مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

اللباس

شاطر

ام ايهاب
مشرفة قاعة السيرة العطرة

default اللباس

مُساهمة من طرف ام ايهاب في السبت 01 سبتمبر 2012, 12:50 pm

آداب اللباس في الإسلام

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده نبينا محمد وعلى آله وصحبه ، وبعد :
فيمكن القول بأن اللباس مما يتميز به الإنسان عن غيره من الحيوانات ؛ فيواري عورته ويتجمل به في الناس ؛ ولكن لما كان بعض الناس قد يخرج بلباسه عن إطار الحِلِّ أو اللياقة دون ضابط ؛ جاء الإسلام ليضع لأهله ضوابطَ وآدابًا ، تجعلهم يتميزون عن غيرهم من البشر في لباسهم ، كما تميزوا في عقيدتهم وشريعتهم .
إنه الدين العظيم الذي ربى أهله على العبودية لله وحده ، وأن يكونوا في جميع شئون حياتهم مرتبطين بتعاليم هذا الدين التي تربط العبد بخالقه ، وتجعله يعي أن كل شيء في حياته له ضوابط وآداب توفق بين الروح والبدن ، لتصله بربه ؛ فيعيش في حياته الدنيوية يرنو إلى الحياة الأبدية في جنات النعيم ؛ والتي جعلها الله U جزاءً للطائعين المستقيمين .
فكم هو شنيعٌ خطأُ فَهْمِ أولئك الذين يظنون أن مسألة اللباس في الإسلام مسألة شكلية ! وأي شكل في الوجود لا يعبِّر عن مضمون ؛ بدءًا بأبسط الأشياء حتى أعقدها ! ودونك العلوم والفلسفات والحضارات عبرالتاريخ ، فانظر وتأمل!
إن قضية اللباس مرتبطة بأصول العقيدة أساسًا ! سواء تعلق ذلك بالرجال أو بالنساء على السواء ، لكن لكل منهما صفاته الخاصة ؛ وغلط مَنْ يحصر ذلك في مجال التشريع فقط ! ومن هنا يتبين مدى الخطر الذي تؤدي إليه (حركة التعري) من تدمير عقدي لمن يعتقدها صوابًا .
ولما كان البشر يتميز لباسهم بحسب جنسهم ، كان للباس الذكور آداب ، وللباس الإناث آداب ؛ بل وللصغار - أيضًا - آداب للباسهم .
وسنتناول في رسالتنا هذه ( آداب اللباس ) المحاور التالية :
معنى اللباس /قصة اللباس /اللباس نعمة توجب الشكر/أنواع اللباس آداب عامة للباس /داب تختص بالرجال /آداب تختص بالنساء /آداب تختص بالأطفال .
وليس من نافلة القول أن نقول : إن هذه الآداب دالة على عظمة هذا الدين ، وعنايته بأهله ؛ وأن منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب .

معنى اللباس
اللِّباس ما يستر الجسم ، جمعه ألبسة ولُبُس ؛ يقال : لبس الثَّوب لبسًا استتر به , وأصل اللبس : ستر الشيء ، ولباس كلِّ شيءٍ غشاؤُه , ولباس التّقوى : الإيمان، أو الحياء ، أو العمل الصَّالح ، وفي التنزيل ] يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [ [ الأعراف : 26 ] .
وجُعِلَ اللباس لكل ما يغطي من الإنسان عن قبيح ، فجعل الزوج لزوجه لباسًا من حيث إنه يمنعها ويصدها عن تعاطي قبيح ؛ قال تعالى : ] هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [ [ البقرة : 187 ] ، فسماهن لباسًا ، وأما قوله : ] صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ [[ الأنبياء : 80 ] ، فيعني به : الدرع( [1] ) .
وأما الزِّينة فهي أعم من اللِّباس ؛ وهي في اللغة ما يُتزيَّن به , والزَّين : الحسن ، ضد الشّين وهو القبيح .

قصة اللباس
لما عصى إبليس وأبى السجود لآدم وطرده الله تعالى من الجنة ، بيَّن عداوته للأبوين فقال  :  فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ  ، وحذرهما من محاولته إخراجهما من الجنة :  فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى  [ طـه : 117 ] ؛ وبيَّن لهما الحال في الجنة :  إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى . وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى  [ طـه : 118 ، 119 ] ؛ ثم أسكن الله تعالى الأبوين الجنة ، وأباح لهما أن يأكلا من ثمر كل شجرة فيها إلا شجرة واحدة .
وذكر القرآن أن وسوسة إبليس كانت لينزع عن الأبوين لباسهما ويريهما سوءاتهما ؛ قال تعالى :  فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا  [ الأعراف : 20 ] . ولحكمة أرادها الله تعالى عصى الأبوان ، فكان أن ظهر أول شؤم المعصية : انكشاف عورتهما :  فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ  [ لأعراف : 22 ] .
ولما شاء الله تعالى للأبوين أن يسكنا الأرض هيأ لهما ولذريتهما ما يحتاجونه في أمر دنياهم ودينهم ، ومن ذلك اللباس :  يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [ الأعراف : 26 ] ؛ وهذه الآية جاءت على سبيل الامتنان والتحذير من أن يقع بنو آدم فيما وقع فيه الأبوان فانكشفت عورتهما ، وأمرهما بالهبوط إلى الأرض وأعلمهما أنها لهما مستقرًا ومتاعًا إلى حين ؛ ثم بيَّن بعد ذلك أنَّهُ تعالى أنزل كلَّ ما يحتاجون إليه في الدُّنْيَا ، ومن جملة ما يُحتاج إليه في الدِّين والدُّنيا اللِّباس الذي يسترون به عَوْرَتَهُم ، ويزينون به هيئتهم أمام غيرهم .
ففي مواجهة مشهد العري الذي أعقب الخطيئة ، وكذلك في مواجهة العري الذي كان يزاوله المشركون في الجاهلية فقد كانوا يطوفون بالبيت عرايا ، يذكر السياق في هذا النداء نعمة الله على البشر وقد علمهم ويسر لهم ، وشرع لهم كذلك ، اللباس الذي يستر العورات المكشوفة ، ثم يكون زينة - بهذا الستر - وجمالاً ، بدل قبح العري وشناعته ( 1 ) .
وحذر الله  بني آدم من أن يفعل إبليس بهم ما فعل بالأبوين :  يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ  [ الأعراف : 27 ] . وفي الآية بيان بأن كشف العورات إنما هو من وساوس الشيطان وتزيينه .


نعمة اللباس ووجوب شكرها

امتن الله تعالى على خلقه بنعم كثيرة ، منها اللباس ، وقد جاء ذلك في آيات ذوات عدد ؛ ففي سورة النحل ، قال الله تعالى : وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ  [ النحل : 5 ] ، وفيها ، قال سبحانه : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ  [ النحل : 81 ] ؛ وفي سورة الأعراف قال سبحانه : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ  [ الأعراف : 26 ] .
فالآية الأولى فيها إشارة لملابس الشتاء : لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ، والآية الثاني واضحة في ملابس الصيف ، وملابس الحرب : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، والآية الثالثة فيها بيان للثياب التي تستر العورة : لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ، والثياب التي يتزين بها وَرِيشًا ؛ ثم التنبيه على لباس التقوى وأنه خير .
قال الزمخشري : وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوءات ، وخصف الأوراق عليها ، إظهارًا للمنة فيما خلق من اللباس ، ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارًا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى ( 1 ) .
فيا لها من نعمة توجب الشكر ؛ وقد أشار القرآن إلى ذلك في أحد أنواعها ، وهي لباس الحرب ، فقال  : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [ الأنبياء : 80 ] ؛ وقال تعالى في ختام آية سورة النحل : كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ؛ ربنا أوزعنا أن نشكر نعمتك .
روى أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ إِمَّا قَمِيصًا أَوْ عِمَامَةً ، ثُمَّ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ " ( 2 ) .


أنواع اللباس
للباس أنواع يمكن أن تجمل تحت نوعين :
الأول : لباس البدن : وهو لباس حسي ظاهر ؛ ويتنوع بحسب الحال إلى : لباس يستر العورة وهو ضروري واجب ، ولباس يُتزين به وهو ما زاد على الضروري من اللباس ؛ ولباس للحرب وهو خاص بحالة الحرب ؛ كما يتنوع لباس البدن بحسب الزمن إلى : لباس للشتاء ، ولباس للصيف .
الثاني : لباس النفس : وهو لباس التقوى ، وهو اللباس المعنوي الباطن الذي يقي الإنسان من عذاب الله تعالى ؛ ولا فائدة من ستر البدن باللباس الحسي إن لم يستر الإنسان نفسه بلباس التقوى ؛ ولله در القائل :
إذا المرء لم يلبس لباسًا من التقى تقلب عريانًا ولو كان كاسيا
وخـير لباس المـرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصيا
وإليك بيان هذين النوعين بشيء من التفصيل :

النوع الأول : لباس البدن
يتميز الإنسان بلباس يواري سوأته ، وآخر يتجمل به في الناس ، وثالث لحال الحرب يقيه الطعنات والضربات ؛ وتختلف هذه الأنواع بحسب طبيعة الجو إلى ألبسة شتوية وألبسة صيفية ؛ تتميز الأولى بالثقل الذي يبعث على الدفء ، قال الله تعالى : وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ والدفء اسم لما يدفأ به ، وهو ما يكون من اللباس المصنوع من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها ، وتتميز الثانية بالخفة التي تقي الحر ، قال الله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ؛ وتفصيل ذلك على النحو التالي :
أولا : لباس يستر العورة :
هذا النوع من اللباس هو المذكور في قوله تعالى : يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ ؛ فمع ما في الآية من دلالة على الإنعام ، فيها - أيضًا - دلالة على وجوب ستر العورة ؛ وفيه تنبيه على أَن جلَّ المقصود من اللباس ستر العورة ، وما زاد فتحسّن وتزيّن ، إلاَّ ما كان لدفع حَرٍّ وبرد .
وفي اللغة كل شيء يستره الإنسان أَنَفَةً وحياء فهو عورة ؛ فالعورة هي ما يسوء الإنسان إبداؤه والنظر إليه ؛ لأنها من العور وهو العيب .
وأما في الاصطلاح : فما يحرم كشفه والنظر إليه من الجسم ، سواء من الرجل أو المرأة ؛ أو هي ما يجب ستره وعدم إظهاره من الجسم .
وحَدُّها يختلف باختلاف الجنس ، وباختلاف العمر , كما يختلف من المرأة بالنسبة للمحرَم وغير المحرم .
ولا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضُهم إلى بعض ، وأن سترها عنهم واجب ، إلا الرجل مع زوجته أو أمته ، لقوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [ المؤمنون : 5 ، 6 ؛ والمعارج : 29 ، 30 ] .
وستر العورة من الآداب العظيمة التي أمر بها الإسلام ، ففي صحيح مسلم عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : أَقْبَلْتُ بِحَجَرٍ أَحْمِلُهُ ثَقِيلٍ ، وَعَلَىَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ ؛ قَالَ : فَانْحَلَّ إِزَارِي ، وَمَعِيَ الْحَجَرُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغْتُ بِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " ارْجِعْ إِلَى ثَوْبِكَ فَخُذْهُ ، وَلاَ تَمْشُوا عُرَاةً " ( 1 ) ؛ ولا خلاف في تحريم كشف العورة بمحضر الناس ، فعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ ؟ قَالَ : " احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلاَّ مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ " قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ ؟ قَالَ : " إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ يَرَيَنَّهَا أَحَدٌ فَلاَ يَرَيَنَّهَا " ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا ؟ قَالَ : " اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ " ( 2 ) .
بل نهى رسول الله الرجل أن ينظر إلى عورة الرجل ، والمرأة أن تنظر إلى عورة المرأة ، لما يترتب عليه من المفاسد ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " لاَ يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ ، وَلاَ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ " ( 3 ) .
وعورة الرجل التي أُمر بسترها - إلا عن زوجته أو أمته - من السرَّة إلى الركبة ؛ والمرأة كلها عورة إلا عن زوجها ؛ وأما محارمها فلهم النظر إلى ما يظهر غالبًا كالوجه ، واليدين ، والشعر ، والرقبة .. ونحو ذلك مما يكون ظاهرًا في بيتها من غير تكلف ؛ وحُكم المرأة في الصلاة : ستر جميع جسدها إلا الوجه والكفين ؛ وأما المرأة مع المرأة ، فقال كثير من أهل العلم : عورتها كعورة الرجل على الرجل : من السرَّة إلى الركبة ؛ وقيل : لا يرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم .
وهذا مع أمن الفتنة ، فإذا لم تؤمن الفتنة ، فلا تُظهر المرأة ما يمكن أن يكون مثيرًا لفتنة ولو في أوساط النساء .
ويجب ستر العورة بما يواريها من اللباس الذي يستر لون البشرة ولا يحددها ولا يظهر بعضها ، فلا يكون شفافًا يظهر ما تحته ، ولا ضيقًا يحدده ، ولا قصيرًا يظهر بعض العورة ؛ لأن الستر لا يحصل بذلك ؛ وهذا عام في لباس الرجل والمرأة .
وتتعمد بعض النساء لبس بعض الملابس التي تُظهر مفاتنها وزينتها الباطنة في مجتمع النساء ، كأن تُظهر ظهرها أو فخذها أو جزء منه ، أو تلبسُ لباسًا شفافًا يشفُ ما تحته من جسدها ، أو لباسًا ضيقًا يصف الجسد ؛ وقد يحتج بعضهن بأن العورة المأمور بسترها بين النساء تكون من السرة إلى الركبة ، وإنهن إنما يلبسن ذلك في مجامع النساء فقط .
وهذا الكلام فيه تجوز ؛ فإن من قال من العلماء : إن عورة المرأة مع المرأة تكون من السرَّة إلى الركبة ، اشترط الأمن من الفتنة ، وواقع كثير من النساء اليوم أنهن تجاوزن الحد في ستر عوراتهن ، بل أدى الحال إلى افتتان بعض النساء ببعض ، وهو أمر أصبح لا يخفى ؛ وليس مجمع النساء عذرٌ في لبس ما يحلو للمرأة لبسه ، بل متى كان داعيًا للفتنة ومحركاً للغرائز فإنه يحرم ولو كان ذلك بين أوساط النساء ؛ قال ابن عثيمين - : لبس الملابس الضيقة التي تبين مفاتن المرأة وتبرز ما فيه الفتنة محرم ، لأن النبي قال : " صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا : قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ " ( 4 ) ؛ فقد فسر قوله : " كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ " بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة لا تستر ما يجب ستره من العورة ، وفُسر بأنهن يلبسن ألبسة تكون خفيفة لا تمنع من رؤية ما وراءها من بشرة المرأة ، وفُسرت بأن يلبسن ملابس ضيقة فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة ، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس هذه الملابس الضيقة إلا لمن يجوز لها إبداء عورتها عنده وهو زوجها ، فإنه ليس بين الزوج وزوجته عورة ، لقول الله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ، وقالت عائشة : كنت أغتسل أنا والنبي من إناء واحد تختلف أيدينا فيه ( 5 ) ؛ فالإنسان بينه وبين زوجته لا عورة بينهما ، وأما بين المرأة والمحارم فإنه يجب عليها أن تستر عورتها ؛ والضيِّق لا يجوز عند المحارم ولا عند النساء إذا كان ضيقًا شديدًا يبين مفاتن المرأة ( 6 ) .
وللحديث صلة .


ثانيًا : لباس للزينة

هو المذكور في قوله تعالى : وَرِيشًا على ما تقدم ؛ قال ابن كثير - : يمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش ؛ فاللباس لستر العورات ، وهي السوءات ؛ والرياش والريش : ما يتجمل به ظاهرًا ؛ فالأول من الضروريات ، والريش من التكملات والزيادات ( [1] ) ؛ وقال تعالى : يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [ الأعراف : 31 ] ، وهو لباس الجمال والزينة الزائد عن اللباس الضروري .
وهذا النوع من اللباس هو من الزينة التي أخرج الله تعالى لعباده ، وأحلها لهم ، وأنكر على من يحرمها بدون برهان ، فقال : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ [ الأعراف : 32 ] ؛ وفي إضافة هذه الزينة إلى الله سبحانه ، وبيان أنه تعالى هو الذي أخرجها للناس أكبر برهان على أنه ليس من حق أحد أن يحرَّم من هذه الزينة شيء ، إنما حكم ذلك إلى الذي أخرجها لعباده وحده ؛ وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يتعلق بذلك عند الحديث عن الآداب .

ثالثًا : لباس للحرب
المراد به الدروع ونحوها ، مما يقي لابسه وقع السلاح ، ويسلِّمَه من بأسه ، وهو المذكور في قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [ النحل : 81 ] ، والمراد بالبأس ها هنا الحرب ؛ وكذا في قوله تعالى : وَعَلَّمْنَاهُ أي : داود صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ أي : الدروع ، لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ أي : لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض ؛ وبين الله تعالى ذلك في قوله : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ أي : اصنع دروعًا سابغات من الحديد الذي ألناه لك ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ والسرد : نسج الدرع ، والمعنى : اجعل الحلق والمسامير في نسجك الدرع بأقدار متناسبة ؛ فلا تجعل المسمار دقيقًا لئلا ينكسر ، ولا يشد بعض الحلق ببعض ، ولا تجعله غليظًا غلظًا زائدًا فيفصم الحلقة ( [2] ) .
هذا والعلم عند الله تعالى ... وللحديث صلة .


لنوع الثاني : لباس النفس

هذا هو النوع المعنوي : لباس التقوى ؛ بامتثال أمر الله واجتناب نهيه ، وهذا اللباس خير من النوعين الحسيين ، قال الله تعالى : وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ؛ ذلك لأنه يواري سوأة الإنسان في الدنيا والآخرة ، ويُجَمِّله فيهما :
وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا . وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [ الطلاق : 2 ، 3 ] ، هذا في الدنيا ؛ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [ الطلاق : 4 ] ، هذا في الدنيا والآخرة ، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [ الطلاق : 5 ] ، هذا في الآخرة .
فأي لباس هو خير من هذا ؟
إذا المرء لم يلبس لباسًا من التقى ... تقلب عريانًا ولو كان كاسيا
وخير لباس المرء طاعة ربه ... ولا خير فيمن كان لله عاصيا


آداب عامة
نذكر هاهنا الآداب العامة للباس الذكر والأنثى ، وهي كالتالي :
1 - لبس الحلال من الثياب ؛ والأصل في اللباس وزينته الحلُّ ؛ لأن الله تعالى يقول : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [ البقرة : 29 ] ، واللباس مما خلق الله لنا في الأرض ، فهو حلٌّ لنا ، ولا يحرم منه إلا ما يقوم دليل على تحريمه ؛ قال : وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ [ النحل : 116 ] ؛ فمن حرم ما لم يحرمه الله ، أو أحل ما حرمه الله تعالى فقد افترى على الله كذبًا ؛ وقد حدد لنا الشرع المطهر ما يتعلق من اللباس نوعًا وكيفًا ، حِلًا وحرمة ، لئلا نتجاوز بها إلى حد لا يليق بنا ؛ وليس للمسلم أن يتجاوز ما حَدَّ له الشرع ، قال الله تعالى : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ البقرة : 229 ] ، وقال : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ الطلاق : 1 ] ؛ وقد بيَّن رسول الله لأمته ما يجوز وما لا يجوز لهم من اللباس بيانًا ظاهرًا ؛ وسيأتي بيان ما لا يجوز لبسه .

2 - يلبس المسلم ما شاء ما أخطأته اثنتان : سَرَفٌ أو مخيلة ؛ روى أحمد والنسائي وابن ماجة عَنْ عبد الله بن عَمْرٍو - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : " كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا ، فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلَا سَرَفٌ ؛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ " ( 1 ) ؛ وروى أبن أبي شيبة عن ابن عباس - - قال : كُلْ ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خلتان : سَرَفٌ أو مخيلة ( 2 ) ؛ والمخيلة : الكبر ، يقال : خال الرجل خالا ، واختال اختيالا : إذا تكبر ؛ والسرف : الإسراف ؛ وكلاهما محرم .
4 - يُظهر المسلم أثر نعمة ربه عليه ؛ لحديث ابن عمرو المتقدم : " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُرَى نِعْمَتُهُ عَلَى عَبْدِهِ " ؛ فيستحب لمن آتاه الله مالاً أن يظهر أثر نعمة الله عليه بلبس الجميل من الثياب إظهارًا لنعمة الله عليه ؛ وَعَنْ أَبِى الأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِىَّ فِى ثَوْبٍ دُونٍ ، فَقَالَ : " أَلَكَ مَالٌ ؟ " ، قَالَ : نَعَمْ ؛ قَالَ : " مِنْ أَيِّ الْمَالِ ؟ " ، قَالَ : قَدْ أَتَانِيَ اللَّهُ مِنَ الإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ ؛ قَالَ : " فَإِذَا أَتَاكَ اللَّهُ مَالاً فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ " ( 3 ) .
ولا تعارض بين ذلك وبين النهي عن المخيلة ، فظهور أثر النعمة لا يعني أن يكون مظهرها متكبرًا ، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ : " لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ " ، قَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؛ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ " ( 4 ) ، وبطر الحق : دفعه وإنكاره ترفعًا وتجبرًا ؛ وغمط الناس : احتقارهم ؛ وفي الحديث بيان أن التجمل باللباس الحسن ليس من الكبر في شيء ، بل هو أمر مشروع ، لأن الله جميل يحب الجمال ؛ قال ابن القيم - : الجمال في الصورة واللباس والهيأة ثلاثة أنواع ؛ منه ما يحمد ، ومنه ما يذم ، ومنه مالا يتعلق به مدح ولا ذم ؛ فالمحمود منه ما كان لله ، وأعان على طاعة الله وتنفيذ أوامره والاستجابة له ، كما كان النبي  يتجمل للوفود ، وهو نظير لباس آله الحرب للقتال ، ولباس الحرير في الحرب ، والخيلاء فيه ؛ فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه . والمذموم منه ما كان للدنيا والرياسة والفخر والخيلاء والتوسل إلى الشهوات ، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه ، فإن كثيرًا من النفوس ليس لها همة في سوى ذلك ؛ وأما مالا يحمد ولا يذم هو ما خلا عن هذين القصدين ، وتجرد عن الوصفين .ا.هـ ( 5 ) .
وصفوة القول أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه ، مستحضرًا لها ، شاكرًا عليها ، غير محتقر لمن ليس له مثله ، لا يضره ما لبس من المباحات ولو كان في غاية النفاسة ( 6 ) .
هذا والعلم عند الله تعالى ....


تحملووووني أطلت عليكم.... ولكنه موضوع أعجبني فنقلته لكم....

عسى الله ان ينفعني وينفعكم به.

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 08 ديسمبر 2016, 3:48 am