مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

سعيد بن زَيْدٍ

شاطر
avatar
ماما سونة
باحثة اجتماعية

مميز سعيد بن زَيْدٍ

مُساهمة من طرف ماما سونة في الأحد 29 سبتمبر 2013, 11:04 pm

يرويها لنا الدكتور محمد راتب النابلسي

هذا الصحابيّ الجليل، والده اسمه زَيد بن عمرو بن نُفَيل، كان مرَّةً في مكَّة المُكّرَّمَة، وكانت قُرَيْش تحْتفلُ بأحد أعْيادِها، فرأى الرِّجال يعْتَجِرون بالعَمائِم السُّنْدُسِيَّة الغالِيَة، ويَخْتالون بالبُرودِ اليمانِيَّة الثمينة، وأبصر النِّساء والوِلْدان وقد لبِسوا زاهي الثِّياب وبديع الحُلَل، ونظر إلى الأنعام يقودُها الموسِرون بعد أن حلَّوها بأنواع الزِّينة ليذبحوها بين أيدي الأوثان .
وقف زيد بن عمرو بن نفيل والد سيدنا سعيد بن زيد، مُسْنداً ظهره إلى جدار الكعبة وقال: يا معشر قريش، الشاة خلقها الله عز وجل، وهو الذي أنزل لها المطر من السماء فَرَوِيَت، وأنبت لها العشب من الأرض فشبعت، ثم تذبحونها على غير اسم الله عز وجل، إني أراكم قوما تجهلون .
ماذا تَدُّلُّ هذه القصة؟ النبي عليه الصلاة والسلام لم يُبعث بعد، وهذا الإنسان ما الذي جعله ينكر على قومه هذه الأفعال؟ قال: يا معشر قريش، الشاة خلقها الله عز وجل، وهو الذي أنزل لها المطر من السماء فَرَوِيَت، وأنبت لها العشب من الأرض فشبعت، ثم تذبحونها على غير اسم الله عز وجل، إني أراكم قوماً تجهلون
قيمة هذه القصة أنَّ والد سيّدنا سعيد بن زيدٍ عاشَ قبل بِعْثة النبي وما سمِع بالقُرآن ولا بِالنَّبي العَدنان، ولا قرأ كتاب الله، ولا نُقِلَتْ إليه الأحاديث الشريفة, شيءٌ فِطْري فَفِطْرَته السليمة أبَتْ هذه العادات القبيحة
لذلك أيها الأخوة, أصْدُقُكم أنَّ المؤمن المُسْتقيم على أمر الله يشْعر بِراحَةٍ نفْسِيَّة وطُمأنينةٍ وسكينةٍ، لو وُزِّعَتْ على أهل بلْدَةٍ لَكَفَتْهم، ويشْعُر المُعْرِض عن الله عز وجل باضْطِرابٍ واخْتِلال توازُنٍ وعُقْدة نقْصٍ، وشُعورٍ بالذَّنْب وقلقٍ واضطراب وغَلَيانٍ, لو وُزِّع على أهل بلْدَةٍ لَكَفَتْهم، هذا الإنسان على الفِطْرة, إنما فطرته السليمة قادَتْهُ إلى اسْتِنكار أفْعال قُرَيشٍ .
ما هو موقف الخطاب والد عمر من قول زيد بن عمرو والد سعيد ؟
أمَّا عمُّ زيد بن عمرو فهو الخطَّاب, والد عمر بن الخطَّاب
قالوا: هذا الخطَّاب والد عمر بن الخطَّاب, قام إليه فلطمه, وقال: تبًّا لك ما زلنا نسمع منك هذا البذاء, هذا الكلام السخيف، ونحتمله حتَّى نفد صبرنا .
منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها وإلى يوم القيامة, هناك معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل في كل عصرٍ ومصرٍ، وفي كل مجتمع وبيئة, وبين أهل الإيمان وأهل الكفر والعصيان، المؤمنون يحبُّون الناس جميعاً، هذه صبغة الله التي اصطبغوا بها، لكنَّ أهل الدنيا لا يحبون المؤمنين، دائماً يقفون في الصفِّ المعارض .
, وَطِّنْ نفسك أنَّك إذا اتَّبعتَ منهج الله فسيكون لك خصومٌ وأعداء، ومنتقدون ومُجَرِّحون، ولك من يعيب عليك، ويبحث عن أخطائك الطَّفيفة ويكبِّرَها، ليُثبِت لنفسه وللنَّاس أن الدِّين لا يصلح لهذا الزَّمان((أ [
المسلم هو بشرٌ، وليس معصوماً، لكن أهل الباطل يسلِّطونُ على أخطائه الطَّفيفة أشدَّ الأضواء، ويكبِّرُونها أشدَّ التَّكبير، ويُشهِّرون به أشدَّ التَّشهير حتَّى يرتاحوا, لأنَّهم إذا رأوا المسلم إنساناً ناجحاً منضبطاً ظهر خللُهم ونقصهم وعيبهم، فإذا نهشُوه بألسنتهم، وكبَّروا أخطاءَه ارتاحوا, فالمسلم العاقل لا يمكن أهلّ الباطل من خطأ عليه، ولا يُمِّسك أهل الباطل خطأً يتاجرون به
أيها الأخوة, ثمّ أغرى به سُفهاء قَوْمه، فآذَوْهُ ولَجُّوا في إيذائِهِ، حتى نزح عن مكة، والْتَجَأ إلى أحد جبالها وشِعابِها، فَوَكَّل به الخطاب طائِفَةً من شباب قُرَيْش لِيَحولوا بينه وبين دُخول مكَّة فكان لا يدْخُلُها إلا سِراً لأنه قال كلمة الحق، قال تعالى:
﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
( سورة البروج الآية: Cool
ما هو محور الاجتماع الذي اجتمع فيه زيد ومن معه ؟
قالوا: هذا زيد بن عمرو بن نفيل, اِجْتَمَعَ في غَفْلةٍ من قُرَيْش إلى كلٍّ من ورقة بن نَوْفَل ، وعبد الله بن جَحْش، وعُثمان بن الحارث، وأُمَيْمَة بنت عبد المُطَّلِب عمَّة النبي صلى الله عليه وسلّم، وجعلوا يتذاكرون فيما غَرِقَتْ فيه قُرَيْشٌ من الضلال، فقال زيْدٌ لأَصْحابه: إنكم واللهِ، تعْلمون أنَّ قوْمكم ليسوا على شيءٍ, وأنهم أخْطؤوا دينَ إبراهيم وخالفوه، فابْتغوا لِأنفسكم ديناً تَدينون به إن كنتم تُريدون النجاة، فَهَبَّ الرِّجال الأربعة إلى أحْبار اليهود والنصارى وغيرهم من أصْحاب المِلَل
إليكم قصة زيد وهو يبحث عن الحقيقة :
أيها الأخوة, أما زيد والد سيّدِنا سعيد فكانت له قِصَّة ولْنَدَعْ له الكلام لِيَرْويَها لنا:
قال زَيْدٍ:
((وَقَفْتُ على اليهودِيَّة والنَّصْرانِيَّة فأعْرَضْتُ عنهما، إذْ لم أجِدْ فيهما شيئاً أطْمَئِنُّ إليه - طبْعاً بعد أنْ حُرِّفَ كلٌّ منهما- وجَعَلْتُ أضْرِبُ في الآفاق بحْثاً عن مِلَّة إبراهيم، حتى صِرْتُ إلى بلاد الشام، فَذُكِرَ لي راهِبٌ له علْمٌ من الكِتاب، فأَتَيْتُه وقَصَصْتُ عليه أمْري، فقال: أراك تُريدُ دين إبراهيم يا أخا مكَّة، قُلْتُ: نعم، وذلك ما أبْغي، فقال: إنَّك تطْلب ديناً لا وجود له اليوم، ولكِنَّ الحق بِبَلَدِك، فإنَّ الله يبْعَثُ مِن قَوْمِك مَن يُجَدِّدُ دين إبْراهيم، فإنْ أدْرَكْتَهُ فالْتَزِمْهُ))
وهذا مذكور في كتب النصارى، كما يبيِّنه قوله تعالى:
﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
(سورة الصفّ الآية: 6 )
وهناك بعض الطبعات للإنجيل فيها إشارة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، منها إنْجيل بَرْنابا،
((فَقَفَل زيدٌ راجِعاً إلى مكَّة بِخُطى حثيثَة اِلْتِماساً للنبيّ المَوْعود، ولما كان في بعض طريقه بعث الله نبِيَّهُ محمَّداً بالهُدى ودين الحق، وبينما هو في الطريق ظهر النبي محمّدٌ، ودعا الناس إلى التوحيد، ولكنَّ زيْداً لم يُدْرِكْهُ، إذْ خَرَجَتْ عليه جماعَةٌ من الأعراب فَقَتَلَتْهُ, فالعَرَب في ِالجاهِلِيَّة كانوا قُطاعاً للطرق، قالوا: وقبل أن يبلغ مكَّة، وقبل أنْ تكْتَحِل عيْناه بِرُؤية النبي عليه الصلاة والسلام، وفيما كان يلْفِظ أنْفاسه الأخيرة، رفع بصره إلى السماء, وقال: اللهمّ إنْ كُنْتَ حَرَمْتني من هذا الخير، فلا تحْرم منه ابني سعيداً. كانت له حُرْقة، وهي تَمَني لِقاء النبي، ولكنَّ فضل الله عز وجل كبير, فإنَّك إنْ كنتَ في أوَّل الطريق وجاءتْك المَنِيَّة فإنّ اللهَ عز وجل يُحاسِبُك الله وكأنَّك بلَغْتَ نِهاية الطريق، وهذا من كرم الله عز وجل, إنسان خرج من بيته يطلب العلم فإن أدْرَكَتْهُ المَنِيَّة فهو في ذِمَّة الله، وكأنه بلغ نِهاية العِلْم, وهذا من كرم الله عز وجل .
هل استجاب الله دعوة زيد بن عمرو , وما هو المغنم الذي رزق به سعيد وزوجته ؟
فربنا عز وجل اسْتجاب لِزَيْدٍ دَعْوَته الحارَّة، وسيّدنا سعيد بن زيد ما أَنْ بُعِثَ النبي عليه الصلاة والسلام حتى بادر إلى الإيمان به، وكان من السابقين السابقين, آمن به من قبل أنْ ينتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى دار الأرقم، والحقيقة أنّ سيّدنا سعيد بن زيْدٍ, أسْلَمَ وأسْلَمَت معه زوْجته فاطمة بنت الخطاب, أُخْتُ عمر بن الخطاب، وقد لَقِيَ هذا الفتى القُرَشي من قومه ما كان خليقاً أنْ يفْتِنَهُ عن دينه، فلقد آذتْهُ قريشٌ وضغطتْ عليهِ، لكنه اسْتطاع أنْ ينتزع منهم عِمْلاقهم سيّدنا عمر، حتى إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يدْعو, ويقول:
((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ, بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ))
[أخرجه الترمذي عن ابن عمر في سننه]
وقِصَّة إسْلام عمر قِصَّةٌ مؤَثِّرة جداً, بلغه أنَّ أُخْته قد أسْلَمَتْ فانْطَلَق لِيَقْتُلها، وسمع القرآن الكريم فَلانَ قلبه، وخشع فُؤاده، وانْهَمَرَتْ دُموعه، واتَّجَهَ نحو النبي عليه الصلاة والسلام، وقد تَوَجَّس أصْحاب النبي خيفَةً من عمر بن الخطاب، فإذا هو قد جاء مُسْلِماً, قد يكون شخصٌ عبئًا على الإسلام، وآخر في خِدْمة الإسلام، وشاء الله أنْ يسلم عمر على يد سعيد بن زيد وأخته فاطمة، فمهما لَقِيَ سعيد من اضطهاد من قومه لكنَّ الله عز وجل وفَّقَهُ إلى أنْ يجعل هذا الإنسان العظيم يُسْلِمُ على يَدَيْه، فَسَيِّدُنا عمر في صحيفة سيّدنا سعيد بن زيد, وفي صحيفة أُخته فاطمة بنت الخطاب .
ترجمة عن حياة الصحابي الجليل سعيد بن زيد :
سيّدنا سعيد بن زيد حينما أسلم، كانت سِنُّهُ لا تزيد عن عشْرين عاماً، وأنا أقول لكم: يا معْشر الشباب كلما بَكَّرْتُم بمَعْرِفَة الله كُلَّما شَكَّلْتم حياتكم وِفْقَ منهج الله، واخْتَرْتُم مهْنَةً تُرْضي الله، وألْصـق شيء بالإنسان مَن؟ زوْجَتُهُ ومهنتُه، فإن اخْتار زوْجَةً فاسِدَةً مِن أهل الدنيا، شَهْوانِيَّة شيْطانِيَّة، ثمَّ اهْتدى إلى الله عز وجل فإنّه يتَمَزَّقُ تَمَزُّقاً لا حُدود له، فهو في وادٍ وهي في وادٍ, ولا شيءَ أسعد للمؤمن من زوْجَةٍ تُعينه على دينه، ولا شيءَ أسعد للمؤمن من أنْ يكون هو وأهله على شاكلةٍ واحدة .
سيّدنا سعيد بن زيد شَهِد مع النبي عليه الصلاة والسلام المشاهد كلَّها،
فقد كان الصحابة أعلى منازل من شباب زماننا، فيقولون لك: شَهِد المشاهد كلَّها، بدْرًا وأُحدًا والخندق وحُنينًا وتبوكَ ومُؤتة، أما الآن فلا حرْب ولا غزوة، وما عليك إلا أن تحضر الدرس وتسْتمع إلى كلام الله، والسنَّة النبوية المطهَّرة، ولأقوال الصحابة ومواقفهم المُشَرِّفة، ثمّ إنَّ المسجد نظيف، وهناك تكْبير صوت، وتَهْوِيَة وتدْفئة مرْكزيَّة، لا تحْتاج عند الدخول إلى وَصْل أو قسيمة أو اسْتِلام، عكسَ دُخولِك للمحامي أو الطبيب، فإنّه يكلِّفك مالاً كثيرًا، لكن بيْتَ الله دُخوله سَهْل .
إذاً: هذا الصحابي شَهِد المشاهد كلَّها إلا بدْراً، لكنه تخَلَّف عن بدْرٍ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كلَّفَهُ بِمُهِمَّة، فلما عاد إلى المدينة كان النبي قد خرج إلى بدْرٍ فلما لَحِقَ بالنبي عليه الصلاة والسلام كانت المعركة قد انتَهَتْ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أعْطاه سَهْماً، وكأنه قد شَهِدَ بدْراً إكْراماً له .
سعيد خاض مع المسلمين معركة اليرموك :
هذا الصحابي الجليل، سعيد بن زَيْد أسْهَم مع المسلمين في اسْتِلاب عرْشِ كِسْرى، وتقْويض مُلْك قيْصَر، وكانت له في كُلِّ مَوْقِعَةٍ خاض غمارَها المسلمون مواقف مشْهودة، وأيادٍ بيْضاءُ حميدة، ومن أرْوَعِ بُطولاته يوْمَ اليَرْموك، فقد قال:
((لما كان يوم اليرْموك كنا أربعةً وعشرين ألْفاً، أو نحْواً من ذلك، فَخَرَجَتْ لنا الروم بِعِشْرين ومئة ألف, وأقْبلوا علينا بِخُطى ثقيلة، كأنهم الجِبال تُحَرِّكُها أيْدٍ خَفِيَّة، وسار أمامهم الأساقِفَة والبطارقة والقِسِّيسُون يحْمِلون الصُّلْبان، وهم يَجْهَرون بالصلوات فَيُرَدِّدُها الجَيْش من ورائِهم، ولهم هزيمٌ كَهَزيم الرعد، فلما رآهم المسلمون على حالتهم هذه هالَتْهُم كثْرَتُهُم، وخالط قُلوبهم شيءٌ من خَوْفِهم، فعنْدها قام أبو عُبَيْدة بن الجراح أمينُ هذه الأمة يَحُضُّ المسْلمين على القِتال, فقال: عِباد الله، اُنْصُروا الله ينْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامكم، عباد الله, اصْبِروا فإنَّ الصبر منْجاةٌ من الكُفْر، ومرْضاةٌ للربِّ، ومدْحَضَةٌ للعارِ، أشْرِعوا الرِّماح، واسْتَتِروا بالتُّروس، وألزموا الصَّمْتَ إلا من ذِكْر الله تعالى في أنفسكم حتى آمركم إنْ شاء الله))
أحْياناً موقِفٌ واحدٌ يُغَيِّر مجْرى معْركة، قال سعيد بن زَيْد:
((عند ذلك خرج رجُلٌ من صُفوف المُسْلمين، وقال لأبي عُبَيْدة: إني أزْمَعْتُ أنْ أقْضِيَ نحبي الساعة، فَهَل لك من رِسالة تبْعَثُ بها للنبي صلى الله عليه وسلَّم؟ هكذا كان الصحابة, رأى المَوْت وبعده الجنَّة، رأى الموتَ يتألَّق، فقال أبو عُبَيْدة: نعم، أقْرِئه مني ومن المسلمين السلام، وقُل له يا رسول الله: إنا وجَدْنا ما وعدنا ربنا حقاً))
والنبي عليه الصلاة والسلام لما انْتَهَتْ معركة بدْرٍ، ورأى صناديد قُرَيْش قد قُتِلوا وهم جُثَثٌ مُتَفَسِّخة خاطبهم واحدًا واحداً: يا شيبةُ، يا عُتْبة، يا فُلان، وتَرْوي كُتُب السيرة أنهم خاطَبَهُم فَرْداً فرْداً، قال:
((هل وجَدْتم ما وعَدَ ربكم حقاً؟ فإني وَجَدْتُ ما وعدني ربي حقاً, لقد أخْرَجْتُموني وآواني الناس، وخَذَلْتُموني ونصَرَني الناس، قالوا: يا نَبَيَّ الله، أَتُخاطِبُ قومًا جَيَّفوا؟ قال: ما أنتم بِأَسْمَع لما أقول منهم، ولكنَّهُم لا يُجيبونني))
قال سعيد:
((فما إنْ سمِعْتُ كلامه ورأيته يمْتَشِقُ حُسامه، ويَمْضي إلى لِقاء أعْداء الله حتى خررتُ إلى الأرض، وجَفَوْتُ على رُكْبَتَي، وأشْرَعْتُ رُمْحي، وطَعَنْتُ أوَّل فارِسٍ أقبل علينا ، ثمَّ وَثَبْتُ على العَدُوّ، وقد انْتَزَعَ الله كُلّ ما في قلبي من الخوف))
ثم قال:
((فثار الناسُ في وُجوه الروم، وما زالوا يُقاتِلونهم حتى كُتِبَ لهم النَّصْر))
أربعة وعشرون ألفاً انْتصروا على مئة وعشرين ألفاً, عِلْماً أنه إذا الْتقى مؤمن وكافر فالمَعْركة قصيرة لأن الموازين لِصالِح المؤمن والله معه، وإذا الْتقى الكُفار مع بعضهم بعضاً فإنَّ المعركة تطول، لأنَّ الموضوع للقُوَّة من السِلاحٍ والتكنولوجيا، كلُّ المُقَوِّمات التي يقولها الناس تدْخل في الحِسابات.
ما هي الحادثة التي ضجت بها أهل المدينة وتكلم بها الزمان طويلاً ؟
سيِّدُنا سعيد بن زيد شَهِد فَتْح دِمَشْق، فلما دانت للمسلمين بالطاعة جعله أبو عُبَيْدة بن الجراح والِياً عليها، فكان سعيد أوَّل من وَلِيَ إمْرةَ دِمَشْق من المُسْلمين .
في زمن بني أُميَّة وقعتْ لسيِّدنا سعيد بن زيد حادثة ظلّ أهل المدينة يتحدَّثون بها زمناً طويلاً، وهذه القِصَّة أيها الأخوة تقع في كُلِّ زمان، ذلك أنَّ أرْوَى بنت أُوَيْس زعمتْ أنَّ سعيد بن زيد, قد غَصَب شيئاً من أرضِها وضمَّها إلى أرْضه، وجعلتْ تلوك ذلك بين المُسلمين، وتتحدَّثُ به إلى أنْ رفَعَتْ أمْرها إلى مروان بن الحكم والي المدينة، واضْطرّ الوالي أنْ يُرْسِل إليه أشْخاصاً لِيُحَقِّقوا في الأمر، فأرسل مروان بن الحكم أُناساً يُكَلِّمونه بِذلك، فَصَعُبَ الأمر على صاحب رسول الله .
فأحْياناً يكون الشخصٌ له دَعْوة إلى الله، مؤمن ومسْتقيم، يأتي خصْمٌ له يتَّهِمُهُ باتِّهامات لا أصْل لها، بل باطلة، ثمّ يُرَوِّجُها، وذلك غافِلٌ عن كلِّ هذا، حتى يصل الأمر إلى أنْ تسمع كلّ البلدة عما أذيع عنه, أين دينه واسْتِقامته؟ لأنَّ الشيطان يؤز الكافرُ أزاًّ .
فهذا الصحابي الجليل تألَّم أشّدَّ الألم، وهل معْقولٌ أنْ يعْتدي هذا الصحابي المُبَشَّر بالجنة على أرْضِها؟ وأين قَوْلُ النبي واتباع السُّنة؟ وأين اسْتِقامته وطهارته وعِفَّتهُ؟ إذا كان لك أخٌ مؤمن وتعرفه حقَّ المعْرفة, وسَمِعْتَ عنه قِصَّة بِإمْكانك أنْ تنْفِيَها عنه وأنت مُطْمَئِنّ، لا يُعْقَلُ أنْ يفعل هذا
قال:
((فَلَمْ يمْضِ على ذلك إلا القليل حتى سال العقيق, وهو وادٍ في المدينة, سال هذا الوادي سيْلاً لم يسِل مثله قطّ فَكَشَفَ عن الحدِّ الذي كانا يخْتَلِفان فيه، وظهر للناس جميعاً أنَّ سعيداً كانَ صادِقاً، ولم تَلْبث المرأة بعد ذلك إلا شَهْراً حتى عَمِيَتْ، وبينما هي تطوفُ في أرْضِها تِلك سَقَطَتْ في بئْرها، قال عبد الله بن عمر: فَكُنا ونحن غِلْمان نسْمع أحدهم يقول للآخر: أعْماك الله كما أعمى أرْوى))
فأصْبَحَتْ مضرب المثل، وجعلها الله نكالاً، فعلى الإنسان ألاّ يقترب من حدود شَخْصٍ من ذوي الخير، ومن أصْحاب الدعوة، ومن شَخْصٍ تسْتفيد منه الناس، عليك أنْ تبْتعد عنه ، وقُلْ: حَسْبِيَ الله ونِعْم الوكيل، ولا عَجَبَ في ذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام, يقول:
((اتَّقوا دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حِجاب))
[أخرجه أحمد في مسنده]
أولاد سعيد كما ورد في الخبر :
هناك خَبَرٌ في كتاب صِفَة الصَّفْوة، يقول: له مِن الولد عبد الله الأكبر، هذا واحد، وعبد الله الأصغر، وعبد الرحمن الأكبر، وعبد الرحمن الأصغر، وإبراهيم الأكبر، وإبراهيم الأصغر، وعمرو الأكبر، وعمرو الأصغر, وطلحة، ومحمد، وخالد، وزيد، واُمُّ الحَسَن الكبرى، وأمُّ الحسن الصغرى، وأمُّ حبيب الكبرى، وأمُّ حبيب الصغرى، وأمُّ زيد الكبرى والصغرى، وعائِشَة، وعاتِكَة وحَفْصَة, وزَيْنب, وأمُّ سلمة, وأمُّ موسى, وأمُّ سعيد، وأمُّ النعمان، وأمُّ صالح، وأمُ خالد, وأمُّ عبد، ودَجْلة، رزَقَهُ الله أولاداً كثرى .
سعيد بن زيد من العشرة المبشرين في الجنة :
الآن ما الذي يُؤكِّدُ أنه من أصْحاب الجنَّة؟ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ:
((أَشْهَدُ عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ, وَلَوْ شَهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ آثَمْ, قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِرَاءَ, فَقَالَ: اثْبُتْ حِرَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ, قِيلَ: وَمَنْ هُمْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ, قِيلَ: فَمَنْ الْعَاشِرُ؟ قَالَ: أنا))
[أخرجه الترمذي عن سعيد بن زيد في سننه]
قال سعيد بن زيد:
((أشْهد أني سمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, يقول: أبو بكرٍ في الجنة, وعمر في الجنَّة, وعثمان في الجنَّة ....وسعْدُ في الجنَّة, قال: فإن شِئتم أخْبرتكم بالعاشر, قال: أنا))
وهذه أكبر شهادة أنْ يقول لك النبي: أنت من أهل الجنَّة .
لتبتغيها أيها المؤمن عند الله، ولا تبْتغها عند أهل الدنيا .
خلاصة الدرس :
وهذه هي قصَّة سيّدنا سعيد بن زيد وقصة أبيه، وفي هذه القِصَّة على قِلَّة أخْبارها عِبَرٌ واضحة، ولكنها تحْمل اسْتِنْباطات كثيرة, فالأب قال داعيًا: اللهم إن حَرَمْتني هذا الخير العظيم فلا تحْرِم منه ابني سعيدًا، فَكُلُّ واحدٍ منا إذا كان له ابنٌ فعليه أنْ يعْتني به أشَدَّ العِناية, لِيُعَلِّمْهُ العِلم الصحيح، ليُراقب سُلوكه، ولِيَدْفَعه لِطاعة الله، فإذا نجا وأفْلح كان كلُّ عمله في صحيفة أبيه، كما أنَّ عمل سيِّدنا سعيد بن زيدٍ في صحيفة والده زيد بن عمرو بن نفيل

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 26 مايو 2017, 4:46 pm