقوق الجسد، بين بواعث الدين، ومطالب الدنيا، الاعتدال بين العمل لهذه الحياة والعمل لما بعد الحياة.

فلم يطلب الإسلام من المسلم المثالي أن يكون راهبا في دير، أو عابدا في خلوة، ليله قائم، ونهاره صائم، كل صمته فكر، وكل كلامه ذكر، وكل نظره تأملات! لا حظ له في الحياة، ولا حظ للحياة فيه.


حق الله وحق الحياة

وإنما طلب من المسلم أن يكون إنسانا عاملا في الحياة، يعمرها ويرقيها ويدفع عجلتها إلى الأمام، طلب منه أن يسعى في مناكب الأرض، ويلتمس الرزق في خباياها، زارعا أو صانعا، أو تاجرا، أو عالما أو عاملا، أو محترفا بأي حرفة نافعة، بيد أن عليه ألا تذهله مطالب الحياة عن واهب الحياة، عليه ألا يشغله حق الجسد عن حق الروح، عليه ألا تشغله رغائب الدنيا العاجلة عن حقائق الآخرة الباقية، عليه ألا ينسى الله فينسى حقيقة نفسه وماهية وجوده، وفي هذا يقول القرآن: (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون).

قال ابن القيم رحمه الله في هذه الآية: تأمل هذه الآية تجد تحتها معنى شريفا عظيما، وهو أن من نسي ربه أنساه ذاته ونفسه، فلم يعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نسي ما به صلاحه وفلاحه، في معاشه ومعاده، فصار معطلا مهملا، بمنزلة الأنعام السائبة، بل ربما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه، لبقائها على هداها الذي أعطاه إياها خالقها، وأما هذا فخرج عن فطرته، التي خلق عليها، فنسي ربه، فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به، وتزكو به، وتسعد به، في معاشها ومعادها، قال تعالى: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) فغفل عن ذكر ربه فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مشتت القلب مضيعه، مفرط الأمر، حيران لا يهتدي سبيلا".

ومهمة العبادات أن تأخذ بيد الإنسان حتى لا تغرقه أعمال الدنيا في لجة النسيان، حيث ينسى الله، فينسيه الله نفسه.

مهمة العبادات أن تقوم بالتنبيه والتذكير لمن نسي مولاه، أو غفل عن أخراه، ثم تدع الإنسان يعود بعد أدائها إلى دنياه يلقاها ساعيا حثيث الخطا، وثيق العرا.

وحسبنا أن نقرأ هاتين الآيتين من سورة الجمعة لنعرف منهما كيف وضعتا المسلم في وضعه الرشيد بين الدين والدنيا، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون).

وهذا هو شأن المسلم: عمل وبيع قبل الصلاة: ثم صلاة وسعي إلى ذكر الله، ثم ـ بعد انقضاء الصلاة ـ انتشار في الأرض وابتغاء من فضل الله، وفضل الله هنا هو الرزق والكسب.

ورواد المساجد في الإسلام ليسوا دراويش متعطلين، ولا رهبانا متبطلين، وإنا هم ـ كما وصفهم القرآن ـ (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار) فهم أناس لهم دنياهم وأعمالهم من تجارة وبيع، وما أشد ما تشغل التجارة والبيع، ولكن ذلك لم يلههم عن حق الله تعالى.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:23 am

حسنة الدنيا وحسنة الآخرة

وفي سياق الحج يرسم القرآن الكريم لنا صورة واضحة ـ وإن لم تكن مفصلة ولا مطولة ـ لصنفين من الناس الذين يدعون الله يسألونه في تلك المواقف.

صنف ضيق الأفق مطموس البصيرة، كل همه الدنيا، فلا يلتفت إلا إليها، ولا يحرص إلا عليها.

وصنف رحب الأفق، نير البصيرة، وسع قلبه الدنيا والآخرة، فسأل الله الحسنة فيهما جميعا.

نقرأ في ذلك قول الله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا، فمن الناس من يقول: ربنا آتنا في الدنيا، وماله في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب).

هكذا قسم القرآن الناس في هذا الموقف الذي تسمو فيه الأرواح وتدنو القلوب من ربها، وتهب عليهم نسمات الذكريات المحمدية من قريب، والذكريات الإبراهيمية من بعيد.

قسمان فقط ذكرهما القرآن: طلاب دنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، وهم ذلك الصنف الذي توعده الله في آية أخرى، (من كان يريد العاجلة، عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا).

وطلاب دنيا وآخرة يطلبون الحسنة في الحياتين، والسعادة في الدارين، دعاؤهم: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة) وفسر الحسنة في الدنيا بما شئت، من العافية أو المرأة الصالحة، أو الأولاد الأبرار، أو العلم النافع، أو الرزق الواسع، أو المحبة بين الناس، أو نحو ذلك، فكل هذا مما يحقق حسنة الدنيا.

ولم يذكر القرآن القسم الثالث من الناس ـ بحسب التقسيم العقلي ـ وهو من لا يطلب إلا حسنة الآخرة، وما له في الدنيا من أرب، وكأنه يعلمنا أن هذا الصنف لا يكاد يوجد في الناس، فالحياة بمتاعبها الجمة، وحقوقها المتنوعة، تفرض على طالب الآخرة أن يدعو ربه لييسر له سبيل دنياه، ويعينه على أداء حقوقها، ويخفف عنه متاعبها.

ثم هو يشعرنا أن إهمال الدنيا، وإهدار شأنها في حساب طالب الآخرة، إنما هو أمر مذموم خارج عن سنة الفطرة، وصراط الدين معا.

ولهذا لم يقبل رسول الله فكرة الانقطاع عن الدنيا من أجل الرغبة في الآخرة، والاعتزال المطلق لعبادة الله، وكلما رمق في بعض أصحابه نزعة إلى هذا اللون من السلوك الذي عرف في بعض الأديان الأخرى، قوم عوج أفكارهم، وهداهم إلى التي هي أقوم، وأعلنهم بهذه الحقيقة التي تميزت بها رسالته العالمية الأخيرة "إن الرهبانية لم تكتب علينا" ليعلموا أن دينهم ليس دين اعتكاف وعزلة، وإنما هو دين حياة وتقدم وعمران.


لا تغلو في دينكم

صحيح أن الله فرض على الناس أن يعبدوه، ويتقربوا إليه، ولكن غلو المسلم في العبادة الشعائرية، وشغل الليل بالنهار بها وحدها، وهضم حقوق الحياة من أجلها ـ أمر يرفضه الإسلام ورسول الإسلام.

تزوج عبدالله بن عمرو بن العاص، وكان شابا صالحا نزاعا إلى العبادة والصيام والقيام، فذهب أبوه عمرو يسأل زوجه عن حاله معها فقالت في أدب: نعم الرجل عبدالله لم يطأ لنا فراشا، منذ جئناك!

وشكا عمرو ابنه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه، فجاء..

ولندع الإمام مسلما يروي لنا القصة على لسان عبدالله نفسه قال: كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كل ليلة، فلما ذكرت النبي صلى الله عليه وسلم قال ـ ألم أخبرك أنك تصوم النهار وتقرأ القرآن كل ليلة؟

قلت ـ بلى يا رسول الله، ولم أرد بذلك إلا الخير..

قال ـ فإنه بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام (في بعض الروايات: صوم ثلاثة أيام من الشهر صوم الشهر كله).

قلت ـ يا نبي الله إني أطيق أكثر من ذلك..

قال ـ فإن لزوجك عليك حقا، ولزورك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا.. قال فصم صوم داود نبي الله، فإنه كان أعبد الناس.

قلت ـ يا نبي الله: وما صوم داود؟

قال ـ كان يصوم يوما، ويفطر يوما ـ وفي رواية (وهو أحب الصيام إلى الله) قال: اقرأ القرآن في كل شهر.

قلت ـ يا رسول الله: إني أطيق أفضل من ذلك.

قال ـ فاقرأه في كل عشرين.

قلت ـ يا نبي الله: إني أطيق أفضل من ذلك.

قال ـ فاقرأه في كل عشر.

قلت ـ يا نبي الله: إني أطيق أفضل من ذلك.

قال ـ فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقا ولزورك عليك حقا، ولجسدك عليك حقا.

وهكذا لقنه النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدرس، وعلمه أن للحياة حقوقا يجب أن تؤدى، كما أن للآخرة حقوقا يجب أن ترعى، والعدل في إعطاء كل ذي حق حقه.

وقد تكررت هذه النزعة أكثر من مرة لأكثر من فرد، وكان النبي عليه السلام يقاومها بقوة، حتى لا يستشري خطرها، ويتطاير شررها.

يروي أنس بن مالك: أن رهطا جاءوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن عبادته، ويبدو أنهم كانوا يتصورونه عليه السلام راكعا ساجدا أبدا، كل ليله قيام، وكل أيامه صيام، ليس لعينه حظ من نوم، ولا لجسده حظ من راحة، ولا لنسائه حظ من قربه، فلما أخبرتهم زوجاته عليه الصلاة والسلام بعبادته، كأنهم تقالوها، ولم تشبع نهمهم للعبادة، فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!!

قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا.

وقال آخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر أبدا.

وقال آخر: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا.

فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وقال: أنتم القوم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

وهكذا عرفهم النبي الكريم سنة الإسلام وهدى رسول الإسلام، فليست تقوى الله وخشيته بترك الدنيا، والانقطاع للعبادة، فهو أخشى الناس لله، وأتقاهم له، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يهدر حقه في الحياة، وحق الحياة فيه، "فمن رغب عن سنتي فليس مني".


سقي النخيل أم تطويل الصلاة

وعن أنس بن مالك قال: كان معاذ بن جبل يؤم قوما ـ فدخل حرام (ابن ملحان) وهو يريد أن يسقي نخله. فدخل المسجد مع القوم فلما رأى معاذا طول تجوز في صلاته (خففها وحده قبل أن يفرغ معاذ) ولحق بنخله يسقيه، فلما قضى معاذ الصلاة قيل له ذلك: فقال: إنه لمنافق، أيعجل عن الصلاة من أجل سقي نخله؟ فقال فجاء حرام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ ومعاذ عنده ـ فقال: يا نبي الله: إنني أردت أن أسقي نخلا لي فدخلت المسجد لأصلي مع القوم، فلما طول ـ أي معاذ ـ تجوزت في صلاتي ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أني منافق!! فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ، فقال: أفتان أنت؟ أفتان أنت؟! لا تطول بهم، اقرأ (سبح اسم ربك الأعلى) (والشمس وضحاها) ونحوها.

ولقد وضحت الروايات في القصة أن الصلاة كانت العشاء، فهي من صلوات الليل، لا من صلوات النهار وقت العمل والكدح، وذكر بعضها أن معاذا قرأ فيها باقتربت الساعة لا بالبقرة ولا بآل عمران، ومع هذا فإن الرجل قام قبل أن يفرغ معاذ فصلى وحده وذهب ـ كل ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجه إليه كلمة لوم أو عتاب، وإنما وجهها إلى إمام القوم الفقيه الجليل معاذ بن جبل "أفتان أنت يا معاذ".

وهذا هو الإسلام: دين لا ينعزل عن الدنيا، ودنيا لا تحيف على الدين!


زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:25 am



اليسر ورفع الحرج

* مقدمة



* رخص وتخفيضات

* بعثت بالحنيفية السمحة



* من رخص الصلاة

* الحكمة في تيسير العبادة ورفع الحرج عن الأمة



* من رخص الجهاد

* رخص الصيام

مقدمة

المبدأ السادس الذي رعاه الإسلام في أمر العبادة هو اليسر ورفع الحرج، وإزالة العنت، ووضع الآصار والأغلال عن أعناق المكلفين، الآصار التي عرفت في بعض الديانات السالفة كاليهودية وغيرها، وقد علم الله المؤمنين أن يدعوه فيقولوا: (ربنا لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا) والإصر هو الحمل الثقيل، وهو تصوير لما كان في شرائع السابقين من التكاليف الشاقة، فمنها عند اليهود نظام الأعياد التي يعيدونها لله في السنة، وهي عيد الفطير، وعيد الحصاد، وعيد المظال، وكذلك عيد كل سبت لا يعمل فيه أدنى عمل، ومن يعمل يوم السبت فجزاؤه القتل، وكذلك سبت المزارع، ففي كل سنة سابعة سبت للأرض لا يزرع فيها، ولا تقطف الكروم، بل تترك الأرض عطلا، وغلات الكروم مأكلا لفقراء شعبهم ووحوش البرية، وغير ذلك من التكاليف الغريبة، مثل تحريم طبخ الجدي بلبن أمه، ومثل ما إذا نطح ثور رجلا أو امرأة فمات المنطوح، يرجم الثور ولا يؤكل لحمه، ومثلها كثير.

ولم يكن هذا التشديد والعنت في اليهودية وحدها، بل سادت هذه النزعة أكثر الديانات قبل الإسلام، إن لم نقل كلها.

يقول العلامة سليمان الندوي:

"ما من دين خلا من العبادة لله، لكن الأديان القديمة حسب أتباعها أن الدين يطالبهم بإيذاء أجسامهم وتعذيبها، وأن الغرض من العبادة إدخال الألم على الجوارح، وأن الجسم إذا ازدادت آلامه، كان في ذلك طهارة للروح، ونزاهة للنفس!

"وعن هذه العقيدة نشأ التبتل عند الهنادك، والرهبانية عند النصارى، وابتدعوا من رياضات الجسم أنواعا عجيبة، أشدها على الجسم أفضلها عندهم، وأقربها إلى الله في زعمهم: فمنهم من آلى على نفسه ألا يغتسل طول حياته، ومنهم من لا يلبس إلا المسوح والثياب الخشنة، وبعضهم آلى على نفسه أن يعيش عريان إلا من خرقة يستتر بها، ماضيا على ذلك مهما أثرت فيه حمارة القيظ، أو زمهرير الشتاء، ومنهم من لزم كهفا فلا يبرحه أبدا، وبعضهم اختار لنفسه أن يبقى واقفا في حر الشمس طول حياته! ومنهم من يحلف ألا يقتات إلا بورق الشجر! ومنهم من بقي صرورة حصورا لا يتزوج، ومنهم من يعد من العبادة والقربة إلى الله منه التناسل!، وفيهم من يرفع إحدى يديه في الهواء ويبقى كذلك طول عمره، حتى تيبس يده وتجف! وكان بعضهم يحبس نفسه ما استطاع وهو يحسب أن ذلك من العبادة، ولا يزال في الهند من يتعلق بشجرة منكسا رأسه إلى تحت! وهذا كله وأمثاله مما كان عليه أتباع الأديان قبل مبعث محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظانين أن أعمالهم هذه من أقرب الوسائل إلى الله، ومن أفضل ما تزكى به النفوس، وتطهر به الأرواح.

"وكان قتل المرء نفسه مما يتقرب به الأقدمون إلى الآلهة، فكانوا ينذرون لآلهتهم قرابين بشرية تذبح كالأضاحي، استرضاء للآلهة، فإذا سفكت دماء البشر لهذا الغرض نثرت دماؤهم على الأوثان، وربما أحرقت لحوم الأضاحي، وجمرت بها الأصنام، وبخرت بدخانها، ولأجل ذلك كان اليهود يحرقون لحوم الأضاحي".


بعثت بالحنيفية السمحة

وقد جاءت الشريعة الإسلامية برفع هذه الآصار، وعرف الرسول في كتب الأولين بهذه الأوصاف المميزة (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) وامتن الله برسوله على الناس فقال: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم).

وقد قال صلى الله عليه وسلم معرفا برسالته: "بعثت بالحنيفية السمحة" فهي حنيفية في العقيدة، سمحة في التكاليف والأحكام.

وإنما خصها الله بالسماحة والسهولة واليسر، لأنه أرادها رسالة الناس كافة، والأقطار جميعا، والأزمان قاطبة، ورسالة هذا شأنها من العموم والخلود لا بد أن يجعل الله الحكيم في ثناياها من التيسير والتخفيف والرحمة ما يلائم اختلاف الأجيال، وحاجات العصور، وشتى البقاع.

وهذا واضح في شريعة الإسلام عامة، وفي العبادات خاصة، يقول الله تعالى في بيان رسالة المسلم في الحياة: (يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج).

ويقول في ختام آية الطهارة من سورة المائدة: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون).

ويقول في ختام آية الصوم: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) ويقول في أعقاب ما ذكره من المحرمات في النكاح، وإباحة ما وراء ذلك بشرط: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا).

وبعث صلى الله عليه وسلم معاذا وأبا موسى الأشعري أميرين إلى اليمن فكان من وصيته لهما: يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا.

ومن أوصافه عليه السلام أنه "ما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما".

ومن أقواله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا".

وإذا كانت وجهة الإسلام هي التيسير، فكل مسلم يبغي التشديد والتعنت إنما يعاند روح الإسلام، ولهذا وقف الرسول الكريم في وجه المتعنتين والمتشددين، وأخبر بهلكتهم ووبالهم، وقال: "ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون". ولم يكن يكرر الكلمة ثلاثا إلا لعظم خطر مضمونها.

وكان بعض الصحابة قد رغبوا في مواصلة الليل والنهار صائمين لا يفطرون، طلبا لزيادة المثوبة، فنهاهم عن هذا الوصال، فلما لم ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما ثم يوما، ثم رأوا الهلال ـ هلال شوال ـ فقال: لو تأخر الشهر لزدتكم ـ كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا! وقال: لو مد لنا في الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم"! وهذا كله كراهية منه للتشديد، وعقوبة للمشددين.

وروى عنه ابن عباس مرفوعا: "إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" وهو الغلو الذي نعاه القرآن على أهل الكتاب ونهاهم عنه "قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل".

روى أبو داود عن سهل بن أبي أمامة أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك زمان عمر بن عبد العزيز، وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة، دقيقة كأنها صلاة مسافر أو قريبا منها، فلما سلم قال لي: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة أم شيء تنفلته؟ قال إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أخطأت، إلا شيئا سهوت عنه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:

"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار "رهبانية" ابتدعوها ما كتبناها عليهم".

والنبي صلى الله عليه وسلم يشير في هذا الحديث إلى ما ذكره القرآن الكريم في سورة الحديد عن الرهبانية التي ابتدعها النصارى ولم يقوموا بحقها، قال تعالى: (وقفينا بعيسى بن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة، ورهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم، إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها".

بينت الآية الكريمة أن الرهبانية من ابتداع النصارى، ما كتبها الله عليهم، ولا شرعها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم، قاصدين رضوان الله بزعمهم، فما رعوها حق رعايتها.

قال الحافظ ابن كثير: وهذا ذم لهم من وجهين: أحدهما: الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله، والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه، مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله عز وجل.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تشددوا يشدد عليكم" إخبار بأن تشديد الإنسان على نفسه سبب لتشديد الله عليه.

وتشديد الله إما تشريعي تكليفي، وإما تشديد كوني قدري، وفقا لنظام الله في الأسباب والمسببات.

فالتشديد بالشرع، كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فليزمه الشرع بالوفاء به.

والتشديد بالقدر، كفعل أهل التزمت والوسوسة: شددوا على أنفسهم، فشدد القدر عليهم، حتى استحكم ذلك فيهم، وصار صفة لازمة لهم، وما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم.

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:26 am

الحكمة في تيسير العبادة ورفع الحرج عن الأمة

وإنما رفع الإسلام الحرج عن أمته، وصد النبي صلى الله عليه وسلم تيار التزمت والتشديد، والغلو في الدين لأمرين ذكرهما الإمام الشاطبي في موافقاته:

أحدهما: الخوف من الانقطاع في الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أو ماله أو حاله.

والثاني: خوف التقصير في الواجبات الأخرى، عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالمكلف المختلفة الأنواع، مثل قيامه على أهله وولده، إلى تكاليف أخرى. فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلاعنها، وقاطعا بالمكلف دونها، وربما أراد أن يقوم بهذه وتلك على المبالغة في الاستقصاء فانقطع عنهما معا.

فأما الأول: فإن الله وضع هذه الشريعة المباركة حنيفية سمحة سهلة، حفظ فيها على الخلق قلوبهم، وحببها لهم بذلك، فلو عملوا على خلاف السماح والسهولة، لدخل عليهم فيما كلفوا به ما لا تخلص به أعمالهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: (واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم، ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان وأولئك هم الراشدون، فضلا من الله ونعمة).

فقد أخبرت الآية أن الله حبب إلينا الإيمان بتيسيره وتسهيله، وزينه في قلوبنا بذلك، وبالوعد الصادق بالجزاء عليه. وفي الحديث: "عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا".

وفي حديث قيام رمضان وانقطاعه عن الصلاة بهم في المسجد "أما بعد فإنه لم يخف علي شأنكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها".

وفي حديث الحولاء بنت تويت حين قالت له عائشة: هذه الحولاء بنت تويت، زعموا أنها لا تنام الليل! فقال عليه الصلاة والسلام: لا تنام الليل؟! خذوا من العمل ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا".

وحديث أنس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد، وحبل ممدود بين ساريتين ـ عمودين ـ فقال: ما هذا؟ قالوا: حبل لزينب، تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر قعد".

وحديث معاذ حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أفتان أنت يا معاذ؟؟" حين أطال الصلاة بالناس وقال: "إن منكم منفرين فأيكم ما صلى بالناس فليتجوز ـ أي ليخفف ـ فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة".

ونهى عن الوصال رحمة بهم، ونهى عن النذر وقال: إن الله يستخرج به من البخيل، وإنه لا يغني من قدر الله شيئا، أو كما قال.

ففي هذا كله نرى المعنى معقولا، والعلة واضحة، من خوف السآمة والملل والعجز، وبغض الطاعة وكراهيتها، وقد جاء عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى".

وأما الثاني: فإن المكلف مطلوب بأعمال ووظائف شرعية، لا بد له منها، ولا محيص له عنها، يقوم بحق ربه تعالى، فإذا أوغل في عمل شاق، فربما قطعه عن غيره، ولا سيما حقوق الغير التي تتعلق به، فتكون عبادته أو عمله الداخل فيه قاطعا عما كلفه الله به، فيقصر فيه، فيكون بذلك ملوما غير معذور، إذ المراد منه القيام بجميعها على وجه لا يخل بواحدة منها، ولا بحال من أحواله فيها.

ذكر البخاري عن أبي جحيفة قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء ـ وهي زوجه ـ متبذلة، فقال لها: ما شآنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا!! فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاما فقال له: كل فإني صائم فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل.. فلما كان الليل، فذهب أبو الدرداء يقوم فقال: نم، فنام، ثم ذهب ليقوم فقال له: نم.. فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصليا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه" فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق سلمان".

وقال صلى الله عليه وسلم: "إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد أن أطيلها" فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، لما أعلم من وجد أمه من بكائه".

وأيضا، فقد يعجز الموغل في بعض الأعمال عن الجهاد أو غيره، وهو من أهل الغناء فيه، ولهذا قال في الحديث في داود عليه السلام: "كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفر إذا لاقى".

وقيل لابن مسعود رضي الله عنه: إنك لتقل الصوم؟ فقال: إنه يشغلني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحب إلي منه..

وكره مالك إحياء الليل كله وقال: لعله يصبح مغلوبا، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة..".

وبهذا يتبين لنا أن هذا المبدأ تتمة للمبدأ السابق، فإن الاعتدال المطلوب بين الدين والدنيا لا يمكن أن يتم إلا بتيسير العبادة وتسهيلها.


رخص وتخفيضات

وإذا كان الإسلام قد بني على اليسر ورفع الحرج في عباداته وتكاليفه في عامة الأحوال، فإنه بصفة خاصة شرع ألوانا من الاستثناءات والإعفاءات والتسهيلات في أحوال خاصة، وهي تلك التي توجد للإنسان نوعا من المشقة يؤوده ويثقل ظهره، ويقعد به عن مواصلة السير.

وقد بينت في كتابي "الحلال والحرام" أن الإسلام قد اعترف بالضعف الإنساني، وقدر لظروف الحياة القاسية قدرها فقرر مبدءا إنسانيا هاما لا غنى للإنسان ولا للحياة عنه، هو "الضرورات تبيح المحظورات" وهو المبدأ الذي نص عليه القرآن في غير آية كقوله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم).

هذا في شأن الحلال والحرام.

أما في العبادات فقد قرر الإسلام فيها مبدأ هاما كذلك من أجل الحياة والإنسان، ذلك هو مبدأ "الرخص" والتخفيف أو الإعفاء في عباداته إذا اقتضت ذلك مطالب الحياة أو ضروراتها، أو هما معا.

فالسفر مثلا تقتضيه مطالب الحياة التي جاء الدين بإقرارها، بل بتمجيدها والدعوة إليها.

كالسفر لطلب الرزق "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه" "سافروا تصحوا وترزقوا".

والسفر لطلب العلم "اطلبوا العلم ولو بالصين".

والسفر للحج إلى بيت الله (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).

والسفر لغير ذلك من الأغراض الدينية والدنيوية.

والمرض مثلا من ضرورات الحياة وبلائها الذي لا يكاد يسلم منه إنسان، بمقتضى النشأة الإنسانية و"التركيب" البشري (لقد خلقنا الإنسان في كبد).

والجهاد من مطالب الحياة وضروراتها معا، إذ الإسلام لم يشرعه إلا دفاعا عن النفس، وتأمينا للدعوة، ودرءا للفتنة، وإنقاذا للمستضعفين، وتأديبا للناكثين.

وفي هذه الأمور الثلاثة ـ السفر والمرض والجهاد ـ قرر الإسلام تيسيرات شتى:


من رخص الصلاة

فجعل للمسافر في الصلاة القصر: يصلي الرباعية ـ كالظهر والعصر والعشاء ـ ركعتين فقط، وقال الرسول في ذلك "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".

ورخص له في الجمع بين الصلاتين ـ الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء ـ فأجاز جمعهما في وقت إحداهما تقديما أو تأخيرا.

كما رخص للمريض أن يصلي قاعدا أو مضطجعا على جنبه، أو مستلقيا على ظهره، حسب استطاعته، وليس على المريض حرج.

وفي "الطهارة" ـ التي هي شرط لصحة الصلاة ـ رخص لمن يتعذر عليه استعمال الماء من مريض أو مسافر أو نحوهما أن يترك الوضوء إلى التيمم بالصعيد الطيب من رمل أو تراب أو حجر أو نحوه، تيسيرا من الله، ورحمة بعباده: قال تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحدكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه، ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون).

وقد ذكر القرآن هذا الحكم أيضا في سورة النساء قائلا: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم، إن الله كان عفوا غفورا).

وفي هذه الآيات يتبين للمسلم أن هذه الرخص في العبادات مظهر يتجلى الله فيه بأسمائه: العفو الغفور، الكريم الرحيم، الذي يريد أن يطهر عباده ويتم عليهم النعمة.

ولله ما كان أفقه عمرو بن العاص حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات السلاسل، فاحتلم في ليلة شديدة البرودة، وأشفق إن اغتسل أن يهلك، فتيمم ثم صلى بمن معه صلاة الصبح، وكأن أصحابه لم يقنعهم هذا العمل من عمرو، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال له الرسول: يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال عمرو: ذكرت قول الله تعالى: (ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما).

فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا".

فضحك الرسول وسكوته دليل على إقراره لعمرو، بل على إعجابه بفقهه في هذه القضية رضي الله عنه.


من رخص الجهاد

وفي الجهاد شرع الله صلاة الحرب، فجعلها في الرباعية ركعة واحدة، تيسيرا عليهم، وإعانة لهم على عدوهم، قال ابن عباس: "إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعا، والخوف ركعة.

وعند التحام الصفوف قبل من المقاتلين الصلاة كيف استطاعوا (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا) فلا يشترط فيها ركوع ولا سجود ولا استقبال قبلة.

ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفرقون بين الصلاة والجهاد، فتلك عمود الإسلام، وهذا ذروة سنامه، والمصلي يعتبر نفسه في ميدان الجهاد، والمجاهد يعتبر نفسه في محراب الصلاة!

وقد فرض الله على المجاهدين أن يحملوا أسلحتهم ويأخذوا حذرهم وهم بين يديه خاشعون، ولربهم مبتهلون مناجون (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة).

وأرسل عليه السلام من فرسانه طليعة له، ليستكشف ويستطلع خبر العدو، وظل عليه الصلاة والسلام يصلي الصبح، وهو يلتفت إلى الشعب الذي يجئ منه الفارس، رغم نهيه عن الالتفات في الصلاة، وأنها كانت قرة عينه ونعيم روحه.

وروي عن عمر أنه قال: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة.


رخص الصيام

وفي صيام رمضان رخص الإسلام للمسافر في الإفطار، بل أوجبه عليه إذا كان في صومه مشقة ظاهرة عليه، ففي الصحيح عن جابر: كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رجلا قد اجتمع الناس عليه، وقد ظلل عليه فقال: ما له؟ قالوا: رجل صائم فقال صلى الله عليه وسلم: "ليس البر أن تصوموا في السفر".

وعن عمار بن ياسر قال: أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة، فسرنا في يوم شديد الحر، فنزلنا في بعض الطريق، فانطلق رجل منا، فدخل تحت شجرة، فإذا أصحابه يلوذون به وهو مضطجع كهيئة الوجع، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما بال صاحبكم؟ قالوا: صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم بالرخصة التي رخص الله لكم فاقبلوها".

وبذلك أثبت النبي صلى الله عليه وسلم بكل صراحة: أن الصيام إذا شق على صاحبه في السفر إلى الحد الذي ذكرته الروايات كان إثما لا برا.

وعن أنس قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا ظلا صاحب الكساء.. فسقط الصوام، وقام المفطرون فضربوا الأبنية، وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".


وهكذا لا يكسب الصائم في مثل هذه الأحوال إلى الجوع والعطش ويكسب المفطر الشبع والري، ومثوبة العمل الاجتماعي لخدمة إخوانه.

وكذلك رخص للمريض بالفطر في رمضان، ويقضي هو والمسافر عدة من أيام أخر، ولنستمع إلى قول الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر".

ورخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمجاهدين بالفطر في الصيام، فعن أبي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام قال: فنزلنا منزلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا، فكانت عزمة فأفطرنا".

وقد استدل الإمامان ابن تيمية وابن القيم بهذه الجملة "إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم" على أن لقاء الأعداء ـ ولو كان ذلك في غير سفر ـ يقتضي الإفطار، لأن المسلمين مطالبون بإعداد ما استطاعوا من قوة، والفطر من أسباب القوة.

ومبدأ التخفيف والتيسير في العبادة من أجل هذه الأمور الثلاثة ـ المرض والسفر والجهاد ـ مبدأ نزل به القرآن منذ مطلع فجر الإسلام في مكة، ففي سورة المزمل يقول تعالى (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن، علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه).

وكان أكثر الناس انشراحا لهذه الرخص، وانتفاعا بها، هم الصحابة الذين فقهوا عن رسول الله، ونهلوا من نبع النبوة، ولم يحجروا ما وسع الله، وكيف لا وقد علموا "أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".

زمزم

default رد: كتاب العباده فى الإسلام ليوسف القرضاوى

مُساهمة من طرف زمزم في الأحد 16 نوفمبر 2008, 12:28 am

عبادات الإسلام وشعائره الكبرى
أسرارها وأثرها في الحياة

تمهيد

* المراد بعبادات الإسلام



* عبادات قديمة جديدة

* أسرار العبادات وآثارها

المراد بعبادات الإسلام

حين نتحدث عن "عبادات الإسلام" نعني بها تلك الصور المحددة التي رسمها الإسلام للتقرب بها إلى الله تعالى، واتخذها شعائر مميزة له، وعين لها مواقيت ومقادير وكيفيات لا مجال فيها لتبديل أو تعديل، وهذا ما يجعلنا نقصر الحديث على العبادات الأربع المعروفة: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.

ولو شئنا أن نفسح المجال لكان علينا أن ندخل في حديثنا ـ على الأقل ـ عبادتين من أهم العبادات الإسلامية التي لم تدخل في نطاق التعبد بتحديد المواقيت والكيفيات، وهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.

فالفريضة الأولى من السمات التي تميزت بها هذه الأمة (كنتم خير أمة أخرجت للناس: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، وهي من شعب الإيمان وخصال المؤمنين (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) (التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله) ومن فرط فيها لعن كما (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون).

والفريضة الثانية قد أمر بها المسلم كما أمر بالركوع والسجود وسائر العبادات: (يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم) (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) والرسول يقول: "من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة".

ويبين القرآن عظم مثوبة المجاهدين فيقول: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون).

وقال صلى الله عليه وسلم: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير في الدنيا وما فيها".

وسأله بعضهم: يا رسول الله ما يعدل الجهاد في الله؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا وكل ذلك يقول: لا تستطيعونه، ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صلاة وصيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله!".

ومع ما لهاتين الفريضتين أو العبادتين ـ الجهاد والأمر والنهي ـ من شأن ومنزلة في الإسلام، فإننا ندع الحديث عنهما هنا، حيث نتجه إلى العبادات الشعائرية الكبرى، التي وضح فيها معنى التعبد، وهي التي تلتمس في العادة آثارها، وتطلب أسرارها.


عبادات قديمة جديدة

العبادات الإسلامية المعروفة من صلاة وزكاة وصيام وحج عبادات قديمة، عرفتها الأديان قبل الإسلام على صورة من الصور، فالله تعالى يقول عن بعض الأنبياء: (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين).

وفي الصيام يقول القرآن: (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون).

وفي الحج يقول: (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا يشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق).

ولكن هذه العبادات الأربع كانت في تلك الديانات مناسبة لعصرها وبيئتها، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخاتمة، الملائمة للبشرية في طور نضوجها، فرض الله عليه هذه العبادات في أكمل صورة لها، ورقى كل نوع منها إلى غايته ومنتهاه، ونقاها من كل ما شابها خلال العصور وكر الدهور.

فالصلاة لم تعد مجرد ابتهال ودعاء، ولكنها ذكر ودعاء وتلاوة، هي أقوال وأعمال يشترك فيها الفكر والقلب واللسان والبدن، اشترط الإسلام لها النظافة والطهارة، وأخذ الزينة، والاتجاه إلى قبلة واحدة، ووزعها على أوقات النهار والليل بمواقيت معينة، وحدد لكل صلاة منها ركعات معدودة، ورتب كيفيتها على نسق فريد، وكملها بما شرع فيها من جماعة وجمعة، وزان ذلك كله بما شرع لها من أذان وإقامة.

والصلاة الإسلامية بهذه الصورة، وتلك الشروط، عبادة فذة لم تعرف هكذا في دين من الأديان.

والزكاة في الإسلام عبادة فذة، إنها ليست مجرد إحسان يتبرع به متبرع، أو صدقة يتطوع بها متطوع، إنها حق معلوم، وضريبة مقدرة على كل من يملك نصابا محددا ناميا من المال حال عليه الحول، فاضلا عن الحاجات الأصلية لمالكه، إنها حق الله فيما أنعم به من مال أو تجارة أو زرع، حق يدفع الإيمان إلى أدائه، وتقوم الدولة على جبايته (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) فمن أداها طيبة بها نفسه، فقد كسب رضا الله والناس، وفاز بخيري الآخرة والأولى، ومن أبى قسر على أدائها قسرا، فإن كانت له شوكة قوتل وجندت له الجنود حتى يؤديها: وهذا ما صنعه الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع مانعي الزكاة.

فالزكاة بهذا الوضع وبمصارفها التي بينها القرآن عبادة جديدة لم تعرف بهذا الكمال في دين من الأديان.

وكذلك الصيام والحج والذكر والدعاء عبادات قديمة مشتركة في أديان كثيرة، ولكن الإسلام نقى هذه العبادات جميعا من كل شائبة، ورقى كل نوع منها إلى غايته، وركز فيها من الأسرار، وربط بها من الآثار، وجعل لها من التأثير في الحياة ما يليق بدين عام خالد، مهمته إصلاح للفرد، وإسعاد البيت، واستقرار الجماعة، وتوجيه الدولة، وهداية العالمين.


أسرار العبادات وآثارها

والأصل في العبادات أنها تؤدى امتثالا لأمر الله، وأداء لحقه على عباده، وشكرا لنعمائه التي لا تنكر، وليس من اللازم أن يكون لهذه العبادات ثمرات ومنافع في حياة الإنسان المادية، وليس من الضروري أن يكون لها حكمة يدركها عقله المحدود، الأًصل فيها أنها ابتلاء لعبودية الإنسان لربه، فلا معنى لأن يدرك السر في كل تفصيلاتها. فالعبد عبد، والرب رب، وما أسعد الإنسان إذا عرف قدر نفسه!

ولو كان الإنسان لا يتعبد لله إلا بما وافق عليه عقله المحدود وعرف الحكمة فيه تفصيلا، فإذا عجز عن إدراك السر في جزئية أو أكثر من جزئياته، أعرض ونأى بجانبه ـ لكان في هذه الحال عبد عقله وهواه، لا عبد ربه ومولاه.

إن العبودية لله شعارها الإيمان بالغيب ولو لم تره، والطاعة للأمر ولو لم تحط بسره.

وحسب المؤمن أن يعلم بالإجمال أن الله غني عن العالمين، غني عن عباداتهم وطاعاتهم، فلا تنفعه طاعة من أطاع ولا تضره معصية من عصى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) (لله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين).

فالله غني عن عباده كل الغنى، وإذا تعبدهم بشيء فإنما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحية والمادية، الفردية والاجتماعية، الدنيوية والأخروية، غير أن الإنسان المحدود قد تخفى عليه حكمة الله جل علاه.

وكم لله من سر خفي يدق خفاه عن فهم الذكي

وكما أخفى كثيرا من أسرار هذا الكون عن الإنسان، أخفى عنه بعض أسرار ما شرع ليظل الإنسان في هذا وذاك متطلعا بأشواقه وراء المجهول آملا في الوصول، معترفا بالقصور، وليظل دائما في دائرة العبودية المؤمنة التي شعارها دائما: (سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير).

وقد ذكر الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال: "أن العبادات لصحة قلب الإنسان، كالأدوية لصحة بدنه، وليس كل إنسان يعرف خواص الدواء وسر تركيبه إلا الطبيب أو العالم الذي اختص بمعرفته، وكل مريض يقلد الطبيب فيما يصف له من دواء ولا يناقشه فيه، قال: فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء، لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء، بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص بنور النبوة لا ببضاعة العقل، وكما أن اختلاف الأدوية في المقدار والوزن والنوع لا يخلو من سر هو من قبيل الخواص، فكذلك العبادات التي هي أدوية داء القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار، حتى إن السجود ضعف الركوع، وصلاة الصبح نصف صلاة العصر في المقدار، فلا يخلو عن سر من الأسرار، وهو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة، فقد تحامق وتجاهل جدا من أراد أن يستنبط لها حكمة، أو ظن أنها ذكرت على الاتفاق لا من سر إلهي فيها".

وبهذا علم أنه من الخطأ البين أن نطلب لكل تفصيل من تفصيلات العبادة حكمة تقنع العقل، وتشبع نهمه، ولا سيما ذلك العقل المادي الحديث الذي لا يشبعه إلا الحسية والنفعية.

فالعبادات ـ كما قال الأستاذ العقاد ـ شعائر توقيفية تؤخذ بأوضاعها وأشكالها، ولا يتجه الاعتراض إلى وضع من أوضاعها، إلا أمكن أن يتجه إلى الوضع الآخر، لو استبدل منها ما اقترحه المقترح بما جرى عليه العمل وقامت عليه الفريضة من نشأتها.

"لماذا يكون الصوم شهرا ولا يكون ثلاثة أسابيع أو خمسة، لماذا تكون حصة الزكاة جزءا من عشرة أجزاء، ولا تكون جزءا من تسعة أو من خمسة عشر؟"

لماذا نركع ونسجد ولا نصلي قياما أو قياما ركوعا بغير سجود؟

من اعترض بأمثال هذه الاعتراضات فليس ما يمنعه أن يعود إلى الاعتراض لو فرض الصيام ثلاثة أسابيع، أو فرضت الزكاة فوق مقدارها أو دون هذا المقدار، أو فرضت الصلاة على وضع غير وضعها الذي اتفق عليه أتباع الدين وليس معنى أن هذه الأوضاع لا تعرف لها أسباب تدعو إليها، وتفسر لنا اتباعها دون غيرها، ولكنها في نهاية الأمر أوضاع توقيفية لا موجب من العقل للتحكم فيها بالاقتراح والتعديل، لأن المقترح المعدل لن يستند إلى حجة أقوى من الحجة التي يرفضها، ويميل إلى سواها.

ويسري هذا على كل تنظيم في أمور الدنيا، ولا يسري على أمور الدين وحده.

فلماذا يكون عدد الكتيبة في جيش هذه الأمة خمسين مثلا ويكون في أمة غيرها أربعين أو مائة؟

ولماذا يجعل اللون الأخضر رمزا لهذا المعنى في ألوان العلم القومي عند قوم من الأقوام، وهو مجعول لغير هذا المعنى عندأقوام آخرين؟

لا مناص في النهاية من أسباب توقيفية يكون التسليم بها أقرب إلى العقل من المجادلة فيها.

وقد ضل قوم حاولوا أن يفهموا الحكمة من كل جزئية من جزئيات العبادة، فلما خفيت عليهم أسرار بعض التفصيلات في عبادة كالحج شكوا وشككوا، وهم في شكهم وتشكيكهم ضالون عن سواء السبيل.

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 08 ديسمبر 2016, 1:51 am