مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

فن الكتابة العربية

شاطر
avatar
جنان الرحمن
الإدارة

default فن الكتابة العربية

مُساهمة من طرف جنان الرحمن في السبت 11 فبراير 2012, 8:29 am

فن الكتابة العربية

تاريخها، نشأتها، واقعها، ومشكلاتها وطرق إصلاحها






جمع وترتيب : أبي عبيدالله البستاني
مصطفى بن أحمد بن إسماعيل





المقـدمة

اللغة العربية...


اللغة الباسلة...


ماضٍ مشرِق، وواقِع بئيس، ومستقبل مأمول...


تذكرة ﴿ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].



قال أ.د/ فتحي جمعة - حفظه الله -: "واللُّغة الباسِلة ليست عنوانًا دعا إليه داعي "التفنُّن" في التعبير، أو الرَّغبة في استثارة القارئ، وتهييج عواطفه مِن أجل استمالته، أو كسْب مودَّته!



كلاَّ! فليستْ "عبارتنا" مِن قبيل هذا ولا مِن ذاك، وإنَّما اللغة الباسلة:



حقيقة عرفْناها...



وتجرِبة عشناها...



ويَقين تيقنَّاه.



نعم بالله، لله دَرُّ قائل هذه الكلمات!



فاللُّغة الباسِلة - حقًّا - وصفٌ جدير بأن تُوصَف به اللُّغة العربية في عصْرٍ انحطَّت فيه كل معاني قِيم "الانتماء".



وهذا يتَّضح جليًّا في معادلة يسيرة: "فالانتماء" مِن أهم ما يفتخر به الإنسان في حياته كلها، ويرى كلُّ عاقل أنَّ خير ما يَنتمي إليه الإنسان هو ما يَتَعَبَّدَ به رَبَّه الذي فطرَه، وخلَقه، وسوَّاه، ونفَخ فيه من رُوحه، وخير ما يَتَعَبَّدُ به الإنسان دِينه، والدِّين الحق هو دِين الإسلام، وكتاب الإسلام وبيانه هو القرآن الكريم، فخير ما ينتمي إليه الإنسانُ هو كتاب ربِّ العالمين، الذي شرَّف الله - عزَّ وجلَّ - به العربيةَ إذ أنزلَه بلسانها؛ قال - تعالى -: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء: 195]، وقال تعالي: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2]، وقال سبحانه: ﴿ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [فصلت: 3]، فهو شرَف للعربيَّة والعرَب جميعًا؛ فلولاه ما كانتِ العربية ولا كان العرَب.



فإنَّ مسألةَ عدم الانتماء أضحتْ مِن أهم الآفات التي تُصدِّع جسدَ الأمة الإسلامية، ولا سيَّما العربية، فتجد الكلَّ مفتونًا بحضارات زائفة سريعًا سوف يطويها الزمان، ويعمُّها النِّسيان؛ لأنَّها بُنِيت على باطل، والباطل سريعًا ما يَنطوي ويُكتب في صفحات الذاهبين، فتجد الأب، والأم، والأخت، والأخ كلهم مشغوفين بتعليم الصَّغير - منذ حداثة سنِّه، ونُعومة أظفاره العُجْمة فيعلموه اللِّسان الأعجمي ﴿ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ [المائدة: 13]؛ وذلك لأنَّهم أناس نظروا إعجابًا وتعظيمًا للعالَم الغربي، ولم ينظروا نظرةً كتلك لتراثنا، وتاريخنا، وماضينا، وإنما نظروا نظرةَ المستحقِر والمستنكِف لواقعنا الذي "لا يسرُّ الناظرين"، فهؤلاء نَسوا أو نُسُّوا معنى كلمة أمَّة، وفي الواقع هؤلاء هم الذين نَمَّوا شعورَ عدم الاكتراث بهُويَّتنا وشخصيتنا؛ لأنَّهم قوم فاقدون أو مُفْقَدُون معنى الانتماء.



قال أ.د/ فتحي جمعة:"إنَّ شعورَ الإهمال وعدمَ الاكتراث - مهما كانتْ دوافعه - هو الذي أدَّى بصورة أو بأُخرى إلى ما انتهى إليه أمرُ العربية في بلادِ العرَب، وفي الوقت نفْسِه نراه نتيجةً لكل ما عرضناه من مظاهرَ ونماذج، تنتشر بين الأرجاء العربيَّة المختلة مثلاً لنوع فريد مِن الخصومة بين اللُّغة وأصحابها.



والذي يدلُّ الأمر عليه، وتُشير قرينةُ الحال إليه، أنَّ الموقف الشُّعوري للأمَّة العربيَّة من اللُّغة العربية غير ما هو ظاهرٌ لنا من مثله في الأمم المتحضِّرة.



إنَّ الانهزام النفسي الذي تَعيشه الأمَّة الآن ليس بدعًا من الأسباب التي تُورِث في أبنائنا كُرهَ العربية أو كُرهَ العرب، بل هو مِن أكبر الأسباب التي توقع بنا في هوَّة ضياع الهُويَّة والشخصية العربية، وإنَّ لهْثَ الأمة وراء العجمة الغربية إنما هو تمكينٌ لهذا الانهزام الطارئ على قلوب أبنائنا قبْل قلوبنا؛ يُخرج لنا جيلاً يحمل طِيَّات الانهزام النفسي الذي عاش فيه جيل الآباء، فيكون جيلٌ كسابقه، منهزِم النفس، مستكين القوة، ضعيف الشكيمة، هزيل البنيان، هش السنان؛ فلا يكون نصرٌ، ولا يكون عزٌّ، ولا تمكينٌ.



إنَّ تربية النشء الصِّغار على حبِّ الانتماء؛ يورث لديهم الشعورَ بشخصيتهم وهُويتهم التي ضاعتْ أو كادتْ أن تَضيع، ويورث في أعماقِ صدورهم عزًّا، وفخرًا، وتطلعًا إلى النهوض بهذه الأمَّة التي طال خمولها، وإن شئتَ فقُل ضياعها، فيَخرُج لنا بذلك جيلٌ يحمل في قلبه الأمَل فيما فشِل آباؤنا - وربما نحن - في تحقيقه، يحمِلوا الأمل الذي طالما سعينا إليه، وحفَوْنا عليه، وباسلْنا من أجله، ومضيْنا على طيفه؛ هو أمَلُ الرفعة والعِزَّة، النهوض والنُّبُوط، التمكين والرِّيادة، النُّصرة والقِيادة.



ورضِي الله عن أميرِ المؤمنين عمر بن الخطاب؛ إذ قال: "نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام، فمَن اعتزَّ بغير الإسلام أذلَّه الله بما اعتزَّ به".




يتبع إن شاء الله.

انتصار
الادارة العامة

default رد: فن الكتابة العربية

مُساهمة من طرف انتصار في السبت 11 فبراير 2012, 10:22 am

اسفة اقطع عليك تسلسل الموضوع بردي استاذتنا الفاضلة جنان

لكن اعجبني ما قرات وما حبيت اخرج دون ان اشكرك على الاختيار الموفق

لاهم موضوع بمقدمة رائعة وكاتب ما شاء الله

ننتظر البقية بشوق جزاك وكاتبه وناقله وقارئه خير الجزاء

ونسال الله تعالي ان يعيد الامة الى لغتها واعتزرارها بدينها وقرئانها اللهم امين

صحيح جنان متي ستقيمن دورة لغة عريبة في الدار ؟؟؟؟؟
avatar
جنان الرحمن
الإدارة

default رد: فن الكتابة العربية

مُساهمة من طرف جنان الرحمن في الأحد 12 فبراير 2012, 7:01 am

مرورك عطر الموضوع حبيبتي انتصار
بالعكس هذا ما أحب .. أن أنقل الموضوع على مراحل حتى يتسنى للجميع قراءته
وإلا استثقله الجميع لطوله
فيكون نقله كعدمه .. ولا تحصل الفائدة.

جزاك الله خيرا على المرور و الرد الطيبين .

بالنسبة للدورة أفكر فيها .. سياتي وقتها إن شاء الله ..
دعواتك حبيبتي.
avatar
جنان الرحمن
الإدارة

default رد: فن الكتابة العربية

مُساهمة من طرف جنان الرحمن في الأحد 12 فبراير 2012, 7:11 am


التمهيد

الإملاء وسيلةٌ مِن وسائل تعلُّم الكتابة العربية وإتقانها؛ لذا جعلت هذا التمهيدَ في بيان الإملاء ومنزلته وصِلته بالعلوم العربية، ونضَع في الاعتبار أنَّ درس الكتابة العربية يشمل ثلاثةَ فروع (الإملاء، والتعبير، والخط العربي)، ولكني جعلتُ بحثي هذا عن الإملاء العربي فقط؛ لأنَّه أصل الكتابة وأهمُّ فروعها؛ وذلك لكي لا يطول بحثي، ونسأل الله أن يتمَّه بالخير.


(1)

تعريف الإملاء

هو كتابةُ الكلمات العربيَّة صحيحةً خاليةً من النقط، خاليةً مِن الخطأ، وَفْق القواعد التي اصطلح عليها علماءُ اللُّغة العربية، لضبط رسْم الكلمات، وذلك عن طريق وضْع الحروف في مواضعها الصحيحة مِن الكلمة، والاستخدام الصحيح لعلامات الترقيم؛ ليستقيمَ المعنى، ويتَّضح المعنى المراد مِن الكتابة.



(2)

منزلة الإملاء بيْن علوم اللغة[3]

للإملاء منزلةٌ عالية بين فروع اللُّغة؛ لأنَّه الوسيلةُ الأساسية إلى التعبير الكتابي، ولا غِنى عن هذا التعبير؛ فهو الطريقةُ الصِّناعية التي اخترعَها الإنسان في أطوار تحضُّره؛ ليترجمَ بها عمَّا في نفسه، لمن تفْصِله عنهم المسافات الزمنية والمكانية، ولا يتيسَّر له الاتصال بهم عن طريقِ الحديث الشفوي.



وإذا كانتِ القواعد النحويَّة والصرفية وسيلةً إلى صحَّة الكتابة، مِن النواحي الإعرابية والاشتقاقية ونحوها، فإنَّ الإملاء وسيلةٌ إليها، مِن حيث الصورةُ الخطية.



ونستطيع أن نُدرِك منزلة الإملاء بوضوح، إذا لاحظْنا أنَّ الخطأ الإملائي يُشوِّه الكتابة؛ وقد يعوق فَهْم الجملة، كما أنَّه يدعو إلى احتقار الكاتب وازدرائه، مع أنَّه قد يُغفر له خطأ لُغوي من لونٍ آخَر.



أمَّا بالإضافة إلى التلاميذ - في المراحل التعليميَّة الأولى - فالإملاء مقياسٌ دقيق للمستوى التعليمي الذي وصَلوا إليه، ونستطيع - في سُهولة - أن نحكُم على مستوى الطفل، بعد أن ننظُر إلى كرَّاسته التي يكتُب فيها قطعهَ الإملاء.


(3)

صِلة الإملاء بغيره من فنون اللغة[4]

الإملاء لا تقِف غايتُه عند هذه الحدود، ولكن ينبغي اتِّخاذ الإملاء وسيلةً لألوان متعدِّدة من النَّشاط اللُّغوي والتدريب على كثيرٍ من المهارات والعادات الحسَنة، وهذه بعضُ النواحي التي يجب ربطُها بالإملاء:


التعبير: إذا أحسنَ اختيار قِطعة الإملاء.



القراءة: فبعض أنواع الإملاء تتطلَّب القِراءة قبل الكتابة كالإملاء المنقول والمنظور.


الثقافة العامَّة: فقطعة الإملاء الصالحة وسيلةٌ لتزويد التلاميذ بألوانٍ مِن الثقافة وتجديد معلوماتِهم وزيادة صِلاتهم بالحياة.


الخط: يجب أن نعوِّد التلاميذ دائمًا على تجويدِ خطِّهم في كلِّ عمل كتابي.


المهارات والعادات الحسَنة: في درس الإملاء مجالٌ لحثِّ التلاميذ على جودة الإصغاء والاستماع، والتنسيق والنظافة، وتنظيم الكِتابة باستخدام علامات الترقيم.


(4)

أهداف درس الإملاء

يتَّفق كثيرٌ من اللغويِّين على فوائدَ وأغراضٍ مشتركة للإملاء، ويمكن إجمال هذه الأغراض فيما يلي:



1. تدريب التلاميذ على رسْم الحروف والكلمات مع زِيادة العناية بالكلمات التي يكثُر فيها الخطأ.



2. الإملاء فرْع مِن فروع اللُّغة يجب أن يحقِّق نصيبًا من الوظيفة الأساسية للغة، وهي: الفَهم والإفهام، ويكون ذلك حسبَ اختيار القطعة.



3. إيجاده للخطِّ؛ أي: تحسين الخط وتوضيحه.



4. تدريب الحواسِّ الإملائيَّة على الإجادة والإتْقان، والحواس هذه هي: الأذن، اليد، العين.



5. توسيع الخِبرات والثروات اللُّغويَّة والمعلومات.



6. التمرين على كتابةِ ما يُسمع في سُرعةٍ ووضوح، وصحَّة الإتقان.



7. اختبار معلومات التلاميذ لكتابةِ الكلمات ومسوح موضوعات ضعْفهم لمعالجاتها.



8. تعويد التلاميذ على الإتقانِ وحُسن الاستماع.



9. تعويدُ التلاميذ النَّظافة والنِّظام والانتباه والدِّقَّة وقوَّة الملاحظة.



10. تمكين التلاميذ مِن الاتصال بغيرهم عن طريقِ الكتابة

.



للحديث بقية إن شاء الله تعالى.
avatar
جنان الرحمن
الإدارة

default رد: فن الكتابة العربية

مُساهمة من طرف جنان الرحمن في السبت 18 فبراير 2012, 9:59 am

المبحث الأول

الكتابة العربية (النشأة والتطور)

1. أصلها وتطورها.

2. الإعجام والشكل.

3. أنواع الكتابة العربية.



(1)

أصلها وتطورها[5]

تُعدُّ الكتابة العربية واحدةً من المسائل التاريخيَّة التي كثُرت الأقوال حول نشأتِها أو مصدرها الأوَّل، ثم مراحل تطوُّرها من بعدِ ذلك، ومن هذه الأقوال أقوالٌ تكاد تحسب مِن قبيل الأساطير، فبعضٌ يجعل الكتابة توقيفًا وحيًا، وآخر ينسبها إلى أشخاصٍ يصعُب إثبات وجودهم، فضلاً عن عملهم، وغير هؤلاء وهؤلاء يرجِع كتابة الخط العربي إلى أصْل نبطي.



كان البلاذريُّ في فتوحه هو أوَّل من عرَض للقضية، والذي ظهَر مِن كلامه، أنه يجنح إلى أنَّ الخطَّ العربي جاء من الشَّمال، عَبْر الحيرة والأنبار عن طريق ثلاثة نفَر من بولان (قبيلة من طيِّئ)، هم: مرامر بن مرَّة، وأسلم بن سِدرة، وعامر بن جدرة، هم الذين وضَعوا الخطَّ وقاسوا هجاءَ العربية على هجاء السريانية فتعلَّمه منهم قومٌ من أهل الأنبار، ثم تعلَّمه أهل الحيرة مِن أهل الأنبار.... وكان بِشرُ بن عبدالملك أخو أكيدر بن عبد الملك (صاحب دومة الجندل) يأتي الحيرة فيُقيم فيها الحين... فتعلَّم بِشرٌ الخطَّ العربي من أهل الحيرة، ثم أتى مكَّةَ في بعض شأنه، فرآه سفيانُ بن أمية، وأبو قيس بن عبد مناف بن زهرة يكتب، فسألاه أن يعلِّمهما الخط، فعلَّمهما الهجاء، ثم أراهما الخطَّ فكتبَا... ثم إنَّ بِشرًا وسفيان وأبا قيس أتوا الطائف في تِجارة فصَحِبهم غيلان بن سلمة الثقفي، فتعلَّم الخطَّ منهم، وفارقهم بِشر، ومضَى إلى ديار مضر، فتعلَّم الخط منه ناسٌ هناك، وتعلَّم الخط منه الثلاثةُ الطائيُّون أيضًا، رجل مِن طانجة كلب، فعلَّم رجلاً من أهل وادي القرى، فأتى الوادي يتردَّد، فأقام بها، وعلَّم الخطَّ قومًا من أهلها.



البلاذري يعرِض علينا فيما سبَق صورةً تاريخيَّةً لكيفية انتقال الخطِّ إلى العرب، والحق أنَّها صورة مقبولة ومعقولة لمعرفة الكتابة والتسلسل فيها - كما عرَضه البلاذري - بتسلسل منطقي لا غبار عليه: ثلاثة رجال فكَّروا أن يكون للعرَب خط، فوضَعوا هجاءً قاسوه على هجاء السريانيَّة، ثم علَّموا ذلك بعض الناس، وهؤلاء علَّموا غيرهم، وغيرهم علَّم آخرين... وهكذا.



هذا - لا ريب - أساسٌ صحيحٌ لفِكرة تَعَرُّف أمة من الأمم على فنٍّ من الفنون أوَّل مرة، ولكنَّ هنا أمرين كبيرين، ربما رأى بعضُ الباحثين أنهما ينقضان هذا الأساس ويَهدمانِ ما يُبنى عليه، ذانك هما:



1. حقيقة هؤلاء الثلاثة: ما هي؟


2. أنَّ حكايتهم تقتضي اقتطاعَ الخطِّ العربي مِن السرياني، وليس الأمر كذلك.


الأمر الأول:

رأى بعضُ الدَّارسين أنَّ هذه الأسماء لم تكن أسماءَ رجال، وإنما هي نعوت تُطلَق على أشخاص مِن باب التكريم والتعظيم، وهي نعوتٌ سريانية، ظنَّ الأخباريُّون أنها أسماء أشخاص.



والحقيقة أنَّ هذه الأسماءَ الثلاثة إنَّما هي معانٍ تقديريَّة، لكلِّ واحد منها معنى يدلُّ عليه، ويعرِفه النَّاس في تلك العهود البعيدة: فاسم مرامر بن مرَّة هو جملة (مارا ماري برماري)، ومعناها: (سيد السادة بن السيد)، وتعني شيخ شيوخ العِلم ابن حامل لواء العِلم، واسم أسلم بن سدرة تصحيف لعِبارة (شليما برسدرا)، وتعني: (التام العِلم، الخطاط) واسم عامر بن جدرة تصحيفٌ لعبارة (عمرايا برجدرا)، ومعناها (العماد الحاذق أو الماهر)، وقدْ وجد الأخباريُّون السريانَ يُطلقونها على الكتَّاب والخطَّاطين الحاذقين، فظنُّوها أسماء رجال.



ولكن هذا الكلام - لو صحَّ - ينفي تعيين الأشخاص، ولا يَنفي ذواتهم؛ أي: إنَّه إن صحَّ كونه دليلاً على نفي أنَّ هذه الأسماء حقيقيَّة لمَن اخترعوا نظام الكِتابة العربيَّة، فإنَّه لا ينهض دليلاً على نفي أنَّ هناك أشخاصًا قد فعلوا ذلك.



وأما الأمر الآخر:

فهو نِسبة الخطِّ العربي إلى السريانية، وقدِ انتهت بحوث الدَّارسين على أنَّ الخط العربي لم يتأثَّر أو يقتطع مِن السريانية، على ما بينهما مِن فروق وتشابه، وهناك أدلَّة على ذلك مِن أهمها:



1. اكتشاف كتابات جاهليَّة قديمة، تَنتمي إلى بلادِ الشام، أصحابها عرَب تقترب عربيتُهم مِن عربية القرآن الكريم، وكانتِ الكتابة التي عُرِفت بكتابة (أم الجمال) هي أقدمَ هذه الكتابات (250م)، ثم (النارة) (328م) ثم (زبد) (512م).



2. عُثِر في أعالي الحجاز على كتابات نبطيَّة مِن عهد القرن الأوَّل للميلاد.



وإنَّما دعا هؤلاء الباحثين إلى هذه الأدلة فَهمُهم المسبق لعبارة البلاذري أنَّ هؤلاء الثلاثة النفر قدْ قاسوا على الكتابة السريانية، ففَهِموا أنهم أخذوا منها، وهذا الفَهم لا يلزم مِن هذه العبارة، فليس معنى أنَّهم قاسوا على النِّظام السرياني أنَّهم أخذوا منه، ولا يؤثِّر ذلك في أصالة الكتابة العربيَّة، ولا ضيرَ في ذلك طالما أصبحتِ الكتابة العربية وحْدَها في ساحات اللغات يتعجَّب لحالها علماءُ اللغة من مشارق الأرض ومغاربها.



وبهذا نستطيع تفسيرَ أصل الكتابة العربيَّة دون توغُّل في مجادلات فِكرية بين الباحثين.


للحديث بقية إن شاء الله.

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 18 يوليو 2018, 11:41 pm