مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

وصايا فى أحاديث نبويه

شاطر
avatar
زمزم

مميز وصايا فى أحاديث نبويه

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 31 مارس 2010, 10:37 am


[







الوصية الاولى :

وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ





عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ


مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ
يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا
رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ، ثُمَّ
قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا
قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ
تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ
مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ
تُمِيتُ الْقَلْبَ .


أخرجه أحمد 2/310 ، رقم 8081 ، والترمذي (4/551رقم 2305) ، وقال : غريب ، والبيهقى في شعب الإيمان (7/78 ، رقم 9543) .قال الألباني في السلسلة الصحيحة 2/ 637 :أخرجه الترمذي( 2 / 50 ) و أحمد ( 2 / 310 )و الخرائطي في مكارم الأخلاق \ قال الشيخ الألباني : ( حسن ) انظر حديث رقم : 100 في صحيح الجامع.

أولاً : نعمة الرضا :

السعيد الحق هو من رضي بما قسم الله له , وصبر لمواقع القضاء خيره وشره , وأحس وذاق طعم الإيمان بربه , كما قال المصطفى : ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رضي بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً . أخرجه أحمد 1/2081778 و مسلم 1/46(60) والتِّرْمِذِيّ 2623
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ : مَنْ قَالَ : رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ .
- زاد في رواية أحمد بن سُلَيْمَان : قَالَ : فَفَرِحْتُ بذَلِكَ وَسُررْتُ به. أخرجه أبو داود 1529و النَّسائي ، في عمل اليوم والليلة
إن للرضا حلاوة تفوق حلاوة وعذوبة دونها كل عذوبة ، وله من المذاق النفسي والروحي والقلبي ما يفوق مذاق اللسان .
إن الاضطراب والتفرق والذل والخوف والفوضى كل ذلك مرهونٌ - سلبًا وإيجابًا - بالرضا بالدين وجودًا وعدما قال تعالى : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) سورة( آل عمران )
والرضا هو السياج الذي يحمي المسلم من تقلبات الزمن , وهو البستان الوارف الظلال الذي يأوي إليه المؤمن من هجير الحياة .
والإنسان بدون الرضا يقع فريسة لليأس , وتتناوشه الهموم والغموم من كل حدب وصوب .
قال تعالى : { قَالَ هُمْ أُولَاء عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } (84)سورة طـه
وقال لنبيه : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } (5)سورة الضحى .
ولقد ضرب لنا رسول الله النموذج والمثل الأعلى في الرضا بما قسم الله تعالى . فعَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ، قَالَ : اضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ
عَلَى حَصِيرٍ ، فَأَثَّرَ في جَنْبِهِ ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ ، جَعَلْتُ
أَمْسَحُ جَنْبَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلاَ آذَنْتَنَا
حَتَّى نَبْسُطَ لَكَ عَلَى الْحَصِيرِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
: مَا
لي وَلِلدُّنْيَا ، مَا أَنَا وَالدُّنْيَا ، إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ
الدُّنْيَا ، كَرَاكِبٍ ظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا
. أخرجه أحمد
1/391(3709)وابن ماجة( 4109) و التِّرمِذي2377 .

ولقد ضرب اقتدى الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي
في القناعة والرضا , فعَنْ مَالِكِ الدَّارِ، أن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ،
أَخَذَ أَرْبَعَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَجَعَلَهَا فِي صُرَّةٍ، فَقَالَ
لِلْغُلامِ: اذْهَبْ بِهِمْ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بن الْجَرَّاحِ، ثُمَّ
تَلَّهُ سَاعَةً فِي الْبَيْتِ، سَاعَةً حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ،
فَذَهَبَ بِهَا الْغُلامُ إِلَيْه فَقَالَ : يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ
الْمُؤْمِنِينَ : اجْعَلْ هَذِهِ فِي بَعْضِ حَاجَتِكَ، فَقَالَ :
وَصَلَهُ اللَّهُ وَرَحِمَهُ، ثُمَّ قَالَ : تَعَالِي يَا جَارِيَةُ،
اذْهَبِي بِهَذِهِ السَّبْعَةِ إِلَى فُلانٍ، وَبِهَذِهِ الْخَمْسَةِ
إِلَى فُلانٍ، حَتَّى أَنْفَذَهَا، فَرَجَعَ الْغُلامُ وَأَخْبَرَهُ،
فَوَجَدَهُ قَدْ أَعَدَّ مِثْلَهَا إِلَى مُعَاذِ بن جَبَلٍ، فَقَالَ :
اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى مُعَاذِ بن جَبَلٍ وَتَلَّهُ فِي الْبَيْتِ حَتَّى
تَنْظُرَ مَا يَصْنَع .. فَذَهَبَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ : يَقُولُ لَكَ
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : اجْعَلْ هَذَا فِي بَعْضِ حَاجَتِكَ، فَقَالَ :
رَحِمَهُ اللَّهُ وَوَصَلَهُ، تَعَالِي يَا جَارِيَةُ، اذْهَبِي إِلَى
بَيْتِ فُلانٍ بِكَذَا، وَاذْهَبِي إِلَى بَيْتِ فُلانٍ بِكَذَا،
فَاطَّلَعَتِ امْرَأَةُ مُعَاذٍ، فَقَالَتْ : نَحْنُ وَاللَّهِ
مَسَاكِينُ، فَأَعْطِنَا، وَلَمْ يَبْقَ فِي الْخِرْقَةِ إِلا
دِينَارَانِ، فَدَحَا بِهِمَا إِلَيْهَا، وَرَجَعَ الْغُلامُ إِلَى
عُمَرَ، فَأَخْبَرَهُ وَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ : إِنَّهُمْ إِخْوَةٌ
بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض . الطبراني : المعجم الكبير
]14 / 424 , الزهد لابن المبارك 179 , وأبو نعيم في الحلية 1 / 237.


وجاء في صفة الصفوة أن عمر بعث عميرا عاملا على حمص فمكث حولا لا يأتيه
خبره ولم يبعث له شيئا لبيت مال المسلمين ، فقال عمر لكاتبه : اكتب إلى
عمير فوالله ما أراه إلا قد خاننا إذا جاءك كتابي هذا فأقبل وأقبل بما
جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا . فأخذ عمير - لما وصله كتاب
عمر - جرابه فوضع فيه زاده وقصعته وعلق أداوته وأخذ عنزته ثم أقبل يمشي من
حمص حتى قدم المدينة فقدم وقد شحب لونه واغبر وجهه فدخل على عمر فقال :
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله قال عمر : ما شأنك ؟ قال : ما
تراني صحيح البدن ظاهر الدم ، معي الدنيا أجرها بقرونها ؟ قال عمر : وما
معك ؟ وظن عمر أنه جاءه بمال . قال : معي جرابي أجعل فيه زادي ، وقصعتي
آكل فيها وأغسل فيها رأسي وثيابي وأدواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، ومعي
عنزتي أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا إن عرض لي ، فوالله ما الدنيا إلا تبع
لمتاعي . وسأله عمر عن سيرته في قومه وعن الفيء فأخبره ، فحمد فعله فيهم
ثم قال : جددوا لعمير عهدا . ابن الجوزي : صفة الصفوة
1/698

وها هو الصحابي الجليل عمران بن حصين الذي شارك مع النبي في الغزوات، وإذ به بعد وفاة النبييصاب
بشللٍ يقعده تمامًا عن الحركة، ويستمر معه المرض مدة ثلاثين سنة، حتى
أنَّهم نقبوا له في سريره حتى يقضى حاجته، فدخل عليه بعض الصحابة .. فلما
رأوه بكوا، فنظر إليهم وقال : أنتم تبكون، أما أنا فراضٍ .. أحبُّ ما أحبه
الله، وأرضى بما ارتضاه الله، وأسعد بما اختاره الله، وأشهدكم أنِّي راضٍ
, ويقول : إن أحبّ الأشياء إلى نفسي، أحبها إلى الله ...


وهذه السيدة صفية بنت عبد المطلب؛ والتي قُتل أخوها سيدنا حمزة بن عبد
المطلب، ومثِّل به ومضغت هند بنت عتبة كبده، وجاء أبو سفيان ووضع الحربة
في فمه وأخذ يدقُّها حتى تشوَّه وجهه رضي الله عنه .. استمع إلى ما رواه
ابن إسحاق عن هذا المشهد، يقول : وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر
إليه،وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله
لابنها الزبير بن العوام : القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها : يا أمه إن رسول الله يأمرك
أن ترجعي، قالت : ولم؟ وقد بلغني أنَّه مُثِّل بأخي، وذلك في الله،فما
أرضانا ما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله؛ فلما جاء الزبير إلى
رسول الله
وأخبره بذلك، قال : خلِّ سبيلها .. فأتته فنظرت إليه وصلَّت عليه واسترجعت واستغفرت

وهذا هو التابعي الجليل عروة بن الزبير رضي الله عنه قد توفى ابنه وفاةً
غاية في الصعوبة إذ دهسته الخيل بأقدامها، وقُطِعت قدم عروة في نفس يوم
الوفاة، فاحتار الناس على أي شيءٍ يعزونه .. على فقد ابنه أم على قطع رجله
؟ فدخلوا عليه، فقال : اللهم لك الحمد، أعطيتني أربعة أعضاء .. أخذت
واحدًا وتركت ثلاثة .. فلك الحمد؛ وكان لي سبعة أبناء .. أخذت واحدًا
وأبقيت ستة .. فلك الحمد؛ لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما أخذت،
أشهدكم أنِّى راضٍ عن ربي ..


قال الشاعر :
فليتك تحلو والحيــاة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرًا *** وبيني وبين العالمين خرابُ
إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هيِّنٌ *** وكل الذي فوقالتراب تراب


فالمؤمن
يدرك تماما أن الله جعل له هذه الدنيا دار اختبار وامتحان من اجتازه بنجاح
عبر إلى دار أخرى الخير فيها من الله عميم يُنَادِى مُنَادٍ فيها : إِنَّ
لَكُمْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا ، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ
تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا ، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ
تَهْرَمُوا أَبَدًا ، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا
أَبَدًا ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ). أخرجه أحمد 2/319(8241)و الدارِمِي
2824 و مسلم 8/148(7259)و التِّرمِذي


يقول الشاعر : محمد مصطفى حمام :

الـرِّضـا يـخفِّف أثقا لي * * * ويُلقي على المآسي سُدولا
والـذي أُلـهـم الـرِّضا لا تراهُ *** أبـدَ الـدهـر حـاسداً أو عَذولا
أنـا راضٍ بـكـل مـا كتب الله *** ومُـزْجٍ إلـيـه حَـمْـداً جَزيلا أنـا راضٍ بـكل صِنفٍ من النا سِ * * * لـئـيـمـاً ألـفيتُه أو نبيلا لـسـتُ أخـشـى من اللئيم أذاه *** لا، ولـن أسـألَ الـنـبيلَ فتيلا ضلَّ من يحسب الرضا عن هَوان *** أو يـراه عـلـى الـنِّفاق دليلا فـالـرضا نعمةٌ من الله لم يسعـد * * * بـهـا في العباد إلا القليلا
والـرضـا آيـةُ البراءة والإيــ * * * ـمان بالله نـاصـراً ووكـيلا
عـلـمـتني الحياةُ أنَّ لها طعـ* * * ـمَين، مُـراً، وسائغاً معسولا
فـتـعـوَّدتُ حـالَـتَـيْها قريراً *** وألـفـتُ الـتـغـيير والتبديلا
فـذلـيـلٌ بالأمس صار عزيزاً *** وعـزيـزٌ بـالأمس صار ذليلا
ولـقـد يـنـهض العليلُ سليماً *** ولـقـد يـسـقـطُ السليمُ عليلا
عـلـمـتني الحياة أني إن عشـ* * *ـتُ لـنفسي أعِشْ حقيراً هزيلا
عـلـمـتـنـي الحياةُ أنيَ مهما *** أتـعـلَّـمْ فـلا أزالُ جَهولا


فتذكر – أيها الحبيب - قول النبى عِظَمُ
الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا
ابْتَلاَهُمْ ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا ، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ
السُّخْطُ
. أخرجه ابن ماجة
(4031) والتِّرْمِذِي 2396


ثانياً : الغنى الحقيقي :
بعض
الناس يعتقد أن الغنى الحقيقي هو غنى الأموال والمناصب والوجاهات , وينسى
أن كثيرا من الناس يملكون من الدنيا كثيرا لكنهم فقراء النفس ومساكين
القلب , فقد أعمى الطمع قلوبهم قبل أعينهم عن مصدر السعادة والغنى الحقيقي
, ألا وهو غنى القلب والرضا وسكينة النفس . قال تعالى : يوم لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم .. سورة الشعراء الآيتان (
88 - 89

فالقلب السليم هو القلب المطمئن الذي رضي بما قسم الله تعالى له واطمئن بذكر الله تعالى ,قال تعالى : { الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } () سورة الرعد.
عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال قَالَ رَسُولُ اللهِ : لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ .أخرجه أحمد 2/3899050 و البُخاري8/118(6446) و الترمذي =2373.
وعَنْ عَمْرو بنِ عَوْفٍ الأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ للأنصار ذات يَوْمٍ :
حينما سَمِعَتِ الأَنْصَارُ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِمَالٍ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرَيْنِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ بَعَثَهُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ ، فَوَافَوْا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلاَةَ الصُّبْحِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ تَعَرَّضُوا ، فَلَمَّا رَآهُمْ تَبَسَّمَ ، وَقَالَ : لَعَلَّكُمْ
سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ قَدِمَ ، وَقَدِمَ
بِمَالٍ؟ قَالُوا : أَجَلْ ، يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : قَالَ :
أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا خَيْرًا ، فَوَاللهِ ، مَا الْفَقْرُ أَخْشَى
عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنْ إِذَا صُبَّتْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا ،
فَتَنَافَسْتُمُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
.( متفق عليه ).


وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ : وَخَيْرُ مَا أُلْقِيَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ،
وَخَيْرُ الْغَنَى غِنَى النَّفْسِ، وَخَيْرُ الْعِلْمِ مَا نَفَعَ،
وَخَيْرُ الْهَدْيِ مَا اتُّبِعَ وَمَا قَلَّ، وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا
كَثُرَ وَأَلْهَى . شعب الإيمان للبيهقي
6/440.


قال الشاعر :


وَمَا بَعْضُ الْإِقَامَةِ فِي دِيَارٍ ... يُهَانُ بِهَا الْفَتَى إِلَّا بَلَاءُ
وَبَعْضُ خَلَائِقِ الْأَعْدَاءِ دَاءٌ ... كَدَاءِ الْبَطْنِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ
يُرِيدُ الْمَرْءُ أَنْ يُعْطَى مُنَاهُ ... وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا مَا يَشَاءُ
وَكُلُّ شَدِيدَةٍ نَزَلَتْ بِحَيٍّ ... سَيَأْتِي بَعْدَ شِدَّتِهَا رَخَاءُ
وَلَا يُعْطَى الْحَرِيصُ غِنًى بِحِرْصٍ ... وَقَدْ يُمْسِي لِذِي الْجُودِ الثَّرَاءُ غِنَى النَّفْسِ مَا عَمَدَتْ غِنَاهَا ... وَفَقْرُ النَّفْسِ مَا عَمَدَتْ شَقَاءُ
وَلَيْسَ بِنَافِعٍ ذَا الْبُخْلِ مَالٌ ... وَذَا النَّوْلِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ


وعن أبي ذر قال قال رسول الله : يا
أبا ذر أترى كثرة المال هو الغنى .. قلت نعم يا رسول الله قال : فترى قلة
المال هو الفقر قلت نعم يا رسول الله قال : إنما الغنى غنى القلب ..
والفقر فقر القلب .. ثم سألني عن رجل من قريش فقال : هل تعرف فلانا .. قلت
نعم يا رسول الله قال : فكيف تراه وتراه؟ .. قلت إذا سأل أعطي وإذا حضر
أدخل ثم سألني عن رجل من أهل الصفة فقال : هل تعرف فلانا .. قلت لا والله
ما أعرفه يا رسول الله قال فما زال يحليه وينعته حتى عرفته فقلت قد عرفته
يا رسول الله قال : فكيف تراه أو تراه .. قلت رجل مسكين من أهل الصفة
فقال: هو خير من طلاع الأرض من الآخر .. قلت يا رسول الله أفلا يعطى من
بعض ما يعطى الآخر فقال : إذا أعطي خيرا فهو أهله وإن صرف عنه فقد أعطي
حسنة ..

رواه ابن حبان في صحيحه وإسناده صحيح على شرط مسلم , صحيح الترغيب والترهيب 1/201
عن
يحيى بن عروة بن أذينة، قال : أضاق أبي، إضاقة شديدة، وتعذرت عليه الأمور،
فعمل شعراً امتدح به هشام بن عبد الملك. ودخل عليه في جملة الشعراء، فلما
دخلوا عليه، نسبهم، فعرفهم جميعاً وقال لأبي : أنشدني قولك : لقد علمت
....، فأنشده :



لقد علمت وما الإشراف من خلقي ... أنّ الّذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى له فيعنّيني تطلّبه ... ولو جلست أتاني لا يعنّيني
وأيّ حظّ امرئٍ لا بدّ يبلغه ... يوماً ولا بدّ أن يحتازه دوني
لا خير في طمع يهدي إلى طبعٍ ... وعلقة من قليل العيش تكفيني
لا أركب الأمر تزري بي عواقبه ... ولا يعاب به عرضي ولا ديني
أقوم بالأمر إمّا كان من أربي ... وأكثر الصمت فيما ليس يعنيني
كم من فقير غنيّ النّفس تعرفه ... ومن غنيّ فقير النّفس مسكين
وكم عدوّ رماني لو قصدت له ... لم يأخذ البعض منّي حين يرميني
وكم أخ لي طوى كشحاً فقلت له ... إنّ انطواءك عنّي سوف يطويني
لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني


فقال
هشام : ألا جلست في بيتك، حتى يأتيك رزقك ؟ . قال : وغفل عنه هشام، فخرج
من وقته، وركب راحلته، ومضى منصرفاً . فافتقده هشام، فسأل عنه، فعرف خبره،
فأتبعه بجائزة . فمضى الرسول، فلحقه على ثلاثة فراسخ، وقد نزل على ماء
يتغدى عليه . فقال له : يقول لك أمير المؤمنين : أردت أن تكذبنا، وتصدق
نفسك ؟ هذه جائزتك . فقال : قل له : قد صدقني الله، وأتاني برزقي بحمده .
قال يحيى : وفرض له فريضتين، كنت في إحداهما . التنوخي : الفرج بعد الشدة


كما قال علي كرم الله وجهه :


يعز غني النفس إن قل ماله * * * ويغنى غني المال وهو ذليل


وقال أبو فراس :


إن الغني هو الغني بنفسه * * * ولو انه عاري المناكب حاف ما كل ما فوق البسيطة كافيا * * * وإذا قنعت فبعض شيء كاف


قال
ابن القيم رحمه الله : وغنى النفس هو استقامتها على المرغوب وسلامتها من
الحظوظ وبراءتها من المراءاة, يريد استقامتها على الأمر الديني الذي يحبه
الله ويرضاه وتجنبها لمناهيه التي يسخطها ويبغضها وأن تكون هذه الاستقامة
على الفعل والترك تعظيما لله سبحانه وأمره وإيمانا به واحتسابا لثوابه
وخشية من عقابه.

لا
طلبا لتعظيم المخلوقين له ومدحهم وهربا من ذمهم وازدرائهم, وطلبا للجاه
والمنزلة عندهم فإن هذا دليل على غاية الفقر من الله والبعد عنه وأنه أفقر
شيء إلى المخلوق . فسلامة النفس من ذلك واتصافها بضده دليل غناها .لأنها
إذا أذعنت منقادة لأمر الله طوعا واختيارا ومحبة وإيمانا واحتسابا بحيث
تصير لذتها وراحتها ونعيمها وسرورها في القيام بعبوديته كما كان النبي
يقول يا بلال أرحنا بالصلاة وقال حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت
قرة عيني في الصلاة فقرة العين فوق المحبة فجعل النساء والطيب مما يحبه
وأخبر أن قرة العين التي يطمئن القلب بالوصول إليها ومحض لذته وفرحه
وسروره وبهجته إنما هو في الصلاة التي هي صلة الله وحضور بين يديه ومناجاة
له واقتراب منه .فكيف لا تكون قرة العين وكيف تقر عين المحب بسواها فإذا
حصل للنفس هذا الحظ الجليل فأي فقر يخشى معه . وأي غنى فاتها حتى تلتفت
إليه ولا يحصل لها هذا حتى ينقلب طبعها ويصير مجانسا لطبيعة القلب . فتصير
بذلك مطمئنة بعد أن كانت لوامة وإنما تصير مطمئنة بعد تبدل صفاتها وانقلاب
طبعها لاستغناء القلب بما وصل إليه من نور الحق سبحانه فجرى أثر ذلك النور
في سمعه ونث ره وشعره وبشره وعظمه ولحمه ودمه وسائر مفاصله وأحاط بجهاته
من فوقه وتحته ويمينه ويساره وخلفه وأمامه وصارت ذاته نورا وصار عمله نورا
وقوله نورا ومدخله نورا ومخرجه نورا وكان في مبعثه ممن انبهر له نوره فقطع
به الجسر .


وإذا وصلت النفس إلى هذه الحال استغنت بها عن التطاول إلى الشهوات التي
توجب اقتحام الحدود المسخوطة والتقاعد عن الأمور المطلوبة المرغوبة.

فإن
فقرها إلى الشهوات هو الموجب لها التقاعد عن المرغوب المطلوب وأيضا
فتقاعدها عن المطلوب بينهما موجب لفقرها إلى الشهوات فكل منهما موجب للآخر
وترك الأوامر أقوى لها من افتقارها إلى الشهوات فإنه بحسب قيام العبد
بالأمر تدفع عنه جيوش الشهوة كما قال تعالى إن الصلواة تنهى عن الفحشاء
والمنكر وقال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا )
الحج وفي القراءة الأخرى يدفع فكمال الدفع والمدافعة بحسب قوة الإيمان
وضعفه وإذا صارت النفس حرة طيبة مطمئنة غنية بما إغناها به مالكها وفاطرها
من النور الذي وقع في القلب ففاض منه إليها استقامت بذلك الغنى على الأمر
الموهوب وسلمت به عن الأمر المسخوط وبرئت من المراءاة ومدار ذلك كله على
الاستقامة باطنا وظاهرا ولهذا كان الدين كله في قوله تعالى ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ) وقال سبحانه ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون ).

كتاب طريق الهجرتين، الجزء 1، صفحة71,72,73..
قال الشاعر :


النفس تجزع أن تكون فقيرة * * * والفقر خير من غناً يطغيها
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت* * * فجميع ما في الأرض لا يكفيها


وقال آخر :


هي القناعة فالزمها تكن ملكا * * * لو لم تكن لك إلا راحة البدن
وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها * * * هل راح منها بغير الطيب والكفن


وقال آخر :


اقنع بأيسر رزق أنت نائله * * * واحذر ولا تتعرض للإرادات
فما صفا البحر إلا وهو منتقص* * * ولا تعكر إلا في الزيادات


فقد عبد الله بن عباس رضي الله عنه بصره فقال معزيا لنفسه راضياً بقضاء الله تعالى وقدره :

إن يأخذ الله من عيني نورهما * * * ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي عوج * * * وفي فمي صارم كاليسف مشهور

وقال الشاعر :محمد مصطفى حمام واصفا نعمة الرضا :


الـرِّضـا يـخفِّف أثقا لـي*** ويُـلقي على المآسي سُدولا
والـذي أُلـهـم الـرِّضا لا تراهُ *** أبـدَ الـدهـر حـاسداً أو عَذولا
أنـا راضٍ بـكـل مـا كتب الله *** ومُـزْجٍ إلـيـه حَـمْـداً جَزيلا
أنـا راضٍ بـكل صِنفٍ من النـا سِ *** لـئـيـمـاً ألـفيتُه أو نبيلا
لـسـتُ أخـشـى من اللئيم أذاه *** لا، ولـن أسـألَ الـنـبيلَ فتيلا
فـسـح الله فـي فـؤادي فلا ***أرضـى مـن الحبِّ والوداد بديلا
فـي فـؤادي لـكل ضيف مكان *** فـكُـنِ الـضيفَ مؤنساً أوثقيلا
ضلَّ من يحسب الرضا عن هَوان *** أو يـراه عـلـى الـنِّفاق دليلا
فـالـرضا نعمةٌ من الله لم يسعـد ***بـهـا في العباد إلا القليلا
والـرضـا آيـةُ البراءة والإي ***ـمـان بالله نـاصـراً وكيلا
عـلـمتني الحياة أنَّ الهوى سَيْـلٌ*** فـمـن ذا الذي يردُّ السيولا
ثـم قالت: والخير في الكون باقٍ *** بـل أرى الخيرَ فيه أصلاً أصيلا
قال صحبي: نراك تشكو جروحاً *** أيـن لـحن الرضا رخيماً جميلا
قـلـت أما جروح نفسي فقد ***عوَّدْتُـهـا بَـلـسَـمَ الرضا لتزولا


كان من دعاء النبي (( اللهمَّ إني أسألك نفساً مطمئنةً تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك )).

للفائدة( د. بدر عبد الحميد هميسه

avatar
زمزم

مميز رد: وصايا فى أحاديث نبويه

مُساهمة من طرف زمزم في الأربعاء 31 مارس 2010, 11:27 am

الوصيه الثانيه

وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا




عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ
مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ ، فَيَعْمَلُ بِهِنَّ ، أَوْ
يُعَلِّمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَنَا يَا
رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّهُنَّ فِيهَا ، ثُمَّ
قَالَ : اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ ، وَارْضَ بِمَا
قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ
تَكُنْ مُؤْمِنًا ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ
مُسْلِمًا ، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ
تُمِيتُ الْقَلْبَ
2/310 ، رقم 8081، والترمذي (4/551 ، رقم 2305) وقال : غريب ، والبيهقى في شعب الإيمان (7/78 ، رقم 9543) .قال الألباني في السلسلة الصحيحة 2 / 637 : أخرجه الترمذي ( 2 / 50 ) و أحمد ( 2 / 310 )و الخرائطي في مكارم الأخلاق \ قال الشيخ الألباني : ( حسن ) انظر حديث رقم : 100 في صحيح الجامع.
حث الإسلام على
الإحسان إلى جميع الجيران , وجعل ذلك ودليلاً على صدق الإيمان , ولقد
عظَّم الإسلام حق الجار , وأوصى الله تعالى في القرآن الكريم بالإحسان
إليه فقال جلّ شأنه : ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي
الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى
وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ )[النساء:36] .
الجار ذي القربى : يعني الجار القريب .
والجار الجنب : يعني الجار البعيد الأجنبي منك .قال أهل العلم : والجيران ثلاثة :
جار قريب مسلم ؛ فله حق الجوار ، والقرابة ، والإسلام .
2 ـ وجار مسلم غريب قريب ؛ فله حق الجوار ، والإسلام
3 ـ وجار كافر ؛ فله حق الجوار ، وإن كان قريباً فله حق القرابة أيضاً

فهؤلاء الجيران لهم حقوق : حقوق واجبة ، وحقوق يجب تركها .

وظل جبريل عليه السلام يوصي نبي الإسلام
بالجار حتى ظنَّ النبي أن الشرع سيأتي بتوريث الجار , عَنْ مُحَمَّدٍ بن
زيد . قال : سمعت ابْنِ عُمَرَ يقول : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِى بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ.
أَخْرَجَهُ أحمد.2/85(5577) و\"البُخَارِي\" 8/12(6015 و\"مسلم\" 8/37(6780)

وفي هذه الوصية جعل النبيالإحسان إلى الجار من علامات الايمان فقال : \" وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا \" وعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : مَنْ
كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ ،
وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ
، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا
أَوْ لِيَسْكُتْ.
أخرجه \"أحمد\" 4/31 (16484) و\"الدارِمِي\" 2036 و\"مسلم\" 1/50 (85)
بل وصل الأمر إلى درجة جعل فيها الشرع محبة الخير للجيران من الإيمان، قال : \" والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره ما يحب لنفسه \".( رواه مسلم ).
والذي يحسن إلى جاره هو خير الناس عند الله : عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ، أَنَّهُ قَالَ : خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ.
أخرجه أحمد 2/167(6566) و\"الدارِمِي\" 2437 و\"البُخَارِي\" في \"الأدب المفرد\" 115 و\"التِّرمِذي\" 1944 .
ولا شك أن الجار له حقوق كثيرة نشير إلى بعضها، فمن أهم هذه الحقوق


- رد السلام وإجابة الدعوة

وهذه وإن كانت من الحقوق العامة للمسلمين بعضهم على بعض، إلا أنها تتأكد
في حق الجيران لما لها من آثار طيبة في إشاعة روح الألفة والمودة. عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ : حَقُّ
الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا
لَقِيَهُ ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ ،
وَيَشْهُدُ جَنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ .
- وفي رواية : حَقُّ
الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ : رَدُّ السَّلاَمِ ، وَعِيَادَةُ
الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ ،
وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ .
أخرجه أحمد 2/540(10979) و\"البُخاري\" 1240 و\"مسلم\" 5701

- كف الأذى عنه

وهو من أعظم حقوق الجيران، والأذى وإن كان حرامًا بصفة عامة فإن حرمته تشتد إذا كان متوجهًا إلى الجار، فقد حذر النبي من أذية الجار أشد التحذير , عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ : وَاللهِ
لاَ يُؤْمِنُ ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ ، وَاللهِ لاَ يُؤْمِنُ ، قَالُوا :
وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ : الْجَارُ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ
بَوَائِقَهُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا بَوَائِقُهُ ؟ قَالَ
: شَرُّهُ .
أخرجه أحمد 4/31 (16486) و\"البُخاري\" 8/12 (6016) .

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ ، قَالَ : لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لاَ يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ.

أخرجه أحمد 2/372(8842) و\"البُخاري\" في \"الأدب المفرد\" 121 و\"مسلم\" 81 .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ
رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ
صَلاَتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا ، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي
جِيرَانَهاَ بِلِسَانِهَا ، قَالَ : هِيَ فِي النَّارِ ، قَالَ : يَا
رَسُولَ اللهِ ، فَإِنَّ فُلاَنَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا
وَصَدَقَتِهَا وَصَلاَتِهَا ، وَأَنَّهَا تَصَدَّقُ باِلأَثْوَارِ مِنَ
الأَقِطِ وَلاَ تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟ قَالَ : هِيَ فِي
الْجَنَّةِ .
- وفي رواية : قِيلَ لِلنَّبِيِّ : يَا
رَسُولَ اللهِ ، إِنَّ فُلانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ ، وَتَصُومُ النَّهَارَ
، وَتَفْعَلُ ، وَتَصَّدَّقُ ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
لا خَيْرَ فِيهَا ، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، قَالُوا : وَفُلانَةٌ
تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ ، وَلا تُؤْذِي
أَحَدًا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
أخرجه أحمد 2/440(9673) و\"البُخاري\" في \"الأدب المفرد\" 119 .

بل إن من يؤذي جيرانه يستحق لعنة الله قبل لعنة الناس , عَنْ
أَبِي عُمَرَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
النَّبِيِّ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : \"
اطْرَحْ مَتَاعَكَ عَلَى الطَّرِيقِ أَوْ فِي الطَّرِيقِ \" فَطَرَحَهُ،
فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ يَلْعَنُونَهُ، فَجَاءَ إِلَى
النَّبِيِّ
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ ؟ قَالَ : \"
وَمَا لَقِيتَ مِنْهُمْ ؟ \" قَالَ : يَلْعَنُونِي، قَالَ : \" فَقَدْ
لَعَنَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ النَّاسِ \"، قَالَ : فَإِنِّي لَا
أَعُودُ أَبَدًا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ : فَجَاءَ الَّذِي شَكَى إِلَى
النَّبِيِّ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ
\" ارْفَعْ مَتَاعَكَ، فَقَدْ أَمِنْتُ أَوْ كُفِيتَ \"، وَقَالَ غَيْرُهُ
: عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَكِيمٍ : \" إِنَّ لَعْنَةَ اللهِ فَوْقَ
لَعْنَتِهِمْ \"
رواه الحاكم في مستدركه 4/183 , وقال الذهبي قي التلخيص : على شرط مسلم.
وفي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سُئل رسول الله
أي الذنب أعظم؟ فقال : (( أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت : ثم أي؟ قال :
أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك , قلت : ثم أي؟ قال : أن تزاني حليلة جارك )) أخرجه البخاري في تفسير القرآن برقم4477 وأخرجه مسلم في الإيمان برقم 86.

وفي مسند الإمام أحمد قال (( لأن يسرق من أهل عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره )) أخرجه أحمد من حديث المقداد بن الأسود برقم 23342.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من حق الجار أن تبسط له معروفك، وتكف عنه أذاك.
وقال علي للعباس رضي الله عنهما : ما بقي من كرم أخلافك؟ قال : الأفضال على الإخوان، وترك أذى الجيران.
ذكر صاحب كتاب \"فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب\" ابن بسام محمد بن
خلف المرزبان المؤرخ، المترجم، الأديب، البغدادي المتوفى 309هـ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال : \"رأى رسول الله رجلاً
قتيلاً، فقال : ما شأنه؟ قالوا : إنه وثب على غنم بني زُهْرة فأخذ منها
شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله؛ فقال : قتل نفسه، وأضاع دينه، وعصى
ربه، وخان أخاه، وكان الكلب خيراً منه\".
وقال كذلك : كان للحارث بن
صعصعة ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم، فخرج في بعض منتزهاته،
ومعه ندماؤه، فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته، فأكلا وشربا، ثم اضطجعا،
فوثب الكلب عليهما فقتلهما، فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين فعرف
الأمر، فأنشد يقول :

وما زال يرعى ذمتي ويحوطني * * * ويحفظ عرسي و الخليل يخون
فيا عجباً للخـل يهتـك حرمتي * * * ويا عجباً للكلب كيف يصـون

- تحمل أذى الجار :

تحمل أذى الناس وبخاصة الجيران درجة رفيعة من درجات الإيمان قال تعالى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ )[المؤمنون:96]. وقال (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)[الشورى:43].
و لنا في رسول الله أسوة حسنة ، و نعلم قصة اليهودي الذي كانت هديته اليومية لرسول الله كيسا
من القمامة على باب البيت ، فإذا خرج عليه الصلاة و السلام ذات يوم و لم
يجد القمامة علم أن جاره المؤذي منعه مانع ، فذهب ليطمئن عليه فإذا هو
مريض.
عن مطرِّف يعني ابن عبد الله قال كان يبلغني عن أبي ذر حديثٌ،
وكنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت يا أبا ذر، كان يبلغني عنك حديثٌ، وكنت
أشتهي لقاءك قال لله أبوك، لقد لقيتني فهات، قلت حديثٌ بلغني أن رسول الله

حدثك، قال «إن الله عز وجل يُحب ثلاثة ويبغض ثلاثة» قال فما إخالني أكذب
على رسول الله قال فقلت فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله عز وجل ؟ قال
«رجل غزا في سبيل الله صابرًا محتسبًا فقاتل حتى قُتل، وأنتم تجدونه عندكم
مكتوبًا في كتاب الله عز وجل» ثم تلا «يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ» الصف ، قلت ومن ؟ قال «رجل كان له جار سوء يؤذيه فيصبر على أذاه حتى يكفيه الله إياه بحياة أو موت.
أخرجه
الطيالسى (ص 63 ، رقم 468) ، والطبرانى (2/152 ، رقم 1637) ، والحاكم
(2/98 ، رقم 2446) وقال : صحيح على شرط مسلم . والبيهقى (9/160 ، رقم
18282) . صحيح الترغيب والترهيب 2/347.
وكان يقال : ليس من حسن الجوار ترك الأذى، ولكن الصبر على الأذى.
وقد ورد عن الحسن – رحمه الله – قوله : ليس حُسْنُ الجوار كفّ الأذى، حسن الجوار الصبر على الأذى
جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود وقال : إن لي جار يؤذيني ويشتمني ويضيق
عليّ فقال ابن مسعود : اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه .
قال منصور الفقيه يمدح بعض إخوانه من جيرانه :



يا سائلي عن حسين * * * وقد مضى أشكاله

أقلُّ ما في حسين * * * كفُّ الأذى واحتماله



ولهذا
قيل : مروءة الرجل صدق لسانه، واحتمال عثرات جيرانه، وبذل المعروف لأهل
زمانه، وكفه الأذى عن أباعده وجيرانه. عين الأدب والسياسة وزين الحسب
والرياسة لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل ص 431.
ويروى أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان له جار نصراني يؤذيه دائما كان بينه وبين بيته طاقة\"فتحة\"
كان ينزل غائط الرجل النصراني علي الشيخ وكان الشيخ ينظفه كلما وجده وفي
يوم كان الشيخ سينتقل لمنزل آخر وذهب للرجل النصراني وقال له إن الجار
الجديد قد لا يتحمل وأنه كان ينظف هذا الغائط كل يوم لكن لا يدري هل الجار
الجديد يتحمل أم لا ؟ فأسلم الرجل النصراني من حسن جيرة الشيخ.



- تفقده وقضاء حوائجه :


عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال قال رسول الله ما آمن بي من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم . رواه الطبراني والبزار وإسناده حسن .
وعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قال لقد أتى علينا زمان أو قال حين وما
أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ثم الآن الدينار والدرهم أحب إلى
أحدنا من أخيه المسلم سمعت النبي يقول : كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه.
أَخْرَجَهُ البخاري في (الأدب المفرد)111 وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد(81) حسن لغيره.
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله : (( يا أبا ذر ، إذا طبخت مرقة ؛ فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك )) رواه مسلم

وفي رواية له عن أبي ذر قال : إن خليلي أوصاني : (( إذا طبخت مرقاً فأكثر ماءه ، ثم انظر أهل بيت من جيرانك ، فأصبهم منها بمعروفٍ )) 128.
وعنه قال : قال رسول الله : (( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها و لو فرسن شاةٍ )) متفق عليه (130).
وإن الصالحين كانوا يتفقدون جيرانهم ويسعون في قضاء حوائجهم، فقد كانت الهدية تأتي الرجل من أصحاب النبي فيبعث بها إلى جاره، ويبعث بها الجار إلى جار آخر، وهكذا تدور على أكثر من عشرة دور حتى ترجع إلى الأول
ولما ذبح عبد الله بن عمر رضي الله عنهما شاة قال لغلامه : إذا سلخت فابدأ
بجارنا اليهودي . وسألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله : إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال : \"إلى أقربهما منكِ بابًا \".


- ستره وصيانة عرضه:

وإن هذه
لمن آكد الحقوق، فبحكم الجوار قد يطَّلع الجار على بعض أمور جاره فينبغي
أن يوطن نفسه على ستر جاره مستحضرًا أنه إن فعل ذلك ستره الله في الدنيا
والآخرة، أما إن هتك ستره فقد عرَّض نفسه لجزاء من جنس عمله : (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت:46].
وقد كان العرب يفخرون بصيانتهم أعراض الجيران حتى في الجاهلية،

يقول عنترة :



وأغض طرفي إن بدت لي جارتي * * * حتى يواري جارتي مأواها

وأما في الإسلام فيقول أحدهم :



ما ضر جاري إذ أجاوره * * * ألا يكون لبـيـته سـتـر
أعمى إذا ما جارتي خرجت * * * حتى يواري جارتي الخدر

روى
الخطيب البغدادي عن عبد الله بن رجاء الدغاني قال : كان لأبي حنيفة جار

بالكوفة اسكاف يعمل نهاره أجمع حتى إذا جنه الليل رجع إلى منزله وقد حمل

لحما فطبخه أو سمكة فيشويها ثم لا يزال يشرب حتى إذا دب الشراب فيه غنى

بصوت وهو يقول ...

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر ...



فلا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم وكان أبو حنيفة يسمع جلبته
وأبو حنيفة كان يصلي الليل كله ففقد أبو حنيفة صوته فسأل عنه فقيل أخذه
العسس منذ ليال وهو محبوس فصلى أبو حنيفة صلاة الفجر من غد وركب بغلته
واستأذن على الأمير قال الأمير إيذنوا له واقبلوا به راكبا ولا تدعوه ينزل
حتى يطأ البساط ففعل ولم يزل الأمير يوسع له من مجلسه وقال ما حاجتك قال
لي جار اسكاف أخذه العسس منذ ليال يأمر الأمير بتخليته فقال نعم وكل من
أخذه بتلك الليلة إلى يومنا هذا فأمر بتخليتهم أجمعين فركب أبو حنيفة
والاسكافي يمشي وراءه فلما نزل أبو حنيفة مضى إليه فقال يا فتى أضعناك قال
لا بل حفظت ورعيت جزاك الله خيرا عن حرمة الجوار ورعاية الحق وتاب الرجل
ولم يعد إلى ما كان ما . الخطيب البغدادي : تاريخ بغداد 13 /363, أخبار أبي حنيفة وأصحابه : القاضي أبي عبد الله حسين بن علي الصيمري 51 .



قال الإمام الغزالي رحمه الله في كتاب إحياء علوم الدين (وجملة حق الجار
أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام ويعوده في المرض ويعزيه في المصيبة
ويقوم عنه في العزاء ويهنئه في الفرح ويصفح عن زلاته ولا يتطلع إلى عوراته
ولا يضايقه في الوضع الجذع على جداره ولا يضيق طريقه إلى الدار ولا يتبعه
النظر فيما يحمله إلى داره إلى غير ذلك من الحقوق والواجبات الكثيرة.

ولقد كان العرب في الجاهلية والإسلام يحمون الذمار، ويتفاخرون بحسن الجوار، وعلى قدر الجار يكون ثمن الدار


اطلب لنفسك جيراناً تجاورهم *** لا تصلح الدار حتى يصلح الجار

نعم والله إن الدار لا تصلح حتى يصلح الجار.

كان أبو الأسود الدؤلي ـ ظالم بن عمرو ـ صاحب علي من سادات التابعين
وأعيانهم، واضع علم النحو بتوجيه من علي رضي الله عنه، (من أكمل الرجال
رأياً، وأسدهم عقلاً، ويعد من الشعراء، والمحدثين، والبخلاء، والفرسان،
والبُخْر، والعُرْج، والمفاليج، والنحويين)، وصاحب ملح ونوادر، من ذلك :
أنه كان له جيران بالبصرة، كانوا يخالفونه في الاعتقاد، ويؤذونه في
الجوار، ويرمونه في الليل بالحجارة، ويقولون له : إنما يرجمك الله تعالى؛
فيقول لهم : كذبتم، لو رجمني الله لأصابني، وأنتم ترجمونني ولا تصيبونني؛
ثم باع الدار، فقيل له : بعتَ دارك؟! فقال : بل بعت جاري؛ فأرسلها مثلاً.

ولله در القائل :


يلومونني أن بعت بالرخص منزلي *** ولم يعرفوا جاراً هناك ينغص
فقلت لهـم كفـوا المـلام فإنها *** بجيرانها تغلوا الديار وترخص


وصدق رسول الله إذ يقول : ((أربع من السعادة وذكر منها الجار الصالح))، ثم قال: ((أربع من الشقاوة : وذكر منها الجار السوء ))، رواه ابن حبان في صحيحه.
وكان رسول الله ، يتعوذ من جار السوء فيقول : ((اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول))، رواه ابن حبان في صحيح.



ولم أر مثل الجهل يدعو إلى الردى *** ولا مثل جار السوء يكره جانبه


أيها المسلمون : يقول النبي ((خير الجيران عند الله خيرهم لجاره))، صححه ابن خزيمة وابن حبان.
قال أبو حازم : كان أهل الجاهلية أحسن منكم جواراً، فإن قلتم : لا، فبيننا

وبينكم قول شاعرهم :


ناري ونار الجار واحدة ***وإليه قبلي تنـزل القـدر
ما ضر جاراً لي أجاوره*** ألا يكـون لبيتـه سـتر

أعمى إذا جارتي برزت *** حتى يواري جارتي الخدر
روى
أن جاراً لـابن المقفع أراد بيع داره في دين ركبه، وكان ابن المقفع يجلس
في ظل داره، فقال : ما قمت إذاً بحرمة ظل داره إن باعها معدما، فدفع إليه
ثمن الدار وقال : لا تبعها.
وكذلك يروى أن رجلاً أراد أن يبيع داره،
فلما أراد المشتري أن يشتري، قال : لا أسلمك الدار حتى تشتري مني الجوار،
قال : جوار من؟ قال : جوار سعيد بن العاص. جاره أراد أن يبيع بيته، فمن
غلاوة الجوار، قال : أنا أبيع بيتي وأبيع الجوار، من الذي يشتري جوار سعيد
بن العاص ؟ وتزايدوا في الثمن، فقال له شخص : هل رأيت أحداً يشتري جواراً
أو يبيعه؟ قال: ألا تشترون جوار من إن أسأت إليه أحسن إليّ، وإن جهلت عليه
حلم عليّ، وإن أعسرت وهب لي حاجتي، فبلغ ذلك سعيد بن العاص، فبعث إليه
بمائة ألف درهم. فكان الجار يباع قبل الدار.

وكان من دعاء أحد الصالحين :
وأعوذ بك من جار سوء إن رأى مني حسنة كتمها وأخفاها , وإن رأى مني سيئة أذاعها وأفشاها.

- النصح له

ديننا الإسلامي هو دين التناصح والتواصي بالحق والبر والصبر , فعن أبي رقية تميم الداري عن النبي " قال: الدين النصيحة ثلاثًا قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم . رواه مسلم (55).



فالنصيحة واجبة لعموم المسلمين، وهي في حق الجار أوجب وآكد، ومع ذلك قلَّ
من يحرص عليها ويسديها لجيرانه، مع أنه يوجد من بين الجيران من لا يشهد
صلاة الجماعة، وقد يوجد فيهم من يتعاطى المسكرات، وقد يوجد من يدخل آلات
الفساد في بيته، وقد يوجد بينهم من يعق والديه، أو يقطع أرحامه، أو يؤذي
جيرانه بأنواع من الأذى.
وقد يوجد من بينهم من هو متلبس بكثير من المخالفات الشرعية.
ومع ذلك يندر أن تجد من يُعْنى بالنصيحة، ويقْدُرُها قدرها؛ فيقوم بمناصحة جيرانه بالأسلوب الحكيم المناسب.
ومن هنا تتزايد الشرور، وتترسخ، وتُسْتَمْرأ.
فواجب على الجيران أن يتناصحوا فيما ينهم، وأن يُكَمِّل بعضهم بعضًا، حتى تشيع فيهم المحبة، وتُرْفَعَ عنهم العقوبة.


وعلى المنصوح أن يتقبل النصيحة بقبول حسن، وأن يحسن الظن بمن نصح له، وأن يشكره على حرصه ومبادرته.
بل عليه أن يتلقى من يهدي إليه شيئاً من عيوبه بالبشر والفرح، وأن يضمر له
المحبة والمودة؛ فإصلاح النفس لا يتأتى بتجاهل عيوبها، ولا بإلقاء الستار
عليها، والعاقل اللبيب يفرح بالنقد الهادف كفرحه بالثناء الصادق


ورحم الله من قال :

رحم الله امرأ أهدى إلىّ عيوبي
فعلينا أن نراجع حقوق جيراننا وأن نتذكر دائما وصية النبي

وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا
للفائدة( د. بدر عبد الحميد هميسه- موقع صيد الفوائد




    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 19 نوفمبر 2017, 11:44 am