مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

كيف تعينين طفلك على كسب الثقة بالنفس؟

شاطر

تاج الوقار سناء

هام كيف تعينين طفلك على كسب الثقة بالنفس؟

مُساهمة من طرف تاج الوقار سناء في الجمعة 18 يونيو 2010, 1:36 am

كيف تعينين طفلك على كسب الثقة بالنفس؟


من خلال التعليق على حالات خمس أمهات، طرحن أسئلة متباينة عن ثقة أطفالهن بأنفسهم، لنحاول تقديم مفاتيح تعين على تكوين صورة أوضح عن كيفية إعانة الطفل على تحقيق ثقة بالنفس متوازنة، لا هي مفرطة قد تفضي إلى الغرور، ولا هي ناقصة قد تعيقه في حياته المدرسية، ولاحقاً المهنية:
أم نجوى (5 سنوات ونصف السنة): ابنتي متفوقة من حيث الذكاء. لكنها تفتقر إلى الثقة بنفسها، وغالباً ما "تبَخَِّس" نفسها، وتتنازل بسرعة. وإذ بدأت بالتلميذات الأخريات.. فهل هذا قصور؟ وهل ينبغي إعانتها على اكتساب ثقة أعلى بنفسها؟
- ذلك يعتمد على الحالات التي تفتقر فيها نجوى إلى الثقة بالنفس. فتطور شخصية الطفل لا يتخذ مساراً "خطياً" مستقيماً، إنما هو مكون من منحنيات، فيها صعود وهبوط. ومسار نجوى، على ما يبدو، بدأ بالأمور الذهنية والفكرية. إذن، لا داعي للقلق أكثر من اللزوم، بما أن الطفلة غير مصابة باضطراب سلوكي حقيقي، من المنظور الطبي. على العكس، نجوى متفوقة ذهنياً، وتجيد القراءة في سن مبكرة بالقياس إلى أقرانها. فأين المشكلة؟
المشكلة ربما عند أم نجوى نفسها، التي تقلق أكثر من اللزوم، بالتالي قد تميل إلى حماية ابنتها حماية زائدة، وتتخوف، كأي أم، من أن تخطئ التقدير، ما من شأنه عدم إعانة الطفلة على الاعتماد على نفسها، وفرض شخصيتها. فالثقة بالنفس تقوم على أساس الثقة المتبادلة. وكلما زادت ثقة الوالدين بطفلهما، زادت ثقته بنفسه. لا يريد منكما أن تكونا والدين "مثاليين"، إنما والدان محبان حنونان، تبديان الاهتمام به، وتسدان احتياجاته العاطفية بقدر احتياجاته الغذائية والملبسية والمادية. باختصار، في ما يخص نجوى، مادامت متفوقة ذهنياً، فلا داعي للقلق، وعلى أمها التخلي عن الإحاطة بها بشكل مفرط، إنما تركها على سجيتها، مع مراقبتها من بعيد، وتقديم النصح من وقت إلى آخر بأسلوب ودي، من دون تأنيب ولوم.
أم فارس (4 سنوات): كتبت المعلمة على دفتر فارس المدرسي أنه "يفتقر إلى الثقة بالنفس". وأعلمتني أنه يعزف بسرعة عندما يخفق في أي تمرين جديد، فيظن حالاً أنه لن ينجح فيه أبداً. ما العمل؟
- حيال أي حالة جديدة، يتساءل أي طفل في سن 4 سنوات، وحتى أكثر، ما إذا كانت تشكل "خطورة" عليه. لذلك، في الروضة، يسعى إلى التهرب من أي تجربة جديدة، لم يخبرها من قبل ويتأكد من سهولة مواجهتها. كما يتساءل ما إذا كان يمتلك الإمكانات الكافية لمواجهة الحالة. مثلاً: أداء تمرين جديد، أو التألق في لعبة جديدة. في تلك الحال، يشكل "الماضي" عاملاً حاسماً: إذا كانت إخفاقاته السابقة قوبلت برد فعل إيجابي، يتسم بالتفهم والصبر من جانب الوالدين والمعلمة، فإنه يتشجع على محاولة تأدية التمرين الجديد، معللاً النفس بالقول: "لا بأس أن أحاول، فإن لم أتمكن من المرة الأولى، سألقى العون لكي أنجح في المرة الثانية أو الثالثة..".
أما إذا كانت ذكرياته سيئة، فذلك ما قد يجعله يتردد ويتلكأ، ويخشى الإخفاق مجدداً، وربما العقاب، أو أقله التعليق السلبي. لذا، حريٌّ دوماً بالوالدين، وأيضاً السلك التعليمي، عدم "تعقيد" الطفل في حالة إخفاقه في أي أداء، ومعاتبته، إنما على العكس مساعدته وتعليمه والتحلي بصبر كبير. فتخوف الطفل من اللوم والقصاص أكبر عائق أمام بناء ثقة كافية بالنفس. والطفل الواثق يركز على كيفية النجاح (مثلاً في أداء التمرين المطلوب)، بينما الطفل المفتقر إلى الثقة بالنفس يشغل باله أكثر بتبعات الفشل المحتمل، والتهيب مما قد سيحصل عليه من لوم وعتاب، لاسيما من لدن الوالدين. لذا، يا أم فارس، شجعيه، واشرحي له ببساطة أنه لو لم ينجح فذلك ليس نهاية العالم، إنما أكدي له أنك على قناعة تامة بأنه سينجح. لكن، في الأحوال كلها، لا تحاولي قط أداء التمرين بدلاً منه. شجعيه من دون أن تحلي محله.
أم نجمان (10 أشهر): أتساءل إن لم أخطئ في حماية نجمان أكثر من اللزوم، ذلك أنني تركت العمل وتفرغت له تماماً. الآن، في حال وجود أطفال آخرين، من الأقارب والأصدقاء، ينزوي تماماً، متشبثاً بي، ومبتعداً عنهم وكأنه يخاف منهم. مؤخراً، في المتنزه، ظل يراقبهم من بعيد، وهم يلعبون معاً. فهل سيؤثر ذلك في ثقته بنفسه لاحقاً، بعد تسجيله في دار الحضانة، ثم الروضة؟
- ما ينبغي معرفته أيضاًَ: عندما يكون نجمان محاطاً ببالغين، هل يسعى إلى جذب انتباهم، والتقرب إليهم واللعب معهم؟ إذا كان الجواب نعم، فلا تقلقي. هذا يعني أنه سيعتاد الاختلاط بالأطفال الآخرين. فهو، حتى الآن، لم يعرف تقريباً سوى بالغين، بما أنك تحيطينه بالرعاية طوال الوقت. ولا يعني تحذره من بقية الأطفال شيئاً غير عدم اعتياده على وجودهم. إنه لا يزال رضيعاً صغيراً، في سن 10 أشهر وحسب، ويحبو على أربعة أطرافه. وسوف يعتاد على الأطفال تديجياً.
ثم إنه يراقبهم من بعيد، مثلما تؤكدين. وهذا يعني أن نجمان يتحلى بدقة الملاحظة، وهي صفة جيدة، ستعينه على تحديد مكانه بين الأطفال الآخرين، وإجادة التصرف معهم. وهؤلاء، الذين تقولين إنه كان يراقبهم من بعيد وهم يلعبون، يبدو أنهم يعرفون بعضهم بعضاً مسبقاً، فلا يتهيب الواحد من الآخر. أما هو، فلا يزال صغيراً، وعندما يراقبهم، يبدو مفتوناً بلعبهم. وهذا الافتتان، في حد ذاته، يبشر بالخير. فالثقة بالنفس بذرة تنمو تدريجياً. إذن، يمكنك، كبداية، الاقتراب من الأولاد الآخرين وأنت بصحبة نجمان، لكي تعوديه على اللقاء الأول. ثم تبتعدين خلسة، شيئاً فشيئاً، وتتركينه معهم، مع مراقبته من بعيد، والتدخل برفق إن تطلب الأمر. صحيح أن الأولاد الذين تتفرغ أمهاتهم لهم تماماً أكثر عرضة للتخوف والتذبذب من غيرهم. لكن بالإمكان تلافي ذلك التخوف، تدريجياً. وفي الأحوال كلها، سيتخطى الطفل ذلك الميل إلى العزلة عقب تسجيله في دار الحضانة. إنما من الأفضل البدء بتعويده حتى قبل ذلك.
أم هالة (6 سنوات): ابنتي الكبرى، هالة، تبدو أقل ثقة بنفسها من أختها الأصغر، مريم (4 سنوات). فمثلاً، في مسبح حديقة بيتنا، تخاف من رمي نفسها، بينما لا تتردد مريم، وهالة مرهفة الحس. ونميل، أنا وزوجي، إلى حمايتها. والدها لا يكف عن القول لها "انتبهي"، "احذري"، إلخ. فهل سيؤثر ذلك في ثقتها بنفسها؟
- نعم، لا يستبعد أن تتأثر هالة بهذه الحال إن استمرت. فثمة عوامل تجتمع، في اتجاه غير مُرضٍ. إذ، من جهة هناك أخت أصغر تنمُّ عن ثقة أعلى بنفسها، ما قد يؤدي إلى شخصية أقوى، لابد من أن تفضي إلى مفاقمة شعور الطفلة هالة بالضعف. ومن جهة أخرى، الوالدان يسعيان بصدق إلى حماية هالة، لكنهما، من دون وعي منهما، يزيدان الطين بلة، عبر حمايتها أكثر من اللزوم، ونهرها في كل شاردة وواردة، وتحذيرها طوال الوقت "لا تفعلي هذا"، و"توقفي عن ذاك"، إلخ. ينبغي ترك الطفلة تنمِّي شخصيتها، والتظاهر (على الأقل التظاهر) بعدم مراقبتها بإفراط. فالطفلة الأنثى، في سن 6 سنوات، تميل إلى تنمية نزعة الاستقلالية، والبدء بالاعتماد على نفسها، أكثر من الطفل الذكر. لكنها أيضاً مرهفة الحس أكثر منه، وتتأثر بسرعة بأقوال الآخرين، وموافقهم، لاسيما الوالدين.
بددي مخاوفها على مراحل، تتابعينها بصبر. في ما يخص مسبح البيت، مثلاً، قولي لها: "أعرف أن الغطس يخيفك، لكن لا بأس، سنغطس معاً، وسترين أنك قادرة". وهذا مجرد مثال. إذ ستتشجع وتزداد ثقتها بنفسها كلما استمتعت بنجاحها في تأدية شيء تتخوف منه. في مثال المسبح، ستجد أن الغطس ممتع ومسلٍّ، وستكرره مراراً. لكن الأمر سينطلي على الأمور الحياتية والمدرسية الأخرى، ما سيعزز ثقة هالة بنفسها شيئاً فشيئاً.
أم سمير (4 سنوات): سمير حَرِك في البيت، وربما شقي أحياناً، لكنه، حال مغادرة عتبة الدار، يغدو خجولاً ومتردداً بشكل واضح، وكأنه قلق من الاختلاط. فهل يعكس ذلك قصوراً في ثقته بنفسه؟
- ليس بالضرورة. فمن الممكن أن يكون طفل ما واثقاً جداً بنفسه. ومع ذلك يتهرب من الأطفال الآخرين ولا يستهويه الاختلاط بهم. فالاندماج مع الآخرين، حتى لطفل في سن 4 سنوات، يعني تبني قاموسهم الحياتي، ونمطهم. ألا تلاحظين، مثلاً، أن البنات الصغيرات، في الروضة، يسعين إلى ارتداء أثواب مشابهة إلى أثواب رفيقاتهن؟ بالنسبة إلى بعض الأولاد الصغار، هذه الضرورة للالتزام بنمط الآخرين هي ما ينفرهم. وربما يتأتى تردد سمير من تخوفه من بعض الحالات، ظناً منه أن خياراته مختلفة كثيرة، أو أن من العسير التوفيق بينها وبين خيارات باقي الأولاد. لكن ذلك لا يعني عدم كفاية ثقته بنفسه، بل ربما العكس: يظن أنه على حق وهم على خطأ. وهذه حالة غير نادرة لدى الأطفال الأذكياء جداً، ممن يرون الأمور بمنظور مختلف عن أقرانهم في سن قريبة.
وإن ظننت أن ابنك حقاً قلق، فاستدرجيه لكي يعترف بذلك، ويفصح عن قلقه لك. فليس في ذلك عيب، إنما سيعينه على التخلص من تخوفه. لكن، يبدو أن القلق ينتابك أنت أكثر منه، وأنك تخشين أن يعاتبك الآخرون، أو أن يفكروا في أنك أسأت تربية سمير، وأغدقت عليه التدليل بشكل مفرط، بحيث بات "متوحشاً" وغير اجتماعي. فلا داعي للقلق. لأن كل طفل يلتزم بوتيرة معينة، يختطها لنفسه، في ما يخص اكتشاف العالم والدخول في المجتمع، والتعرف إليه وتكوين صداقات مع أقرانه. ثمة أولاد لهم وتيرة سريعة في التعارف، وآخرون يلتزمون جانب الحذر. وليست هذه الطريقة أو تلك أفضل من الأخرى. لكن رد فعل الوالدين الأفضل ينصب على ترك الطفل على سجيته، وعدم إكراهه على خيار معين، طبعاً مع مراقبته بتكتم، ومصاحبته في خياراته، وتشجيعه والأخذ بيده.

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين 27 فبراير 2017, 11:29 pm