مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

مع خير جليس: صيد الخاطر

شاطر
avatar
مودة
الإدارة

default مع خير جليس: صيد الخاطر

مُساهمة من طرف مودة في الخميس 13 يناير 2011, 4:44 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

فإنّ خير جليسٍ نجالسه اليوم, كتابٌ قيّمٌ عظيم لعالم عظيم من علماء الأمة وهو ابن الجوزي,
الذي طرزّ بخيوط متعددة الألوان, من فقهٍ وزهدٍ وعقيدة وتاريخ, وفكر وثقافة,
وأمر وإرشاد وفروع شتّى لأصول الإسلام وأسُسِه, قصاصات كثيرة ولوحات صغيرة
جمعها كُلّها فشكلت لوحة واحدة نادرةً أسماها: "صيد الخاطر"



" وفي هذا الاسم توفيق عجيب؛
ذلك أن الخواطر لا تفتأ تمر على الذهن كأنها الطيور التي تجوز سماء الحقل،
تراها لحظة ثم تفتقدها، فكأنك ما رأيتها، فإذا أنت اصطدتها وقيدتها ملكتها أبداً.
لذلك جعل المؤلف هذا الكتاب " قيداً لصيد الخاطر"،
فكان الاسم نفسه نفحة من نفحات العبقرية", يقول العلامة السوري علي الطنطاوي
الذي راجَعَ هذا الكتاب وعلق عليه مئات من التعليقات المفيدة
ووضع له مقدمة طويلة -في نحو أربعين صفحة- تكاد تكون كتاباً أو كتيباً
قائماً بذاته عن الكاتب والكتاب. كما وأبدى إعجابه بابن الجوزي،
إذ يقول في أول المقدمة: "وأنا قديم التعظيم لابن الجوزي قديم الحب له..."،
ولكن هذا لا يمنعه من أن ينظر إلى ما كتبه ابن الجوزي بعين العقل
ويزنه بميزان الشرع، ثم يمضي فينقده نقد الدارس المُنْصف في بعض الخواطر.


إذن فهذا الكتاب عبارة عن " خواطر تزاحمت في نفس صاحبها حتى فاضت, فَراح يقيدها فكانت صيدا ثمينا, فجاء صيد الخاطر بحقّ من قنّاص ماهر, عَرَفَ كيف يتخير صيده وقنصه تحت مظلةِ دستورٍ لا عوج فيه ولا أمتا, وهو القرآن الكريم.."*.



يقع هذا الكتاب في 551 صفحة من القطع المتوسط, في طبعته الأولى لعام 2003م, بتحقيق من الدكتور حامد أحمد الطاهر, وهو من إصدار دار الفجر للتراث- القاهرة.

يخيل إليّ وكأنّ ابن الجوزي جالس على صخرة ممسكا بصنارته, يُطِلُّ منها على البحر العريض, الساكن تارة والهائج تارة أخرى, فإذا ما بدا له صيدٌ أطلق صنارته بلمح البصر لئلا يضيع رِبحه في ذلك اليوم, فما الصخرة الاّ علمه الذي يستند إليه فهو قاعدته الثابتة المتينة, وما صنارته الاّ قلمه الذي يصيب الهدف فيكتب كلمة الحقّ في كلّ صغيرة وكبيرة, والبحر العريض هو حياته العريضة رحمه الله بكل ما فيها من تجارب عديدة في ميادين الحياة المختلفة, أما الصيد الذي يرقبه فهو الفِكَر والخواطر, التي تعرضُ له في مواقف مختلفة, فيسعى ويسرع في تدوينها لأنّ الفكرةَ صيد والكتابةُ قيد. إذ يذكر ابن الجوزي سبب تأليفه لهذا الكتاب فيقول: " لما كانت الخواطر تجول في تصفُّح أشياء تعرض لها, ثم تُعرض عنها فتذهب, كان من أولى الأمور حفظ ما يخطر لكيلا ينسى" .

يمثل هذا الكتاب عصارة ممتازة لفكر ابن الجوزي وتجربته الغنية، بعد أن خاضَ الحياة فَخبِرها وخَبِرَ ناسها، وخَبِرَ العلم ومارسه طالباً وأستاذاً وواعظاً. وقد استغرق ابن الجوزي في تأليف هذا الكتاب نحو عشرين عاماً, وذلك شأن كتب الخواطر، إذ أن الكاتب يقوم بتدوين وتقييد خواطره وأفكاره في الأحداث اليومية التي يصادفها ويعايشها، شيئاً بعد شيء, والقارئ بدوره سائح من خاطرة لأخرى, سياحة فكرية عميقة.

يمكن وصف أسلوب ابن الجوزي في كتابته لهذه الخواطر بالسهل الممتنع, إذ تتميز الخواطر بأسلوب سهل مرن، في الوقتِ الذي انتقى الكاتب ألفاظه فكانت قوية لا يجاريها لفظ أنسب ولا أدق, وصاغ عباراته جليّة غنيّة فراقت لِفِكر القارئ, واختار أمثلته فأجادَ وأصاب فأمتع بصر القارئ وبصيرته.

" إنّ كلمات ابن الجوزي في هذا الكتاب ليست مواعظ مرتبة, أو سردا متتابعا بل هي نخالة فكر, وعُصارةُ تجربة, امتزجت بحرارة إيمانية لرجل يعلمُ جيدا أن مَن وراءه سيستفيدون بهذه الكلمات (...) فكأنّما وضعَ ابن الجوزي هذه الكلمات لتخاطب دعاة الإسلام من المعتزين بدينهم, المتحلين بأخلاق المؤمنين, ويشحذ همم المتقاعدين, ويذكِّر الغافلين, فضلا عن نداءاتهِ للمنحرفين بالعودة إلى الدين الصحيح, والمنهج القويم والعقيدة السليمة." يقول محقق الكتاب د. الطاهر.

أما عن المواضيع التي تناولها ابن الجوزي في كتابهِ,
فشأن الخواطر ألا ترتبط بموضوع محدد، ولا بترتيب معين،
وأن تأتي متفرقة حسبما يتسق في الخاطر، وحسبما يعرض للكاتب من حوادث وعوارض,
ولكنها – رغم ذلك- تتسم جميعها بفكر كاتبها وعلمه ونظرته للأمور المختلفة
وتبصره في قضايا المسلمين.


ومن بعض الموضوعات التي تطرق إليها ابن الجوزي في كتابه:
1- العلم والعلماء،
2- القلب والنفس والعقل،
3- العبادة والعباد،
4- اليوم الآخر والاستعداد له
5- الأسرة والمجتمع،
7- حديث ابن الجوزي عن نفسه
، 8- الوقت وقيمته، وقضايا أخرى عديدة
.


كما ويشن ابن الجوزي هجوما على صنفين من الناس في خواطره,
الأول: بعض الصوفيين الذين أغواهم الشيطان وجعلهم ينحرفون عن طريق الحقّ,
والثاني: أهل البدع والمنكرات من الفلاسفة والمتكلمين الذين انحرفوا بالعقيدة
نحو ساحل الشرك وبقية أهل الكتاب من المغضوب عليهم والضالين.



وأخيراً فإن من أهم دلالات هذه الخواطر
أن ابن الجوزي أعطى من خلالها صورة صادقة وصحيحة للعصر والزمان
والأحداث التي عايشها وهذا زاد من أهميتها وفائدتها.



إخترت لكم من الكتاب إحدى الخواطر الرائعة التي تؤثر فيّ:
أثر المواعظ في القلوب:

قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة، فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القساوة و الغفلة! فتدبرتُ السبب في ذلك فعرفته. ثمّ رأيت الناس يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفته من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها, لسببين: أحدهما: إن المواعظ كالسياط ,والسياط لا تؤلم بعد انقضائها إيلامها وقت وقوعها
.


والثاني: أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة، قد تخلى بجسمه و فكره عن أسباب الدنيا، و أنصت بحضور قلبه، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها ، وكيف يصح أن يكون كما كان? وهذه حالة تعم الخلق إلا أن أرباب اليقظة يتفاوتون في بقاء الأثر :فمنهم من يعزم بلا تردد، و يمضي من غير التفات، فلو توقف بهم ركب الطبع لضجوا، كما قال حنظلة عن نفسه: نافق حنظلة! ومنهم أقوام يميل بهم الطبع إلى الغفلة أحياناً، و يدعوهم ما تقدم من المواعظ إلى العمل أحياناً، فهم كالسنبلة تميلها الرياح ! و أقوام لا يؤثر فيهم إلا بمقدار سماعه ، كماء دحرجته على صفوان
.


وأما موعظتي أنا ففي ختامها أسأل الله أن نكون جميعا حنظلة ( رضي الله عنه), ذلك الصحابي الجليل الذي ما رَكَنَ للدنيا وما رضيَ لنفسهِ الغفلة ولقلبهِ القسوة, فعزم بلا تردد ومضى بجسمه وفكره وقلبه وروحه, قلبا وقالبا لا يريد الاّ الآخرة فلا تلهيه شواغل الدنيا ولا تلفت قلبه عن الحقَّ قيد أُنملة.


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 19 أغسطس 2018, 11:51 am