مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

كتاب مفرغ : بلاغة الكلمة في التعبير القرآني (فاضل السامرائي )

شاطر

انتصار
الادارة العامة

default كتاب مفرغ : بلاغة الكلمة في التعبير القرآني (فاضل السامرائي )

مُساهمة من طرف انتصار في الأحد 22 أغسطس 2010, 11:10 am

كتاب : بلاغة الكلمة في التعبير القرآني

كتب الدكتور فاضل السامرائي



مقدمة الكتاب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين إمام الهدى محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
هذا كتاب يبحث في المفردة في القرآن الكريم . والمقصود بـ (المفردة) هو الكلمة الواحدة كما هو معلوم.
إن موضوع المفردة في القرآن في القرآن موضوع واسع متشعب الأطراف متعدد المناحي، غير أني آثرت أن أبحث باختصار أموراً أراها ذات أهمية خاصة فيما أحسب، وإن كان التعبير القرآني كله مهماً.
وهذه الأهمية تعود إلى أكثر من سبب:
منها: أن قسماً مما بحثته في هذا الكتاب لم أجد المعنيين بدراسة بلاغة القرآن والمعنيين بدراسة المتشابه قد أشاروا إليه فيما وقع بين يدي من المصادر، وإن كان لا يبعد أن يكون مطروقاً في الأسفار التي لم يُسعفنا الحظ في الوصول إليها وما أكثرها!
وذلك نحو كثير من أحوال الذكر والحذف في المفردة نحو (تنزّل) و(تتنزّل)، و(توفاهم) و(تتوفاهم)، و(نبغ) و(نبغي) وغيرها.
وذلك كقوله تعالى: "تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ " (القدر 4)، وقوله: "تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا " (فصلت 30).
وقوله: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " (النساء 97)، وقوله (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ" (النحل 28).
وقوله: "قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ" (الكهف 64)، وقوله: "قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي " (يوسف 65).

ونحو كثير من أحوال الإبدال في المفردة مثل (يضّرّعون) و(يتضرعون)، و(يذّكّرون) و(يتذكرون)، و(اطّيرنا) و(تطيرنا)، وكاستعمال (اللآئي) و(اللآتي) وغيرها كقوله تعالى: "قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ" (يس 18)، وقوله: "قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ" (النمل 47).

ولا شك أن كل مفردة وُضعت وضعاً فنياً مقصوداً في مكانها المناسب. وأن الحذف من المفردة مقصود كما أن الذكر مقصود وأن الإبدال مقصود كما أن الأصل مقصود، وكل تغيير في المفردة أو إقرار على الأصل مقصودٌ له غرضه، كما سنبيّن ذاك ما وسعنا البيان.
والسبب الآخر الذي دعاني إلى تناول هذه المباحث هو أن قسماً مما بحثته قد طرقه الباحثون قبلي وحاولوا أن يتلمسوا الفروق بين استخدام المفردات غير أني لم أقتنع بقسم من هذه التعليلات، ورأيت أن كثيراً منها متكلّف فحاولت أن أُعللها تعليلاً آخر وجدته أشفى لنفسي وأكثر اقناعاً لي، وأنا لا أزعم أني أتيت بأحسن مما ذكروه، وأن توجيهي أصوب مما ذهبوا إليه ولكني أذكر ما وجدته في نفسي.
وهذا نحو توجيه (فعّل) و(أفعل) بمعنى (نزّل) و(أنزل) و(نجّى) و(أنجى) كقوله تعالى: "مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ " (الأعراف 71)
وقوله: "مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ " (يوسف 40) وقوله: "فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ " (يونس 73)، وقوله: "فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ " (الشعراء 119).
وكاستعمال الإفراد والتثنية والجمع كالنخل والنخيل.
وتعاور المفردات كالعاكفين والقائمين في قوله تعالى: "أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" (البقرة: 125)، وقوله: "وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ" (الحج:26) وما إلى ذلك.
ثم إن هناك أمراً آخر دعاني إلى تناول مثل هذه الأبحاث وهو أني لم أجد في شأن المفردة في القرآن الكريم وتعليل استعمالها كتباً مختصة في حدود ما اطلعت عليه.
نعم هناك في كتب التفسير وكتب المتشابه وغيرها إشارات إلى سبب اختيار هذه اللفظة في هذا الموضع دون غيرها من المتشابه كاختيار (يخرصون) في قوله: "وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ " (لأنعام: 116) واختيار (يظنون) في قوله: "وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ" (البقرة: 78) أو استعمال (القسط) في قوله: "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ" (يونس ـ 54) واستعمال (الحق) في قوله: "وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ " (الزمر:69).
كما أن هناك كتباً في مفردات غريب القرآن قد تذكر الفرق بين لفظة وأخرى كالفرق بين جاء وأتى، والفرق بين الصراط والطريق والسبيل، والفرق بين (يفعلون) و(يعملون) و(يصنعون) وهو أشبه بما يُكتب في الفروق اللغوية. غير أني لم أر كتاباً يبحث في المفردة في القرآن ويُبوبها على الموضوعات ويجمع ما تشابه من ذلك ويدرسه. فحاولت أن أضع بداية متواضعة في هذا الموضوع فلعلّه يأتي من يُتم هذا العمل ويتوسّع فيه.
وقد ترى أن لم أبحث في هذا الكتاب موضوعات كان من المتوقع أن أبحثها كالإدغام والفكّ نحو (من يرتد) و(من يرتدد) وكالفروق اللغوية كالخوف والخشية والشُّح والبخل والصراط والسبيل والاختلاف بين المصادر ونحوها فأقول:لقد حاولت أن أتجنب كثيراً مما بحثته في كتبي السابقة قدر الإمكان كموضوع الإدغام والفك الذي ترددت آياته في أكثر من موضوع في كتاب (التعبير القرآني) وكتاب (الجملة العربية) ونحو كثير من معاني الأبنية كالمصادر والجموع وغيرها مما بحثته في كتاب (معاني الأبنية في العربية).
أما الموضوعات الأخرى التي لم أبحثها فإن الكلام فيها يتّسع اتساعاً كبيراً فلعلّ الله ييسر لنا أن تكتب فيها شيئاً في قابل الأيام.
وهناك أمر مهم جدير بأن أنبّه عليه وما كنت لأذكره لولا أني رأيت جملة من حملة العلم أشاروا إليه. وذلك أن في أثناء إلقاء محاضرات من هذا الموضوع على جماعة من أهل العلم وعلى طلبة الدكتوراة، وفي مواقف أخرى طرح سؤال وهو أن هذه التعليلات قد تكون مقبولة بموجب الرسم القرآني الذي بين أيدينا فكيف يكون التعليل إذا كان الرسم مختلفاً على قراءات أخرى؟
فمثلاً قوله تعالى: "إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ" (القمر:54) لقد عللنا فيه سبب التعبير بـ (نهر) دون الجمع1 فكيف إذا كانت هناك قراءة أخرى (إن المتقين في جنات وأنهار)؟ وقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ " (النساء: 97) فكيف إذا كانت هناك قراءة أخرى (تتوفاهم)؟
وقوله: "قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ" (الكهف: 64) بحذف الياء فكيف إذا كانت هناك قراءة بإثبات الياء أي (ذلك ما كنا نبغي)؟
وقوله تعالى: "قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ" (النمل:47) فكيف إذا كانت هناك قراءة إبدال أي (قالوا إنا تطيرنا بك)؟
وكاستعمال اللاتي واللآئي وذلك كقوله تعال: "وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ" (الأحزاب:4)، وقوله: "وَاللّاَتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ" ( النساء: 15) وما إلى ذلك.
والجواب أن أركان القراءة الصحيحة ـ كما هو مقرر ـ ثلاثة:



  • صحة السّند.

  • موافقة خط المصحف العثماني

  • موافقة العربية
ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عن العشرة أم عمن هو أكبر منهم.
هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف 2
فموافقة رسم المصحف العثماني شرط من شروط القراءة الصحيحة، ومتى اختل هذا الشرط فخالفت القراءةُ رسم المصحف دخلت في الضعف والشذوذ أو البطلان.
وبهذا يزول الإشكال فإن كل قراءة تخالف رسم المصحف لا تدخل في الصحيح. وبهذا يتضح أن ليست هناك قراءة صحيحة (إن المتقين في جنات وأنهار) فإن كلمة أنهار تخالف رسم المصحف.
وكذلك ما ورد في (توفّاهم) و (تتوفاهم) فإن توفّاهم تُكتب يتاء واحدة و(تتوفاهم) تُكتب بتاءين، فلا تكون إحداهما مكان الأخرى لآن ذلك مخالف لرسم المصحف.
وكذلك قوله (ما كنا نبغ) فإنه ليست هناك قراءة معتمدة بإثبات الياء لأنها رسمت في المصحف بلا ياء.
ونحو قوله (اطّيرنا) فإنه لا يصح أن تُقرأ في الموضع نفسه (تطيرنا) لأنها مخالفة لرسم المصحف.
ونحو اللائي واللاتي فإنهما في الرسم العثماني مختلفتان.
فاللاّئي تُرسم بلا صورة للهمزة (الّ~ئ) أما اللاّتي فتُرسم فيها للتاء صورة (الّتي)
وكذلك سائر ما ذكرناه فإنه لا يصح أن يٌقرأ بما يخالف رسم المصحف فسقطت هذه الشبهة أصلاً.

وأود أن أذكر في الختام أمراً تجدر الإشارة إليه وهو أني حاولت أن أعتمد في التوجيه والترجيح على الأمور اللغوية المسلّمة والقواعد المقررة ـ على قدر علمنا المتواضع ـ والاستعانة بالسياق لتلمُس الفروق في الاستعمال، وهو مهم جداً في الدلالة على سبب الاختيار لئلا تزِلّ بنا القدم، وتذهب بنا بُنيّات الطريق.
نسأل الله أن يلهمنا الرُشد ويهدينا الصراط المستقيم. إنه سميع مجيب.
يتبع مختارات من الكتاب

انتصار
الادارة العامة

default رد: كتاب مفرغ : بلاغة الكلمة في التعبير القرآني (فاضل السامرائي )

مُساهمة من طرف انتصار في الأحد 22 أغسطس 2010, 11:13 am

مختارات من الكتاب

الإبدال




وقد يستعمل القرآن الكريم المفردة أحيانا مبدلةً، وذلك نحو (يتذكر) و(يذّكّر) و(يتدبّر) و(يدّبّر) ،ونحو (مكة) و(بكة)، وبسطة وبصطة، فهل لهذا الإبدال غرض؟



إننا نرى أن كل تغيير في التعبير القرآني مهما كان فله سببه، ولا يكون تغييرٌ من دون سبب. وسنذكر أمثلة توضح هذا الأمر.



1 ـ قد ترد الكلمة في التعبير القرآني مبدلةً مدغمةً مرة، ومرة أخرى ترد غيرَ مبدلة، وذلك نحو قوله في آيات عدة: "لعلهم يتذكرون". وفي آيات أخرى: "لعلهم يذّكّرون". ونحو قوله: "أفلا يتدبّرون القرآن" وقوله: "أفلم يدبروا القول"،ونحو قوله: "ويحبُّ المتطهّرين" وقوله: "يحب المطّهّرين". بل ربما جمع الصيغتين في آية واحدة أو آيات متقاربة، وذلك نحو قوله تعالى: "فيه رجالٌ يحبّون أن يتطهّروا والله يحب المُطّهّرين" فجمع بين قوله: "يتطهّروا" وقوله: "المطّهّرين"



إن أصل هذا الإبدال هو الفكُّ بالتاء فـ (ادّبّر) أصله (تدبّر) فأُبدلت التاءُ دالا، وأدغمت في الدال، فسكنت الدالُ الأولى وجيء بهمزة الوصل توصّلا إلى النطق بالساكن. وكذلك (اذّكّر) أصله (تذكر)، و(اطّهّر) أصله (تطهر)



والمضارع كالماضي فـ (يدّبّر) أصله (يتدبّر)، و(يذّكّر) أصله (يتذكر)، و(يطّهّر) أصله (يتطهّر) وهكذا. وهو من الإبدال الجائز لا الواجب، ولذا نرى الاستعمالين معا في اللغة وفي القرآن الكريم.



والمفسرون إذا أوردوا شيئا من هذا أشاروا إلى أنه مبدل، واكتفوا بهذا على حدِّ ما أعلم.



أما ما يدور في الذهن من سؤال عن الفرق بينهما في الاستعمال القرآني، فالجواب أنه لا بد من أن يكون القرآن الكريم قد فرّق بينهما. فإن القرآن دقيق غاية الدقة في الاستعمال، وهو لا يستعمل لفظتين بمعنى واحد تماما وإن كانتا مترادفتين أو مبدَلَتين وحتى إذا كانتا من لغتين، فهو يخص كلا منهما بمعنى، وذلك كما خص (العيون) بعيون الماء، ولم يستعملها للباصرة، وكما خص (يشاقق) بمقام و(يشاقّ) بمقام مع أنهما لغتان مختلفتان، فخص كل لغة بسياق.



ونعود إلى مسألتنا فنقول: إن هناك حقيقتين لغويتين لا بد أن نذكرهما في هذا الأمر:

الأولى: أن بناء (يتفعّل) أطول من بناء (يفّعّل) في النطق. فـ (يتذكّر) أطول من (يذكر) بمقطع واحد.

فـ (يتذكر) مكون من خمسة مقاطع: (يَ + تَ + ذَكْ + كَ + رُ)

في حين أن (يذّكّر) متكون من أربعة مقاطع: (يذْ + ذَكْ + كَ + رُ)



والحقيقة الثانية أن بناء (يفّعّل) فيه تضعيف زائد على (يتفعل) ففي (يفّعّل) تضعيفان، وفي (يتفعّل) تضعيف واحد.



وهاتان الحقيقتان اللغويتان لهما شأنهما في تفسير ما نحن بصدده. فما كان على وزن (يتفعل) قد يؤتى به في اللغة للدلالة على التدرج، أي الحدوث شيئا فشيئا، وذلك نحو: تخطى وتمشّى وتبصّر وتجسس، فهناك فرق بين (مشى) و(تمشى)، و(خطا) و(تخطى)، و(جسّ) و(تجسس)، ففي تمشى وتخطى من الدرج ما ليس في مشى وخطا.



وقد يؤتى بهذا الوزن للدلالة على التكلف وبذل الجهد نحو: تصبّر وتحلّم، أي: كلف نفسه وحملها على الصبر والحلم. وفي كلا المعنيين دلالة على الطول في لوقت والتمهل في الحدث. وكذلك الأمر في القرآن الكريم. فإذا اجتمعت صيغتان من هذا البناء (يتفعّل) و (يفّعل) استعمل (يتفعل) لما هو أطول زمنا من (يفّعّل) وذلك لأن الفك أطول زمنا في النطق كما ذكرنا فهو ملائم للطول في الحدث. ومثل هذا التناسب وجدناه في أمور عدة في اللغة: فهناك تناسب بين البناء والمعنى إلى حد كبير. ويكفي أن تعود في مثل هذا إلى باب (إمساس الألفاظ أشباه المعاني) في كتاب الخصائص لابن جني ليتضح لك هذا.



وما كان على وزن (يفّعّل) يأتي به لقرآن فيما يحتاج إلى المبالغة في الحدث، وذلك لأن التضعيف كثيرا ما يؤتى به للمبالغة نحو فَعَل وفعّل كـ (قطع) وقطّع)، و (كسر) و(كسّر)، ففي قطّع وكسّر من المبالغة ما ليس في قطع وكسر. ونحو (فُعال) و(فُعّال) مثل (كُبار) و(كُبّار)، فـ (كبّار) أبلغ من (كبار) في الاتصاف بالحدث كما هو مقرر في كتب اللغة فتكرار الحرف إشارة إلى تكرار الحدث. جاء في (الخصائص): "ومن ذلك أنهم جعلوا تكرير العين في المثال دليلا على تكرير الفعل، فقالوا: كسّر وقطّع وفتح وغلّق"



ومن ذلك في غير الأفعال ونا التوكيد الثقيلة والخفيفة، فإن الثقيلة آكدُ من الخفيفة، ونحو (إنّ) غير المخففة و(إنْ) المخففة، فغير المخففة أكدُ من المخففة.



وهكذا يفرق القرآن بين الصيغتين.



وعلى هذا فإنه يستعمل بناء (يتفعّل) لما هو أطول زمنا، وقد يستعمله في مقام الإطالة والتفصيل.

ويستعمل (يفّعّل) للمبالغة في الحدث والإكثار منه.



ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُون" (الأنعام:42)

وقوله: "وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ" (الأعراف:94)





فقال في آية الأنعام (يتضرّعون) وقال في الأعراف (يضّرّعون) بالإبدال والإدغام. وذلك أنه قال في الأنعام: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ"، وقال في الأعراف: " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ"

والأمم أكثر من القرية، وهذا يعني تطاول الإرسال على مجار التاريخ، فلما طال الحدث واستمر جاء بما هو أطول بناء فقال: (يتضرعون). ولما كان الإرسال في الأعراف إلى قرية قال (يضّرعون) فجاء بما هو أقصر في البناء.



هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه استعمل في آية الأنعام (أرسل إلى) فقال: "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ"، واستعمل في الأعراف (أرسل في) فقال: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ"

والإرسال إلى شخص ما يقتضي التبليغ ولا يقتضي المكث، فإنك قد ترسل إلى شخص رسالة فيبلغها ويعود، وأما الإرسال في القرية أو في المدينة فإنه يقتضي التبليغ والمكث، فإن (في) تفيد الظرفية، وهذا يعني بقاء النبي بينهم يبلغهم ويذكرهم بالله، ويريهم آياته المؤيدة. ولا شك أن هذا يدعوهم إلى زيادة التضرع والمبالغة فيه، فاء بالصيغ الدالة على المبالغة في الحدث والإكثار منه فقال: لعلهم

فوضع كل مفردة في مكانها اللائق بها.

...

...

...


بسطة ويبسط

انتصار
الادارة العامة

default رد: كتاب مفرغ : بلاغة الكلمة في التعبير القرآني (فاضل السامرائي )

مُساهمة من طرف انتصار في الأحد 22 أغسطس 2010, 11:14 am

بسطة ويبسط

ومن ذلك إبدال السين صادا في لفظتي : بصطة ويبصط

أما كلمة بصطة بالصاد فقد وردت في سورة الأعراف في قوله تعالى : "وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصطَة"(الأعراف: من الآية69)

ووردت في سورة البقرة بالسين وهو قوله تعالى: " وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ"(البقرة: من الآية247)



وقد ذكرنا في التعبير القرآني أن ذلك لأمر إحصائي وثمة أمر معنوي وهو أنها وردت بالسين في وصف طالوت : "قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ "(البقرة: من الآية247)

ووردت بالصاد في وصف قبيلة عاد قوم هود. قال تعالى :"واذكروا إذ جَعلكم خُلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون" (الأعراف:69)

وطالوت إنما هو شخص واحد، وأما عاد فهي قبيلة

ومن المعلوم أن الصاد أقوى من السين وأظهر 1

فكان السين الذي هو أضعف أليق بالشخص الواحد والصاد الذي هو أقوى وأظهر أليق بالقبيلة



وأما كلمة (يبصط) بالصاد فقد وردت في قوله تعالى: "والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون" البقرة

وسائر ما في القرآن (يبسط) بالسين في أكثر من عشرة مواضع، وذلك أن البسط في آية البقرة مطلق عام لا يخص شيئا دون شيء، وفي غيرها مقيد

ولا شك أن البسط المطلق أقوى من المقيد، فهو يحتمل البسط في الرزق وفي الأنفس وفي الملك وغيرها، فجاء في الأقوى بالصاد وفي المقيد بالسين.



جاء في (البرهان) "فصل في حروف متقاربة تختلف في اللفظ لاختلاف المعنى. مثل: "وزاده بسطة في العلم والجسم" و "وزادكم في الخلق بصطة" "يبسط الرزق لمن يشاء" "والله يقبض ويبصط" فبالسين السعة الجزئية كذلك علة التقييد، وبالصاد السعة الكلية بدليل علو معنى الإطلاق، وعلو الصاد مع الجهارة والإطباق" 2

وجا في البحر المحيط في قوله: "والله يقبض ويبصط" "أي يسلب قوما ويعطي قوما، أو يقتر ويوسع. قاله الحسن. أو يقبض الصدقات ويخلف البذل مبسوطا، أو يقبض أي: يميت لأن مَن أماته فقد قبضه، ويبسط: أي يحييه لأن مَن مد له في عمره فقد بَسَطه، أو يقبض بعض القلوب فلا تنبسط ويبسط بعضها فيقدم خيرا لنفسه أو يقبض بتعجيل الأجل ويبسط بطول الأمل، أو يقبض بالحظر ويبسط بالإباحة، أو بقبض الصدر ويوسعه. أو يقبض يد من يشاء بالإنفاق في سبيله، ويبسط يد من يشاء بالإنفاق.. أو يقبض الصدقة ويبسط الثواب" 3 وغير ذلك



وجاء في (فتح القدير) "هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط. والقبض التقتير، والبسط التوسيع" 4

وقيل: يقبض الصدقة ويخلفها، وقيل يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفسا بالخروج ويخف له 5

فأنت ترى مقدار الإطلاق في القبض والبسط ههنا بخلاف ما ورد في الآيات لأخرى. فإنه مقيد بالرزق في عشرة مواضع ومقيد بغيره في مواضع أخرى






1 ـ الخصائص 2/161

2 ـ البرهان 1/429 ـ 430

3 ـ البحر المحيط 2/253

4 ـ فتح القدير 1/234

5 ـ انظر فتح القدير 1/235

من دقائق التعبير القرآني
باختصار مبحث (فعّل وأفعَلَ بمعنى) من كتاب بلاغة الكلمة في القرآن الكريم ص 62 ـ 77


ترد في القرآن الكريم أفعال تأني تارة بصيغة (فَعّلَ) وتارة بصيغة (أفعَلَ) ، وقد يقترنان في آية أو آيات متتالية، وقد يردان في القصة نفسها في سورتي مختلفتين، وسنحاول أن نتلمس الفرق بينهما في الاستعمال القرآني


إن بناء (فعّل) يفيد التكثير والمبالغة غالبا نحو: (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق وسعّر)، ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراقُ وقت أطول، وأنه يفيد تلبثا ومكثا ، فـ (قطّع) يفيد استغراق وقت أطول من (قطَع)، وفي (علّم) من التلبث وطول الوقت في التعلم ما ليس في (أعلم). تقول (أعلمت محمدا خالدا مسافرا) وتقول: (علمته الحساب)، ولا تقول (أعلمته الحساب)


ومن استعمال فعّل وأفعل نحو (كرّم وأكرم) فإن القرآن يستعمل (كرّم) لما هو أبلغ وأدوم، فمن ذلك قوله تعالى: "ولقد كرّمنا بني آدم" الإسراء، وهذا تكريم لبني آدم على وجه العموم والدوام، وقوله على لسان إبليس : "قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ" الإسراء، أي فضلته عليّ، في حين قال: "كلا بل لا تكرمون اليتيم"، وقال: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن" الفجر، وهو يقصد إكرامه بالمال، فاستعمل التكريم لما هو أبلغ وأدوم وأعم


ومنه استعمال (نزّل وأنزل) حيث يفيد (نزّل) التدرج والتكرار، والإنزال عام، وذلك هو الأكثر. ولذلك يوصف نزول القرآن بالتنزل لأنه لم ينزل جملة واحدة بل سورة سورة وآية آية، قال تعالى: "نزّل عليك الكتابَ بالحقّ مُصدّقا لما بين يديه وأنزل التورة والإنجيل" آل عمران، فلفظ (نزل) يفيد التفصيل والتنجيم والتفرق في النزول، أما لفظ (أنزل) فلا يقطع بذلك بل يحتمله. أما التوراة فقد أوتيَها موسى عليه السلام جملة واحدة في وقت واحد، ونجد هذا أيضا في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ" النساء والمراد التوراة


ومنه استعمال (نجّى وأنجى) فإن الملاحظ أن القرآن الكريم كثيرا ما استعمل (نجّى) للتلبث والتمهل في التنجية، ويستعمل (أنجى) للإسراع فيها. فإن (أنجى) أسرع من (نجّى) في التخليص من الشدة والكرب،

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ" البقرة:50
فإنه لما كانت النجاة من البحر تحتاج للسرعة ولم تستغرق وقتا طويلا استعمل (أنجى) فقال "فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون" بخلاف البقاء مع آل فرعون تحت العذاب فإنه استغرق وقتا طويلا ومكثا فاستعمل له (نجّى) "وإذ نجيناكم من آل فرعون"


وكذا إن قارنا الآية السابقة بآية شبيهة في سورة إبراهيم وهي قوله تعالى:

"وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ""

ومثلها أيضا في الأعراف "وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ"


نلحظ استعمال (أنجى) في هاتين الآيتين اللتين تتحدثان عن أمر واحد، والسبب فيه أنه في هاتين الآيتين ذكر العذاب مضاعفا عما في البقرة فاقتضى ذلك الإسراع في الإنجاء، أما البقرة فكان العذاب المذكور فيها أقل، فإنه في البقرة فسّر سوء العذاب أنه تذبيح الأبناء واستحياء النساء، أما في الأعراف وإبراهيم فقد جعل التذبيح شيئا آخر غير سوء العذاب بعطف التذبيح على سوء العذاب بالواو مما يدل على أن هناك عذابا سيئا آخر غير ما ذكر
فالعذاب ها هنا أشد من العذاب الذي ذكره في البقرة فاستدعى الأمر ذكر السرعة في النجاة فقال (أنجيناكم وأنجاكم)، والأمر نسبي حسب لحالة التي نتحدث عنها أو المنظار الذي نشاهدها به في موطن معين يختلف عن موطن آخر، فإننا قد نقول في مقام (الدنيا طويلة) ونقول في مقام آخر (الدنيا قصيرة) فلكل مقام مقال.


المصدر



تعبيرقرآني
لمسات
بلاغة الكلمة

صفحة الكتب
الصفحة الرئيسية





























انتصار
الادارة العامة

default رد: كتاب مفرغ : بلاغة الكلمة في التعبير القرآني (فاضل السامرائي )

مُساهمة من طرف انتصار في الأحد 22 أغسطس 2010, 11:18 am

اقـــــــرأ



من كتاب التعبير القرآني



سورة التين
التقديم والتأخير




تعبير قرآني
لمسات
بلاغة الكلمة
صفحة الكتب
الصفحة الرئيسية

    الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 08 ديسمبر 2016, 3:48 am