مرحبا بك يا زائر في معهد دار الهجرة للقراءات وعلوم القرآن الكريم

للمعاصي من الآثار المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة

شاطر
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default للمعاصي من الآثار المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة

مُساهمة من طرف حبيبه في الثلاثاء 16 فبراير 2010, 9:38 am





جاء في كتاب (( الجواب الكافي )) لابن القيم الجوزية رحمه اللَّه ما مختصره :


وللمعاصي من الآثار القبـيحة المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا اللَّه


1- فمنهـــا : حرمان العـلم ، فإن العلم نور يقذفه اللَّه في القلب ، والمعصية تطفئ ذلك النور ،

ولما جلس الإمام الشافعي بـين يدي الإمام مالك ، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته ، وتوقد ذكائه ، وكمال فهمه ، فقال : إني أرى اللَّه قد ألقى على قلبك نورًا ، فلا تطفئه بظلمة المعصية ،
وقال الشافعي :


شكوت إلى وكـيــع ســــوء حفظي
وقـال : اعلم بـأن العــــلم فـــضل
فـــأرشدني إلى تـــــرك المعــاصي
وفضـل اللَّــه لا يـؤتـــاه عـاصـــي

2- ومنهـــا : وحشة يجدها العاصي في قلبه بـينه و بـين اللَّه


لا يوازنها ولا يقارنها لذة أصلاً ، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة ، وهذا أمر لا يحس به إلا من في قلبه حياة ، وما لجرح بميت إيلام ، فلو لم يكن ترك الذنوب إلا حذرًا من وقوع تلك الوحشة ، لكان العاقل حريًّا بتركها ، وشكا رجل إلى بعض العارفين وحشة يجدها في نفسه ، فقال له : إذا كنت قد أوحشتك الذنوب ، فدعها إذا شئت واستأنس .
وليس على القلب أمرّ من وحشة الذنب على الذنب ، فاللَّه المستعان .

3- ومنهــا: الوحشة التي تحصل بـينه وبـين الناس ،

ولا سيما أهل الخير منهم ، فإنه يجد وحشة بـينه وبـينهم ، وكلما قويت تلك الوحشة بَعُـدَ منهم ومن مجالستهم ، وحرم بركة الانتفاع بهم ، وقرب من حزب الشيطان بقدر ما بعد من حزب الرحمن ، وتقوى هذه الوحشة حتى تستحكم فتقع بـينه وبـين امرأته وولده وأقاربه وبـينه وبـين نفسه ، فتراه مستوحشًا من نفسه .
وقال بعض السلف : إني لأعصي اللَّه فأرى ذلك في خـُـلـُق دابتي وامرأتي .



4- ومنهــا : تعسير أموره ، فلا يتوجه إلى أمر إلا ويجده مغلقًا دونه ، أو متعسرًا عليه ،

وهذا كما أن من اتقى اللَّه جعل له من أمره يسرًا ، فمن عطل التقوى جعل اللَّه له من أمره عسرًا ،
ويا للعجب ؟ كيف يجد العبد أبواب الخير والمصالح مسدودة عنه متعسرة عليه ، وهو لا يعلم من أين أُتي ؟

5- ومنهــا : ظلمة يجدها في قلبه

حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهمّ ، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره ، فإن الطاعة نور ، والمعصية ظلمة ، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته ، حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر ، كأعمى خرج في ظلمة الليل يمشي وحده ، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين ، ثم تقوى حتى تعلو الوجه ، وتصير سوادًا حتى يراه كل أحد .

6- ومنهــا : أن المعاصي توهن القلب و البدن :


أما وهنها للقلب : فأمر ظاهر ، بل لا تزال توهنه حتى تزيل حياته بالكلية .
وأما وهنها للبدن : فإن المؤمن قوته من قلبه ، وكلما قوي قلبه قوي بدنه ، وأما الفاجر فإنه - وإن كان قوي البدن - فهو أضعف شيء عند الحاجة ، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه ، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها ، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم ؟

7- ومنهــا : حرمان الطاعة :

فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أنه يصد عن طاعة تكون بدله ، ويقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه طريق ثالثة ، ثم رابعة وهلم جرا ،
فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة ، كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها ، وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيـب منها ، واللَّه المستعان .

8- أن المعاصي تقصر العمر ، وتمحق بركته

ولا بد ، فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور ينقصه ، وسر المسألة : أن عمر الإنسان مدة حياته ، ولا حياة له إلا بإقباله على ربه ، والتنعم بحبه وذكره ، وإيثار مرضاته .

9- ومنهــا : أن المعاصي تزرع أمثالها ، ويولد بعضُها بعضًا ، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها ،



كما قال بعض السلف * إن من عقوبة السيئة : السيئة بعدها ،
* إن من ثواب الحسنة : الحسنة بعدها .



10- ومنهـا : وهو من أخوفها على العبد ، أنها تضعف القلب عن إرادته


فتقوى فيه إرادة المعصية ، وتضعف إرادة التوبة شيئًا فشيئًا ، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية ، فلو مات نصفه لما تاب إلى اللَّه ،
فيأتي بالاستغفار وتوبة الكاذبـين باللسان بشيء كثير ، وقلبه معقود بالمعصية مصرّ عليها ، عازم على مواقعتها متى أمكنه ، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك .



avatar
ام ايهاب
مشرفة قاعة السيرة العطرة

default رد: للمعاصي من الآثار المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة

مُساهمة من طرف ام ايهاب في الثلاثاء 16 فبراير 2010, 12:03 pm

موضوع راااائع
بارك الله في حبيبتي حبيبة
avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: للمعاصي من الآثار المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة

مُساهمة من طرف حبيبه في الأربعاء 17 فبراير 2010, 3:55 pm

أشكرك حبيبتي أم إيهاب
على المرور

avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: للمعاصي من الآثار المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة

مُساهمة من طرف حبيبه في الأربعاء 17 فبراير 2010, 4:00 pm




11- ومنهــا : أنه ينسلخ من القلب استقباحها ،

فتصير له عادة ، فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ، ولا كلامهم فيه ، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التفكه وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ،

ويحدث بها من لم يكن يعلم أنه عملها ، فيقول : يا فلان ، عملت كذا وكذا ، وهذا الضرب من الناس لا يُعافون ، وتسد عليهم طريق التوبة ، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب ،
كما قال النبـي صلى الله عليه وسلم


(( كل أمتي معافى إلا المجاهرون ، وإن من الإجهار : أن يستر اللَّه على العبد ، ثم يصبح يفضح نفسه ، ويقول : يا فلان ، عملت يوم كذا كذا وكذا فيهتك نفسه ، وقد بات يستره ربه )) .



12- ومنهــا : أن كل معصية من المعاصي هي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها اللَّه عز وجل ،

فاللوطية : ميراث عن قوم لوط ، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص : ميراث عن قوم شعيـب ،
والعلو في الأرض والفساد : ميراث عن فرعون وقوم فرعون ، والتكبر والتجبر : ميراث عن قوم هود ، فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء اللَّه .
وقد روى عبد اللَّه بن أحمد في كتاب (( الزهد )) لأبـيه عن مالك بن دينار
قال : أوحى اللَّه إلى نبـي من أنبـياء بني إسرائيل أن قل لقومك : لا تدخلوا مداخل أعدائي ،

ولا تلبسوا ملابس أعدائي ، ولا تركبوا مراكب أعدائي ، ولا تطعموا مطاعم أعدائي ، فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي .




13- ومنهــا : أن المعصية سبـب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه .

قال الحسن البصري : هانوا عليه فعصوه ، ولو عزُّوا عليه لعصمهم ،
وإذا هان العبد على اللَّه لم يكرمه أحد ، كما قال تعالى :[
وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ] [ الحج : 18 ] ،

وإن عظمهم الناس في الظاهر ( لحاجتهم إليهم أو خوفًا من شرهم ) ،
فهم في قلوبهم أحقــر شيء وأهونه .





14- ومنهــا : أن العبد لا يزال يرتكب الذنوب حتى تهون عليه وتصغر في قلبه ،

وذلك علامة الهلاك ، فإن الذنب كلما
صغــر في عين العبد ، عظـم عند اللَّه تعالى ،


وقد ذكر البخاري في (( صحيحه )) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال :
((
إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ،
وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار
)) .



15- ومنهــا : أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه ، فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم .


قال أبو هريرة : إن الحبارى ( طائر أكبر من الدجاج الأهلي) لتموت في وكرها من ظلم الظالم .

وقال مجاهد : إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السَّنَةُ وأمسك المطر ، وتقول : هذا بشؤم معصية ابن آدم


وقال عكرمة : دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب يقولون : منعنا القطر بذنوب بني آدم .
فلا يكفيه عقاب ذنبه حتى يـبوء بلعنة من لا ذنب له .




16- ومنها : أن المعصية تورث الذل ولا بد ،

فإن العز كل العز في طاعة اللَّه تعالى ،
قال تعالى : [ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ] [ فاطر : 10 ]

أي : فليطلبها بطاعة اللَّه فإنه لا يجدها إلا في طاعة اللَّه


وكان من دعاء بعض السلف : اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك .



17- ومنها : أن المعاصي تفسد العقل ،

فإن للعقل نورًا ، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد ، وإذا أطفئ نوره ضعف ونقص .
وقال بعض السلف :ما عصى اللَّهَ أحدٌ حتى يغيـب عقله ، فإنه لو حضره عقله لحجزه عن المعصية وهو في قبضة الرب تعالى ، وتحت قهره ، وهو مطلع عليه ، وفي داره على بساطه ، وملائكته شهود عليه ناظرون إليه وواعظ القرآن ينهاه ، وواعظ الإيمان ينهاه ، وواعظ النار ينهاه ، والذي يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ما يحصل له من السرور واللذة بها ،
فهل يقدم على الاستهانة بذلك كله والاستخفاف به ذو عقل سليم ؟!



18- ومنها : أن الذنوب إذا تكاثرت طُبِعَ على قلب صاحبها ،

فكان من الغافلين ، كما قال بعض السلف
في قوله تعالى : [
كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ] [ المطففين : 14] ،
قال : هو الذنب بعد الذنب .



19- ومنها : أن الذنوب تُدْخِلُ العبد تحت لعنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم .




20- ومنها : حرمان دعوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، ودعوة الملائكة ، فإن اللَّه سبحانه أمر نبـيه بأن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ،


وقال تعالى : [ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)‏ ‏رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ] [ غافر : 7- 9 ] .




avatar
حبيبه
هيئة التدريس

default رد: للمعاصي من الآثار المذمومة ، المضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة

مُساهمة من طرف حبيبه في الجمعة 19 فبراير 2010, 10:31 pm






21- ومنها : أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن ،

قال تعالى : [ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ] [ الروم : 41 ] .


22- ومن عقوباتها أنها تطفئ من القلب نار الغيرة ...

والمقصود : أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على (نفسه وأهله وعموم الناس) ، وقد تضعف في القلب جدًّا ، حتى لا يستقبح بعد ذلك القبـيح لا من نفسه ولا من غيره ،


وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك ، وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح ، بل يحسن الفواحش والظلم لغيره ويزينه له ،

ويدعوه إليه ويحثه عليه ، ويسعى له في تحصيله ، ولهذا كان الدَّيُوث أخبث خلق اللَّه ،

والجنة عليه حرام ، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره ، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة . وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له ، فلا دين له .

23- ومن عقوباتها : ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب ،

وهو أصل كل خير ، وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه ، وفي (( الصحيحين )) عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( الحياء خير كله )) .

وقال : ((
إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم يستح فاصنع ما شئت )) . رواه البخاري .

والمقصود : أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما انسلخ منه بالكلية ، حتى ربما أنه لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه ، بل كثير منهم يخبر هو عن حاله وقبح ما يفعله ،


والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء ، وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم يـبق في صلاحه مطمع .


24- ومن عقوباتها : أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جلَّ جلاله ، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد ، شاء أم أبى ،

ولو تمكن وقار اللَّه وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه . ومن بعض عقوبة هذا : أنه يرفع اللَّه عز وجل مهابته من قلوب الخلق ، فيهون عليهم ، ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به ،

فعلى قدر محبة العبد للَّه يحبه الناس ، وعلى قدر خوفه من اللَّه يخافه الناس ، وعلى قدر تعظيمه للَّه وحرماته يعظم الناس حرماته ،

وكيف ينتهك عبد حرمات اللَّه ، ويطمع ألا ينتهك الناس حرماته ؟ أم كيف يهون عليه حق اللَّه ولا يهونه اللَّه على الناس ؟
أو كيف يستخف بمعاصي اللَّه ولا يستخف به الخلق ؟

25- ومن عقوباتها : أنها تستدعي نسيان اللَّه لعبده ، وتركه ، وتخليته بـينه وبـين نفسه وشيطانه ،

وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة ، قال اللَّه تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ] [ الحشر : 18، 19 ] ،

فأخبر أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه ، أي أنساه مصالحها ، وما ينجيه من عذابه ، وما يوجب له الحياة الأبدية .


فاللَّه سبحانه وتعالى يعوض عن كل شيء سواه ولا يعوض منه شيء ، ويغني عن كل شيء ، ولا يغني عنه شيء ، ويمنع من كل شيء ، ولا يمنع منه شيء ، ، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء ، وكيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين ؟ وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه . فيخسرها ويظلمها أعظم ظلم ، فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه ، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه .

26- ومن عقوباتها : أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين ..

والمقصود : أن الإيمان سبـب جالب لكل خير ، وكل خير في الدنيا والآخرة فسبـبه الإيمان ، فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بـينه وبـينه ،

ولكن لا يخرج من دائرة عموم المسلمين ، فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه ، فيخرجه عن الإسلام بالكلية ، ومن هنا اشتد خوف السلف ، كما قال بعضهم : أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر .


27- ومن عقوباتها : أنها تضعف سير القلب إلى اللَّه والدار الآخرة ، وتعوقه وتوقفه وتعطفه عن السير ،

فلا تدعه يخطو إلى اللَّه خطوة ، هذا إن لم ترده عن وجهته إلى ورائه
فالذنب إما أن يميت القلب ، أو يمرضه مرضًا مخوفًا ، أو يضعف قوته ولا بد ، حتى ينتهي ضعفه إلى الأشياء الثمانية التي استعاذ النبـي صلى الله عليه وسلم منها وهي : (( الهم ، والحزن ، والعجز ، والكسل ، والجبن ، والبخل ، وضلع الدين ، وغلبة الرجال )) .

والمقصود : أن الذنوب هي أقوى الأشياء الجالبة لهذه
، ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء )) ، ومن أقوى الأسباب الجالبة لزوال نعم اللَّه تعالى وتقدس ، وتحول عافيته إلى نقمته وتجلب جميع سخطه .

28- ومن عقوبات الذنوب : أنها تزيل النعم وتحل النقم ، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبـب ذنب ، كما قال علي بن أبـي طالب رضي اللَّه عنه

(( ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع بلاء إلا بتوبة )) . وقد قال تعالى : [ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ] [ الشورى : 30 ] .


29- ومن عقوباتها : ما يلقيه (( اللَّه )) سبحانه وتعالى من الرعب والخوف في قلب العاصي ،


فلا تراه إلا خائفًا مرعوبًا ، فإن الطاعة حصن اللَّه الأعظم ، الذي مَن دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة ، ومَن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب .

30- ومن عقوباتها : أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب

، فيجد المذنب نفسه مستوحشًا ، وقد وقعت الوحشة بـينه وبـين ربه ، وبـينه وبـين الخلق ، وبـينه وبـين نفسه ،

وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة ، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين ، وأطيـب العيش عيش المستأنسين .




    الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة 22 سبتمبر 2017, 9:52 pm