مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

شاطر
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الإثنين 12 ديسمبر 2011, 11:28 pm



موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة


‏{ يَــأَيُّــهَا الَّذِيــنَ ءَامَنُـــــواْ اتَّقُــواْ اللهَ حَـقَّ تُـقَاتِــهِ وَلاَ ‏تَمُـــوتــُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }
[ آل عمران : 102 ] .‏

‏{ يَــأَيُّــهَا الَّذِيــنَ ءَامَنُـــــواْ اتَّقُــواْ اللهَ وَقُـولُواْ قَــوْلاً سَدِيداً ‏‏* يُـصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَــلَكُمْ وَيَغْــفِرْ لَكُمْ ذُنــُوبَكُمْ وَمَن يُطــِعِ اللهَ ‏وَرَسُولَهُ فَقــَدْ فَـازَ فَـوْزاً عَظِيــماً }
[ الأحزاب : 70 ـ 71

موضوع الفتن موضوع مهم ، قد حظي بمكانة ‏واسعة في آيات القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، ويتجلى ذلك واضحاً في ‏تلك الكوكبة من الآيات القرآنية الكثيرة التي عنيت بالحديث عن موضوع ‏الفتن ، وكذلك فيما جاء من الحديث عن ذات الموضوع في السنة النبوية ‏من أحاديث شريفة كثيرة . وهذا إن دلَّ ‏على شيء فإنما يدلُّ على أن المسلم يجب ألاّ يُغفل هذا الميدان ومعرفته .
‏فالمرء مفتون بالخير والشر ، والسرَّاء والضرَّاء ، والغنى والفقر ، ‏والمرض والعافية . والمسلم مفتون ومبتلى بالكافر ، والكافر مبتلى بالمسلم ‏، وكل واحد مفتون بالآخر .
وصدق الله القائل ‏{ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } [ الفرقان : 20 ] ، وعلى ذلك : ‏فدراسة موضوع الفتن وعرضها واستخراج العبرة منها من القضايا المهمة ‏في حياة المسلمين ، أما الغفلة أو التغافل عنها ، ونسيانها فهذا أمر خطير ‏جدُّ خطير ، وشرٌّ أيما شر للفرد والأمة .
والإسلام حرص من وراء تنبيه ‏المسلم إلى الفتن وعلاماتها ومقدماتها وأزمانها وأماكنها وأناسيها وأحوالها ‏وأهدافها ليكون المسلم على بينة مما يظهر أمامه على ساحة الحياة . فهو ‏لا يُفاجأ بما يظهر أمامه لأن إسلامه قد علمه أمر هذه الفتن .‏

فالمسلم يختلف عن غيره عند حدوث الفتن ، وسقوط ‏الكوارث والمحن فهو يُرجع كل شيء إلى الله تعالى ، فعليه سبحانه ‏يعتمد ، وبه يستنجد ، ومنه يستمد المعونة . وأما غيره فهو في غاية ‏الإرهاق والتعب ، والنكد والنصب ، لأنه يتعامل مع الفتن وظواهرها ‏تعاملاً غير صحيح .‏


avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الخميس 15 ديسمبر 2011, 4:52 am



الفتن مهمة في حياة الأمة . فلولاها ما عُرف الرجال من أشباههم ، ‏وما عُرف
المنافقون مما سواهم ، والصادقون في إيمانهم من الكاذبين . قال ‏تعالى { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُـتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لا َيُفْـتَنُونَ * ‏وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ‏الكَـــذِبِـينَ } العنكبوت : 2 - 3
فالإفتتان والإختبار والتمحيص محك ‏صدق الإيمان في السابقين والصالحين . ثم إن الفتن هي التي تكشف عن ‏معادن الرجال ديناً وخلقاً وثباتاً ووفاءً والتزاماً وحفظاً للعهد .
ومن هنا كان اهتمام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بها بالغاً ، ‏وتعظيمهلشأنها ، كوصفه صلى الله عليه وسلم ،يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل فيها مؤمنا ، ويمسي كافرا ، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا ، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا .
فينقلب في ‏اليوم الواحد هذا الإنقلاب السريع ،وما ذاك إلاّ لعظم شأن الفتن وشدة ‏وقعها ، وفرط سوادها وظلمتها ، وعدم تبين الصلاح والفساد فيها .‏
‏ والفتن إذا حلت بساحتها حلت عمياء صمّاءمطبقة ، يصير الناس ‏فيها ـ بلا عقول ـ كالأنعام ، كما وصفها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وما ‏ذاك إلا لشدة هولها ، وعظيم وقعها .‏قال صلى الله عليه وسلم
" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا . فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء . وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء . حتى تصير على قلبين ، على أبيض مثل الصفا . فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض . والآخر أسود مربادا ، كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا . إلا ما أشرب من هواه "
كل هذا يدل على بالغ أمر موضوع الفتن وأهميتها وبشاعة ‏وقعها وعظم شأنها ، وشدة هولها . ولذلك كانت عناية السلف بمعرفتها ‏واضحة ، واهتمامهم بذكرها ودراستها جلياً .‏وهــذا ممايؤكد ضرورة بث ماأخـــبر به النبي ـ صلى الله عليه ‏وسلم ـ فيما صح عنه ـ من الفتن الغابرة واللاحقة بين الناس ،
ونشر ما ثبت ‏من الأحاديث التي أخبر فيها ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأمارات الساعة ‏وأشراطها ، وحذَّر فيها من الفتن الواقعة قبلها ،ليفيق الناس من سُباتهم ، ‏وينتبهوا من غفلتهم ، ويعتبروا ويكونوا على أُهبة الاستعداد ، والحذر التام ‏، كي لا تباغتهم تلك الفتن ، فتحول بينهم وبين التوبة والإنابة إلى الله تعالى .‏
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الإثنين 19 ديسمبر 2011, 7:51 am



قال البَرْزَنْجي ـ رحمه الله بعد أن ذكر : أن الدنيا لم تُخلق للبقاء ، ‏وإنما جعلت للتزود منها للدار الآخرة دار القرار ، وهي قد آذنت ‏بالانصرام والتولي ـ : ‏
‏ ( ولذا كان حقاً على كل عالم أن يشيع أشراطها ، ويبث الأحاديث ‏والأخبار الواردة فيها بين الأنام ، ويسردها مرة بعد أخرى على العوام ، ‏فعسى أن ينتهوا عن بعض الذنوب ، ويلين منهم بعض القلوب ، وينتبهوا ‏من الغفلة ، ويغتنموا المهلة قبل الوهلة.....) .‏

وإن من سنن الله تعالى في خلقه ابتلاء هم وتعريضهم للفتنة ، حتى ‏يعلم الذين صدقوا منهم ويعلم الكاذبين .‏
فسنة الحياة الدنيا والبشر فيها ، تجعل من المستحيل أن يخلو المرء ‏فيها من فتن وكوارث تصيبه ، ومحن وشدائد تحل بساحته ، فكم يخفق له ‏عمل ، أو يخيب له أمل ، أو يموت له حبيب ، أو يمرض له بدن أو قريب، ‏أو يُفقد منه مال ، أو.... ، أو .....، إلى آخر مايفيض به نهر الحيا ة ....
حتى قال الشاعر يصف الدنيا وما يعتريها من كوارث وفتن ، وأكدار ومحن ‏‏:‏
جُبلت على كدرٍ وأنت تُريدها صــفواً مــن الآلام ‏والأكــــدار !
ومُكَلِّفُ الأيام ضـــدّ طبــاعهـا مُتَطَلِّبٌ في الماء جـــذوة ‏نــــــار

‏ وقد افتُتن وابتُلي الماضون الأولون ، كإبراهيم الخليل ـ عليه السلام ‏ـ ألقي في النار ، وكقوم نُشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه ، ‏وكقوم موسى وفتنة فرعون لهم ، وغيرهم من المؤمنين في غابر الأزمان .‏
بيد أن هذا الافتتان والابتلاء يُبتلى به المؤمن على قدر ما عنده من ‏الإيمان ، فيُفتتن العبد على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلباً اشتدّ بلاؤُه ، ‏وإن كان في دينه رقة ابتُليَ على حسب دينه ، فما يبرح البلاءُ بالعبد حتى ‏يتركَهُ يمشي على الأرض ، وما عليه من خطيئة .‏

وليست كل فتنة نذير شر وهلاك ، بل قد يكون افتتان المؤمن ‏وابتلاؤه دليل خير لا نذير شر ،
كما يدل على ذلك حديث أنس أن النبي ـ ‏صلى الله عليه وسلم ـ قال :‏
‏(( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن ‏رضي فله الرضا ، ومن سخط فله السخط )) .‏
والله سبحانه يبتلي ويمتحن الخلق بعضهم ببعض ، فيمتحن الرسل ‏بالمرسل اليهم ، ودعوتهم إلى الحق والصبر على أذاهم . وتحمل المشاق ‏في تبليغهم رسالات ربهم ، وامتحن المرسلَ إليهم بالرسل ، هل يطيعونهم ‏وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ، ويردون عليهم ويقاتلونهم ؟
‏وامتحن العلماء بالجهال ، هل يعلمونهم وينصحونهم ، ويصبرون على ‏تعليمهم ونصحهم ، وإرشادهم ولوازم ذلك ؟ وامتحن الجهال بالعلماء ، هل ‏يطيعونهم ويهتدون بهم ؟ وامتحن الأغيناء بالفقراء ، والفقراء بالأغنياء ، ‏وامتحن الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، والمؤمنين بالكفار ، والكفار ‏بالمؤمنين ، وامتحن الإنسان بنفسه ، لأن العبد في هذه الدار مفتون بشهواته ‏ونفسه الأمارة بالسوء.

avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في السبت 24 ديسمبر 2011, 11:05 pm



سنة الله في فتنة المؤمنين


‏ هذه سنة الله تعالى في الحياة الدنيا ، وهو سبحانه وتعالى إنما خلق ‏السماوات والأرض ، وخلق الموت والحياة ، وزيّن الأرض بما عليها ، ‏لابتلاء عباده وامتحانهم ، ليعلم من يريده ويريد ما عنده ممن يريد الدنيا ‏وزينتها .‏

قال الله تعالى { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَــوَ تِ والأَرْضَ في سِتَةِ أَيَّامٍ ‏وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ
أَ يُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } [ هود : 7 ] .
‏وقــال تعـالى { إِنَّا جَعَلْنَا مَاعَلَى الأَرْضِ زِيــْنَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَ يُّهُمْ ‏أَحْسَنُ عَمَلاً } الكهف 7

( فالاختبار والتمحيص مَحَك صدق الإيمان في السابقين والصالحين ‏‏. فقد بين الله ـ سبحانه وتعالى ـ أنه لابد من الاختبار والتعرض للفتنة ‏للتحقق من قوة الإيمان وصدقه ، وأن ذلك سنة الله في السابقين والصالحين ‏،
يقول الله تعالى : أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُـتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ ‏لاَيُفْـتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ ‏وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } العنكبوت : 2 ـ 3 .

قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ عند تفسيرها : أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لابد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ‏ماعندهم من الإيمان ....) .‏
وقد جاء الاستفهام الإنكاري هنا على الذين يظنون أنهم مؤمنون ‏بمجرد ادعاء الإيمان باللسـان ، دون التعــرض للمحنــة والإبتلاء ، وثباتهم ‏في ميدان الإختبار والإمتحان .
فلا بد من الإمتحان ‏ليتميز الصادق من الكاذب
‏( إن الإيمان ليس كلمة تقال ، إنما هو حقيقة ذات تكاليف ؛ وأمانة ‏ذات أعباء ؛ وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال . فلا يكفي ‏أن يقول الناس : آمنا . حتى يتعرضوا للفتنة ‏فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم ، خالصة قلوبهم .
قال تعالى:
{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِ ينَ ‏مِن قَبْــلـِهِمْ فَليَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [ العنكبوت ‏‏: 3 ]
وهذا الاختبار ليس القصد منه رمي المؤمنين في الفتنة ، وإنما ‏الغاية أن يمحص الله المؤمنين بالتجربة والاختبار ، فيعلم ـ وهو العليم ‏الخبير ـ الصادق منهم والكاذب ، ويعلم صاحب الفتنة في أي درجة إيمان هو.
‏ والله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء ، ولكن الابتلاء يكشف لصاحب البلاء نفسه حقيقة إيمانه ، فيحاسب الناس ‏إذن على مايقع من عملهم لا على مجرد مايعلمه سبحانه من أمرهم .
وهو ‏فضل من الله من جانب ، وعدل من جانب ، وتربية للناس من جانب ، فلا ‏يأخذوا أحد اً إلا بما استعلن من أمره ، وبما حققه فعله . فليسوا بأعلم من الله ‏بحقيقة قلبه ! .
وهذا المعنى الذي دلت عليه الآيات السابقة قد جاء مبيناً في آيات ‏أُخَر من كتاب الله كقوله تعالى :
{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم ‏مَثَلُ الَّذِ ينَ خَلَواْ مِن قَـبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَ زُ لْزِلُواْ حَـتَّى ‏يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ } ‏‏[ البقرة : 214 .

وقوله { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ ‏الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِ يـنَ }
آل عمران : 142
وقوله ‏تعالى { وَلَنَبْلُوَ نَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ ا لْمُجَــهِدِ ينَ مِنكُمْ وَالصَّــبِرِيــنَ وَ ‏نـَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ }
[ محمد : 31 ]
وقوله تعالى َمَا كَانَ اللهُ لِـيَذَرَ ‏المُؤْمِنــِينَ عَلَى مَاأَنـتُمْ عَلَيْهِ حَـتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... } ‏الآية [ آل عمران: 179 ]
وقوله تعالى وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَافِي ‏صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَافِي قُلُوبِـكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }
[ آل ‏عمران : 154 ]
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الأحد 25 ديسمبر 2011, 10:36 pm



قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ عند تفسير قوله تعالى { فَليَعْلَمَنَّ ‏اللهُ الَّذِ ينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِـينَ } [العنكبوت : 3 ]
أي : الذين ‏صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه ، والله ـ سبحانه ‏وتعالى ـ يعلم ماكان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون . وهذا مجمع ‏عليه عند أئمة السنة والجماعة ، وبهذا يقول ابن عباس وغيره ... .‏


هذا وقد بينت السنة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور في هذه الآية يُبتلى ‏به المؤمنون على قدر ما عنــدهم من الإيمان .
كمــا في حديث أبي سعيد ‏الخدري ـ رضي الله عنه ـ قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ‏يوعك ، فوضعت يدي عليه ، فوجدت حرّة بين يدي فوق اللحاف . فقلت : ‏يا رسول الله ما أشدَّها عليك؟ قال (( إنا كذلك يُضَعَّف لنا البلاء ويُضَعَّف لنا ‏الأجر )) قلت : يارسول الله ! أيّ الناس أشد بلاء ؟ قال (( الأنبياء )) وقلت ‏‏: ثم من ؟ قال : (( ثم الصالحون إن كان أحدهم ليُبتلى بالفقر حتى ما يجـد إلا العباءة ‏يُحَوِّيْهَا ، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء )) .‏

وعن سعد بن أبي وقاص قال : قلت : يا رسول الله ! أي الناس أشد ‏بلاءً ؟ قال : (( الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل . يبتلى العبد على حسب دينه . فإن كان ‏في دينه صُلباً اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رِقّة ابتلي على حسب دينه . فما يبرح ‏البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وماعليه من خطيئة )) .‏

وعن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه ‏وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له : ألا تسـتنصر لنا ؟ ألا ‏تدعو لنا ؟ فقال : (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل ‏فيها ، فيُجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ‏لحمه وعظمه فما يصرفه ذلك عن دينه، والله لَـيُتِمَّن هذا الأمر حتى يسير الراكب من ‏صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون .

‏ وفي هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى ‏إيماناً ، ازداد بلاءً وامتحاناً ، والعكس بالعكس ... فالبلاء غالباً دليل خير ، ‏وليس نذير شر كما يدل على ذلك حديث أنس
أن النبي صلى الله عليه وسلم ‏قال (( إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم ، فمن ‏رضي فله الرضا ، ومن ســخط فله السخط )) .‏


وقد دل هذا الحديث ـ أيضاً ـ على أمر زائد على ما سبق ، وهو أن ‏البلاء إنما يكون خيراً ، وأن صاحبه يكون محبوباً عند الله تعالى ، إذا صبر ‏على بلاء الله تعالى ، ورضــي بقضاء الله عز وجل .
ويشهد لذلك قوله ‏صلى الله عليه وسلم (( عجبت لأمـــر المـؤمن ، إن أمره كله خير ، إن أصابه ‏ما يحب حمد الله وكان له خير ، وإن أصابــه ما يكــره فصبر كان له خير ، وليس كل ‏أحد أمره كله خير إلا المؤمن ))


avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الإثنين 26 ديسمبر 2011, 11:28 pm


إن الإيمان أمانة الله في الأرض ، لا يحملها إلا من
هم لها أهل ، ‏وفيهم على حملها قدرة ، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص . وإلا الذين‏يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمن والسلامة ، وعلى المتاع ‏والإغراء
ومن الفتنة أن يتعرضالمؤمن للأذى من الباطل وأهله ، ثم لا يجد ‏النصير الذي يسانده ويدفع عنه ، ولا يملكالنصرة لنفسه ولا المنعة ؛ ولا ‏يجد القوة التي يواجه بها الطغيان . وهذه هي الصورةالبارزة للفتنة ، ‏المعهودة في الذهن حين تذكر الفتنة . ولكنها ليست أعنف صورالفتنة . ‏فهناك فتن كثيرة في صور شتى ، ربما كانت أمرُّ وأدهى .‏
هناك فتنةالأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه ‏، وهو لا يملك عنهم دفعاً ،وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم ، وينادونه باسم ‏الحب والقرابة ، واتقاء الله فيالرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك ) ‏‏.‏وقد أُشير في سورة العنكبوت عند قوله تعالى { وَوَصَّـيْنَا الإِ ‏نْسَــنَ بِوَالِدَيـْهِ حُسْناً }
العنكبوت : 8
إلى لون من هذه الفتنة ، ‏وهي الفتنة مع الوالدين ، وهو لون شاقعسير .‏ومن ذلك ماتعرض له الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص ـ رضي ‏الله عنه ـ،عندما امتنعت أمه عن الطعام حتى تموت جوعاً ـ بُغْية إرغامه ‏على ارتداده عنالإسلام ـ فيعيره العرب بعقوقه لأمه ، فأوصاه الله تعالى ‏ببرها وعدم طاعتهابالمعصية . ‏
‏ وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين ، ورؤية الناس لهم ناجحين‏مرموقين ، تهتف لهم الدنيا ، وتصفق لهم الجماهير ، وتتحطم في طريقهم ‏العوائق ،وتصاغ لهم الأمجاد وتصفو لهم الحياة . وهو مُهْمَل مُنْكَر لا يحس ‏به أحد ،ولا يحامي عنه أحد ، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون ‏من أمثاله الذينلا يملكون من أمر الحياة شيئاً .‏
وهنالك فتنة الغربة في البيئة والاستيحاشبالعقيدة ، حين ينظر ‏المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة ،وهو ‏وحده موحش غريب طريد . ‏
وهناك فتنة من نوع آخر قد نراها بارزة في هذهالأيام . فتنة أن يجد ‏المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة ، وهي مع ذلك راقية فيمجتمعها ، ‏متحضرة في حياتها ، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة‏الإنسان ، ويجدها غنية قوية ، وهي مشاقة لله ! ‏
وهنالك الفتنة الكبرى . أكبرمن هذا كله وأعنف . فتنة النفس ‏والشهوة . وجاذبية الأرض ، وثِقلة اللحم والدم ،والرغبة في المتاع ‏والسلطان ، أو في الدّعة والاطمئنان ، وصعوبة الاستقامة علىصراط ‏الإيمان والاستواء على مرتقاه ، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس ‏، وفيملابسات الحياة ، وفي منطق البيئة ، وفي تصورات أهل الزمان !‏
فإذا طال الأمد ،وأبطأ نصر الله ، كانت الفتنة أشد وأقسى . وكان ‏الابتلاء أشد وأعنف . ولم يثبت إلامن عصــمه الله ، وهؤلاء هــم الذيـن ‏يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان ، ويؤتمنونعلى تلك الأمانة الكبرى ، ‏أمانة السماء في الأرض ، وأمانة الله في ضمير الإنسان .
و حاشا لله ـ أن يعذب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنــة . فليس الابتلاء للمؤمنين ليلاً لا صبح بعده ، وإنما ذلك يكون لأمد ‏يعلمه اللهفي علم الغيب قد يطول وقد يقصر ، ولعل الآية التي وردت سابقاً ‏ـ وهي قول اللهتعالى { مَاكَانَ اللهُ لِـيَذَرَ الْمُؤْمِنـِينَ عَلَى مَاأَنتُمْ عَلَيْهِ‏حَـتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهَُ لِيُطْلِعَكُمْعَلَى الغَيْبِ وَ ‏لَـكِنَّ الله َ يَجْتَبِى مِن رُسُلِهِ مَن يَشَاءُ}الآيــة
[ آل عمران: ‏‏179 ] تدل على ذلك . ‏فلا يوجد المؤمن في هذه الحياةليكون العذاب والألم لزيمة أو ‏قرينة له، وإنما الأمر أمر تربية وإعداد . بتربية هذاالمؤمن يتربى آخرون ، ‏وقد تتربى أمة بحالها ، والله تبارك وتعالى هو العليم وحدهبالمقاصد ‏والغايات من وراء إجراء سننه في خلقه .‏
إنه ( الإعداد الحقيقيلتحمل الأمانة . فهي في حاجة إلى إعداد ‏خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ،وإلا بالاستعلاء الحقيقي على ‏الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلابالثقة الحقيقية في نصر ‏الله أو في ثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء .والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ، وتستجيش كامن قواها ‏المذخورةفتستيقظ وتتجمع . وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها ويصلب ‏ويصقل . وكذلك تفعل الشدائدبالجماعات ، فلا يبقى صامداً إلا أصلبها ‏عوداً ، وأقواها طبيعة ، وأشدها اتصالاًبالله ، وثقة فيما عنده من الحسنيين ‏‏: النصر أو الأجر ، وهؤلاء هم الذينيُسَلَّمون الراية في النهاية . مؤتمنين ‏عليها بعد الاستعداد والاختبار ) ‏ .‏
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الخميس 29 ديسمبر 2011, 9:33 am



الناس أمام الفتنة

إن الناس يختلفون في الفتنة من ناحية استقبالهم وتصورهم لها . ‏فالناس معادن أمام الفتن ، فمنهم من يفتن نفسه بنفسه ، ومنهم من يفتن غيره ‏، ومنهم من يؤمن بلسانه ، فإذا أصابه بلاء من الله أو مصيبة في نفسه افتتن ‏‏.‏
وسيُعرض في هذا المبحث ـ إن شاء الله تعالى ـ نماذج من الناس أمام ‏الفتن .‏
المطلب الأول ‏
‏{ استقبال الناس للفتنة }‏
* * * *
إن بعض الناس يدعي الإيمان ويقول بلسانه آمنا ، بيد أنه إذا أوذي ‏في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله .‏
‏ ولما ذكر تعالى : أنه لابد أن يمتحن من ادّعى الايمان ، ليظهر ‏الصادق من الكاذب ـ كما تقدم في المبحث السابق ـ
أن من ‏الناس فريقاً لا صبر لهم على المحن ، ولا ثبات لهم على بعض الزلازل ، ‏فقــال : وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَا مَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِىَ فِى اللهِ ‏العنكبوت : 10 بضرب ، أو أخذ مال ، أو تعيير ، ليرتد عن دينه ، ‏وليراجع الباطل
{جَعَلَ فِتْـنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ } [ العنكبوت : 10 ]
أي : ‏يجعلها صادّة له عن الإيمان ، والثبات عليه ، كما أن العذاب صاد عما هو ‏سببه .
هذا حال بعض الناس ـ نسأل الله السلامة والعافية ـ وهذه صفات ‏المكذبين الذين يدَّعون الإيمان بألسنتهم ولم يثبت الإيمان في قلوبهم ، فإذا ‏ما جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى بهم ‏فارتدوا عن الإسلام ، وجزعوا من ذلك كما يُجزع من عذاب الله ، ولا ‏يصبروا على الأذية في الله .‏

فهذا الصنف من الناس هم الذين قال الله فيهم : { وَمِنَ النَّاسِ مَن ‏يَعْبُدُ اللهََ عَلَى حَرْفٍ فــَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَـتْهُ فِتْـنَةٌ ‏انـقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْـيَا وَالآخِرَةَ ذَلـِكَ هُوَ اْلخُسْرَانُ المُبِينُ } ‏‏[ الحج : 11 ] . ‏
إنهم يعبدون الله على حرف ، أي : على شك وطرف ، فإن وجدوا ‏ما يحبونه استقروا
وإلا انقلبوا .‏
ثم أخبر سبحانه وتعالى ـ في بقية الآية نفسها ـ عن صفة أخرى من ‏صفاتهم أمام الفتنــة . فقـال تعــالى { وَلَـئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ‏إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } [العنكبوت :10] .
فأخبر تعالى بأنه لو جاء للمؤمنين نصر ‏قريب وفتح ومغانم من الله تعالى ليقولن هؤلاء المرتدون للمؤمنين إنا كنا ‏معكم ، أي : إخوانكم في الدين وهم كاذبون كما قال تعالى { الَّذِينَ يَتَرَ ‏بَّصُونَ بـِكُمْ فَإِن كَانَ لـَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَ لَمْ نـَكُن مَّـعَكُمْ وَإِن كَانَ ‏لِـلْكَفـِرِ ينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَ لَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ ‏النساء : 141 ].
فرد الله عليهم وقال لهم { أَوَ لَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى ‏صُدُورِ الْعَالَمِينَ } [ العنكبوت : 10 ]
نعم ، أليس الله بأعلم بما في قلوبهم ‏وما تكنه ضمائرهم وإن أظهروا للمؤمنين الموافقة ؟ فهو ـ سبحانه وتعالى ـ ‏يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وهو أدرى وأعلم بما في أفئدتهم ‏منهم بأنفسهم .
هذا نموذج للناس أمام الفتنة ومدى استقبالهم لها ، فنسأل الله تعالى أن ‏لا يجعلنا مثلهم وأن يجعلنا من الصابرين الصامدين صمود الجبال الراسيات ‏أمام الفتن الكاسحات وأن يجعلنا ممن تزيدهم إيمانا على إيمانهم وعلى ربهم ‏يتوكلون .
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الجمعة 30 ديسمبر 2011, 11:48 pm


المطلب الثاني

فتنة الناس بعضهم البعض

إن من حكمة الله تعالى وسنته في خلقه أن يفتن الناس بعضهم ببعض ‏، ويختبرهم ويبلوهم ليعلم من يطيع ممن يعصي ، فالمسلم مبتلى بالكافر ‏ومفتون به ، والكافر مفتون بالمسلم ومبتلى به ، ويمتحن الله الأغنياء ‏بالفقراء ، والفقراء بالأغنياء ، والضعفاء بالأقوياء والأقوياء بالضعفاء ‏‏......... وهكذا يمتحن الله عباده بعضهم ببعض .‏


وللعلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ كلام نفيس فريد في بابه في هذا ‏الموضوع ، فها هو إيراد جملة منه مع بعض الزيادات من كلام علماء ‏السلف الصالح ـ رحمهم الله تعالى ـ
قال تعالى { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ ‏فِتْنَةً } [ الفرقان : 20 ] ، أي: اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ‏ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي ‏

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ عند ذكره لهذه الآية :
‏( وهذا عام في جميع الخلق ، امتحن بعضهم ببعض ، فامتحن الرسل ‏بالمرسل إليهم ودعوتهم الى الحق والصبر على أذاهم . وتحمل المشاق في ‏تبليغهم رسالات ربهم ، وامتحن المرسل اليهم بالرسل ، وهل يطيعونهم ، ‏وينصرونهم ويصدقونهم أم يكفرون بهم ويردون عليهم ويقاتلونهم ؟
‏وامتحن العلماء بالجهال ، هل يعلمونهم وينصحونهم ، ويصبرون على ‏تعليمهم ونصحهم وإرشادهم ، ولوازم ذلك ؟ وامتحن الجهال بالعلماء ، هل ‏يطيعونهم ويهتدون بهم ؟ وامتحن الملوك بالرعية ، والرعية بالملوك ، ‏وامتحن الأغنياء بالفقراء ، والفقراء بالأغيناء ، وامتحن الضعفاء بالأقوياء ‏، والأقوياء بالضعفاء ،

والسادة بالأتباع ، والأتباع بالسادة ، وامتحن المالك ‏بمملوكه ، ومملوكه به ، وامتحن الرجل بامرأته ، وامرأته به ، وامتحن ‏الرجال بالنساء ، والنساء بالرجال ، والمؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين . ‏وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم ، وامتحن المأمورين بهم ، ‏ولذلك كان فقراء المؤمنين وضعفاؤهم من أتباع الرسل ، فتنة لأغنيائهم ‏ورؤسائهم ، امتنعوا من الإيمان بعد معرفتهم بصــدق الرســل

وقالوا { ‏لَوْ كَانَ خَيْرَاً مَّا سَبَقُونَا إِلَيـْهِ } الأحقاف : 11
وقالوا لنوح ‏عليه السلام : { أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ }
[ الشعراء : 111 ] . ‏

قال تعالى : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لّـِيـَقُولُواْ أَهَـؤُلاَءِ مَنَّ ‏اللهُ عَلَيْهِم مِّن بـَيْنِنَا } [ الأنعام : 53 ] .
فإذا رأى الشريفُ الرئيسُ ‏المسكينَ الذليل قد سبقه إلى الإيمان ومتابعة الرسول حَمَى وأَنِفَ أن يسلم ، ‏فيكون مثله ، وقال : أُسلم فأكون أنا وهذا الوضيعَ على حد سواء ؟ ) ا هـ ‏كلام ابن القيم ـ رحمه الله ـ (‏ ‏ .‏

نعم ما أجمله من كلام ! وما أصدقه من قيل ! ولله درُّ قائله ـ رحمه ‏الله تعالى .‏
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الخميس 12 يناير 2012, 4:01 am



المطلب الثالث
‏{ فتنة الإنسان نفسه }‏
إن من الناس من يفتن نفسه بنفسه ، وذلك باتباعه واندراجه تحت ‏أحضان شهواته فيكون رهيناً لها ، وقد يُفتن بالغَرور الذي يُزين له الكفر ‏والريب ، فيطمئن له ، ويثق بوعده ، ويُصدِّق خبره .‏
وقد يفتن العبد نفسه بالشك في البعث بعد الموت ، وقد تغرُّه الأماني ‏الباطلة ، وطول الأمل. فيفتن نفسه بذلك ... إلى آخر مايفيض به نهر الحياة ‏من فتنة الإنسان نفسه. ‏

قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ :‏
‏( فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمّارة ، وشيطانه ‏المُغوي المزيّن ، وقرنائه ومايراه ويشاهده ، مما يعجزُ صبره عنه ، ويتفق ‏مع ذلك ضعف الإيمان واليقين ، وضعف القلب ومرارة الصبر ، وذوقُ ‏حلاوةِ العاجــل ، وميلُ النفس إلى زهرة الحياة الدنيا . وكون العِوَضِ ‏مؤجلاً في دارٍ أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها ، وفيها نشأ ، فهو مكلفٌ ‏بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيبٍ طُلب منه الإيمان به .

إن من الناس من يستعمل نفسه ويهلكها بالفتنة بشتى أنواعها . وقد ‏حكى الله عن مشهد جسيم من مشاهد يوم القيامة وما يقع في العرصات من ‏الأهوال المزعجة والزلازل العظيمة والأمور الفظيعة . وذلك فيمن فتنوا ‏أنفسهم في الدنيا ، وتربصوا بالمؤمنين ، وارتابوا في التوحيد ، وغرتهم ‏الأماني الكاذبة الباطلة ، وغرهم بالله الغرور .
فقال سبحانه وتعالى { يَوْمَ ‏يَقُولُ الْمـُنَــفِقُونَ وَالْمـُنَــفِقَاتُ لِلَّذِ يـنَ ءامَنُواْ انظُرُونَــا نَقْتَبِسْ مِن ‏نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورَاً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ ‏بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَــهِرُهُ مِن قِــبَـــلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَ لَمْ ‏نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنـفُسَكُمْ وَ تَرَبـَّــصْتُمْ وَارْتَــبْــتُمْ وَغَرَّ ‏تْكُمُ اْلأَمَانِيُّ حَـتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْـغَرُورُ } [ الحديد : 13 ـ ‏‏14 ] .‏

إنه مشهدٌ عظيم ، وإن هناك المنافقين والمنافقات ، في حيرةٍ وضلال ‏، وفي مهانة وإهمال . وهم يتعلقون بأذيال المؤمنين { يَوْمَ يَقُولُ ‏الْمُنَــفِقُونَ وَالْمُنَــفِقَاتُ لِلَّــِذيــنَ ءامَنُواْ انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } ‏‏... أي : أمهلونا ، لننال من نوركم مانمشي به لننجو من العذاب .

وحيثما تتوجه أنظار المؤمنين والمؤمنات يشع ذلك النور اللطيف ‏ . ولكن أنّى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النور وقد عاشوا حياتهم ‏كلها في الظلام ؟
وهي خدعة الله التي خدع بها المنافقين حيث قال { يُخَــدِعُونَ اللهََ ‏وَهُــوَ خَــدِعَهُمْ }
[ النساء : 142 ] .‏
إن صوتاً يناديهم { قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُورَاً } أي : ‏ارجعوا إلى الموضع الذي أُخذ منه النور ، واطلبوا هنالك لأنفسكم نوراً ، ‏فإنكم لاتقتبسون من نور المؤمنين ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه ‏النور فلا يجدون شيئاً فينصرفون إليهم .‏


وعلى الفور يُفصل بين المؤمنين والمؤمنات ، والمنافقين والمنافقات ‏، فهذا يوم الفصل إن كانوا في الدنيا مختلطين في الجماعة { فَضُرِبَ ‏بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَــهِرُهُ مِن قِبَــلِـهِ الْعَذَابُ ‏‏} أي ضُرب بينهم بحائط وحاجز بين الجنة والنار، ليحجز بين المؤمنين ‏والمنافقين ، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه ، فإذا استكملوا دخولهم ‏أُغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا ‏في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة وفساد .‏

وهذا السور { بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } أي : الجنة ، وهذا هو الذي ‏يلي المؤمنين ، { وَظَــهِرُهُ مِن قِبــَلــِهِ الْعَذَابُ } أي : النار ، وهذا هو ‏الذي يلي المنافقين .‏
ثــم ينــادي المنافقون المؤمنين ، فيقولون تضرعاً وترحماً { ألَمْ ‏نَـكُن مّـَعَكُمْ } ؟ أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات ، ‏ونصلي معكم الجماعات ، ونقف معكم بعرفات ، ونحضر معكم الغزوات ، ‏ونؤدي معكم سائر الواجبات ؟ ألم نعش معكم في صعيد واحد ؟ وقد بُعثنا ‏معكم هنا في صعيد واحد ؟ ‏

‏{ قَا لُواْ بَلَى } فأجاب المؤمنـون المنافقــين قائلـين : بلـى . كان ‏الأمر كذلك . { وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنـفُسَكُمْ } وهذا هو الشاهد في موضوعنا ‏في هذا المطلب: فتنة الإنسان نفسه ، فهاهم أولاء المنافقون قد فتنوا أنفسهم ‏وصرفوها عن الهدى باللذات والمعاصي والشهوات . ‏
ولم تقتصر فتنتهم لأنفسهم على ذلك ، بل أجابهم المؤمنون بأمور ‏أخرى فتنوا بها أنفسهم فقالوا لهم : { .... وَتَرَ بـَّصْتُمْ } أي : أخرتم التوبة ‏من وقت إلى وقت ، وترقبتهم الدوائر بالحق وأهله .
{ وَارْتَبْتُمْ } في ‏التوحيــد ، والنبـوة ، والبعث بعد الموت . { وَغـَــرَّتــــْكُــمُ اْلأَمَانِيُّ } ‏الباطلة ، من طول الأمل في أن تنجوا وتربحوا بالذبذبة وإمساك العصا من ‏طرفيها ! حَتَّــى جَـاءَ أَمْـرُ اللهِ بموتكم وانتهى الأمـر . { وَغَرَّكُم ‏بِاللهِ الْغَرُورُ } وهو الشيطان الذي كان يُطمِعكم ويُمنّيكم . ‏

وقد ذكر سيد قطب ـ رحمه الله ـ الحكمة الخاصة لاختيار مشهد النور ‏في هذا الموضع بالذات من الآيات السابقة فقال :‏

‏( وننظر من ناحية التناسق الفني في عرض المشهد ، فنجد لاختيار ‏مشهد النور في هذا الموضع بالذات حكمة خاصة ..... إن الحديث هنا عن ‏المنافقين والمنافقات ... والمنافقون والمنافقات يُخفون باطنهم ويتظاهرون ‏بغير مافي الضمير المكنون ، ويعيشون في ظلام من النفاق والدس ‏والوقيعة ، والنور يكشف المخبوء ويفضح المستور . كما أن الصفحة ‏المقابلة الوضيئة لصفحة النفاق المظلمة المطموسة . فهو أليق شيء بأن ‏تُطلق أشعته على المشهد الكبير . وبأن ينير بين أيدي المؤمنين والمؤمنات ‏وبأيمانهم ، بينما المنافقون في الظلام الذي يناسب ظلمات الضمير وظلمات ‏الخفاء المستور ! )

وهكذا يفتن الإنسان نفسه حينما يكون أسيراً لشهواته وملذاته ، ‏حينما يكون بعيداً عن ربه ، معرضاً عن ذكره ، ناسياً لآياته ، { وَمَنْ ‏أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكَاً وَنَحْشــُرُهُ يَوْمَ الْـقِيَــمَةِ ‏أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِـمَ حَشَرْتَـنِى أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيـرَ اً * قَالَ ‏كَذَلِكَ أَتـَــتْكَ ءَا يَــتُـنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَــذَلِكَ ‏نَـجْزِى مـَنْ أَسـْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِـآيَــاتِ رَ بِّهِ وَلَعَذَابُ اْلآخِرَةِ ‏أَشَــدُّ وَأَبْقَى } [ طه : 124 ـ 127 ] .‏
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default ‏ إخباره ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن ظهور الفتن ومجيئها

مُساهمة من طرف حبيبه في السبت 21 يناير 2012, 4:55 am



‏ إخباره ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن ظهور الفتن ومجيئها

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته عن ظهور الفتن على اختلاف ‏أنواعها وأشكالها ، وأن ظهورها يُعد من أشراط الساعة الصغرى ، وأخبر ‏بأنها فتنٌ عظيمة ، يلتبس فيها الحق بالباطل فتزلزل الإيمان ، قال صلى الله عليه وسلم بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم . يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا . أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا . يبيع دينه بعرض من الدنيا

وكلما ظهرت فتنة قال المؤمن : هذه مُهلكتي ، ثم تنكشف ، وتجيء فتنة ‏غيرها فيقول : هذه هذه ولا تزال الفتن تظهر في الناس إلى أن تقوم ‏الساعة .‏

ومما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته عن ظهور الفتن المختلفة ‏وأن ذلك من أشـراط الساعة ، ماجـــاء عن أبـــي هريرة رضــي الله عنه قال ‏‏: قال النبي صلى الله عليه وسلم يتقارب الزمان ، وينقص العمل ، ويلقى الشح ، ويكثر الهرج . قالوا : وما الهرج ؟ قال : القتل القتل

هذا وقد اختلفت أقوال العلماء وتفسيراتهم في تقارب الزمان المذكور في ‏الحديث إلى أقوال كثيرة وسيُذكر منها مايلي :‏

1 ـ قيل المراد : قصر الأعمار بالنسبة إلى كل طبقة ، فالطبقة الأخيرة ‏أقصر أعماراً من الطبقة التي قبلها .‏
2 ـ وقيل المراد : نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان ، وذلك من ‏علامات قرب الساعة ، فيصير الانتفاع باليوم كالانتفاع بالساعة الواحدة .
هذا ماذهب إليه النووي تبعاً لعياض وغيره ـ رحمهم الله ـ وهذا هو ‏الذي رجحه ابن حجر ـ رحمه الله ـ حيث ذكره وصدَّره بأنه هو الحق .‏
3 ـ وقيل معنى تقارب الزمان : استواء الليل والنهار .‏
4 ـ وقيل المـراد بذلك : قصر الزمان وســرعته وتقاربه ، وقصر مدة ‏الأيام والليـالي .‏


وفيما يظهر ـ والله أعلم ـ أنه قول قوي سديد ، لأن أصحابه استدلوا له ‏بحديث يؤيد ما قالوا ويفسر المراد من تقارب الزمان المذكور .‏
وهو حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، وتكون الجمعة كاليوم ، ويكون اليوم كالساعة ، وتكون الساعة كالضرمة بالنار .


فقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم المراد من تقارب الزمان المذكور ‏في الحديث وذلك بقوله :
(( فتكون السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ... )) الحديث ‏‏.‏
5 ـ وهناك قول جميل وجيه في المراد بذلك لسماحة الشيخ العلاّمة عبد ‏العزيز بن عبد الله بن باز ـ حفظه الله ـ حيث قال في تعليقه على مانقله ‏الحافظ ابن حجر من أقوال العلماء في ذلك مانصه : ‏
‏( الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر ‏من تقارب مابين المدن والأقاليم وقِصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع ‏الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك ، والله أعلم ) .‏
وبنحو قوله هذا ، قال الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ، والشيخ ‏السيد سابق ، والشيخ الجزائري (‏ ‏) ـ حفظهم الله جميعاً .‏
هذه مجمل أقوال العلماء في المراد بـ ( تقارب الزمان ) المذكور في ‏الحديث لُخِّصَت ورُتِّبَت وانتُقِيَت من أسفارهم ومصادرهم ، مع الإحجام عن ‏ذكر بعض الأقوال في ذلك خشية الإطالة .‏
وقال صلى الله عليه وســلم إن من أشراط الساعة : أن يرفع العلم ويثبت الجهل ، ويشرب الخمر ، ويظهر الزنا
والمراد بقوله (( .. ويُقبض العلم ‏‏...)) أي : يُرفع ، وهو من أشراط الســـاعة
والمراد برفعه هنا موت حملته ، فإن العلم لايرفع إلا بقبض العلماء ‏، وبقبضهم يُقبض العلم ، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : ‏سمعــت رســول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : (( إن الله لايقبض العلم ‏انتزاعاً ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ ‏الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضَــلُّوا وأضلُّوا .‏


avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في الأحد 12 فبراير 2012, 5:51 am



تابع
‏ إخباره ــ صلى الله عليه وسلم ــ عن ظهور الفتن ومجيئها
‏= = = = = = = = = = = = ‏

قال النووي ـ رحمه الله ـ عند شرح هذا الحديث مانصه : ‏
‏( هذا الحديث يبين أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ‏ليس هو محوه من صدور حفاظه ، ولكن معناه : أن يموت حملته ويتخذ الناس ‏جهالاً يحكمون بجهالتهم فيَضِلُّون ويُضِلُّون ) .
وليس المقصود بالعلم هنا أي علم ، بل هو العلم الشرعي ، علم الكتاب ‏والسنة وهو ماورثه العلماء عن الأنبياء عليهم السلام ، فإن العلماء هم ورثة ‏الأنبياء ، وبموتهم يذهب العلم وتموت السنن ، وتتفشى البدع ، ويعم الجهل .‏

وإلاّ فعلم الدنيا يزداد يوماً تلو الآخر ، كما نشاهده عياناً ، فليس هو العلم ‏المقصود في الأحاديث السابقة ، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (( فسُئلوا ‏فأَفتوا بغير علم فضَـلُوا وأَضلُّوا )) ولا يكون الضلال إلا عند الجهل بالدين والبعد ‏عن رب العالمين.‏

هــذا وقد جاء حديث (( ويُقبض العلم )) بلفظ آخـر فــي روايــة أخــرى ‏وهي (( وينقص العلم )) .‏

قال النووي ـ رحمه الله ـ في التعليق على هذه الرواية (( وينقص العلم ‏‏)) : ‏
‏( هذا يكون مثل قبضه ) .

وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في التعليق على هذه الرواية أيضاً اختلف في المراد بقوله (( ينقص العلم )) فقيل المراد : نقص علم كل عالم ‏بأن يطرأ عليه النسيان مثلاً ، وقيل نقص العلم بموت أهله ، فكلما مات عالم ‏في بلد ولم يخلفه غيره نقص العلم من تلك البلد ) .‏


ونأتي الآن إلى الشاهد في الحديث الذي سِيْقَ قريباً في أول الكلام ‏للاستدلال على ماتُرجم به هذا الفصل من إخباره صلى الله عليه وسلم عن ‏ظهور الفتن . والشاهد هنا في قوله صلى الله عليه وسلم : (( .... وتظهر الفتن ‏‏.... . والمراد : كثرتها واشتهارها وعدم التكاتم بها ، والله المستعان .
‏فيكثر ظهورها على اختلاف أنواعها وأشكالها ، ومايترتب عليها من المحن ‏والبلايا العظام .‏
وقد ترجم البخاري ـ رحمه الله ـ لهذا الحديث بقوله : ( باب ظهور الفتن ‏‏) والـمراد بالفــتن في قوله ـ صلى الله عليه وســلم ـ (( وتظهر الفتن )) ‏مايؤثر في أمر الدين وفي قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (( وتظهر الفتن )) ‏إشارة إلى تغلغلها في الأوساط الإسلامية وهذا ماترجم به الحافظ ابن كثير ـ ‏رحمه الله ـ لهذا الحديث حيث قال ( إشارة نبوية إلى تغلغل الفتن في الأوساط ‏الإسلامية ) .‏

‏ وإخباره ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا عن ظهور الفتن يشمل فتن الدين ‏والدنيا ،
أما فتن الدين : فكل مايصد عن الإيمان بالله والقيام بأمره واتباع ‏هدى نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من العقائد الفاسدة والأفكار الهدّامة والسلوك ‏المنحرف ، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات واللذائذ ‏المحرمة .

وأما فتن الدنيا : فما يحصل من القتل والخوف والسلب والنهب . ‏وظهور الفتن دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص والولاية ‏العادلة .‏

هذا ماشرحه العلماء بالنسبة لهذه الجزئية في الحديث ، وهي ظهور ‏الفتن ، وذلك من خلال تتبع ماكُتب في هذه الجزئية ، فلم أجد أحداً أفاض بأكثر ‏مما أشرت إليه .‏



avatar
جنان الرحمن
الإدارة

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف جنان الرحمن في الأحد 12 فبراير 2012, 6:26 am


الفتن إذا أتت ؛ فإنها لا تصيب الظالم وحده .. وإنما تصيب الجميع.. ولا تبقى –إذا أتت – لقائل مقالاً.. وإنما يجب علينا أن نحذرها قبل وقوعها.. وأن نباعد أنفسنا حقّاً بعداً شديداً عن كل ما يقرب إلى الفتنة أو يدني منها .. فإنَّ من علامات آخر الزمان كثرة الفتن
نسأل الله أن يقينا شر الفتن ما ظهر منها و ما بطن..آمين
جزاك الله خير الجزاء على الموضوع القيم
وأحسبه من الموضوعات التي يجب أن نقرأها دائما لنتذكر
بارك الله بك.
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: موقف المسلم من الفتن فى ضوء الكتاب والسنة

مُساهمة من طرف حبيبه في السبت 25 فبراير 2012, 10:53 pm


وإياك أختنا الفاضلة جنان وفيك بارك الرحمن

سعدتُ بمرورك الطيب

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 18 ديسمبر 2017, 8:53 am