مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

شريط دمعة فى الحج مفرغ وصوتيا (رااااائع)

شاطر

محبةالقرءان
هيئة التدريس

default شريط دمعة فى الحج مفرغ وصوتيا (رااااائع)

مُساهمة من طرف محبةالقرءان في الأربعاء 10 نوفمبر 2010, 4:03 am

--------------------------------------------------------------------------------

دمعة في الحج

إن للحج أهمية عظيمة في الإسلام، وهو مدرسة فيها من العبر والعظات الكثير، وكثير من أعماله عبادات محضة لا تدرك الحكمة منها؛ لكن من أمعن النظر وغاص بفهمه في مناسك الحج ومواقفه؛ فإنه يقف على لطائف يشهد بها ضعف نفسه وحاجته إلى ربه، ويشهد منها كمال مولاه وعظمته، ومغفرته ورحمته، وعزته وجبروته، كما يشهد فيها حقارة الدنيا وقصرها، وأن الراكن إليها مغتر بزخرف منقطع.

وقفات مع الحاج إلى بيت الله الحرام



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونؤمن به ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: الحج ركن من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائره العظام، دعا إليه رب العالمين، وأوجبه على عباده المستطيعين، نادى به نبيه الخليل، كما قص الله عز وجل خبره في التنزيل، نادى به فأذن، فبلغ الله أذانه، فلما علم عباد الله المؤمنين بذلك الدعاء وذلك النداء، تفتحت له أسماعهم، وتفتحت له قلوبهم، فصاروا له مجيبين ولداعيه ملبين، قطعوا الوهاد وساروا الفيافي وجاوزوا النجاد؛ محبة ومرضاة لرب العباد، ساروا إلى الله ملبين، ولرحمته طالبين، لم يخرجوا للدنيا، وإنما خرجوا لرحمة الله طامعين، وفي جوده وإحسانه وعظيم كرمه آملين، خرجوا إلى الله وقلوبهم مليئة بالإجلال والشوق والحنين إلى عفو الله، خرجوا وما كانت الدنيا نصب أعينهم إذ خرجوا، خرجوا وكلهم أمل في الله تبارك وتعالى أن يناديهم: حج مبرور، وسعي مشكور، وذنب مغفور. لذلك أحبتي في الله! ما ضربت قدم على الأرض أشرف عند الله عز وجل ولا أزكى من قدم المطيع لربه، وما وفد وافد يسير على الفجاج أحب إلى الله من وافد على بيته من هذا الركب العزيز الذي فارق كل عزيز. إنه ركب الله ووفد الله القادم على الله، لذلك قصة هذا الركب قصة مليئة بالعبر والعظات، فهو الوفد الذي لله خشع، وفي رحمة الله طمع، إنه وفد الله الذي تذكرك أقواله وأفعاله برحمة الله، أقوام باعوا الساعات واللحظات لكي يتقربوا إلى رب البريات. خرجوا إلى الله تبارك وتعالى بهذه الرحلة التي سطرت في دواوين الحسنات، فأقيلت بها العثرات، ورفعت بها الدرجات، فيا لله! كم فائز منهم برحمة الله! ويا لله! كم سعيد منهم برضوان الله! ......

الوقفة الأخيرة: حال الحاج عند طواف الوداع

أحبتي في الله! وبعد ذلك -وما بعد ذلك؟- يسير العبد إلى آخر مرحلة من حجه، وهي: طواف الوداع، وهيا للحظة الأخيرة التي يودع فيها الإنسان بيت الله الحرام، يودع فيها دار السلام، يطوف بذلك البيت لكي يكون آخر عهده بالبيت طوافاً، ولطواف الوداع حلاوة، ولطواف الوداع لذة وطلاوة. طواف الوداع يذكرك بفضل هذه المنازل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (كان الناس يسفرون من فجاج منى وعرفات) كان الناس يسفرون، يعني: يخرجون إلى ديارهم، ويرجعون إلى أمصارهم من فجاج منى وعرفات (فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً). فإذا طاف الإنسان طواف الوداع طافت به أشجان وأحزان، لأن العبد الصالح من أعظم ما يؤلمه، وأشد ما يجده في دينه إذا فارق الطاعة والعبادة، ولذلك كان بعض السلف إذا كانت آخر ليلة من رمضان جلس يبكي ويقول: ألا ليت شعري من هو المحروم فنعزيه؟ ألا ليت شعري من هو المقبول فنهنيه؟ فالإنسان إذا قضى عبادته وانتهى من حجه، فإنه لا يدري أقبل الله حجته أم لم يقبلها، وإن كان الظن بالله حسناً، فوالله لو عاملنا الله بما نحن أهل ما طمعنا في شيء، ولكن هي رحمته، وهو حلمه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله برحمته) . فما هذه العبادة التي قمت بها؟ وما هذا الموقف الذي وقفته؟ وما هذه الجمرات التي رميت؟ وما هذه الليالي التي بت في جنب نعم الله، وفي جنب منن الله، وفي جنب فضائل الله وإحسان الله بي؟ فتأتي تلك الساعة وهو يحتقر العبادة. إياك ثم إياك أن يأتي وأنت تدلي على الله بالعمل، إياك ثم إياك أن تحس من النفس غرورها، أو يلتهب في النفس شرورها، فتقول: أنت العبد الصالح، ها قد أديت فريضة الله، ها قد فعلت وها قد فعلت. لا، إنها ساعة الفراق التي يمتلئ فيها القلب ذلة لله عز وجل وطمعاً في أن يتقبل الله منك العمل. كان عبد الله بن عمر صحابياً جليلاً، حتى ورد في بعض كتب السير: -كما في الحلية وغيرها- (أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة) من صلاحه رضي الله عنه وأرضاه، وكان إذا رأى عبداً يصلي ويكثر الصلاة أعتقه لوجه الله، قالوا له: إنهم يخدعونك بكثرة الصلاة. قال: من خدعنا لله انخدعنا له. هذا الصحابي الجليل حضرته الوفاة فجلس يبكي فجاءه ابنه سالم ، وقال: يا أبتاه! ألم تكن كذا وكذا وكذا. يذكره بما كان عليه من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ يعدد فضائله التي فضله الله عز وجل بها حتى أكثر عليه، فقال رضي الله عنه: أجلسوني، ثم قال: يا بني! أتدري ممن يتقبل الله؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].. ما عد نفسه شيئاً. إذا كان هذا عبد الله بن عمر ، فكيف نحن نطمع بحسناتنا وصالح أقوالنا وأفعالنا؟! وما يدري العبد لعل ذنباً أصابه أوجب عليه سخطاً لا رضا بعده، ولعل كبيرةً أصابها، ولعل عبداً من عباد الله ظلمه بمظلمة لم يقبل الله عز وجل عليه بعدها؟! والأمور مردها إلى الله عز وجل: إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [المائدة:105]. لا أحد يدري هل قبل الله العبادة أم لم يقبلها؟! لذلك فإن الإنسان في هذه اللحظات يوصى باحتقار العمل، ولذلك قال العلماء: إن احتقار العمل من مظان القبول. إذا جاءت هذه اللحظة وصدرت عن البيت صدرت وكلك شوق وحنين أن يرحمك الله بقبول الحجة، وناديه وناديه وقل: يا رب! اقبل حجتي، واغفر ذنبي، وضع عني إصري. ادع الله دعاء المضطر ودعاء المستغيث المستجير به جل شأنه. حتى إذا انتهيت من ذلك فاسأل الله أن لا يجعله آخر العهد ببيته، بل تعود مرات ومرات. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله عن بعض السلف: أنه وقف بمزدلفة -في المشعر- وقال: والله الذي لا إله إلا هو! إن لي ثلاثين عاماً أسأل الله ألا يجعله آخر العهد بهذا الموضع، وقد استجاب الله دعوتي، وإني لأستحيي أن أسأله هذا العام. فرجع فقبضه الله عز وجل. ولذلك من طمع في أن الله عز وجل لا يجعلها آخر حجة له فإن الله كريم قد لا يخيبه في طمعه، فاجعل في نفسك حنيناً ألا يجعلها آخر العهد ببيته، وألا يجعله آخر العهد بطاعته. حتى إذا رجعت إلى الديار، وأقبلت على الأمصار عندها تذكر ما بينك وبين الله من العهود، تذكر ما بينك وبين الله من المواثيق، وقل بلسان الحال والمقال: توبة نصوح لا ذنب بعدها إن شاء الله. قال بعض العلماء: من علامة قبول الحج أن يكون العبد بعد الحج أصلح منه حالاً قبل الحج. يا عبد الله! إذا لبيت لله فاعلم أنك قد عاهدت الله على توحيده؛ فإياك أن ترجع -والعياذ بالله- بالله مشركاً، إياك بعد أن ناديته وتشرفت بالوقوف بين يديه أن تستغيث بأحد سواه، أو تستجير بمن عداه، فقد وجدته حليماً رحيماً، ووجدته جواداً كريماً، فإلى أين تفر؟! إلى أين تعرض؟! فلذلك اجعله عهداً بينك وبين الله أن لا معاذ ولا ملاذ ولا منجى ولا ملجأ من الله إلا إلى الله، اجعله عهداً مؤكداً، واجعله عهداً موثقاً أن تكون على طاعة واستقامة إلى أن تلقى الله تبارك وتعالى. إذا كنت بالمعاصي مبتلى فخذها طريقاً إلى التوبة النصوح، خذها حجة تمنعك وتحجبك عن معاصي الله عز وجل، فقد حللت به ضيفاً، وضيف الله يستحيي من الله، فبعد أن أقدمك الله إلى هذه الديار، وتشرفت بذكر العظيم القهار، عندها ترجع عبداً صالحاً تقياً ورعاً. اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى حجاً مبروراً! وسعياً مشكوراً! وذنباً مغفوراً! اللهم إنا نسألك أن تيسر لحجاج بيتك الحرام حجهم، اللهم يسر لهم حجهم! اللهم ارحم ضعفهم! اللهم ارحم غربتهم! اللهم ارحم فقرهم! اللهم ردهم إلى ديارهم سالمين غانمين رابحين! اللهم ردهم إلى ديارهم مرداً جميلاً! اللهم ردهم إلى ديارهم مرداً جميلاً! وهب لهم عملاً صالحاً مباركاً جليلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين!! اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تؤمنهم في حجهم بأمنك! اللهم أمنهم في حجهم بأمنك! اللهم أمنهم في حجهم بأمنك! اللهم الطف بهم حضراً وسفراً! اللهم الطف بهم حضراً وسفراً! اللهم ادفع عنهم الوباء! وأزل عنهم الشعث والعناء، واجعلهم في صحة وعافية، وبلغهم رضوانك يا رب العالمين! اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ولمن له حق علينا، ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



الوقفة السابعة: حال الحاج عند إفاضته من عرفات إلى المشعر الحرام

ثم إلى المشعر وعند المشعر يفيضون إليه بقلوب مغسولة، مليئة بالخشوع مليئة بالإنابة والخضوع، قلوب تعظم الله تبارك وتعالى، كيف وقد حطت الخطايا، كيف وقد غسلت الرزايا. يقفون بالمشعر حتى إذا شاء الله عز وجل لهم وقضوا منسكهم فصلوا فجرهم ووقفوا موقفهم أنابوا وتضرعوا، ورفعوا الأكف إلى الله وقالوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. يحسون بهيبة المشعر وجلال ذلك الموقف، يقفون وكلهم شوق إلى رحمة الله بعد أن أفاضوا وأنابوا إلى ربهم، ولرحمته أصابوا.



الوقفة الثامنة: حال الحاج في منى

ثم إلى منى، ومن منى إلى البيت العتيق: لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] في هذه الأيام المباركات.. الأيام المعدودات ذكر وشكر واستغفار وتعظيم للعظيم القهار، أيام منىً أيام الذاكرين.. أيام الشاكرين، أحسوا بأن الله أصابهم برحمته، وأصابهم بعفوه ولطفه؛ فأخذت الألسن لا تفتر عن ذكره وشكره، وحق لها والله! بعد أن أصابت رحمة الله أن تثني على الله، وكيف لا تثني عليه وقد أعطاها عطاءً هو العطاء في الدنيا؟! فليس هناك عطاء أعظم من أن يغفر الله ذنبك وأن يضع عنك وزرك، وهي المنة التي امتن الله بها على عباده، وامتن بها على خير خلقه صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين. وفي منى تلك الساعات الطيبات، تلقى فيها الوجوه مضيئة، تلقى فيها الوجوه مشرقة من آثار العبادة، تلقى فيها إخواناً لك في الإسلام والدين لم يجمعك بهم حسب ولا نسب، ولم تجمعك بهم قربى، بل لم ترهم عينك من قبل قط، ولكن ترى وجهه فتعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله فتحبه وتسلم عليه وتهنئه، تهنئه برحمة الله عليك وعليه. يا أحبتي في الله! أيام منى أيام جمع للمسلمين، لا يليق بالمسلم وهو يسير أمام إخوانه إلا وهو يفشي السلام بين المسلمين ويحسن إليهم بالإجلال والإكرام. إذا ضاعت أخوة الإسلام في أيام منى وأنت مع إخوانك الطيبين المباركين، الذين أصابهم الله برحمته، فأين توجد أخوة الإسلام؟! أحبتي في الله! إنها الأيام الطيبات، أيام تتلذذ فيها الأسماع بالتكبير والتحميد. أين المكبرون؟! أين الحامدون؟! أين المهللون؟! أين الذاكرون؟! ولقد كنا منذ أعوام يسيرة في الحج إذا مضينا إلى الجمرات والله ثم والله لا تفتر ألسنتنا عن ذكر الله: الله أكبر، ترتج بها أسواق منى وترتج منها خيام منى، فأين تلك الصفوة المباركة، ما بالنا قد نسينا شرعنا؟! ما بالنا نظرنا إلى هذا الحج وكأنه طقوس لا معنى لها؟! أحبتي في الله! حق لمن وقف بها، وحق لمن نزل إليها أن يرفع صوته بالتكبير إعظاماً للعلي الكبير، وشكراً للعزيز الغفور.



الوقفة السادسة: فضل يوم عرفة وحال الحاج في هذا اليوم

حتى إذا شاء الله عز وجل ما شاء فمضيت بين الصفا والمروة، تنتقل من معلم توحيد إلى معلم توحيد لرب العبيد، حتى إذا شاء الله لك أن تبلغ الموطن المبارك، الذي هو الحج الأكبر، إنه عرفات، وما أدراك ما يوم عرفات؟! يوم تفطرت فيه القلوب لرب البريات، ما طلعت الشمس على يوم أفضل عند الله من يوم عرفة. أخي في الله! إذا طلعت عليك الشمس ذلك اليوم فنادي النفس نداءاً صادقاً، هو يوم واحد، وقد كان من لطف الله وتيسيره أن جعل الموقف بعد الزوال سويعات، فاحتسب عند الله تبارك وتعالى فيها بالدعوات، وادخل إلى عرفات بقلب منكسر لرب البريات، وأصب من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ما بين لك. حتى إذا انتهيت من صلاتك، وسمعت المواعظ التي ينبغي لكل مؤمن بالله واليوم الآخر أن يترسم نهجها، وأن يسير على سبيلها، حتى إذا قضيت ذلك كله سرت إلى الموقف، سرت بذلك القلب المنكسر إلى الله تبارك وتعالى، سرت وأنت تتذكر ذنوباً بينك وبين الله، والعبد يسير إلى الموقف بخطىً ثقيلة؛ حينما يتذكر الذنوب فيما بينه وبين الله، يسير وهو منكسر إلى العلي الكبير، يسير وهو يحس من نفسه أن الذنوب تؤرقه، وأن الخطايا تحطه وتهده. حتى إذا صار إلى موقفه ووقف بين يدي الله تبارك وتعالى نسي الدنيا وما فيها، وأقبل على الله يناجيه ويناديه، بين لوعتين: لوعة الماضي، ولوعة المستقبل؛ أما الماضي فبينه وبين الله حدود طالما جاوزها، ومحارم طالما أصابها، وبينه وبين الله حدود لعباده أصابها، وحقوق لخلقه ضيعها، فإذا صار العبد إلى ذلك الموقف، يصير بذلك القلب الخاشع الذليل، ويا لله ما أعظمه من موقف! لو أن الإنسان استشعر تلك الساعة المباركة، التي يدنو الله عز وجل فيها دنواً يليق بجلاله وعظمته لأهل الموقف، ويقول لملائكته: (ما أراد هؤلاء؟) يقول بعض العلماء: استفهام إجلال وإعظام وإكبار، أي : أي شيء أراد هؤلاء؟ يدل على أن الله سينزل عليهم من رحمته ورضوانه بما لم يخطر على بال، (ماذا أراد هؤلاء؟) أينسى الله تبارك وتعالى؟! وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]. تلك الخطى التي قدمت بها عليه، أينسى إذ تغبر الخطى إليه؟ أينسى الشعث الذي تقربت به إليه؟ حتى إن الإمام أحمد رحمه الله سئل: هل ينظر الحاج في المرآة؟ قال: إن كان ينظر من أجل إصلاح شعره فلا؛ حتى لا يذهب شعثه. يقول بعض العلماء: إن الله تعالى يباهي بشعث الإنسان وغبره، ولذلك استحب العلماء إذا كان الإنسان له إزاراً فاتسخ أو أصابه شيء من القذر أن يقف به، حتى يكون أبلغ في الذلة لله عز وجل، حتى يكون أبلغ في التجرد من الدنيا، حتى يكون أبلغ في أنه يحس بالآخرة، وأنه والله ما قدم لكي يتعالى على عباد الله؛ ولكن ليذل لله حق والله للعبد أن يتذلل له سبحانه، وحق له أن ينكسر لربه تبارك وتعالى. تبارك الله وجل الله فهو أعظم ما فاهت به الأفواه! سبحان من ذلت له الأشراف أكرم من يرجى ومن يخاف وإذا لم يذل العبد لربه فلمن يذل؟! ثم ارم بطرفك إلى هذه الأمم التي اجتمعت على عرفات، ذابت أنسابهم، وذهبت أحسابهم، وأصبحوا لا تستطيع أن تفرق بين الغني والفقير، لا تستطيع أن تميز بين الجليل والحقير، أكف إلى الله رافعة، وعيون من خشيته دامعة، وقلوب وأفئدة لجلاله منكسرة، كم فيها من مظاهر تراهم وكأنهم على صفة رجل واحد، ولكن بين بعضهم بعضاً من الفضل والدرجات كما بين السماء والأرض، بماذا؟ بالقلوب. وقفوا في تلك المواقف، وقلوبهم متباينة في الإجلال والإعظام والانكسار، والذكر للعليم القهار؛ لذلك يوم عرفة يوم مشهود، هذا اليوم يذكر بالموقف بين يدي الله عز وجل، ولذلك إذا وقف العبد بعرفات، ونظر إلى تلك البريات، ونظر إلى تلك الأصوات والصيحات، فسبحان من علم لغاتها! وسبحان من ميز ألفاظها! وسبحان من قضى حوائجها! لا يخفى عليه صوت، ولا تعجزه حاجة، أحد فرد صمد، لا يعييه سؤال سائل! لذلك أحبتي في الله! النظر في حال يوم عرفة يذكر بالله تبارك وتعالى. كان الناس مع الخليفة سليمان بن عبد الملك فجاءت صاعقة وهم وقوف بعرفة، ففزع الناس فزعاً شديداً، وفزع الخليفة سليمان رحمه الله فزعاً شديداً من تلك الصاعقة، فقال له عمر : يا أمير المؤمنين! هذه بين يدي رحمته؛ فكيف بالتي بين يدي عذابه؟! إذا كان هذا والناس وقوف بين يدي الله يرجون رحمته؛ فكيف إذا وقفوا بعرصات يوم القيامة؟! وكما ثبت في الخبر يقول: (لقد غضب الله في هذا اليوم غضباً لم يغضب قبله قط ولم يغضب مثله قط)، وهذا يدل على عظم الموقف بين يدي الله تبارك وتعالى. اللهم سلمنا في ذلك الموقف! اللهم سلمنا فيه بعظمتك يا عظيم! ورحمتك يا رحيم! أحبتي في الله! يوم عرفة وما يوم عرفة! كل من حولك يحرك وجدانه، كل من حولك يحرك إحساسه، إن كان القلب قاسياً فإنه يصير خاشعاً، تسمع هذا يبكي وهذا يشتكي، وهذا يشجي، فتقول: سبحان الله! من لهذه الحاجات سوى الله؟ من لهذه الدعوات غير الله؟ جاءوا إليه من بلاد بعيدة، وقطعوها في أزمنة مديدة، جاءوا بهموم لا يفرجها سواه، وكربات لا ينفسها أحد عداه، جاءوا وكلهم يقين في أنه ليس لحاجتهم أحد غيره؛ وحق لهم ذلك. أحبتي في الله! وما هي إلا لحظات حتى يشاء الله عز وجل للعبد، فينقضي موقفه، وتغيب عليه شمسه، ويأذن الله لأهل ذلك الموقف بالانصراف. وتأتي تلك الساعة العصيبة، والله إنها لمن أمر الساعات في الحج، وأعظم ساعة يتألم الإنسان فيها أثناء الحج، إنها ساعة الانصراف من عرفة، لا يدري هل الله عز وجل قبل دعوته أم لم يقبلها؟! لا يدري هل أجاب الله سؤاله أم لم يجبه؟! لا يدري أمرحوم أم محروم؟! لا يدري أيعطيه أم يحرمه؟! فلذلك يبلغ بالإنسان من الشجن والأسى ما لا يعلمه إلا الله، فهو يقول: أأفيض ربي؟! فهل أنت راضٍ عني، أم لست راضياً عني؟! يناديه بقلب متقطع منفطر، رباه! إن لم ترض عني قبل هذا الموقف فارضَ عني قبل أن أفارق موقفي، يناديه بحسرة، يناديه بقلب متقطع يرجو رحمة الله؛ حتى لا يكون محروماً من عفو الله وفضل الله. أحبتي في الله! تلك ساعة مؤلمة، ساعة تهز وجدان المؤمن، حينما يتذكر أنه ينصرف من ذلك الموقف، ولذلك كان بعض السلف إذا حضرت ساعة النفرة من عرفة والدفع منها يشتد بكاؤه، ويعظم تضرعه إلى الله تبارك وتعالى، وقال بعضهم: والله! لو نادى منادي الله في أهل هذا الموقف: قد غفرت لكم إلا واحداً لعددت نفسي ذلك الرجل. أخي في الله! حتى إذا سرت بين الشعاب وسرت بين تلك الوهاد، فلا إله إلا الله كم يسير عليها عبد غفرت ذنوبه فهو كيوم ولدته أمه! لا إله إلا الله يدفعون من عرفات، دخلوها مثقلين، ليخرجوا منها من الذنوب والخطايا مغسولين! ما أعظمه من موقف، لا إله إلا الله! يسيرون بين تلك الشعاب، يسيرون بين تلك الأودية كيوم ولدتهم أمهاتهم، ما نظر الله إلى سيئات مضت ولا عاملهم بها. فيا لله! كم دعوة كتب لصاحبها سعادة لا يشقى بعدها أبداً! ويا لله! كم دعوة كتب لصاحبها رحمة لا يعذب بعدها أبداً! يسيرون بين تلك الشعاب العزيزة عند الله، بقلوب مليئة بإجلال الله، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، يحسون معناها، ويتلذذون حلاوتها، ويصيبون فضلها وبغيتها.



الوقفة الأولى: تذكر فراق الدنيا عند وداع الأهل والأحباب

لذلك أحبتي في الله نسير مع هذه الركاب، وننتقل مع هذه الرحلة مرحلة مرحلة، لماذا عز عند الله شأنهم وارتفع عند الله قدرهم؟ لأن الحاج إلى بيت الله في جهاد وجلاد، من أول لحظة تدخل فيها تلك الكلمة التي تدعوه إلى الإقبال إلى بيت الله يعيش الصراع، هل أحج هذا العام أم أرجئ إلى الأعوام القادمة؟ يعيش أول ما يعيش في صراع مع نفس متخاذلة عن طاعة الله متثابطة، يصارعها.. يجالدها.. يجاهدها، ثم مع الزوجات، ثم مع الأبناء والبنات، ثم مع الأموال والتجارات، أأحج أم لا أحج؟ أأنتظر أم أبادر..؟ حتى يشاء الله عز وجل أن يختاره في الركاب. فإذا عقدت النفس النية، وعقد القلب العزم على المسير إلى الله، والانتقال إلى رياض رحمة الله، إلى البيت العتيق، حتى إذا صدق عزمه وقوي يقينه؛ عندها تكون أول وقفة لنا مع الحاج إلى بيت الله الحرام. إذا عقدت الحج إلى بيت الله الحرام كانت أول وقفة حينما تشد الرحال، وتعزم على المسير إلى الكبير المتعال. فتقف على الباب لكي تنظر إلى الابن والبنت، لكي تنظر إلى الأخ والأخت، لكي تنظر بدمعة تسح على الخد لفراقهم، حتى إذا أصابت سويداء قلبك تلك الحسرة على فراقهم، إذا بنداء من الأعماق يذكرك بيوم عظيم، يذكرك بساعة للفراق وأي ساعة فراق! تناديك نفسك: يا عبد الله! اليوم تودعهم، وأنت قادر على الوداع بكلمات رقيقات؛ فكيف إذا انقطع الأثر وخسف البصر ونفذ القدر. كيف بك إذا أصبحت أسيراً للمسير إلى الله؟ فلذلك تتحرك في النفس ذكر الآخرة، تتحرك في سويداء القلب تلك العظة البالغة، اليوم تودعهم وغداً يودعونك، واليوم تنظر إليهم وغداً ينظرونك، اليوم تبادلهم الكلمات فمن لك إذا انقطع لسانك، ووجل جنانك، ولم تستطع أن تبيح بما في النفس من حسراتها. فهذه أول وقفة، ومن هذه الوقفة إلى ختام الحج تنتقل من مرحلة إلى مرحلة تذكر بالآخرة؛ فتجيش في النفس عبرتها؛ وتحرك في القلوب خشوعها.



الوقفة الثانية: العظات والعبر التي يستفيدها الحاج من لبس الإحرام

أما الوقفة الثانية: فبعد لحظات يسيرة فارقت الأهل والإخوان، وودعت الأحباب والخلان، فإذا بأوامر الشرع تأتيك عند الميقات، انزع ثيابك، وتجرد عن مخيطك، واغتسل لحجك وعمرتك؛ فاستجبت ولبيت، وقلت: سمعاً وطاعة. فغسلت واغتسلت وأزلت عنك الثياب. وما إن رفعت الثوب عن الجسد حتى تحركت في النفس أشجانها، وانبعثت في القلوب أحزانها، اليوم أزيل لباسي بنفسي، فكيف بغدٍ إذا أزيل عني لباسي؟! اليوم أرفع ثوبي بنفسي وأجرد عني المخيط، فكيف بي غداً إذا جردت من الثياب، وولجت من ذلك الباب مصيراً إلى رب الأرباب؟! اليوم أغسل نفسي، فكيف بي غداً إذ يغسلونني؟! وكيف بي إذ يكفنونني؟! وما هي إلا لحظات حتى تلبس الإزار وتنزع المخيط، وتنخرط مع تلك الجماعات؛ تلبية.. توحيداً.. تكبيراً.. تمجيداً، لا إله إلا الله! ما أعزها من خُطىً عند الله، وما أكرمها من وفود على الله، منذ أن تجردت من لباسك وأصبحت في عداد المحرمين، كأن هيئتك تقول لك: الآن أصبحت مع المحرمين، وغداً ستصير في عداد المغتربين. كما أن صاحب الإحرام تحظر عليه محظورات الإحرام، فلا طيب ولا متعة من الأمور المرفهة، كذلك إذا أوسد في لحده وأودع في قبره، فكأنه في المرحلة الثانية بعد لبس إزاره وردائه، فالله أكبر! ما أجلها من عظات، والله أكبر! ما أعظمها من آيات، دلت وشهدت بوحدانية رب البريات، فسارت الخطى على تلك الأرض، التي والله ما رفعت قدماً ولا حططت أخرى إلا سطرت في ديوانك، ولقيت بها رباً يبيض بها الوجوه إذا لقيه أصحابها.


الوقفة الثالثة: العظات والعبر التي يستفيدها الحاج حين يتوجه إلى بيت الله

حين تسير مع الوافدين في عداد المسافرين، وكأن سفر الحج يذكرك بالسفر الطويل، يذكرك بالمسير إلى العظيم الجليل، سرت معهم فرأيت عبراً لا تنسى، وآيات عظيمة جل من وضعها وعلا، تسير في الركاب فترى في السفر عجباً وأي عجب! تسير مع الأصحاب والأحباب وترى إن نظرت أمامك إلى قفار ووهاد، إلى أشجار وثمار، إلى جبال وأنهار، تذكر بالواحد العظيم القهار. ما تقدمت ولا خطوت إلا وكان في قلبك أثر يذكرك بأن لا إله إلا الله، إنه كون مليء بالعبر، وعبادة تهز كيانك حتى تكون من المعتبرين، فسرت مع الراحلين وسرت مع المغتربين، وما هي إلا أيام حتى وطئت دار السلام.


الوقفة الرابعة: ما ينبغي على الحاج حين وصوله إلى بيت الله

أخي في الله! تصدع بشكر الله والثناء على الله، فكم من وفود تمنت! وكم من قلوب حنت لكي تدخل البيت الحرام! كم من عيون تمنى أصحابها رؤية البيت الحرام! وكم من أجساد وأرواح طمعت أن تطوف ببيت الله! اخترمتها البحار، والتقمتها القفار، وصارت إلى العزيز القهار، والله تفضل فاختارك من بين العباد حاجاً وافداً، فما أجلها من نعمة وما أعظمها من منة! حتى إذا وطئت بيت الله وطئته وأنت تجل نعمة الله، وتعظم منحة الله، وطئت البيت الحرام وكلك إجلال وإعظام للملك العلام. أي بيت؟! أي مكان؟! أي بلد؟! أي منزل؟! إنه البلد الذي اختاره الله من بين البلاد، صحيح أنه ليس فيه أنهار ولا أشجار ولا فتن من الدنيا بادية، ولكن فيه الروح والريحان، فيه الرضا والغفران، فيه الصفح والإحسان، فيا لله! ما أعظمها من منازل! عظمها الله ورفع شأنها الله، ما أعظمها من منازل! لو أذن لتلك البقاع أن تتحدث، لو أذن لتلك المواضع أن تنطق، فكم عليها من دعوات أجيبت! وكم عليها من هموم فرجت! وكم عليها من أمور نفست،! إنها منازل الله، ومحط رحمة الله، حتى إذا وطئتها وطئتها بقلب يعظمها: ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]. يا عبد الله! إذا نزلت إلى بيت الله فادخله لله منكسراً، ومن هيبته خاشعاً، ادخله بذلة لله، ادخله بالسكينة والوقار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح في يوم أعز الله فيه أهل دينه، دخل صلوات الله وسلامه عليه مطأطئاً رأسه ذلة لله، حتى إن لحيته تكاد تمس رحل دابته صلوات الله وسلامه عليه؛ ذلة وتواضع لله عز وجل، منازل لا ترفع فيها الرءوس خشية لله، ولا يظهر الإنسان فيها إلا الفاقة والحاجة إلى الله، فيها بيت توجهت إليه القلوب والقوالب، من الصفا، والمروة، ومنى، ومزدلفة، وعرفات، وأي عرفات! منازل مباركات، منازل عند الله جليلة، وأماكن عند الله عظيمة! لذلك أحبتي في الله! إذا دخل الحاج إلى تلك المواطن دخلها بقلب يعظم الله، دخلها وكله ثناء على الله إذ بلغها، وأما إجلالها فكله شوق وطمع في الله أن يرزقه الأدب في جوار بيته المحرم، فما أسعده من عبد رزقه الله عز وجل عفة السمع والبصر! وما أسعده من عبد رزقه الله عز وجل الأدب معه، والأدب مع خلقه، في جوار كعبته وبيته! وما هي إلا لحظات حتى يرى العبد بيت رب البريات، وعندها يخشع القلب لله، ويذل لله تبارك وتعالى، ويبتدئ في طوافه، وينتهي من مطافه حتى يرقى الصفا.



الوقفة الخامسة: أن يتذكر الحاج حال النبي عند ما قى الصفا

لقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم الصفا، فلما رقاها قال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) . لماذا هلل؟ هلل لأنه بالأمس القريب كان يقف على الصفا يقول لهم -منذراً ومحذراً ومبيناً-: (سلوني من مالي ما شئتم، لا أغني عنكم من الله شيئاً، فقال له أبو لهب: تباً لك! ألهذا جمعتنا؟!) فبالأمس يكذب وبالأمس يهان وعلى هذا المكان، ويشاء الله عز وجل يوم حجة الوداع أن تأتي مائة ألف نفس تأتمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رقى الصفا تذكر عندما كان يهان بجوار البيت، فكان أول ما لفظ به توحيد الله، فقال: (لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده) تذكر نعمة الله عز وجل، وهذا هو شأن الأخيار، شأن الصفوة الأبرار، إذا أصابهم الله بنعمته، وتفضل عليهم بمنته؛ أجلَّوا الله عز وجل حق إجلاله؛ وعظموه حق إعظامه.




الأسئلة


......

نصيحة لأهل البلاء بأن لا يقنطوا من رحمة الله

السؤال: إنني أعيش في حزن وهم وغم بما أعانيه من مرض قد أصابني كم تمنيت الموت! تمر اللحظة تلو اللحظة وأتمنى الموت في اللحظة الأولى قبل الثانية، والشيطان يوسوس لي ويقول لي: افعل كذا كأنه يقول: هل أقتل نفسي أم ماذا أفعل؟ وهل من نصيحة تعيد لي الأمل في الله سبحانه وتعالى؟ الجواب: أخي في الله! لمن هذا الكون؟ لمن الأمر كله؟ الأمر كله لله، أنزل بك البلاء وهو أرحم بك من أمك التي ولدتك، أرحم بالخلق منهم بأنفسهم، والله لو علمت رحمة الله تباك وتعالى لامتلأ قلبك رجاءً فيما عند الله عز وجل. أخي! هذا بلاء أنزله الله بك، وأنت مسلم تؤمن بالله واليوم الآخر، ولذلك ليس البلاء أن يصاب المؤمن؛ ولكن البلاء كل البلاء للكافر الذي إذا أصابه البلاء لا يدري أين يذهب، ولا يدري إلى أين يشتكي، هذه الآلام التي تحصل للبعض إنما تكون مؤلمة حقيقة لأهل الكفر الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لا يدري أين ربه والعياذ بالله! لا يدري أين يذهب! حائر، ولكن المؤمن الصادق في إيمانه يعرف أين يذهب، يعرف من ينادي. لقد بلغ الضر بنبي الله أيوب مبلغه فنادى ربه نداءً صادقا؛ فجاءته رحمة الله وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:83-84]. يقول بعض العلماء: من رحمة الله بعباده أن المبتلى إذا صدع بالدعاء وكان صادقاً فإنه لا يفرج كربه فقط، بل يفرج كربته وزيادة، ولذلك قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء:84] ما معنى: ذكرى للعابدين؟ معناه: إذا عبدت الله ودعوته بدعاء صادقٍ، فإن الله عز وجل يستجيب لك كما استجاب لأيوب. ناده وقل: يا من لك الرحمة التي رحمت بها أيوب! ارحمني، يا من أنت الحليم بخلقك والرحيم بعبادك! أصابني وأصابني، وناد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وأذكر أن بعض الناس أصيب بشيء قريب من هذا، لقد عاش حياة مؤلمة، وشاء الله عز وجل يوم من الأيام أن جاء فاشتكى، فقلت له: يا أخي! الأمر يسير. يقول لي: هل تعرف طبيباً نفسياً يداوي؟ هل تعرف رجلاً يداوي بالقرآن؟ قلت له: لا، أعرف لك من إذا جئته لم تخب في مجيئه، وإن دعوته لم تخب في دعائه. قال: من؟ قلت: الله. قال: سبحان الله! قلت له: لو قلت لك: زيد أو عمرو أو فلان لرفعت رأسك، ولو قلنا: الطبيب الفلاني، ولو قلنا: فلان وفلان، لقلت: أين؟ من يعرفه؟ كيف السبيل إليه؟ فكيف برب الأرباب؟! يا هذا! دعوة الأسحار وما أدراك ما دعوة الأسحار! إذا رفعت إلى العظيم القهار من قلوب تجله، وهو العزيز الغفار، دعوة، وأنت واقف أمام الله عز وجل تناديه بصدق، وتشتكي إلى الله عز وجل. وشخص ثانٍ كان مبتلى بوساوس لا يقر قراره فيها، وشاء الله عز وجل أن يجلس مع بعض أهل العلم، فقوى فيه عقيدته بالله، يقول: فمضيت لأعتمر ودعوت واستجرت بالله عز وجل، والله إني لواقف أدعو وأستغيث بالله في صلاتي بعد انتهائي من طوافي، يقول: والله ما انتهيت من صلاتي حتى وانتهى عني كل شيء. من بيده الأمر كله؟ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [المؤمنون:88] ولكن ضعف يقيننا بالله.. ضعف إيماننا بالله، لم نعرف من هو الله، لم نعرف من هو الذي بيده ملكوت كل شيء، يعلم أنَّاتك، ولا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44] ونحن ما قدرنا الله حق قدره. الانتحار وقتل النفس هذا لأقوام لا يؤمنون بالله.. أقوام ضائعين.. أقوام تائهين، أما المؤمن الصادق فإنه يتلذذ بالبلاء أشد من تلذذه بالعافية، والله تعالى يقول عن أيوب: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44]. وأذكر أن الوالد رحمة الله عليه -وأقولها عن الوالد؛ لأنني قد أقولها عن شخص فيظن أنها قصة خيالية- بلي بمرض الحساسية، وتورم عليه جلده، والله مكث ثلاث سنوات ونحن لا ندري أنه مريض، حتى تقرح جسمه رحمة الله عليه. البعض يتلذذ بالبلاء لماذا؟ لأن حسنات وأجور البلاء لا يعلمها إلا الله عز وجل، وإذا وقفت في عرصات يوم القيامة، وثقل ميزانك بهذا الهم والغم، وعظم عند الله أجرك تمنيت والله أن حياتك كلها بلاء: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] وبغير حساب من الله ليست بالهينة! فهو شيء لا يخطر على بال. فذلك أخي في الله! أدعوك إلى ربك، أدعوك أن تلوذ بخالقك، أدعوك أن تستجير بمن بيده حياتك وموتك، وبيده غناك وفقرك، وبيده عذابك ورحمتك، ناده واشتك إليه واستجر به، واسأله إحدى الحسنيين؛ إما أن يثبت قلبك ويصبرك على البلاء حتى تصيب من الله رضواناً، ورحمة وغفراناً؛ وإما أن يزيل عنك البلاء بالكلية. ولذلك المرأة التي كانت تتكشف كانت مبتلاة في عقلها، (جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يشفيني أو يعافيني. قال: إن شئت صبرت ولكي الجنة، وإن شئت دعوت لك. قالت: أصبر؛ ولكن ادع الله لي ألا أتكشف) رضي الله عنه وأرضاها؛ ولذلك كانت مبشرة بالجنة وهي تمشي على وجه الأرض. يا أخي! ما يدريك ما في هذا البلاء؟! أخي! لو أن والدتك علمت بما بك؛ تألمت وتأوهت؛ وأحست بمرارة العيش من ألمك، حتى إن بعض قرابة المريض يتألم أكثر من المريض، والله لألم والدتك ورحمة والدتك بك لا تساوي مثقال ذرة من رحمة الله بك، هو يعلم أنك مبتلى، ويعلم أنك تقاسي وتعاني، ولكن يختبر صبرك، يختبر ثباتك؛ ولذلك اثبت وداوم على ذكر الله، وكن مع الله، وكن في راحة وطمأنينة وانشراح صدر مع الله، فوالله ما خاب عبد قرع باب الله. اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت أن تفرج عن هذا العبد كربه، وأن تثبت قلبه، وأن تزيل حسرته، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.



حكم صيام يوم عرفة لغير الحاج

السؤال: وماذا عن صيام يوم عرفة؟ الجواب: أما صيام يوم عرفة فقد سئل عنه من هو أفضل منا صلوات الله وسلامه عليه فقال: (أحتسب عند الله أن يكفر السنة الماضية والباقية) فصيام يوم عرفة مسنون وله فضل، لكن لغير الحاج، أما الحاج فيسن له أن يفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر، وقد جاء بها حنيفية سمحاء لا حرج فيها ولا مشقة ولا عنت، فأفطر صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الفطر يقوي على الذكر الذي هو المقصود من يوم عرفة، والصيام منفك، فتقدم العبادة المتصلة على العبادة المنفصلة، ولذلك لم يشرع للمقاتل إذا كان في وجه العدو أن يكون صائماً؛ لأنه بالصيام يضعف عن البلاء المقصود من قتاله. وهكذا بالنسبة لمن وقف في يوم عرفة، فإن مقصوده ذكر الله، فينبغي أن يتقوى وأن يأخذ بالأسباب التي تقويه على ذلك. أما بالنسبة لموافقته يوم الجمعة: فالذي يظهر والذي يستحب للإنسان أن يصوم الخميس والجمعة، وأما السبت فيوم عيد ولا يصام، وقد اجتمع فيه النهي عنه على الانفراد، وكذلك أيضاً كونه يوم عيد، فلذلك يسن للإنسان أن يصوم يوم الخميس والجمعة. والله تعالى أعلم.



حكم تغطية الوجه للمحرمة وكشف شعرها أمام محارمها

السؤال: هل غطاء الرأس بالنسبة للمرأة طول الوقت يكون عليها حتى في الخيمة وهي بعيدة عن الرجال؟ وإذا أزالت الغطاء هل يفسد الإحرام، وكذلك حكم تغطية الوجه بالنسبة للمحرمة؟ الجواب: المرأة يشرع لها أن تغطي وجهها ورأسها إذا رأت الأجانب أو إذا كان هناك أجانب، أو كانت بين الأجانب، للحديث الصحيح عن أسماء رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (فإذا مر بنا الركب سدلت إحدانا خمارها) فدل هذا على مشروعية سدل المرأة لخمارها عند مرور الرجال الأجانب، وأما إذا كانت بين محارمها، أو كانت في خيمتها، أو كانت بمعزل عن رؤية الغير لها؛ فإنه يجب عليها كشفها لوجهها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ضمناً، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) فنهاها عن سترها لوجهها. وأما بالنسبة لقولك: هل تكشف؟ نعم، القاعدة تقول: (ما أبيح للحاجة يقدر بقدرها)، فهي في الأصل يمنع عليها السدل، لكن لمكان الحاجة شرع لها السدل. والقاعدة: إن ما شرع لحاجة يبطل بزوالها، فإذا لم يوجد الأجانب فإنه قد زالت الحاجة؛ فيجب عليها الرجوع إلى الأصل. أما بالنسبة لشعر الرأس فإن المرأة تغطي شعرها وجوباً إذا كانت بين الرجال الأجانب، وأما بالنسبة لمحارمها فإنه يجوز لهم النظر إلى شعرها، ولكن كره بعض العلماء ذلك من السلف وقال: أخشى على محرمها الفتنة. ولذلك من ناحية الأصل لا يجب عليها كشف شعرها، شعر الرأس لا يجب كشفه في الإحرام، الإحرام للمرأة في الوجه والكفين، لحديث ابن عمر الذي سبقت الإشارة إليه، وأما الرأس فإنها تغطيه، وهذا مما يختلف فيه الرجل والمرأة. والله تعالى أعلم.


اندراج طواف الوداع في طواف الإفاضة

السؤال: هل يجوز الجمع بين طواف الإفاضة وطواف الوداع، وكيف تكون الصفة في ذلك؟ الجواب: نعم إذا أخر الحاج طواف الإفاضة، أو كان عند المرأة عذر الحيض فلم تطف طواف الإفاضة، وطهرت ثم أرادت أن تجمع بين طواف الوداع والإفاضة جاز لها؛ لأن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر العهد بالبيت طوافاً، وهذا يتحقق بطواف الإفاضة، فينوي طواف الإفاضة أصلاً وطواف الوداع اندراجاً، ينويه تحت طواف الإفاضة، فإذا نوى ذلك أجزأه، وسقط عنه طواف الوداع. والله تعالى أعلم.



فضل عشر ذي الحجة وأحكامها

السؤال: فضيلة الشيخ! لو تحدثت عن العشر الأوائل من شهر ذي الحجة وعن فضلها والعمل فيها، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب: أما عشر من ذي الحجة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه قال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء من ذلك). فدل هذا على فضل هذه الأيام المباركات، يغتنمها الإنسان في ذكر الله وطاعة الله، ويستكثر فيها من خصال الخير، وإن صامها فحسن صيامها، ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام العمل الصالح) والعمل الصالح يشمل الصيام، بل إن الصيام من أفضل الأعمال الصالحة وأحبها إلى الله تبارك وتعالى؛ لما فيه من عبادة الصبر؛ ولما فيه -أيضاً- من كسر شهوة النفس... إلى غير ذلك من فضائله. وأما أحكام هذه العشر: فيسن فيها التكبير، قال تعالى: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ [الحج:28] قالوا: هي عشر من ذي الحجة، وهو: التكبير المطلق، يكبر الإنسان سواءً كان تكبيره شفعاً أو وتراً: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد. وإن شفع فلا حرج عليه، وقد كان السالف الصالح يحيون التكبير، فهذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يغدو إلى السوق وليس له حاجة في السوق فيكبر، فيكبر أهل السوق بتكبيره؛ إحياءً لهذه السنة. فينبغي للإنسان أن يحرص على إحيائها، وأن يرفع صوته إحياءً لهذه الشعيرة؛ علّ الله أن يرفعه، فما رفع عبد شعيرة إلا رفعه الله عز وجل بها. ومن أحيا سنة أحياه الله كما أحياها، فلذلك ينبغي إحياء هذه السنن، والحرص عليها والدلالة عليها، وقد كان الناس إلى عهد قريب يكثرون من ذكر الله في هذه العشر لفضلها. قال بعض العلماء في قوله تعالى: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2] قالوا: هي عشر من ذي الحجة؛ لأن الله أقسم بها للدلالة على فضلها وشرفها، فهذا يدل على فضلها. أما أحكامها: فإن الإنسان إذا نوى الأضحية في عشر من ذي الحجة فإنه لا يمس شعراً ولا يقلم ظفراً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمسن شيئاً من شعره) . والله تعالى أعلم.



اختلاف العلماء في المراد بالحج الأكبر

السؤال: ما المراد بالحج الأكبر الوارد في كتاب الله؟ ولماذا سمي بالحج الأكبر؟ الجواب: قيل: هو يوم عرفة، وقيل: يوم النحر. وقول بعض العلماء أن يوم النحر هو الحج الأكبر؛ لأنه يجتمع فيه طواف الإفاضة وكذلك تجتمع فيه الشعائر من رمي الجمار وحلق الرأس والتحلل. وأما يوم عرفة فلأن عرفة هي الحج، ولكن القول الثاني قواه بعض العلماء لاجتماع الفضائل التي لا توجد في غيره. والله تعالى أعلم.


معنى التشريق

السؤال: ما معنى كلمة: التشريق، المذكورة في أيام التشريق؟ الجواب: هذا من تشريق اللحم، لكن الثلاجات أضاعت التشريق، كانوا يشرقون اللحم يقطعونه ويعرضونه للشمس.



عدم وجوب الحج على المديون وإن حج فحجه صحيح

السؤال: إنني رجل عليَّ ديون كثيرة لا أستطيع سدادها، وإنني أملك سيارة كبيرة وأرغب في الحج والعمل بالسيارة، فهل يصح لي الحج وأنا مديون، أفيدوني جزاكم الله خيراً؟ الجواب: أما بالنسبة للشخص المديون فإن الأصل فيه أن يقضي دينه، ولا يجب الحج على المديون حتى يؤدي دينه؛ لأنه مطالب بقضاء حقوق عباد الله، وبعد أداء الحقوق يتوجه إليه الخطاب بالحج، فإذا كانت عليه ديون؛ فإنه غير مستطيع للحج، فلا يجب عليك الحج، لكن لو استأذنت صاحب الدين فأذن لك فحججت صح حجك وأجزأك، ولا حرج عليك؛ لأنك استأذنت. وأما إذا كان الإنسان لم يستأذن فإن حجه أيضاً صحيح، ومسألتك التي ذكرتها من كونك ذاهب إلى مكة من أجل التجارة فيها وجه للترخيص؛ لأن ذهابك من أجل التجارة معونة على قضاء الدين، وليس المقصود الحج بأصله، فلذلك لما كان ذهابك متعيناً وأردت أن تصيب الأمرين -الحج والحاجة- فلا حرج عليك، وقد ورد الشرع بالإذن في ذلك، قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة:198]. ولذلك ورد في الحديث أنها نزلت في قوم يحجون بنية التجارة، أي: جمعوا بين نية الحج والتجارة، على أن الحج أصل والتجارة تبع. والله تعالى أعلم.



تقديم طواف الوداع عن الرمي مخالف للسنة

السؤال: هل يجوز أن يخرج الحاج من منى قبل الظهر ويطوف طواف الوداع، ثم يعود إلى منى ويرمي، ثم يخرج إلى بلده؟ الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن السنة المطلوبة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيها بطواف الوداع، أن يكون آخر العهد بالبيت طوافاً، فإذا طاف الإنسان طواف الوداع ورجع إلى منى لم يكن آخر عهده بالبيت طوافاً، ومن ثم فإنه ينبغي له أن يؤخر الطواف إلى ما بعد الرمي، وهذا قد يرخص فيه البعض من المتأخرين؛ ولكن لا أحفظ دليلاً يدل عليه، بل ظاهر حديث عائشة في الصحيح وغيره؛ أنها قالت: (كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات، فأمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً) وهذا يدل على تعين المصير إلى البيت. والله تعالى أعلم.



حكم تأخير طواف الوداع إلى ما بعد الخروج إلى جدة ومن ثم العودة إلى مكة

السؤال: هل يصح لأهل جدة أن يؤخروا طواف الوداع إلى بعد النزول من الحج بيوم أو يومين -يقصد النزول إلى جدة- حيث يقول: إنني سمعت بعض العلماء يقول: يصح لأهل جدة أن يؤخروا طواف الوداع أي: قبل نهاية شهر ذي الحجة؟ الجواب: طواف الوداع يشرع للحاج إذا صدر عن البيت، فلو صدر بعد اليوم واليومين كما ورد في السؤال فلا حرج عليه، سواء كان من أهل جدة أو من غيرهم، بل لو أنه تأخر صدوره إلى آخر شهر ذي الحجة فإنه يطوف طواف الوداع عند صدوره. أما في مسألة النزول فالسائل لم يبين أنه نزول إلى جدة أو غيرها، فنقول: المسألة فيها تفصيل: فإن كان نزولهم إلى مكة يبقون حتى يعقدوا العزم على الذهاب إلى بلدهم وهو جدة، فيطوفون إذا صدروا، وإما إذا كان نزولهم إلى جدة ورجوعهم بعد ذلك إلى مكة لطواف الوداع، فهذا محل نظر؛ لأن النص عام شامل لمن جاور البيت ومن كان بعيداً عن البيت، وتخصيصه بالاجتهاد محل نظر، ولذلك الذي يظهر من ظاهر النص أنه يطوف عند صدوره وانتهائه من حجه، لا يؤخر ذلك إلى نزلة أخرى أو ذهاب آخر. والله تعالى أعلم.



وجوب الإحرام لمن مر بميقات غير ميقاته إن نوى الحج

السؤال: رجل يريد أن يحج من جدة، ولكنه قبل الحج يريد أن يذهب إلى أبها لزيارة بعض الأقارب في شهر ذي الحجة، ويعود إلى جدة ليحرم منها، هل هذا يصح، علماً بأنه قد ارتبط مع جماعة للحج من هنا، فعليه أن يعود إلى جدة؟ الجواب: من خرج إلى أبها أو خرج إلى موضع غير جدة قاصداً زيارة رحم أو غير ذلك، ثم قدم وفي نيته الحج؛ فإنه يجب عليه أن يحرم من ميقات يلملم لماذا؟ لأنه يمر بالميقات ناوياً الحج بذلك السفر، صحيح أنه سيمر بجدة، ولكنه يمرها متوقفاً، وهذا السفر إلى جدة ليس أصالة، والمقصود أصالة: أن ينزع منها إلى مكة؛ فلذلك يجب عليه أن يحرم من ميقات أهل أبها، وذلك لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المواقيت: (هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة). صحيح أنك من أهل جدة، ولكن لما مررت بميقات أبها وما جاورها -وهو يلملم- فإنك أخذت حكم أهلها. والله تعالى أعلم.



جواز الإتيان بعمرة التمتع يوم التروية

السؤال: هل يجوز أن آتي بعمرة التمتع يوم الثامن من ذي الحجة؟ الجواب: نعم يجوز للإنسان أن يأتي بالعمرة في اليوم الثامن من ذي الحجة، وبعد ذلك يتحلل ولو بتقصير شعره، ثم يلبس مرة ثانية، فإن نزع ولبس ثيابه يعود مرة ثانية ويلبس إزاره ورداءه ويمضي إلى منى، وإلا مضى إلى عرفات إن تأخر إلى يوم عرفة. والله تعالى أعلم.



الموضع الذي يحرم منه من له بيت بمكة وخارجها

السؤال: رجل له بيت في مكة وبيت في جدة وعمله في جدة، يمكث في جدة مع أهله أربعة أيام، وبقية أيام الأسبوع يقضيها في مكة -أيضاً- مع أهله، حيث يذهب بهم من جدة إلى مكة، فمن أين يحرم؟ الجواب: هذه المسألة يعتبرها العلماء -رحمهم الله- مسألة المكي الذي يأخذ حكم الآفاقي من وجه، يعني: يعتبر صاحب منزلين، يعتبر آفاقياً من وجه، ويعتبر مكياً من وجه آخر، ومثلوا لها بصاحب التجارة.. بصاحب المزرعة، أن يكون له -مثلاً- بيت في المدينة وبيت في مكة، فيعطى حكم أهل مكة إن كان بمكة، ويعطى حكم أهل المدينة إن كان بالمدينة. ولذلك أقول: إذا أنشأت نية الحج فإن كنت في جدة أخذت حكم أهل جدة، وإن كنت في مكة أحرمت من مكة وأخذت حكم أهلها، فينظر إلى الحالة التي عقدت العزم فيها على الحج، فيجب عليك الإحرام من موضعك. والله تعالى أعلم.



من اعتمر في رمضان وحج من عامه دون أن يقرن حجة بعمرة لا يكون متمتعاً بل مفرداً

السؤال: أريد أن أحج متمتعاً، هل تكفيني العمرة التي أديتها في رمضان؟ الجواب: بالنسبة للمتمتع لا يعتبر الإنسان متمتعاً إلا إذا أوقع العمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وتوضيح ذلك: أنك إذا أحرمت بالعمرة في رمضان، وتحللت منها في رمضان، ثم حججت في عامك ذلك دون أن تقرن مع حجك عمرة؛ فأنت مفرد ولست بالمتمتع، هذا إذا وقعت العمرة بكاملها في رمضان. ولذلك أقول: من أحرم في رمضان، لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يوقع العمرة بكاملها في رمضان، وحكمه أنه مفرد كما قلنا. الحالة الثانية: أن يوقع بعض العمرة في رمضان وبعضها في شوال، مثال ذلك: شخص قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان لبى بالعمرة ونوى، ولم يطف ولم يسع إلا صبيحة يوم العيد أو ليلة العيد، فهذه مسألة خلافية عند العلماء رحمهم الله: القول الأول: فمذهب طائفة من العلماء: أن العبرة في الإحرام بالنية، قالوا: إذا أتى الميقات ونوى قبل غروب شمس آخر يوم فهو مفرد، وإن نوى بعد غروب شمس ذلك اليوم فهو متمتع، وهذا مذهب طائفة ومنهم الظاهرية. القول الثاني: في أن العبرة بدخوله مكة، وهو مذهب بعض السلف ومنهم عطاء ، فإن دخلها قبل غروب الشمس كان مفرداً، وإن دخلها بعد الغروب كان متمتعاً. والقول الثالث: العبرة بطوافه، فإن طاف وابتدأ الطواف قبل غروب الشمس فهو مفرد، وإن ابتدأ الطواف بعد غروب الشمس فهو متمتع. والقول الرابع: قول الحنابلة والحنفية في أن العبرة بأكثر الطواف. والقول الخامس: قول المالكية في أن العبرة بالتحلل. فهذه خمسة أقوال في المسألة، أصحها -والعلم عند الله-: أن العبرة ببداية الطواف، فإن ابتدأت الطواف في ليلة العيد بعد مغيب شمس آخر يوم من أيام رمضان فأنت متمتع، وإن كان قد وقع بداية الطواف قبل الغروب فأنت مفرد. أما بالنسبة للمتمتع فيشترط ألا يرجع إلى بلده بعد العمرة؛ لأن حقيقة التمتع أن يجمع بين النسكين في سفر واحد، فإذا كان قد رجع من عمرته وأتى بسفر مستقل للحج فهو غير متمتع، وإنما يعتبر مفرداً، ومن هنا أهل جدة لو نزلوا للعمرة ثم رجعوا بعد العمرة وما أقاموا بمكة، ثم حجوا من عامهم فهم مفردون لا متمتعون ولا دم عليهم. والله تعالى أعلم.



أقوال العلماء في كون الرسول صلى الله عليه وسلم أوتر ليلة النحر أم لا

السؤال: هل أوتر الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة النحر؟ الجواب: هذه المسألة للعلماء فيها وجهان: يقول بعض العلماء: إنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر ليلة العيد -وهي ليلة النحر-، فلذلك نقول: إنه لا يسن فعل الوتر ليلة العيد، ولأنه ما دام لم ينقل ذلك؛ فإن هذا يدل على أنه لا يسن فعل الوتر. ويقول جمهور العلماء: إنه يسن للإنسان أن يوتر ليلة العيد؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أوتروا يا أهل القرآن) ولم يقل إلا ليلة النحر، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أوتروا قبل أن تصبحوا) ، وقال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة) ولم يقل: إلا ليلة النحر، قالوا: فهذه نصوص تأمر بالوتر وتحث عليه، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر). فلذلك قالوا: هذه النصوص ليس فيها تخصيص، وسكوت الصحابي عن الرواية لا يدل على الإسقاط، إذ قد يكون الصحابي سكت عنه للعلم به، وعدم اطلاع الصحابي لا يدل على النفي أيضاً. ثم أكدوا ذلك بأمر ثانٍ، قالوا: لو أن إنساناً قال: لا يشرع للإنسان أن يصلي سنة الفجر صبيحة يوم العيد، هل هو مصيب أم مخطئ؟ قالوا: لا هو مخطئ، إذاً لماذا الوتر فقط؟ وفي رغيبة الفجر لم ينقل لنا أنه صلاها أيضاً صبيحة العيد. فالذي يظهر -والعلم عند الله-: أن يأخذ الإنسان بالأحوط، وإن أخذ بالقول الثاني فلا حرج عليه، والأمر على السعة: من ترك متأولاً السنة كتب له الأجر، ومن فعل متأولاً السنة كتب له الأجر. والله تعالى أعلم.



حكم مشط الشعر للمحرم

السؤال: هل يجوز للإنسان -رجلاً أو امرأة- أن يمشط شعره وهو محرم، وإن تساقط شعر من رأسه فهل عليه دم؟ الجواب: يجوز للإنسان أن يمشط شعره لكن بحيث لا يسقط الشعر، ومن العلماء من منع ذلك لأنه اعتبره نوعَ ترفهٍ، وليس هناك نص يدل على المنع؛ ولكن الأولى والأسلم أن يحتاط الإنسان فلا يمشطه؛ لأنه نوع من الترفه، فلو تركه كان أولى؛ لكن الحكم بحرمة ذلك وتحريمه يحتاج إلى دليل، وقالوا: إنه ليس هناك دليل يدل على المنع من ذلك، والأصل الإباحة. والله تعالى أعلم.


كيفية ذكر الله عز وجل في الحج وتبيين مواضعه

السؤال: هل للشيخ أن يخبرنا أو ينبئنا عن مواضع التكبير والتلبية والدعاء في الحج؟ الجواب: أما بالنسبة للتلبية فإنه يسن الإكثار منها، ولذلك ورد عند ابن ماجة (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يضحى لله -الضحى: أول النهار- يلبي فتغيب عليه الشمس؛ إلا غابت بذنوبه؛ فرجع كيوم ولدته أمه) يعني: إذا استدام التلبية. وورد عنه عليه الصلاة والسلام -أيضاً- عند ابن ماجة أنه قال: (ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه ويساره من حجر وشجر ومدر حتى تنقطع الأرض) فكل شيء يحب ذكر الله عز وجل من الجمادات وغيرها من مخلوقات الله عز وجل، ولكن ما أعصى الثقلين! فلذلك يسن للإنسان أن يكثر من التلبية على كل حال، أن يستديمها وأن يكثر منها، وهي ذكر مشروع، والسنة أن يرفع صوته بها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (الحج: العج والثج) (العج): رفع الصوت وذلك بالتلبية والنسك. وأما (الثج) فهو: نحر الأضاحي، ونحر الهدي لمن كان متمتعاً أو قارناً. فالمقصود: أن الإنسان ينبغي أن يكثر من التلبية. وأما التهليل والتكبير فهو جائز للحاج فله أن يهلل يوم عرفة، كما ثبت في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (غدونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عرفة فمنا الملبي، ومنا المهلل، ومنا المكبر) فدل هذا على أنه يسن أن يذكر الله بالتلبية وأن يذكره بالتهليل وأن يذكره بالتكبير. والله تعالى أعلم. لكن بالنسبة للتكبير يكبر عند رمي الجمار، ويكبر مع كل حصاة؛ لأنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكبر أيام منى، وذلك إحياءً لذكر الله في ذلك الموضع المبارك، كما أمر الله تعالى بذلك في قوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]. فينبغي للحاج أن يشتغل بالذكر والتكبير في هذه الأيام، وهذه السنة -كما قلنا- أضاعها والله كثير. فإذا مضيت في شوارع منى وفي أسواقها فارفع صوتك، فما جعلت منى إلا لأجل هذا التكبير، تكبر الله.. تحمد الله.. تهلل الله.. تجل الله عز وجل حق إجلاله. والله تعالى أعلم.



حكم تكرار الموجب للدم مع اتحاد الجنس واختلافه

السؤال: هل يتكرر على الحاج الدم مع تكرر موجبه كأن ترك واجباً أو غيره؟ الجواب: هذه المسألة فيها تفصيل: إذا كان الواجب أو المحظور وترك الإنسان شيئاً متحداً من جنس واحد، مثلاً في محظورات الإحرام: لو تطيب فإنه لا يخلو إما أن يكرر هذا الموجب مع اتحاد الجنس، أو يتعدد الموجب، فقولك: وجوب الدم إذا ارتكب الإنسان محظوراً من جنس واحد وكرره؛ وجبت عليه فدية واحدة، مثلاً: تطيب أربع مرات، تطيب المرة الأولى الساعة الثانية، والمرة الأخرى الساعة الثالثة، ثم الرابعة فالخامسة، فإذا كان لم يفتد عن الطيب الأول فإنه يفتدي بفدية واحدة عن الأربع؛ لأنها من جنس واحد، كما لو جامع في نهار رمضان أكثر من مرة في يوم واحد؛ فإن عليه كفارة واحدة. هذا بالنسبة إذا اتحد الموجب، وأما إذا اختلف النوع، ومن أمثلة ذلك: أن يكون أصاب طيباً وحلق شعراً وقلم أظفاراً؛ فللشعر فدية وللطيب فدية ولتقليم الأظفار فدية؛ لأن كل نوع منها مستقل. أما لو اتحدت الأسباب، وكانت من جنس واحد؛ فإنها -ولو تعددت- تجب فدية واحدة، ويجب -أيضاً- دم واحد. والله تعالى أعلم.


حكم من دخل مكة أيام الحج للعمل ثم أحرم منها وحج

السؤال: أنا من سكان جدة، وذهبت للعمل في مكة يوم السابع من ذي الحجة، وفي صبيحة يوم عرفة أحرمت من منى بنية الحج مفرداً، فهل يصح ذلك؟ الجواب: هذا فيه تفصيل: إذا كان الشخص قد خرج من جدة للعمل بمكة في أيام الحج، فلا يخلو حال خروجه من حالتين: إما أن يخرج وفي نيته أن يحج ذلك العام، فحينئذ يجب عليه أن يحرم من جدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ) فهذا أنشأ الحج من هذا الموضع؛ فوجب عليه الدم في هذا الموضع. وإما أن يكون قد خرج من جدة وهو على إحدى حالتين: الحالة الأولى: أن يقول: لا أريد أن أحج، وليس في نيتي الحج. الحالة الثانية: متشكك، كأن يكون لا يدري هل يسمح له أو لا يسمح. ففي هاتين الحالتين يجوز له الدخول، فإذا عقد العزم أحرم من موضعه الذي عزم فيه، ولا دم عليه. والله تعالى أعلم.



حكم من وقف بعرفات ثم سافر ولم يتم بقية المناسك

السؤال: ما حكم من حضر عرفة وجمرة العقبة، ثم سافر إلى بلده بدون أن يأتي بباقي المناسك؟ الجواب: باسم الله.. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: اعلموا رحمكم الله! أن المقصود من الحج أن يحقق الإنسان طاعة الله عز وجل، ويترسم هدي النبي صلى الله عليه وسلم بفعل المناسك على الوجه الذي يرضي الله، ومن ثم فإنه من الخطأ كل الخطأ التساهل في المناسك، والنظر إلى وجود جبرانها، ولذلك كان من الخطأ ترك المبيت ورمي الجمار. فمن فعل هذا فقد ارتكب ذنباً بتركه المبيت، وهل ذلك لكل ليلة بحسبها، أم أن جميع الليالي تعتبر ليلة واحدة؟ للعلماء في هذا وجهان. أما الأمر الثاني فعليه دم أيضاً على ترك رمي الجمرة؛ لأن رمي الجمار في باقي أيام التشريق التي تلي يوم العيد واجب ما عدا يوم النحر، الذي يخير الإنسان فيها بين التعجل والتأخر. وبناءً على ذلك فإنه يلزمه دم. وهنا مسألة أحب أن أنبه عليها: بعض الناس يفعل المحظورات، فيقال له: لا شيء عليك إلا أن تذبح دماً. لا، من ترك واجباً من واجبات الحج عليه أمران: أحدهما: التوبة والندم والاستغفار، وهذا أمر مهم جداً يُغفل كثيراً في الفتاوى، نقول: عليه الندم والاستغفار، لأنه ترك أمراً أوجب الله عليه فعله. أما الأمر الثاني: ضمان ذلك الحق، وذلك بالدم الذي يسمى: دم الجبران، فليس كون وجود الدم يعفي الإنسان من حصول الإثم عليه، ينبغي على الإنسان أن يتوب إلى الله وأن يستغفر الله، وإذا قصر في واجب من واجبات الحج دون أي عذر، فعليه أن ينيب إلى الله، وأن يستغفر الله؛ لأنه نوعُ استخفاف بشعيرة من شعائر الله. والله تعالى أعلم.


لسماع المادة وتحميلها من هنا
http://live.islamweb.net/lecturs/mshankete/lec/57/57.rm

منقوووول للفائدة

حبيبه
هيئة التدريس

default رد: شريط دمعة فى الحج مفرغ وصوتيا (رااااائع)

مُساهمة من طرف حبيبه في السبت 13 نوفمبر 2010, 2:46 am


جزاك الله خير الجزاء حبيبتي محبة القرآن
حقا رائع فبارك الله فيك



ام ايهاب
مشرفة قاعة السيرة العطرة

default رد: شريط دمعة فى الحج مفرغ وصوتيا (رااااائع)

مُساهمة من طرف ام ايهاب في السبت 13 نوفمبر 2010, 3:35 am

جزاك الله خيرا حبيبتي محبة القران

    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 09 ديسمبر 2016, 1:40 am