مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

سيرة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)..الجزء الاول

شاطر

ام ايهاب
مشرفة قاعة السيرة العطرة

default سيرة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)..الجزء الاول

مُساهمة من طرف ام ايهاب في الأربعاء 06 أكتوبر 2010, 9:29 am

البيت العتيق

كانت مكة عندما أتي إليها سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام مع ابنه إسماعيل وأمه هاجر ، أرضا قاحلة لا ماء فيها ولا زرع ، حيث ترك إبراهيم عليه السلام ، زوجته هاجر مع وليدها إسماعيل في تلك الأرض القاحلة ، استجابة لأمر الله عز وجل ، وفارقهما ودموع الحزن تذرف من عينه ، حيث التجأ إلى مكان لا يرونه فيه قائلا

ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون 1

جلست هاجر مع وليدها إسماعيل ، ترضعه وتشرب مما بقي من الماء ، حتى إذا نفد ، عطشت وعطش ابنها ، فجعلت تسعى بين الصفا والمروة {2} علها تجد أحدا وفعلت ذلك سبع مرات عادت بعدها يائسة حزينة كئيبة ، وهي ترى ابنها يذوي كوردة ندية لكن الله عز وجل أغاثها وأغاث ابنها ، عندما انفجر نبع ماء بالقرب منها ، فجعلت تزم الماء {3} وتحوضه ، فشربت وشرب ابنها ، وأرسل الله عز وجل قوما {4} يأنسون إليها وتأنس إليهم ، إلى أن شب إسماعيل عليه السلام ، وتزوج من هؤلاء القوم بامرأتين ، الأولى: كانت عاقة ، فأمره أبوه إبراهيم عليه السلام أن يطلقها بعد أن زراه وأطمأن على أحواله ، والثانية كانت بارة وفية مخلصة ، فأمره أبوه أن يحافظ عليها وبوحى من الله عز وجل ، بنى إبراهيم عليه السلام وإسماعيل البيت العتيق فكان أول مسجد وضع للناس ببكة ، يعبدون الله عز وجل فيه ، ويطوفون حوله ، ويسعون بين الصفا والمروة ، ووقف إبراهيم عليه السلام ، بعد أن تم بناء البيت ، يدعو ربه قائلا

وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمه مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ، ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم 5

واستجاب الله عز وجل لدعاء إبراهيم عليه السلام ، فبعث في أهل مكة نبيه محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، رسول الرحمة ، ختم به أنبياءه ورسله ، وأكمل له الدين ما لم يؤت أحدا قبله وعمت دعوته أهل الأرض ، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم ، وكان هذا لفضله عليه الصلاة والسلام ، ولشرفه في نفسه وقومه ، وشرف أرضه التي بعث بها ، وفصاحة لغته ولطفه ورحمته ، وكريم أصله وعظيم مولده وقدره


عام الفيل

أستبد أبرهة الحبشي ، بأمارة اليمين ونصب نفسه أميرا عليها ، بعد أن عصى أوامر ملكه النجاشي ، ملك الحبشة الذي كان يدين بالنصرانية . وأراد أبرهة أن يرضي النجاشي ليصفح عنه زلته ، فبنى كنيسة فائقة الحسن والجال ، لم ير مثلها في يومها ، وكتب أبرهة إلى النجاشي يعلمه: أني بنيت لك كنيسة ، ولن تهدأ نفسي ، ويستقر حالي ، حتى أصرف أنظار العرب عن الحج إلى البيت العتيق ، إلى الحج لكنيسة "القليس" {1} ولما علم العرب بنوايا أبرهة غضبوا ، فدفعت الحمية رجلا من كنانة ، فخرج حتى أتى الكنيسة وأحدث {2} فيها . ثم أخبر أبرهة بما فعل العربي فغضب غضبا شديدا وقال: والله لأسيرن إلى البيت العتيق حتى أهدمه ثم أمر قواده وجنوده أن يتهيؤوا ، استعدادا لهدم البيت العتيق ، وسار أبرهة في مقدمة الجيش الكبير الذي يتقدمه فيل ضخم ، ولما سمعت العرب بذلك ورأت هذا الجيش الجرار الذي يتقدمه فيل ، هابوا {3} لقاءه ، وفزعوا من مرأى الفيل ، إلا أنهم رأوا أن جهاده حق عليهم ، عندما سمعوا بأن أبرهة يريد هدم كعبتهم ، بيت الله الحرام ، لكن محاولات العرب في صد أبرهة ، باءت بالفشل ، إذ انتصر عليهم ، وبات الطريق أمامه مفتوحا إلى مكة المكرمة ، وما إن وصل إلى مشارفها ، حتى بعث من أتى له بأموال وبعير أهل قريش ، وكان منها مئتا بعير لعبد المطلب بن هاشم ، جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان إذ ذاك سيد قريش وزعيمها وبعث أبرهة رسولا إلى عبد المطلب ، ليخبره أنه لم يأت لحرب قريش ، إنما جاء لهدم الكعبة فإن أراد عبد المطلب الحرب ، فالويل له ، وإن لم يرد ذلك فليأت إليه وأعلم عبد المطلب هذا الرسول ، أن قريشا لا تريد الحرب ، وأنها لا طاقة لها على القتال ، فهذا بيت الله الحرام ، وبيت خليله إبراهيم ، فللبيت رب يحميه وانطلق عبد المطلب إلى أبرهة حيث استقبله استقبالا حافلا وأجلسه إلى جانبه ثم سأله أن يطلب ما يشاء . فقال عبد المطلب حاجتي أيها الملك ، أن ترد علي البعير التي أخذتها . فقال أبرهة متعجبا: والله إنك قد أعجبتي حين رأيتك ، فلما كلمتني بشأن البعير ، انتقصت من قدرك ، أتكلمني بمئتي بعير ، وتترك البيت الذي هو دين آبائك وأجدادك ؟ فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل ، أما البيت فله رب سيمنعك عنه ، ثم عاد عبد المطلب إلى قومه ، وأمرهم بالخروج إلى شعاب {4} مكة وجبالها وفي الصباح توجه أبرهة إلى مكة ، يريد هدم البيت ، لكن الفيل الذي كان يتقدم الجيش ، أحجم عن التقدم رغم ضربه ونهره ، فإن وجهوه نحو اليمين هرول، وإن وجهوه نحو الكعبة أحجم وتراجع ، عندئذ لقي ابرهة وجيشه جزاءه العادل ، عندما أرسل الله عز وجل طيورا ، تحمل في أرجلها حجارة صغيرة ، لا تصيب أحدا منهم إلا هلك فولى الجيش هاربا ، لا يلوى على شيء ، أما أبرهة فقد أصيب بالحجارة ، وما إن وصل إلى اليمن حتى فارق الحياة ، وقد ذكر الله عز وجل هذه الحادثة في القرآن الكريم إذ قال

ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرا أبابيل *ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول 6



--------------------------------------------------------------------------------




عبادة الأوثان

ضاقت مكة بأبناء إسماعيل عليه السلام وذريته ، فالتمسوا الرزق في بلاد أخرى ، فكان واحدهم لا يرحل عن مكة ، إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما له ، فإذا ما استقروا ، وضعوا هذا الحجر فطافوا حوله كطوافهم حول الكعبة ، حتى إذا مرت السنون ، عبدوا ما أعجبهم من هذه الحجارة واستبدلوا بدين إسماعيل عليه السلام ، عبادة هذه الأوثان ، فصاروا أشبه بالأمم السابقة ، وما هم عليه من الضلال والشرك بالله عز وجل ، فإذا طافوا حول الكعبة ، وحدوا الله بالتلبية ثم أدخلوا معه أصنامهم ، يقول الله عز وجل واصفا حالهم

وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون 1

ثم إن بعض الرجال ، يدعى- عمرو بن لحي - خرج من مكة إلى بلاد الشام في تجارة له ، فوجد هناك أقواما يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها ، فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا ، فقال له: ألا تعطوني صنما ، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه ؟ فأعطوه صنما يقال له: هبل فكان هذا الرجل ، أول من غير دين إسماعيل عليه السلام وفيه يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه {2} في النار " ومن بين الأصنام التي عبدوها - العزى - وكان لقريش وبني كنانة ، وكانت أعظمها عندهم ، يزورونها ويهدون لها ، ويقتربون لها بالذبائح ومنها - اللات - وكانت لثقيف بالطائف وهي عبارة عن صخرة مربعة ومنها أيضا - مناة - وكانت للأوس والخزرج ، ومن دان بدينهم من أهل يثرب وغيرها من هذه الأصنام التي صنعوها بأيديهم ، ثم عبدوها ، ألا ساء ما يعبدون ، واعتقدوا أنها تجلب الخير وتمنع الشر ، ولذلك كانوا يتمسحون بها ويتبركون ، حتى إذا بعث الله رسوله محمدا ، صلى الله عليه وآله وسلم ، برسالة التوحيد استنكروا ذلك ، فقال تعالى في وصفهم

أجعل الآلهة إلها واحدا ، إن هذا لشيء عجاب 3


--------------------------------------------------------------------------------



قريش وخدمة البيت


كان القرشيون يولون البيت العتيق اهتماما كبيرا ، وقد استطاع رجل منهم وهو قصي بن كلاب أن يحتكر أمر مكة والعناية بها ، لا بل تملك على قومه فملكوه ، فكانت إليه الحجابة {1} والسقاية {2} والرفادة {3} والندوة {4} واللواء {5} ، فحاز شرف مكة التي قطعها أرباعا بين قومه فأنزل كل قوم من قريش ، منازلهم من مكة ولكن قصي بن كلاب هلك ومات ، فاختلف القرشيون فيما بينهم حول أمور خدمة البيت ، لمن تكون الرفادة والسقاية ؟ ولمن تكون الحجابة والندوة واللواء ؟ وطمع بعضهم في أن تكون أمور الكعبة والبيت كلها في حوزته واشتد الخلاف بين القرشيين وكادت تقع حرب طاحنة فيما بينهم ، لولا أن تداعى القوم إلى الصلح ، فاتفقوا على أن يعطوا بني عبد مناف: السقاية والرفادة ، وأن تكون الحجابة واللواء والندوة لبني عبد الدار ، وكانوا بني عبد مناف قد دخلوا في حلف يسمى: حلف المطيبين ، وذلك أنهم غمسوا أيديهم جميعا ، في إناء مملوء بالطيب ، ثم تعاقدوا وتحالفوا ، أما بنو عبد الدار فقد دخلوا في حلف الأحلاف ، وذلك لأنهم عقدوا مع حلفائهم عند الكعبة ، حلفا مؤكدا على أن لا يتخاذلوا لكن أهم حلف عقده القرشيون قبل الإسلام ، كان حلف الفضول ، إذ تداعت قبائل من قريش إلى حلف ، يعقدونه في دار عبد الله بن جدعان ، فاجتمعوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما ، إلا نصروه وقاموا معه ، وفي هذا الحلف يقول رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم

لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حافا ما أحب أن لي به حمر النعم {6} ولو أدعى به في الإسلام لأجبت

ثم إن الرفادة والسقاية ، انتقلت إلى زعيم من زعماء قريش وهو: هاشم بن عبد مناف ، الذي يعتبر أول من سن الرحلتين لقريش: رحلتي الشتاء والصيف ، وأول من أطعم الثريد بمكة ، وعندما مات هاشم بن عبد مناف ، تولى السقاية والرفادة ، المطلب بن عبد مناف ، الذي كان ذا شرف في قومه وفضل ، وكان هاشم بن عبد مناف ، قد ولد له ولدا سماه: شبية ، وهو الذي أطلق عليه فيما بعد اسم: عبد المطلب والذي عاش في كنف ورعاية عمه المطلب

عبد المطلب وبئر زمزم


أمر عبد المطلب وهو نائم أن يحفر بئر زمزم ، وذلك أن الجراهمة عندما خرجوا من مكة ، دفنوها ، وفي ذلك قال على بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، يحدث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر {7} إذ أتاني آت فقال: احفر طيبة {8} قلت: وما الطيبة ؟ قال: ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال: احفر برة {9} قلت: وما برة ؟ قال: ثم ذهب عني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال: احفر المضنونة {10} قلت: وما المضنونة ؟ قال ثم ذهب عني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه ، فجاءني فقال: احفر زمزم ثم مضى عبد المطلب مع ابنه الحارث ، إلى المكان الذي عين له حاملا معوله ، فحفر فيها ، فلما بدا لعبد المطلب الطي {11} ، كبر فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته ، فقاموا إليه فقالوا: يا عبد المطلب ، إنها بئر أبينا إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا ، فأشركنا معك فيها فقال: ما أنا بفاعل ، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم ، وبقي أمر السقاية بيد عبد المطلب ، جد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم



فجر الهدى


بعد أن تم زواج عبد الله بن عبد المطلب ، من آمنة بنت وهب ، حملت آمنة بعد أشهر من زواجها ، بأشرف الخلق ، وخير الناس ، وقد حصل لها بعد حملها ، أمور عجيبة ، وها هى آمنة ، أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحدثنا فتقول: أتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقيل لي: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة ، فإذا ولد فقولي: أعيذه بالواحد ، من شر كل حاسد ، ثم سميه محمدا ، ولم يكن هذا الاسم معروفا في الجاهلية ، إلا أن ثلاثة من الرجال ، عزموا على تسمية أولادهم بهذا الاسم المبارك ، عندما سمعوا بقرب ولادة الرسول المنتظر ، طمعا بأن يكون أحدهم النبي المبعوث

ولادة خاتم الأنبياء


ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأثنين ، في الثاني عشر من شهر ربيع الأول ، وفي العام الذي غزا فيه أبرهة الأشرم مكة ، يريد هدم بيتها المعظم ، والذي سمي بعام الفيل ، وكان أهل الكتاب من يهود ونصارى ، يعلمون بقرب ولادة الرسول الذي بشر به ، ولذلك يقول حسان بن ثابت ، رضي الله عنه : والله إني لغلام يفعه {1} ، ابن سبع سنين أو ثمان ، أعقل {2} كل ما سمعت ، إذ سمعت يهوديا يصرخ بأعلى صوته على أطعمة {3} بيثرب : يا معشر اليهود ، حتى إذا اجتمعوا إليه ، قالوا له : ويلك مالك ؟ قال طلع الليل نجم أحمد الذي ولد به وكانت أمه عندما حملت به صلى الله عليه وآله وسلم قد رأت نورا خرج منها ، رأت به قصور بصرى ، من أرض الشام ، فأرسلت إلى جده عبد المطلب وكان ابوه صلى الله عليه وآله وسلم ، قد مات ، وأم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حامل به ، فلما حضر جده ، قالت آمنة : إنه ولد لك غلام ، فأته فانظر إليه ، وحدثته بما رأت حين حملت به ، وما قيل لها فيه ، وما أمرت به أن تسميه فرح عبد المطلب بحفيده ، فقام فضمه إلى صدره وسماه محمدا ، وأخذه فدخل به الكعبة ، فقام يدعو الله ، ويشكر له ما أعطاه ، ثم طلب له المرضعات ، كي يرضعنه ، جريا على عادة اتبعها العرب في إرسال أولادهم إلى البادية ، ليكتسبوا القوة والفصاحة والمنعة




حليمة السعدية


استرضع عبد المطلب ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، امرأة من بني سعد بن بكر ، يقال لها: حليمة ابنه أبي ذؤيب ، وهو عبد الله بن الحارث أما والد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في الرضاعة ، فهو: الحارث ، وأنيسة بنت الحارث ، وحذافة بنت الحارث ، المعروفة بالشيماء ولنترك الآن حليمة السعدية ، تروي لنا ما أصابها وقومها من الخير ، بعد تسلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، تقول حليمة: خرجت من بلدي مع زوجي ، وابن لي صغير ، نلتمس الرضعاء ، في سنة شهباء {1} ، لم تبق لنا شيئا ، ومعنا شارف {2} لنا ، والله ما تبض {3} بقطرة ، وما ننام ليلنا من صبينا الذي معنا ، من بكائه من الجوع ، وما في ثديي ما يشبعه ، وما في الشارف ما يغذيه حتى وصلنا إلى مكة فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتأباه ، إذا قيل لها: إنه يتيم ، وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي فكنا نقول: يتيم !! وما عسى أن تصنع أمه وجده ! فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا إلا أنا فلما نوينا الانطلاق قلت لزوجي

والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ، ولم آخذ رضيعا ، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه فقال زوجي: لا عليك أن تفعلي ، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة فذهبت حليمة إلى ذلك اليتيم صلى الله عليه وآله وسلم فأخذته ، وما حملها على أخذه إلا أنها لم تجد غيره وتقول حليمة السعدية: فلما أخذته ، رجعت إلى رحلي ، فلما وضعته في حجري ، أقبل عليه ثديي بما شاء من لبن {4} ، فشرب حتى روي ، وشرب معه أخوه {5} حتى روي ، ثم ناما ، وما كنا ننام معه قبل ذلك ، وقام زوجي إلى شارفنا ، فإذا إنها لحافل {6} ، فحلب منها ما شرب ، وشربت معه حتى شبعنا ، فبتنا بخير ليلة ، إلى أن أصبحنا ، فقال زوجي: اعلمي يا حليمة ، لقد أخذتنا نسمة مباركة ، ثم ركبت حماري ، وحملت اليتيم معي ، فأسرع الحمار حتى إنني سبقت صواحبي كلهن ، إلى أن وصلنا إلى منازلنا من بلاد بني سعد ، وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب {7} منها فكانت غنمي تعود ، حين قدمنا به معنا شباعا ، قد امتلأ ضرعها لبنا ، فنحلب ونشرب ، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم أسرحوا بأغنامكم ، حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب ، فتعود أغنامهم جياعا لا تحلب قطرة لبن ، وتعود أغنامي شباعا ، تدر لبنا كثيرا ، ولم تزل البركة والخير ، تحفان بناحتى مضت سنتان ، عندئذ فصلته {8} ، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنيه ، حتى كان غلاما جفرا {9} ، صلى الله عليه وآله وسلم وتقول حليمة السعدية: فعدت به إلى أمه صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أحرص شيء على بقائه فينا ، لما كنا نرى من بركته ، ولم أزل أكلم أمه في أن تبقيه عندي ، حتى رضيت فرجعنا به ، وبعد أشهر ، أتانا أخوه يشتد {10} فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاه ، فشقا بطنه ، فخرجت أنا وأبوه نحوه ، فوجدناه قائما منتفعا {11} وجهه ، فأحطناه وقلنا له: مالك يا بني قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاني وشقا بطني ، فالتمسا فيه شيئا لا أدري ما هو وتقول حليمة السعدية: قال لي أبوه {12} : يا حليمة ، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب ، فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به فأحتمله ، فقدمت به على أمه فقالت: ما الذي جاء بك يا حليمة ، وقد كنت حريصة عليه ، وعلى بقائه عندك فقلت قد أديت واجبي ، وتخوفت الأحداث ، فأعدته إليك كما تحبين ، فقالت آمنة: ما هذا شأنك ، فاصدقيني خبرك ، فأخبرتها ، فقالت أفتخوفت عليه الشيطان ؟ والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لابني لشأن ، فقد رأيت حين حملت به ، أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصري من أرض الشام ، ثم حملت به ، فوا لله ما رأيت من حمل قط كان أخف عليه ولا أيسر منه ، ووقع حين ولدته ، وإنه لواضع يديه بالأرض ، رافع رأسه إلى السماء ، دعيه عنك وانطلقي راشدة



وفاة آمنة


عاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مع أمه آمنة بنت وهب ، وجده عبد المطلب بن هاشم ، في حماية الله عز وجل وحفظه ، ينبته الله نباتا حسانا ، لما يريد به من كرامته ، وبينما كانت آمنة راجعة به صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ، وقد كانت تزور أخواله من بني عدي بن الجار ، جاءها ملك الموت فقبض روحها ، في منطقة الأبواء ، بين مكة والمدينة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن ست سنين

وفاة عبد المطلب


انتقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد وفاة أمه ، إلى جده عبد المطلب ، الذي رعاه خير رعاية ، وحفظه خير حفظ ، فكان يحبه حبا جما ، حتى كان يفضله على بنيه ، فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة ، فيأتي أعمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيجلسون حول فراشه ، فلا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له ، أما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان يأتي وهو غلام جفر ، حتى يجلس عليه ، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه ، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني ، فوا لله إن له لشأنا ، ثم يجلسه معه على الفراش ، ويمسح ظهره بيده ولكن ما إن بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثماني سنوات حتى توفي جده عبد المطلب بن هاشم

كفالة أبي طالب


وانتقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى عمه أبي طالب ، تنفيذا لوصية عبد المطلب ، وذلك لأن عبد الله ، أبا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأبا طالب أخوان لأب وأم ، فأمهما: فاطمة بنت عمرو وعاش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عند عمه سعيدا فرحا كذلك كان عمه ، سعيدا بصحبته، حتى إنه كان لا ينام إلا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إله وسلم إلى جانبه وقد حدث أبو طالب ، أخاه العباس ، عما كان يرى من شأن ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أمرت محمدا في ليلة ، أن يخلع ثيابه وينام معي ، فرأيت الكراهة في وجهه ، لكنه كره أن يخالفني ثم قال: يا عماه اصرف وجهك عني ، حتى أخلع ثيابي ، إذ لا ينبغي لأحد أن يرى جسدي ، فتعجب من قوله وصرفت بصري حتى دخل الفراش ، وحاولت النظر إلى جسده ، فما كنت أرى شيئا ، وكثيرا ما كنت أسمع منه كلاما يعجبني ، وذلك عند مضي بعض الليل ، وكنا لا نسمي على الطعام والشراب ، ولا نحمده بعده ، وكان يقول في أول الطعام: باسم الله الأحد ، وإذا فرغ منه قال: الحمد لله ، فتعجبت منه ، ثم لم أر منه كذبة ولا ضحكا ولا جاهلية ولا وقف مع صبيان يلعبون


--------------------------------------------------------------------------------

بحيرى الراهب


أراد أبو طالب ، أن يخرج إلى الشام في تجارة له ، فلما استعد للرحيل ، ونوى على المسير ، مال إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتعلق بأثوابه ، يريد الذهاب معه ، فرق عليه أبو طالب وعطف عليه وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ، ولا أفارقه أبدا وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مع عمه أبي طالب ، وهو في التاسعة من عمره فلما وصل المركب إلى مدينة بصرى من أرض الشام ، نزلوا قرب راهب هناك يقيم في صومعته ، يدعى بحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به ، أثناء ذهابهم أو أيابهم ، لكنه في هذا العام احتفى بهم ، واستقبلهم استقبالا حافلا ، وقد كان لا يكلمهم ولا يعرض لهم ، ثم صنع لهم طعاما كثيرا ونزل من صومعته وقال للقوم: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ، وإني أحب أن تحضروا كلكم ، صغيركم وكبيركم ، وعبدكم وحركم ، فقال له رجل منهم: شأنك اليوم ؟ فقال بحيرى : صدقت ، ولكني أحببت اليوم أن أكرمكم ، فأنتم ضيوفي فاجتمع القوم إليه ، وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لصغر سنه وكان بحيرى الراهب قد رأي غمامة تظل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإذا سار سارت معه ، ورأى أغصان الشجرة التي أوى تحتها ، قد مالت وتدلت ، على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما نظر بحيرى في القوم ، لم ير ذلك الفتى ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فطلب من القوم أن يحضروه ، فلما حضر ، صلى الله عليه وآله وسلم ، جعل بحيرى يتفحصه وينظر إلى أشياء من جسده ، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا ، قام إليه بحيرى وقال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى ، فوا لله ما أبغضت شيئا قط بغضهما ثم جعل بحيرى يسأله عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يخبره ، فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته ، ثم نظر إلى ظهره ، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ثم أقبل بحيرى على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا الغلام منك ؟ قال أبو طالب: إنه ابني فقال له بحيرى: ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا فقال أبو طالب: إنه ابن أخي ، قال بحيرى: فما فعل أبوه ؟ قال أبو طالب: مات وأمه حبلى به فقال بحيرى: صدقت فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه اليهود ، فوا لله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ، لأضمروا له شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، فأسرع به إلى بلاده وكان أهل الكتاب من يهود ونصارى ، يعرفون صفته ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وزمان مبعثه يقول الله سبحانه وتعالى

وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد 1

وعندما سمع أبو طالب ما سمع ، خف راجعا بابن أخيه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى مكة فشب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في مكة وعناية الله تعالى تحمية وتحفظه من أقذار الجاهلية ، لما يريد به من كرامته ورسالته ، إلى أن كان رجلا ، وأفضل قومه مروءة ، وأحسنهم خلقا ، وأكرمهم حسبا ، وأحسنهم جوارا ، وأعظمهم حلما ، وأصدقهم حديثا ، وأعظمهم أمانة ، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال ، حتى عرف في قومه بالصادق الأمين ، فإذا ما أراد أحدهم سفرا ، وخشي سرقة أمواله ، أئتمن بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

رعيه للغنم


رعى رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم الغنم كغيره من الأنبياء الذين سبقوه ، لما في رعاية الغنم ، من تعويد على الصبر والمجلدة ، ولما فيها من بعد الناس ، وخلو إلى النفس ، وزرع للرحمة والمودة في قلب الراعي ، حيث هو حريص على أغنامه ، حريص على أن يعيدها على أحسن حال ، حريص على أن يقودها ويسوسها إلى حيث الخصب والمرعى والماء ، وهو أثناء هذا كله يجلس متفكرا متأملا في ملكوت الله تعالى ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من نبي إلا قد رعى الغنم قالوا : وأنت يا رسول الله ؟ قال : وأنا وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم ، فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط


--------------------------------------------------------------------------------
عصمته من كل دنس

حفظ الله تعالى نبيه وحبيبه ، محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، من كل دنس ، وأبعده عن رذائل الجاهلية ومفاسدها ، وحماه من كل سوء فقد ضرب الله تعالى على أذنه فنام ، وما أيقظه إلا حر الشمس ، وذلك بعد أن ترك غلاما مع غنمه ، وذهب ليسمر ويلهو ، كما يسمر ويلهو شباب مكة ، حتى إذا بلغ أول دار بمكة سمع عزفا وغناء ، ثم أفاق من نومه بعد أن أنتهى كل شيء ويحدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عما كان الله تعالى ، يحفظه به في صغره فقال : لقد رأيتني في غلمان قريش ، ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان ، كلنا قد تعرى ، وأخذ إزاره فجعله على رقبته ، يحمل عليه الحجارة ، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر ، إذ لكلمني لاكم ما أراه ، لكمة وجيعة ، ثم قال : شد عليك إزارك ، قال : فأخذته وشددته على ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري على من بين أصحابي

تعريفه بنفسه صلى الله عليه وآله وسلم


اجتمع نفر من أصحاب ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حوله ثم قالوا له : يا رسول الله أخبرنا عن نفسك ؟ قال نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى أخي عيسى ، ورأت أمي حين حملت بي ، أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام ، واسترضعت في بني سعد بن بكر ، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما {1} ، لنا ، إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض ، بطست من ذهب مملوءة ثلجا ، ثم أخذاني فشقا بطني ، واستخرجا قلبي فشقاه ، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه ، ثم قال أحدهما لصاحبه ، زنه بعشرة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه بمئة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : زنه بألف من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، فقال : دعه عنك ، فو الله لو وزنته بأمته لوزنها




سفره الثاني إلى الشام


عرف رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم ، منذ نعومة أظفاره بالصدق والأمانة ، حتى اشتهر ذلك عنه عليه الصلاة والسلام ، فكان أعداؤه هم الذين شهدوا بصدقه وأمانته ، حتى أطلقوا عليه لقب : الأمين ، وذلك لوقاره وهديه وصدق لهجته ، وبعده عن الأدناس ، فقد أعترف أبو جهل عمرو بن هشام المخزومي لأحد أصحابه قائلا : كنا نسميه الأمين ، ومع شدة معاداة المشركين له ، صلى الله عليه وآاه وسلم ، كانوا يضعون الأمانات والودائع عنده ، حتى اضطر عليه الصلاة والسلام يوم الهجرة ، أن يترك أبن عمه عليا ، كرم الله وجهه ، نائبا له ليرد الأمانات إلى أصحابها ولم يكن أحد من المشركين ، يجهل صدقه وأمانته ، صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى سمعت به ، امرأة ذات حسب ونسب ، وذات شرف ومال ، وهي خديجة بنت خويلد الأسدية ، والتى كانت تستأجر الرجال في مالها ، وتجعل لهم شيئا منه ، وكان القرشيون معروفون بحبهم للتجارة وبأسفارهم المتواصلة صيفا وشتاء، فكانت لهم رحلتان : رحلة في الصيف إلى بلاد الشام ورحلة في الشتاء إلى اليمين ، كما يخبرنا الله تعالى في سورة قريش ي

لإيلاف قريش إيلافهم (1) رحلة الشتاء والصيف ، فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع (2) وآمنهم من خوف

فلما وصل إلى خديجة رضي الله عنها ، نبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وما هو عليه من صدق في الحديث وأمانة وكرم أخلاق ، بعثت إليه ، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، مع غلام لها يقال له : ميسرة ، وقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما عرضت عليه خديجة ، رضي الله عنها وخرج في مالها ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى وصلا إلى بلاد الشام وفي بصرى توقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت ظل شجرة ليأخذ قسطا من الراحة مع الغلام ميسرة ، فرآهما الراهب ، نسطور ، فتقدم منهما وقال : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي {3} ثم سأل نسطور ميسة قائلا : أفي عينه حمرة ؟ قال ميسرة : نعم لا تفارقه فقال نسطور : هو نبي وهو أخر الأنبياء وكان ميسرة إذا اشتد الحر ، رأى ملكين {4} يظلان النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، من الشمس وهو على بعيره ، ثم باع رسول الله عليه وآله وسلم التجارة ، وربحت ضعف ما كان يربحه التجار ، وعندما عادا إلى مكة ، حدث ميسرة خديجة رضي الله عنها ، عن قول الراهب ، وما رأى من إضلال الملكين إياه ، فازدادت به إعجابا وثقة ، وأعطته ضعف ما سمت له ، عندما رأت هذا الربح الهائل ، الذي عاد به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لما حل عليه من بركته

زواجه الأول


أرسلت خديجة ، رضي الله عنها ، نفيسة بنت منية ، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تعرض عليه الزواج منها ، وترغبه فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفيسة : "ما بيدي ما أتزوج به" قالت نفيسة : فإن كفيت ذلك ، ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ، ألا تجيب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فمن هي ؟ قالت نفيسة : خديجة بنت خويلد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأنا أفعل وكانت خديجة ، رضى الله عنها ، أمرأة حازمة وعاقلة جلدة {1} شريفة غنية جميلة ، ومن أوسط قريش نسبا ، وأعظمهم شرفا وكل رجل من قريش كان حريصا على خطبتها لو أن له قدرة على ذلك ، وكانت رضي الله عنها ، تدعى في الجاهلية بالطاهرة وبسيدة قريش ، وقد خطبت من قبل أشراف قريش وزعمائها ، فلم تقبل أحدا منهم وكانت إذ ذاك تبلغ من العمر أربعين عاما ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ريعان الشباب ، وأوج الفتوة إذ كان يبلغ آنذاك خمسا وعشرين عاما نقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، رغبته في الزواج من خديجة ، رضي اله عنها إلى أعمامه ، فخرج معه حمزة بن عبد المطلب ، وأبو طالب ، ودخلوا على عمها : عمرو بن أسد : هو الفحل الذي لا يجدع {2} أنفه ، وبذل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، اثنتي عشرة أوقية ونصفا من الذهب صداقا لها ، ونح جزورين {3} ، وأطعم الناس ، وفرحت خديجة رضي الله عنها ، وأمرت جواريها أن يرقصن ويضربن بالدفوف ، كما فرح أبو طالب وقال : الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب {4} ودفع عنا الغموم وكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أول وليمة أولمها ، وبعد زواجه ، لم يسافر في رحلة للتجارة ، بل أقام في مكة إلى أن هاجر إلى المدينة

أولاده صلى الله عليه وآله وسلم

أنجبت خديجة رضي الله عنها ستة أولاد ، ذكران وهما : القاسم وبه كان يكنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعبد الله ، الذي كان يلقب بالطاهر والطيب ، وقد ماتا قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وأما الإناث فهن : زينب : التي تزوجت ابن خالتها: أبي العاص ابن الربيع ، والذي أعلن إسلامه بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة

ورقية: والتي تزوجت عتبة بن أبي لهب ، والذي ما لبث أن طلقها ، إثر مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه

وأم كلثوم: والتي تزوجها: عتبة بن أبي لهب والذي طلقها ، بعد مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم تزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه بعد موت أختها رقية

وفاطمة الزهراء: صغرى بنات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي تزوجت من أحب فتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو علي بن أبي طالب ، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

وأما إبراهيم فهو من زوجته السرية : مارية القبطية ، التي أهداها إليه صلى الله عليه وآله وسلم ، المقوقس ، ملك القبط في مصر ثم توفي إبراهيم قبل أن يبلغ العامين



نبوءة ورقة بن نوفل

ذهبت خديجة بنت خويلد ، رضي الله عنها ، بعد أن سمعت ، ما ذكر لها غلامها ميسرة ، من قول الراهب ، وحديثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر الملكين اللذين كانا يظلانه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وقصت على ابن عمها : ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ، وكان نصرانيا قد تتبع الكتب السماوية ، وعلم من علم الناس ، ما سمعت من غلامها ميسرة فقال ورقة

لئن كان هذا حقا يا خديجة ، إن محمدا لنبي هذه الأمة ، وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر ، هذا زمانه

الحكم العادل
]


لما بلغ رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم خمسا وثلاثين سنة ، عقدت قريش العزم على إعادة بناء الكعبة وترميمها ، بعد أن أصابها سيل أتى من جبال مكة المحيطة بها ، أضر بها ، وخافت قريش ، إن هي أهملت الكعبة ، أن تتهدم ، وهى إرث أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام ، الذي رفع قواعدها مع ابنه إسماعيل عليه السلام ، إلا أن قريشا كانت تهاب {1} هدم الكعبة لإعادة بنائها وسقفها ، وذلك أن حية كانت تخرج من بئر الكعبة ، وتعلو سقفها ، فإن اقترب أحد ، فتحت فاها {2} ، وأخرجت صوتا مخيفا ، إلا أن الله عز وجل ، بعث إليها طائرا فاختطفها فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما عزمنا عليه ، فعندنا العمال المهرة ، وعندنا الخشب ، وقد أذهب الله عنا هذه الحية وبدأت قريش ببناء الكعبة ، بعد أن تقاسمت الأعمال فيما بينها ، فكان جانب من الكعبة لبني عبد مناف ، وجانب لبني مخزوم ، وجانب لبني عبد الدار ، وهكذا ، وتقدم الوليد بن المغيرة ، حاملا المعول ، وبدأ بهدمها قائلا: اللهم لم نزغ {3} فإنا لا نريد إلا الخير فتربص {4} الناس تلك الليلة ، وقالوا: لننتظر حتى الصباح فإن لم يصيب الوليد بن المغيرة بأذى ، تابعنا هدمها ، فأصبح الوليد من ليلته متجها نحو عمله فهدم وهدم معه الناس ، بعد أن اطمأنت نفوسهم

ثم اتجهت القبائل من قريش ، لتجمع الحجارة لبناء الكعبة ، كل قبيلة تجمع على حدة ، وكل قبيلة تبني في الموضع الذي خصص لها ، حتى بلغ البنيان موضع الركن {5} ، فاختلفوا فيه واختصموا ، كل قبيلة تريد أن تحظى بهذا الشرف الرفيع ، واحتدم النقاش فيما بينهم ، وعلت أصواتهم ، وأعدوا للقتال ، وتحالف بعضهم فيما بينهم ، بعد أن غمسوا أيديهم في جفنة {6} مملوءة بالدم ومكثت قريش تترقب أربع ليال أو خمسا ، إلى أن تداعت بمشورة كبارهم للاجتماع وقف أبو أمية بن المغيرة ، خطيبا في قريش ، وكان أكبرهم سنا ، قال: يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه ، أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، فرضيت قبائل قريش بهذا الاقتراح

فكان أول داخل عليهم ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما رأوه استبشروا وقالوا: هذا الأمين قد رضينا به 0 فلما وصل إليهم قصوا عليه الخبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "هلم إلى ثوبا" فجاؤوا به ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفتحه ثم وضع الحجر الأسود فيه ثم قال : "لتأخذ كل فبيلة بناحية من الثوب ، ثم ارفعوه جميعا" ففعلوا ، حتى إذا بلغوا به موضعه ، أمسكه رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ووضعه بيده الشريفة ، ثم بنى عليه وكانت الكعبة على عهد ، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثماني عشرة ذراعا ، وكانت تكسى القباطي {7} ، ثم كسيت البرود {8}




النبوءة ببعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

معرفة الكهان بمبعثه


كان الكهان من العرب ، تأتيهم الشياطين من الجن بأخبار ، يسترقونها من السماء، فلما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحان موعد مبعثه ، منعت الشياطين عن السمع ، وحجبت أخبار السماء عنها ، وأبعدت عن المقاعد التي كانت تقعد فيها لاستراق السمع ، ورميت بالشهب ، فعرفت الجن ، أن ذلك الأمر حدث لأمر خطير وحدث جلل ، ولذلك بين الله تعالى لنبيه محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حين بعثه ، خبر الجن ، إذ حجبوا عن السمع ، وعرفوا ما عرفوا ، لكنهم أنكروا بعد ذلك ما رأوا ، يقول الله سبحانه وتعالى

قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ، فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا وأنه تعالى جد (2) ربنا ما اتخذ صاحبه ولا ولدا وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (3) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا 4

إلى أن يقول الله سبحانه وتعالى

وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (5) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا 6

مما يروى أن بني مذحج الذين كانوا يسكنون اليمن ، كان لهم في الجاهلية كاهن ، فلما ذكر أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وانتشر خبره بين العرب ، قال بنو مذحج لكاهنهم: انظر لنا في أمر هذا الرجل فرفع الكاهن رأسه إلى السماء طويلا ، ثم جعل يثب {7} وقال: أيها الناس إن الله أكرم محمدا واصطفاه ، وطهر قلبه وحشاه ، ومكثه {8} فيكم أيها الناس قليل

معرفة اليهود به ، صلى الله عليه وآله وسلم
كان اليهود ، وهم أهل كتاب ، يعلمون بقرب مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولذلك كانوا يقولون للمشركين من قريش : أنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه ، قتل عاد وإرم {9} ، ولذلك أسلم كثير من المشركين ، وآمنوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لما كانوا يسمعون من اليهود ، أما اليهود أنفسهم ، وهم الذين كانوا يعلمون بقرب مبعثه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد كفروا به لا بل حاربوه محاربة عظيمة ، وحاولوا قتله ، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل ، وذلك أن الله عز وجل كان يريد لنوره أن يتم وأن يعم الإسلام جميع أنحاء المعمورة يقول الله سبحانه وتعالى ، يصور حال هؤلاء المارقين ، قتلة الأنبياء والمرسلين

ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ، وكانوا من قبل يستفتحون (10) على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين 11

ومما يذكر ، أن يهوديا وقف في جماعة من أهل قريش ، يحذرهم ويذكر بيوم القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار ، وقال: إن ذلك يكون لأهل الشرك ، عبدة الأوثان ، الذين لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت ، فقالوا له: أو تري هذا كائنا ؟ ! أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ، يجزون فيها بأعمالهم فقال اليهودي: نعم فقالوا له : فما آية {12} ذلك ؟ قال: نبي مبعوث من نحو هذا البلاد فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، آمن به بعض أهل قريش ، أما اليهودي فقد كفر به بغيا وحسدا

معرفة النصارى به : صلى الله عليه وآله وسلم


عرف كثير من النصارى بقرب مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك أن عيسى ابن مريم ، عليه السلام ، قد بشر به في الإنجيل ، وقد ورد اسمه علية الصلاة والسلام باسم : البار قليط ، ومعناه باللغة العربية : أحمد كما جاء في القرآن الكريم ، حيث يقول الله سبحانه وتعالى

وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد 13

كذلك ورد اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم: المنحمنا باللغة السريانية ، وتعني باللغة العربية : محمد ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم باللغة الرومية البرقليطس ولهذا فقد أكرم ملوك النصارى {14} رسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكاد بعضهم أن يعلن إسلامه ، لا لشيء إلا لعلم هؤلاء يأتي من بعد عيسى عليه السلام اسمه: أحمد صلى الله عليه وآله وسلم


الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام



اعتزل بعض أهل قريش ، ما كان عليه قومهم من عبادة للأوثان وتقديس لها ، وتفرقوا في البلدان ، يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم الخليل عليه السلام ، بعد أن قالوا لبعضهم: والله ما قومكم على شيء ومن بين هؤلاء الذين خرجوا يلتمسون الحنيفية

ورقة بن نوفل : ابن عم خديجة رضي الله عنها ، الذي استحكم في النصرانية ، وبشر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما مر سابقا -

عبيد الله بن جحش : الذي أسلم عندما بعث النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم هاجر إلى الحبشة ، فتتنصر هناك ومات نصرانيا ، وأما زوجته : رملة بنت أبي سفيان ، فقد ثبتت على الإسلام ، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -

عثمان بن الحويرث : الذي قدم على قيصر الروم فتنصر -

زيد بن عمرو بن نفيل : فإنه لم يدخل في اليهودية ولا النصرانية ، لكنه فارق دين قومه ، واعتزل عبادة الأصنام والأوثان ، وتوفي قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بقليل -



مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم



عندما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أربعين سنة بعثه الله تعالى رحمة للعالمين وبشيرا للناس أجمعين ، وكان الله تبارك وتعالى ، قد أخذ الميثاق {1} على نبي بعثه قبله بالإيمان به ، والتصديق له ، والنصر له على من خالفه يقول الله عز وجل مخاطبا النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه . قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين 2

وكان أول ما ابتدىء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي ، الرؤية الصادقة ، تقول عائشة بنت أبي بكر الصديق ، رضي الله عنها: إن أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، من النبوة ، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به ، الرؤيا الصادقة ، لا يرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، رؤيا في نومه إلا جاءت كفلق الصبح وقالت عائشة رضي الله عنها : وحبب الله تعالى إليه الخلوة ، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حين أراد الله كرامته ، وابتدأه بالنبوة ، إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر {3} عنه البيوت ، ويفضى {4} إلى شعاب {5} مكة وبطون أوديتها فلا يمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله

بدء الوحي


اعتاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أن يعتكف شهرا في كل عام في غار حراء ، يتفكر في آلاء الله عز وجل ويبتعد عن فجور أهل مكة وعاداتهم الذميمة ، فإذا انتهى ذلك الشهر ، كان أول ما ينتهي إليه قبل أن يذهب إلى بيته ، الكعبة ، فيطوف بها سبعا ، ثم يرجع إلى بيته إلى أن كان الشهر الذي أراد الله تعالى فيه ما أراد من كرامته ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك الشهر هو شهر رمضان ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كعادته إلى غار حراء ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ، جاءه جبريل عليه السلام ، بأمر الله تعالى ، يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " فجاءني جبريل ، وأنا نائم ، بنمط {6} من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ ، قال: قلت: ما أقرأ {7} ؟ قال: فغتني {8} به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني {9} فقال: اقرأ ، قال: قلت ما أقرأ ؟ قال: فغتني به حتى ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني ، فقال: اقرأ ، قال: قلت: ماذا اقرأ ؟ قال: فغتني به ظننت أنه الموت ، ثم أرسلني فقال: اقرأ ، قال: قلت: ماذا أقرأ ؟ ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي فقال

اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم ، الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم 10

قال: فقرأتها ثم انتهى فانصرف عني ، وهببت من نومي ، فكأنما كتبت في قلبي كتابا قال: فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل ، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل ، قال: فرفعت رأسي إلى السماء أنظر ، فإذا جبريل في صورة رجل يقول: يا محمد ، أنت رسول الله وأنا جبريل قال: فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء ، قال: فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا أتقدم أمامي وما أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، فانصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة ، فجلست إلى فخدها مضيفا {11} إليها ، فقالت: يا أبا القاسم ، أين كنت ؟ فو الله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا لي ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت: أبشر يا بن عم وأثبت فهو الذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة وقد ابتدىء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بالتنزيل في شهر رمضار المبارك ، لقول الله تبارك وتعالى

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان





أول امرأة دخلت في الإسلام



وقفت خديجة بنت خويلد ، رضي الله عنها ، زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى جانب زوجها تعينه وتخفف عنه بعض همومه ، فعندما جاءه الوحي أخذ يرجف فؤاده ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وأسرع إلى خديجة ، رضي الله عنها ، قائلا: " زملوني {1} زملوني " فغتطه خديجة ، رضي الله عنها ، وحدبت {2} عليه ، إلى أن هدأ روعه {3} ، عندئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " لقد خشيت على نفسي يا خديجة " فقالت خديجة رضي الله عنها: كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم {4} ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتقري {5} الضيف ، وتعين على نوائب الحق ثم قامت خديجة ، رضي الله عنها ، فجمعت عليها ثيابها ، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد ، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال ورقة بن نوفل: قدوس {6} ، قدوس والذي نفس ورقة بيده ، لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس {7} الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له: فليثبت رجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبرته بقول ورقة بن نوفل ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، جواره وانصرف ، صنع كما كان يصنع ، بدأ بالكعبة فطاف بها ، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة ، فقال: يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت ، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال له ورقة: والذي نفسي بيده ، إنك لنبي هذه الأمة ، ولق جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ، ولتكذبنه ولتوذنيه ولتخرجنه ولتقاتلنه ، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ، ثم أدنى رأسه منه فقبله ، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إلى منزله حيث وجد زوجته خديجة ، رضي الله عنها ، التي سرعان ما أعلنت إيمانها به ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وصدقت بما جاءه من الله عز وجل ، وآزرته على أمره ، فكانت رضي الله عنها ، أول من آمن بالله ورسوله وصدق بما جاء منه فخفف الله عز وجل بذلك عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لا يسمع شيئا يكرهه ، من تكذيب له وتشنيع لما جاء به ، إلا فرج الله عنه إذا رجع إليها وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يقدر وقفة خديجة إلى جانبه ، ويبادلها الحب والود حتى إنه صلى الله عليه وآله وسلم ، بشرها ببيت في الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " أمرت أن أبشر خديجة ببيت من قصب {8} ، لا صخب {9} فيه ولا نصب {10} " وفي إحدى خلوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، مع خديجة رضي الله عنها ، قالت خديجة: يا بن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " نعم " فبينما هي عنده ، إذ جاءه جبريل ، عليه السلام ، فصدقت به وقالت: يا بن عم ، أثبت وأبشر ، فو الله إنه لملك وما هذا بشيطان ثم إن الوحي الإلهي فتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحزن وشق {11} ذلك عليه ، فكان جبريل عليه السلام ، يظهر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بين حين وآخر ويقول له : إنك رسول الله حقا ، فيسكن جأشه وترجع إليه نفسه ، ثم جاءه جبريل بسورة الضحى ، يقسم له ربه ، وهو الذي أكرمه ، وبأنه ما ودعه وما قلاه وإن خير الآخرة خير له ، ثم يعرفه الله عز وجل ، ما ابتدأه به من كرامته في عاجل أمره ، ومنه عليه في يتمه وعيلته وضلالته ، وإنقاذه من ذلك كله برحمته يقول الله عز وجل

والضحى والليل إذا سجى (12) ما ودعك ربك وما قلى (13) وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا (14) فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك حدث 15

وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يمشي ، إذ سمع صوتا فرفع بصره فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض فعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى زوجته خديجة رضي اله عنها قائلا لها: " دثروني {16} ، دثروني " فأنزل الله تعالى قوله

يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر 17

ثم كثر نزول الوحي وتتابع .




حبيباتي ...وللبحث بقية... الى ان يشاء الله


والله حبيباتي لو شعرت ان الموضوع ممل بسبب طوله لكنت جزأته أجزاء....


ولكن لا اتوقع احدا يمل من سيرة رسوله الكريم ( صلى الله عليه وسلم) فالسيرة بحد ذاتها متعة..كما تعلمون.

حبيبه
هيئة التدريس

default رد: سيرة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)..الجزء الاول

مُساهمة من طرف حبيبه في الإثنين 08 نوفمبر 2010, 4:44 am



صلى الله عليه وسلم
جزاك الله خير الجزاء حبيبتي أم إيهاب ونفع بك
جعلها ربي لك في موازين حسناتك



عابرة
مشرفة متابعة الحلقات

default رد: سيرة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)..الجزء الاول

مُساهمة من طرف عابرة في الإثنين 08 نوفمبر 2010, 8:40 am

حبيبه كتب:


صلى الله عليه وسلم
جزاك الله خير الجزاء حبيبتي أم إيهاب ونفع بك
جعلها ربي لك في موازين حسناتك



ام ايهاب
مشرفة قاعة السيرة العطرة

default رد: سيرة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم)..الجزء الاول

مُساهمة من طرف ام ايهاب في الثلاثاء 09 نوفمبر 2010, 1:11 am

بوركتن حبيباتي حبيبة والاخت عابرة


وجزيتن الجنة

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 22 فبراير 2017, 4:39 am